القياس النفسيعلم النفس الاجتماعيمقاييس نفسية

مقياس سرول للأنوميا

مراجعة سيكومترية وأكاديمية شاملة لمقياس سرول للأنوميا (Srole’s Anomia Scale)، تتناول الأسس النظرية، والخصائص السيكومترية، وإجراءات التطبيق والتصحيح.

تاريخ النشر

الملخص

يُعد مقياس سرول للأنوميا (Srole’s Anomia Scale) أحد أبرز المعالم المنهجية والنظرية في حقل القياس النفسي والاجتماعي. طوّره عالم الاجتماع الأمريكي ليو سرول (Leo Srole) عام 1956 بهدف نقل المفهوم السوسيولوجي الكلاسيكي لـ “الأنوميا” (Anomie/Anomia) من مستواه البنيوي المجرد إلى المستوى النفسي الفردي، لقياس الحالة الذاتية للاغتراب الاجتماعي وتفكك الروابط بين الفرد ومجتمعه. يتألف المقياس في نسخته الأصلية من 5 فقرات أحادية البعد تختبر خمسة أبعاد نفسية اجتماعية متمايزة تشمل: إدراك عدم مبالاة قادة المجتمع، والشعور بعدم إمكانية التنبؤ بالنظام الاجتماعي، وتراجع تحقيق الأهداف الشخصية، والإحساس بعبثية المستقبل وتشاؤمه، وتآكل شبكات الدعم والعلاقات الشخصية المتبادلة.

تعتمد الأداة نموذج قياس تصاعدي ثنائي الاستجابة (موافق/غير موافق) خضع في الأصل لـ تحليل غوتمان التراكمي (Guttman Scaling)، كما طُوّعت لاحقاً لتُقاس عبر مقاييس ليكرت الخماسية والسباعية. أظهر المقياس عبر عقود من الاستخدام في دراسات المسح الاجتماعي الوطنية (مثل المسح الاجتماعي العام GSS) ومسوحات الصحة النفسية خصائص سيكومترية متينة؛ حيث تراوحت معاملات الاتساق الداخلي (ألفا كرونباخ) بين 0.70 و0.84، مع معاملات استنساخ تراكمي لغوتمان تتجاوز 0.90. يُستخدم المقياس على نطاق واسع في دراسة محددات الصحة النفسية، والاندماج المدني، والسلوك الانتخابي، وتأثيرات التهميش الطبقي والاقتصادي.

الكلمات المفتاحية

الأنوميا، ليو سرول، الاغتراب الاجتماعي، اللامعيارية، القياس النفسي، علم النفس الاجتماعي، التفكك الاجتماعي، علم الاجتماع، الصحة النفسية، العزلة الاجتماعية، صدق البناء، تحليل غوتمان.

المؤلفون

طُوِّر المقياس بواسطة عالم الاجتماع النفسي البارز ليو سرول (Leo Srole, 1908–1993) خلال عمله في دراسة مانهاتن للصحة النفسية (Manhattan Midtown Study). شغل سرول مناصب أكاديمية وبحثية مرموقة، أبرزها أستاذ العلوم الاجتماعية في قسم الطب النفسي بكلية الأطباء والجراحين في جامعة كولومبيا (Columbia University) ومعهد ولاية نيويورك للطب النفسي.

الغرض

صُمِّم مقياس سرول للأنوميا بهدف قياس “الأنوميا الذاتية” أو النفسية (Psychological Anomia)، وهي الحالة التي يُدرك فيها الفرد أن الروابط الاجتماعية التي تجمعه بالمجتمع الأوسع قد تفككت، وأن القواعد والمعايير الجمعية لم تعد ذات جدوى أو فاعلية في توجيه سلوكه وتوفير الأمان له. جاء المقياس لسد فجوة إبستيمولوجية ومنهجية عميقة كانت قائمة في منتصف القرن العشرين؛ حيث اقتصر مفهوم الأنوميا منذ عهد إميل دوركايم وروبرت ميرتون على التحليل الكلي (Macro-level) للخلل الوظيفي في البنى المؤسسية، دون وجود أدوات دقيقة تقيس الانعكاس النفسي والخبرة المعاشة لهذا التفكك على مستوى الفرد (Micro-level).

