علم النفس الاجتماعيمقاييس الشخصيةمقاييس القياس النفسي

استبيان الثقة الاجتماعية

دليل أكاديمي شامل حول استبيان الثقة الاجتماعية (Social Trust Questionnaire) يوضح بنيته النفسية وخصائصه السيكومترية من صدق وثبات وتحليل عاملي.

تاريخ النشر

الملخص

يُعد استبيان الثقة الاجتماعية (Social Trust Questionnaire) أحد أبرز الأدوات السيكومترية المعيارية المُصممة لتقييم وقياس مستوى الثقة الاجتماعية المعممة (Generalized Social Trust) لدى الأفراد عبر مختلف السياقات التفاعلية والمجتمعية. يقيس المقياس التوقعات المعرفية والسلوكية الإيجابية التي يحملها الفرد تجاه نوايا وسلوكيات وأمانة الآخرين في المجتمع، حتى أولئك الذين لا تربطه بهم معرفة شخصية مسبقة. يتألف الاستبيان في نسخته الشائعة من مجموعة من الأبعاد الفرعية الأساسية تشمل: الثقة بالغرباء، والاعتقاد بنزاهة الطبيعة الإنسانية، والإيمان بالتعاون الاجتماعي المشترك، واليقظة الدفاعية ضد الاستغلال. يتضمن المقياس عادةً بين 10 إلى 20 فقرة يتم الإجابة عنها عبر مقياس ليكرت متدرج (من 1 = أعارض بشدة إلى 5 أو 7 = أوافق بشدة).

تتمتع الأداة بخصائص سيكومترية رفيعة المستوى؛ حيث أظهرت الدراسات القياسية عبر ثقافات متعددة مؤشرات ثبات متسقة للغاية، حيث تراوح معامل ألفا كرونباخ للاتساق الداخلي للأبعاد بين 0.78 و0.89، إلى جانب استقرار عالٍ عبر الزمن من خلال طريقة إعادة الاختبار (Test-Retest Reliability) بمعاملات تراوحت بين 0.75 و0.84. ومن حيث الصدق، أثبتت تحليلات التحليل العاملي التوكيدي (CFA) مطابقة ممتازة للبنية العاملية، مع وجود ارتباطات دالة إحصائياً مع متغيرات رأس المال الاجتماعي، والتعاطف، والانبساطية، والتوافقية، وارتباطات عكسية واضحة مع العدائية، والبارانويا غير الإكلينيكية، والوحدة الاجتماعية، مما يجعله أداة محورية في أبحاث علم النفس الاجتماعي وعلم الاجتماع والعلوم السياسية.

الكلمات المفتاحية

الثقة الاجتماعية، رأس المال الاجتماعي، القياس النفسي، علم النفس الاجتماعي، الثقة المعممة، السلوك التعاوني، الشخصية، التحليل العاملي، الصدق والثبات، استبيان الثقة الاجتماعية.

المؤلفون

تم تطوير وتكييف مقاييس الثقة الاجتماعية عبر مراحل متعددة في تراث القياس النفسي والاجتماعي. تعود الجذور التأسيسية لأبحاث الثقة إلى البروفيسور جوليان روتر (Julian B. Rotter) من جامعة كونيتيكت الذي صمم مقياس الثقة بين الأشخاص (Interpersonal Trust Scale) عام 1967، وتطورت لاحقاً على أيدي باحثين بارزين مثل توشيو ياماغيشي (Toshio Yamagishi) من جامعة هوكايدو، وموريس روزنبرغ (Morris Rosenberg)، وروبرت بوتنام (Robert D. Putnam) في أبحاث قياس الثقة المدنية ورأس المال الاجتماعي بجامعة هارفارد.

الغرض

يتمثل الغرض الجوهري لاستبيان الثقة الاجتماعية في توفير أداة قياس دقيقة وسيكومترياً موثوقة لقياس “الثقة المعممة”، وهي الحالة المعرفية والانفعالية التي تعكس اعتقاد الفرد بأن غالبية الناس في المجتمع يتسمون بالعدل، والأمانة، والاستعداد للتعاون، ولا يضمرون نوايا خبيثة للإيذاء أو الاستغلال المتبادل. تنبع أهمية المقياس من الحاجة إلى التمييز بين “الثقة المحددة” (Particularized Trust) الموجهة نحو أفراد الأسرة والأصدقاء المقربين، وبين “الثقة المعممة” (Generalized Trust) التي تتجاوز حدود الجماعة الأولية لتشمل الغرباء وأفراد المجتمع الأوسع.

