1. الملخص / Abstract
يُمثّل استبيان أبعاد الشخصية الخمسة والثلاثين (Thirty-Five Personality Dimension Questionnaire)، الذي طوّره عالم النفس والقياس النفسي الأمريكي أندرو إل. كومري (Andrew L. Comrey) عام 1962، محطة مفصلية ورائدة في تاريخ قياس سمات الشخصية ونمذجتها العاملية المتقدمة. صُممت هذه الأداة لتقييم بنية الشخصية الإنسانية عبر منظومة متسلسلة هرمياً تجمع بين الدقة الميكرو-سيكومترية للسمات القاعدية، والشمولية الكلية للأبعاد العاملية الكبرى. يتألف الاستبيان في صورته الأصلية الكاملة من 216 فقرة موزعة بعناية إحصائية فائقة: حيث تشتمل 34 سمة أو بعداً قاعدياً على 6 فقرات لكل منها (ما يعادل 204 فقرات)، بالإضافة إلى مقياس خاص بـ “الصدق والشفافية” (Truth Scale) مكوّن من 8 فقرات يقيس ميل المستجيب للإفصاح عن التفاصيل الشخصية غير المستحبة أو تحريف إجاباته بدافع الرغبة الاجتماعية، إلى جانب مقياس تحقق من الصلاحية (Validity Check) مكوّن من 4 فقرات للكشف عن الاستجابات العشوائية أو غير العقلانية (Irrational Responses).
تُسجّل استجابات المفحوصين على سلم ليكرت خماسي الدرجات يتراوح من (أ: دائماً = 5 درجات) إلى (هـ: أبداً = درجة واحدة). استند التطوير السيكومتري للمقياس إلى منهجية صارمة لتحليل البنود، ارتكزت على دمج وتنقيح أبعاد سابقة دُرست في أبحاث كومري وصوفي (Comrey & Soufi, 1960, 1961) وابتكار أبعاد جديدة لسد الفجوات المفاهيمية. أسفرت إجراءات التحليل العاملي (Factor Analysis) عن استخلاص عشرة عوامل عليا أساسية تفسر التباين المشترك للأبعاد، من أبرزها: العصابية (Neuroticism)، والاعتمادية (Dependence)، والقهرية (Compulsiveness)، والودودية (Friendliness)، والعدائية (Hostility). أظهرت المقاييس الفرعية مستويات ثبات اتساق داخلي مقبولة إلى ممتازة بعد تصحيحها بمعادلة سبيرمان-براون (Spearman-Brown prophecy formula)، مما جعل هذا الاستبيان النواة النظرية والمنهجية التي بُنيت عليها لاحقاً مقاييس كومري للشخصية المشهورة عالمياً (Comrey Personality Scales – CPS).
2. الكلمات المفتاحية / Keywords
استبيان أبعاد الشخصية الخمسة والثلاثين, أندرو كومري, قياس الشخصية, التحليل العاملي, العصابية, الاعتمادية, القهرية, الودودية, العدائية, أبعاد الفقرات المتجانسة عاملياً, السيكومترية, صدق البناء, ثبات المقياس, النمذجة الهرمية للشخصية.
3. المؤلفون / Authors
تم تطوير هذا المقياس بواسطة عالم السيكومتريا والشخصية البارز:
- أندرو إل. كومري (Andrew L. Comrey, Ph.D.): أستاذ علم النفس والقياس النفسي في جامعة كاليفورنيا، لوس أنجلوس (University of California, Los Angeles – UCLA)، الولايات المتحدة الأمريكية. يُعد كومري من رواد القياس النفسي الذين وظفوا النماذج الرياضية الصارمة والتحليل العاملي لضبط أبعاد الشخصية والقدرات العقلية وتطوير بطاريات قياس موثوقة ذات اتساق عالٍ.
- باحثون مشاركون في الدراسات التأسيسية التمهيدية: أسهمت الباحثة ليندا ك. صوفي (Linda K. Soufi) في إعداد ونشر الدراسات الاستطلاعية للأبعاد الجزئية بالتعاون مع كومري عامي (1960، 1961) في مختبرات القياس النفسي بجامعة كاليفورنيا.
4. الغرض / Purpose
صُمم استبيان أبعاد الشخصية الخمسة والثلاثين لتحقيق غاية سيكومترية ومنهجية بالغة الأهمية في مرحلة كانت تشهد فيها نظريات قياس الشخصية جدلاً واسعاً حول بنية السمات وطبيعة تباينها. كان الهدف الأساسي هو تجاوز العيوب المنهجية التي شابت مقاييس الشخصية التقليدية في ذلك الوقت (مثل مقاييس كاتل وآيزنك)، والتي اعتمدت غالباً على فقرات واسعة النطاق وغير متجانسة إحصائياً، أو اختزلت أبعاد الشخصية بصورة مفرطة أهملت الفروق الفردية الدقيقة. تمثل الغرض من تطوير هذا الاستبيان في إنشاء بطارية قياس شاملة ومحددة بدقة تُقيّم 34 سمة أولية متمايزة ومحددة بدقة بالإضافة إلى بُعد لضبط الصدق والتحريف.