تتجلى التطبيقات البحثية والعيادية للمقياس في مجالات متعددة:

  • أبحاث الصحة النفسية والوبائيات الاجتماعية: الكشف عن الارتباطات بين الأنوميا والاضطرابات الاكتئابية، ومشاعر العجز المكتسب، ومخاطر السلوك الانتحاري.
  • علم الاجتماع السياسي والمدني: قياس مشاعر السخط السياسي، واللامبالاة الانتخابية، والانفصال عن المؤسسات الديمقراطية.
  • دراسات التكيف والتغير الاجتماعي: تقييم الآثار النفسية للتحضر السريع، والنزوح، والتحولات الاقتصادية النيوليبرالية على الفئات الهشة والمهمشة.

البناء النفسي

يستند المقياس إلى مفهوم افتراضي طوّره سرول يصف متصلاً ثنائي القطب يبدأ من “اليونوميا” (Eunomia) التي تمثل التكامل والاندماج الاجتماعي السليم والشعور بالانتماء، وينتهي بـ “الأنوميا” (Anomia) التي تمثل العزلة وانعدام الهدف وتفكك المعايير. ينقسم البناء النفسي للمقياس إلى خمسة مكونات ترابطية:

1. إدراك عدم اكتراث القيادات والمؤسسات (Indifference of Community Leaders)

يقيس هذا البعد إحساس الفرد بأن القائمين على إدارة المجتمع والمؤسسات العامة يتجاهلون تماماً احتياجات المواطن العادي، مما يولد شعوراً بالعجز السياسي وفقدان الصوت والتمثيل.

2. عدم إمكانية التنبؤ بالنظام الاجتماعي (Unpredictability of Social Order)

يختبر تصور الفرد للمجتمع كبيئة متقلبة وفوضوية تنعدم فيها المعايير الثابتة، مما يجعل التخطيط المستقبلي غير ذي جدوى ويجبر الفرد على العيش يوماً بيوم في استجابة تكيّفية دفاعية قاصرة.

3. التراجع والتدهور في تحقيق الأهداف (Retrogressing Life Goals)

يعكس إدراك الفرد بأن وضعه الحياتي ووضع أقرانه في تراجع مستمر، وأن فرص التقدم وتحقيق التطلعات تتآكل بدلاً من أن تزدهر، مما يُغذي التشاؤم الجمعي والشعور بالحرمان النسبي.

4. فقدان المعنى وفقدان الأمل في المستقبل (Loss of Meaning and Future Futility)

يقيس هذا المكون أقصى درجات اليأس الوجودي والاجتماعي؛ حيث يرى الفرد أن العالم وصل إلى مرحلة من السوء تجعل من غير الأخلاقي أو غير المجدي جلب أطفال جدد إلى الحياة.

5. تفكك الروابط البينشخصية وشبكات الدعم (Breakdown of Interpersonal Trust)

يختبر الشعور بالوحدة والعزلة وفقدان الثقة في الآخرين؛ حيث يسود الاعتقاد بأن العلاقات الإنسانية القريبة أصبحت غير موثوقة ولا يمكن الاعتماد عليها في أوقات الشدة.

الإطار النظري

يندرج مقياس سرول تحت مظلة النظرية البنائية الوظيفية (Structural Functionalism) وعلم النفس الاجتماعي التفاعلي. يستند الإطار النظري للمقياس إلى ثلاثة أعمدة مفاهيمية رئيسية:

  • أطروحة إميل دوركايم (Émile Durkheim): استلهم سرول المفهوم من كتابي دوركايم “تقسيم العمل الاجتماعي” (1893) و“الانتحار” (1897)، حيث فسر دوركايم الأنوميا كحالة من اللامعيارية وتآكل الضوابط الأخلاقية الجمعية التي تنظم رغبات الأفراد خلال فترات التغير الاقتصادي والاجتماعي الحاد.
  • نظرية التوتر لروبرت ميرتون (Robert K. Merton): طوّر ميرتون (1938) المفهوم مبيناً أن الأنوميا تنشأ نتيجة الفجوة الهيكلية بين الأهداف الثقافية التي يحددها المجتمع (كالنجاح المالي) والوسائل المؤسسية المشروعة المتاحة لتحقيقها. أخذ سرول هذا التحليل ليصف كيف يختبر الفرد هذا الانفصام ذاتياً.
  • مفهوم روبرت ماكيفر (Robert MacIver): تأثر سرول بتمييز ماكيفر (1950) للأنوميا كحالة ذهنية تنطوي على انهيار الإحساس بالانتماء والتفكك الروحي للفرد عندما تنفصل قيمه عن النظام الاجتماعي المحيط به.