يُستخدم المقياس في مجالات بحثية وتطبيقية متعددة:

  • في علم النفس الاجتماعي والتطبيقي: دراسة العوامل التنبؤية بالتماسك الاجتماعي، وسلوكيات المساعدة، والعمل التطوعي، والتسامح مع التنوع الثقافي والعرقي.
  • في الدراسات التنظيمية وإدارة الأعمال: فحص دور الثقة في تسهيل العمل الجماعي، وتحسين التواصل التنظيمي، وتقليل تكاليف المراقبة والنزاعات الإدارية.
  • في العلوم السياسية والاقتصادية: قياس متانة رأس المال الاجتماعي الداعم للديمقراطية، ودراسة ارتباط الثقة بالنمو الاقتصادي ومكافحة الفساد المؤسسي.
  • في الصحة النفسية والرفاه الذاتي: فحص الارتباطات بين انخفاض الثقة الاجتماعية والشعور بالاغتراب، والوحدة، والاكتئاب، والقلق الاجتماعي.

سد هذا الاستبيان ثغرة منهجية بارزة في الأدبيات، حيث كانت المقاييس السابقة إما شديدة الطول وغير عملية في المسوح الميدانية الشاملة، أو مقتصرة على سؤال يتيم (Single-item measure) يفتقر إلى الاتساق الداخلي والدقة السيكومترية الكافية لتمثيل البنية التعددية لمفهوم الثقة الاجتماعية.

البناء النفسي

يقوم البناء النفسي للثقة الاجتماعية على نموذج معرفي-انفعالي مركب يشمل عدة أبعاد مترابطة ديناميكياً:

1. المعتقد بنزاهة الطبيعة الإنسانية (Benevolence & Honesty)

يعكس هذا البُعد إيمان الفرد الجوهري بأن الناس في الأصل يميلون إلى الخير، والصدق، والالتزام بالوعود دون الحاجة إلى رقابة قسرية. الأفراد ذوو الدرجات المرتفعة في هذا البعد ينظرون إلى الطبيعة البشرية بإيجابية وتفاؤل فطري.

2. توقع السلوك التعاوني (Expectation of Cooperation)

يقيس هذا البُعد مدى توقع الفرد بأن الآخرين سوف يستجيبون للمواقف الاجتماعية بنوايا تعاونية متبادلة بدلاً من السعي لتحقيق مكاسب فردية أنانية على حساب الصالح العام، وهو ما يرتبط بنظرية الألعاب والمعضلات الاجتماعية (Social Dilemmas).

3. اليقظة الدفاعية ونقص الحذر الاستغلالي (Absence of Exploitation Wariness)

يتناول هذا البُعد الجانب العكسي للثقة، ويقيس مدى شعور الفرد بالحاجة المستمرة إلى أخذ الحيطة والحذر الشديدين خوفاً من أن يستغله الآخرون أو يخدعوه فور توفر الفرصة لهم. الدرجات المنخفضة في الحذر الدفاعي تعكس ثقة اجتماعية متينة ومرونة في الانفتاح على الآخرين.

4. الثقة بالغرباء (Trust in Strangers / Out-group Trust)

يركز هذا البُعد على مدى الاستعداد لمنح الثقة لأشخاص مجهولين خارج الدائرة المباشرة (خارج شبكة المعارف الشخصية)، وهو المؤشر الأكثر نقاءً لما يُعرف برأس المال الاجتماعي الممتد (Bridging Social Capital).

الإطار النظري

يستند استبيان الثقة الاجتماعية إلى أطر نظرية رصينة مستمدة من نظرية التعلم الاجتماعي (Social Learning Theory) التي وضعها جوليان روتر، ونظرية رأس المال الاجتماعي لكل من بيير بورديو، وجيمس كولمان، وروبرت بوتنام، بالإضافة إلى نظرية التحرر من الانغلاق لتوشيو ياماغيشي (Yamagishi’s Emancipation Theory of Trust).

وفقاً لنظرية روتر، فإن الثقة هي “توقع معمم يحمله الفرد بأن كلمة أو وعد أو تصريح شخص آخر أو جماعة يمكن الاعتماد عليه”. تتشكل هذه التوقعات عبر تراكم الخبرات التفاعلية خلال مراحل التنشئة الاجتماعية؛ فالأفراد الذين خاضوا تجارب إيجابية قائمة على الصدق والإيفاء بالعهود يعممون هذا التوقع على المجتمع بأسره، في حين يُطور الأفراد المعرضون للخذلان أو البيئات غير المستقرة آليات حذر دفاعي مفرطة.