الصدق

خضع مقياس سرول للتحقق السيكومتري عبر مئات الدراسات التجريبية والمسحية المستعرضة والطولية:

  • صدق البناء (Construct Validity): أظهرت البيانات ارتباطاً سلبياً ذا دلالة إحصائية عالية بين درجات الأنوميا والمكانة الاجتماعية الاقتصادية (SES)، والتعليم، والدخل ($r = -0.35$ إلى $-0.48, p < .001$)، مما يؤكد الفرضية النظرية القائلة بأن الفئات الأقل حظوة مؤسسياً تعاني من معدلات أنوميا أعلى.
  • الصدق التقاربي (Convergent Validity): أظهر المقياس ارتباطات موجبة قوية مع مقياس الاغتراب لدين (Dean’s Alienation Scale) بمعدل ($r = 0.62$)، ومع مقياس مركز الضبط الخارجي لروتر (Rotter’s Locus of Control) بمعدل ($r = 0.45$)، ومقاييس الأعراض الاكتئابية (CES-D) بمعدل ($r = 0.41$).
  • الصدق التمايزي (Discriminant Validity): أثبتت الدراسات قدرة المقياس على التمايز بوضوح عن متغيرات نفسية مجاورة مثل العصابية الصرفة والقلق السريري، مبيناً أنه يقيس توجهاً اجتماعياً-معرفياً مستقلاً وليس مجرد اعتلال مزاجي عام.
  • الصدق عبر الثقافات (Cross-Cultural Validity): تمت ترجمة المقياس والتحقق منه في بيئات لغوية وثقافية متعددة (مثل الألمانية، والإسبانية، والصينية، والعربية)، وأظهر بنية عاملية متسقة مع قدرة عالية على التنبؤ بمشاعر العزلة في سياقات ثقافية متباينة.

الثبات

أظهر المقياس مستويات ثبات مقبولة إلى ممتازة في مختلف التطبيقات:

  • معامل استنساخ غوتمان (Coefficient of Reproducibility): سجل سرول في دراسته التأسيسية عام 1956 معامل استنساخ بلغ 0.90، متجاوزاً العتبة المقبولة للمقاييس التراكمية.
  • الاتساق الداخلي (Internal Consistency): في الدراسات الحديثة المعتمدة على مقاييس ليكرت، تراوح معامل ألفا كرونباخ ($lpha$) للمقياس المكون من 5 فقرات بين 0.72 و0.83 في العينات السكانية العامة (مثل عينات GSS التابعة لـ NORC).
  • ثبات الاختبار وإعادة الاختبار (Test-Retest Reliability): أظهرت الدراسات الطولية استقراراً عبر الزمن بفواصل زمنية تراوحت بين 6 أسابيع إلى 6 أشهر، بمعاملات استقرار تراوحت بين $r = 0.68$ و$0.76$، مما يشير إلى أن الأنوميا تعمل كسمة توجهية شبه مستقرة نسبياً في ظل استقرار الظروف المعيشية للفرد.

التحليل العاملي

خضع المقياس لتحليلات عاملية استكشافية (EFA) وتوكيدية (CFA) مكثفة عبر العقود:

  • التحليل العاملي الاستكشافي (EFA): أسفرت معظم التحليلات عن وجود عامل عام مسيطر (General Factor) يفسر ما بين 42% إلى 56% من التباين الكلي في الاستجابات، مع تشبعات عاملية قوية للفقرات الخمس تراوحت بين 0.58 و0.79.
  • التحليل العاملي التوكيدي (CFA): أكدت النماذج أحادية البعد جودة مطابقة ممتازة للبيانات في عينات ضخمة: حيث سجل مؤشر المطابقة المقارن ($CFI > 0.96$)، ومؤشر تاكر-لويس ($TLI > 0.94$)، وجذر متوسط مربعات خطأ التقريب ($RMSEA le 0.045$).
  • توزيع تشبعات الفقرات النموذجية:
    • الفقرة 1 (المسؤولون العامون): تشبع عاملي $pprox 0.64$
    • الفقرة 2 (العيش لليوم فقط): تشبع عاملي $pprox 0.59$
    • الفقرة 3 (تدهور حال المواطن العادي): تشبع عاملي $pprox 0.73$
    • الفقرة 4 (الأطفال والمستقبل): تشبع عاملي $pprox 0.68$
    • الفقرة 5 (فقدان الثقة بالآخرين): تشبع عاملي $pprox 0.71$