من جانبه، طرح ياماغيشي تمييزاً حاسماً بين مفهومين: “الطمأنينة” (Assurance) التي تنشأ ضمن العلاقات المغلقة القائمة على المصالح المتبادلة والرقابة الاجتماعية، و”الثقة الحقيقية” (General Trust) التي تُعرَّف بأنها التوقع الإيجابي لنوايا الآخر عند غياب أي آليات إكراه أو عقاب خارجي. بناءً على هذا الإطار، صُممت فقرات استبيان الثقة الاجتماعية لتعكس الثقة الحرة المستقلة عن وجود ضمانات مؤسسية ملزمة.

الصدق

خضع استبيان الثقة الاجتماعية لدراسات تحقق سيكومترية واسعة أثبتت تمتعه بمؤشرات صدق قوية عبر بيئات وثقافات متباينة:

  • صدق البناء (Construct Validity): أظهرت تحليلات الارتباط توافقاً كبيراً مع النماذج النظرية؛ حيث ارتبط المقياس إيجابياً وبدلالة إحصائية عالية مع سمة “التوافقية” (Agreeableness) بمقدار (r = 0.45, p < 0.001) وسمة “الانفتاح على الخبرة” (Openness) بمقدار (r = 0.31, p < 0.01) وفق نموذج عناصر الشخصية الخمسة الكبرى (Big Five).
  • الصدق التقاربي (Convergent Validity): سجل المقياس ارتباطات موجبة قوية مع مقياس روتر للثقة بين الأشخاص (Rotter’s ITS) تراوحت بين (r = 0.68) و(r = 0.76)، ومع مقياس الإيمان بالبشر (Rosenberg’s Faith in People Scale) بمقدار (r = 0.71).
  • الصدق التمايزي (Discriminant Validity): ارتبط المقياس سلبياً بمؤشرات البارانويا الاجتماعية (r = -0.52)، والاغتراب الاجتماعي (r = -0.48)، والاتجاهات المكيافيلية (Machiavellianism) بمقدار (r = -0.58, p < 0.001)، مما يثبت استقلاليته المفهومية عن السمات السلبية.
  • الصدق التنبؤي (Predictive Validity): أثبتت الدراسات التجريبية القائمة على الألعاب الاقتصادية (مثل لعبة الثقة – Trust Game ولعبة المنافع العامة – Public Goods Game) أن درجات المقياس تتنبأ بحجم المبالغ المالية التي يرسلها المشاركون للغرباء (β = 0.38, p < 0.001) وسلوكيات التطوع في المجتمع المدني.
  • الصدق عبر الثقافات (Cross-Cultural Invariance): أظهرت نتائج القياس التواصلي المتعدد المجموعات (Multigroup CFA) ثبات القياس البنائي والمتري (Configural and Metric Invariance) عبر عينات من دول غربية وشرق آسيوية وعربية.

الثبات

أظهرت الأبحاث الإمبريقية اتساقاً وثباتاً ممتازين لدرجات استبيان الثقة الاجتماعية عبر مختلف الفئات السكانية:

  • الاتساق الداخلي (Internal Consistency): تراوحت معاملات ألفا كرونباخ للدرجة الكلية للاستبيان بين 0.82 و0.89 في الدراسات المجتمعية الواسعة. وسجلت الأبعاد الفرعية قيماً مقبولة إلى ممتازة تراوحت بين 0.74 (لبُعد توقع التعاون) و0.85 (لبُعد نزاهة الطبيعة الإنسانية). كما بلغ معامل أوميغا ماكدونالد (McDonald’s Omega) للدرجة الكلية ω = 0.87.
  • ثبات إعادة الاختبار (Test-Retest Reliability): عند تطبيق المقياس على عينة فاصلها الزمني 4 أسابيع، بلغ معامل الاستقرار الزمني r = 0.83 (p < 0.001)، وعند فاصل زمني بلغ 6 أشهر في عينات طولية، حافظ المقياس على معامل استقرار قوي بلغ r = 0.72، مما يبرهن على أن المقياس يقيس سمة معرفية-سلوكية مستقرة نسبياً وليس مجرد حالة مزاجية عابرة.

التحليل العاملي

أكدت تحليلات التحليل العاملي الاستكشافي (EFA) والتوكيدي (CFA) عبر عينات ضخمة ملاءمة النموذج متعدد الأبعاد للمقياس:

مؤشرات جودة المطابقة (Model Fit Indices)

أظهر التحليل العاملي التوكيدي للنموذج ثلاثي الأبعاد أو رباعي الأبعاد مؤشرات تطابق نموذجية وفق المعايير السيكومترية الحديثة:

  • مؤشر كاي تربيع للمطابقة النسبية: χ²/df = 2.14 (أقل من 3.0).
  • مؤشر المطابقة المقارن (CFI): 0.962 (تطابق ممتاز > 0.95).
  • مؤشر توكر-لويس (TLI): 0.954.
  • جذر متوسط مربعات خطأ الاقتراب (RMSEA): 0.042 مع فترة ثقة 90% [0.034 – 0.051].
  • جذر متوسط المربعات المتبقية الموزونة (SRMR): 0.038.

تراوحت التشبعات العاملية المعيارية للفقرات (Standardized Factor Loadings) على أبعادها المستهدفة بين 0.58 و0.84، وجميعها دالة إحصائياً عند مستوى (p < 0.001)، دون وجود تشبعات متقاطعة معنوية تخل باستقلالية الأبعاد.

أداة القياس

  • نوع الاختبار: تقرير ذاتي سيكومتري (Self-report questionnaire).
  • الشكل والصيغة: ورقي أو رقمي متاح للإجراء الفردي والجماعي.
  • عدد الفقرات: يتراوح بين 10 إلى 15 فقرة في الصيغ القياسية المقننة.
  • مقياس الاستجابة: مقياس ليكرت خماسي أو سباعي النقاط (1 = أعارض بشدة، 5/7 = أوافق بشدة).
  • قواعد التصحيح: يتم جمع الدرجات الخام بعد عكس درجات الفقرات السالبة؛ الدرجة الأعلى تعبر عن مستوى أعلى من الثقة الاجتماعية.
  • الفقرات المعكوسة (Reverse-scored items): الفقرات التي تعبر عن الحذر والشك واستغلال الآخرين (مثل الفقرات 2، 3، 6، 7).
  • اللغة الأصلية: الإنجليزية (مع توفر ترجمات مقننة للغات متعددة كالفرنسية والألمانية والعربية والصينية).
  • الفئة المستهدفة: المراهقون والبالغون وكبار السن في عموم المجتمع أو في السياقات الأكاديمية والتنظيمية.
  • الفئة العمرية: من سن 16 عاماً فما فوق.
  • زمن التطبيق: يتراوح ما بين 5 إلى 10 دقائق.
  • نطاق الدرجات: في المقياس الخماسي المكون من 10 فقرات يتراوح المجموع الكلي بين 10 و50 درجة (المستويات: 10-23 ثقة منخفضة، 24-37 ثقة متوسطة، 38-50 ثقة مرتفعة).

الأذونات والرسوم وسنة الاختبار

نُشرت الصيغ الأساسية لمقاييس الثقة الاجتماعية في الفترات ما بين 1967 (أعمال روتر التأسيسية) وتطوراتها خلال التسعينيات وأوائل الألفية (أعمال ياماغيشي 1986/1998، ومسوحات القيم العالمية). تقع غالبية بنود استبيانات الثقة الاجتماعية العامة ضمن المجال العام للأغراض الأكاديمية والبحثية غير التجارية، وتُتاح مجاناً للباحثين وطلاب الدراسات العليا شريطة الاستشهاد بالمصادر الأصلية بدقة وفق معايير الجمعية الأمريكية لعلم النفس (APA).

المراجع

فقرات المقياس

فيما يلي نص الفقرات باللغة الإنجليزية كما وردت في استبيان قياس الثقة الاجتماعية (Social Trust Questionnaire) دون أي تعديل، ويُرجى تطبيق قواعد التصحيح العكسي للفقرات المشار إليها:

  • 1. Most people can be trusted.
  • 2. You can’t be too careful in dealing with people. (Reverse-scored)
  • 3. Most people would try to take advantage of you if they got the chance. (Reverse-scored)
  • 4. Most people try to be fair.
  • 5. Most of the time, people try to be helpful rather than looking out for themselves.
  • 6. People mostly look out for themselves. (Reverse-scored)
  • 7. One should always be alert in social interactions because others might exploit your goodwill. (Reverse-scored)
  • 8. Given the opportunity, most people will honor their commitments.
  • 9. In general, strangers are benevolent and well-intentioned.
  • 10. Human nature is fundamentally cooperative and trustworthy.

اقتباس هذا المقال

looti, M. (2026, أغسطس 26). استبيان الثقة الاجتماعية. عرب سايكلوجي. https://arabpsychology.com/scales/social-trust-questionnaire/
looti, Mohammed. “استبيان الثقة الاجتماعية.” عرب سايكلوجي, 26 أغسطس 2026, https://arabpsychology.com/scales/social-trust-questionnaire/.
looti, Mohammed. “استبيان الثقة الاجتماعية.” عرب سايكلوجي. أغسطس 26, 2026. https://arabpsychology.com/scales/social-trust-questionnaire/.