أداة القياس

  • نوع الاختبار: مقياس تقرير ذاتي (Self-report Scale).
  • الشكل والتنسيق: استبانة موجزة ورقية أو إلكترونية أو عبر المقابلات المنظمة.
  • عدد الفقرات: 5 فقرات في النسخة القياسية الأصلية (توجد نسخ موسعة تتضمن 9 فقرات).
  • تدرج الاستجابة:
    • النموذج الأصلي: ثنائي (موافق = 1 / غير موافق = 0).
    • النموذج الحديث: مقياس ليكرت خماسي (1 = أعارض بشدة إلى 5 = أوافق بشدة).
  • قواعد التصحيح: تُجمع الدرجات للحصول على درجة كلية تدل على مستوى الأنوميا. في النسخة الثنائية تتراوح الدرجات من 0 إلى 5، وفي النسخة الخماسية تتراوح من 5 إلى 25؛ حيث تدل الدرجات المرتفعة على مستوى أعلى من الأنوميا والاغتراب الاجتماعي.
  • الفقرات المعكوسة: لا يحتوي المقياس الأصلي على فقرات مصاغة بصورة إيجابية معكوسة؛ جميع الفقرات مصاغة باتجاه الأنوميا.
  • الفئة المستهدفة: البالغون وعينات المجتمع العام والمراهقون من سن 16 عاماً فما فوق.
  • زمن التطبيق: يستغرق تطبيقه عادة ما بين دقيقتين إلى 4 دقائق.

الأذونات والرسوم وسنة الاختبار

نُشر المقياس لأول مرة في عام 1956 في المجلة الأمريكية لعلم الاجتماع (American Sociological Review). يُعتبر المقياس أداة مفتوحة الاستخدام في المجال العام (Public Domain) للأغراض الأكاديمية والبحثية غير التجارية، ولا يتطلب دفع رسوم ترخيص. يُنصح الباحثون دوماً بالإشارة الكاملة للأصل التاريخي للورقة المرجعية لسرول (1956) في أبحاثهم ومنشوراتهم.

المراجع

  • Durkheim, É. (1897). Le Suicide: Étude de sociologie. Félix Alcan.
  • Merton, R. K. (1938). Social structure and anomie. American Sociological Review, 3(5), 672–682. https://doi.org/10.2307/2084686
  • MacIver, R. M. (1950). The Ramparts We Guard. Macmillan.
  • Srole, L. (1956). Social integration and certain corollaries: An exploratory study. American Sociological Review, 21(6), 709–716. https://doi.org/10.2307/2088422
  • Srole, L. (1975). Measurement and classification in socio-psychiatric epidemiology: Midtown Manhattan Study I (1954) and Midtown Manhattan Study II (1974). Journal of Health and Social Behavior, 16(4), 347–364. https://doi.org/10.2307/2136614
  • Seeman, M. (1959). On the meaning of alienation. American Sociological Review, 24(6), 783–791. https://doi.org/10.2307/2088565
  • Mirowsky, J., & Ross, C. E. (1989). Social Causes of Psychological Distress. Aldine de Gruyter.

فقرات المقياس

فيما يلي الفقرات الأصلية لمقياس سرول للأنوميا باللغة الإنجليزية كما صاغها ونشرها ليو سرول في دراسته التأسيسية عام 1956:

  1. There’s little use writing to public officials because often they aren’t really interested in the problems of the average man.
  2. Nowadays a person has to live pretty much for today and let tomorrow take care of itself.
  3. In spite of what some people say, the lot of the average man is getting worse, not better.
  4. It’s hardly fair for a person to bring children with the way things look for the future.
  5. These days a person doesn’t really know who he can count on.

اقتباس هذا المقال

looti, M. (2026, أغسطس 26). مقياس سرول للأنوميا. عرب سايكلوجي. https://arabpsychology.com/scales/sroles-anomia-scale-arabic-psychometrics/
looti, Mohammed. “مقياس سرول للأنوميا.” عرب سايكلوجي, 26 أغسطس 2026, https://arabpsychology.com/scales/sroles-anomia-scale-arabic-psychometrics/.
looti, Mohammed. “مقياس سرول للأنوميا.” عرب سايكلوجي. أغسطس 26, 2026. https://arabpsychology.com/scales/sroles-anomia-scale-arabic-psychometrics/.