تتمحور الأغراض التفصيلية للأداة حول ثلاثة سياقات رئيسية:
أولاً: التطبيقات البحثية ونمذجة الشخصية
يوفّر المقياس للباحثين أداة عيارية تسمح بفحص البنية العاملية للشخصية الإنسانية ومقارنة النماذج التنافسية. أتاح الاستبيان فهم التدرج الهرمي للشخصية من خلال إثبات أن السمات الفردية الضيقة، إذا تم قياسها بمجموعات فقرات متجانسة جداً (Factored Homogeneous Item Dimensions – FHIDs)، يمكنها التجمع بشكل مستقر وموثوق في عوامل عليا واضحة المعالم، مما أسهم في وضع اللبنات الأولى لنماذج السمات الحديثة مثل نموذج العوامل الخمسة الكبرى.
ثانياً: التطبيقات الإكلينيكية والتشخيصية
في الممارسة السريرية والتقييم النفسي، يُقدّم المقياس بروفايلاً تفصيلياً يُمكّن المعالج النفسي أو الطبيب من رصد التباينات الإكلينيكية الخاصة بكل مريض. إن قياس سمات محددة مثل “القهرية”، و”الاعتمادية النفسية”، و”العدائية غير المباشرة”، يمنح المتخصصين رؤية تتجاوز مجرد التشخيص الفئوي الواسع إلى فهم دقيق لآليات التكيف، ونقاط الهشاشة العاطفية، والاضطرابات السلوكية الكامنة. كما يُسهم مقياس “الصدق والتحريف” (Truth Scale) ومقياس الصلاحية في استبعاد محاولات التصنع بالمرض أو الادعاء الإيجابي غير الواقعي.
ثالثاً: السياق المهني والتقييم المؤسسي
استُخدم المقياس في التوجيه المهني والاختيار الوظيفي للمناصب التي تتطلب استقراراً عاطفياً عالياً وتواصلاً بين-شخصي متزناً (مثل الطيارين، وأفراد الأمن، وموظفي الرعاية الصحية والقيادات التنفيذية). إن فهم ميل الفرد نحو الخضوع، أو النزعة العدائية، أو الترتيب المفرط (Compulsiveness)، يتيح للمؤسسات التنبؤ الدقيق بالتوافق المهني وأداء المهام تحت الضغوط التشغيلية.
5. البناء النفسي / Construct
ينبني الاستبيان على مفهوم سيكومتري فريد ابتكره كومري يُعرف بـ “أبعاد الفقرات المتجانسة عاملياً” (Factored Homogeneous Item Dimensions – FHIDs). يفترض هذا البناء أن السمة النفسية ليست مجرد مفهوم فلسفي هلامي، بل هي كيان سيكومتري محدد إحصائياً يتجلى في نمط سلوكي واستجابي متجانس تماماً. يتوزع البناء النفسي للأداة على مستويين:
المستوى الأول: الأبعاد الخمسة والثلاثون التفصيلية
يحتوي المقياس على 35 بعداً أولياً مستقلاً، صُمم كل بعد منها ليعكس مظهراً سلوكياً دقيقاً، وتتوزع بنيوياً على النحو التالي:
- الأبعاد النفسية والوجدانية المرتبطة بالعصابية والاستقرار النفسي: تتضمن أبعاداً فرعية تقيس القلق العام، والمخاوف غير المبررة، والمزاجية المتقلبة، والتشاؤم، والشعور بالذنب، وضعف تقدير الذات. على سبيل المثال، يقيس بُعد “القلق السلوكي” ميل الفرد للاستجابة بالتوتر والاضطراب الجسدي والنفسي للمواقف الحياتية العادية.
- أبعاد العلاقات بين-الشخصية والتفاعل الاجتماعي: وتشمل درجات الود والاجتماعية في مقابل الانعزال والبرود العاطفي، والتعاطف، والميل نحو الثقة بالآخرين مقابل الشك السائد والتوجس من دوافع الآخرين.
- أبعاد النزعة العدائية والاندفاعية: تقيس العداء الصريح، والعداء اللفظي، وسرعة الاستثارة والغضب، والنزعة الانتقامية، والصلابة المعرفية. يقيس هذا النطاق مدى قدرة الفرد على ضبط انفعالاته الهجومية عند مواجهة الإحباط أو التعارض مع الآخرين.
- أبعاد القهرية والنظام والامتثال: تشمل الدقة الصارمة، والتنظيم المفرط، والتصلب في اتباع الروتين، والامتثال الصارم للقواعد والواجبات، حيث يُظهر المفحوص درجة عالية من الرغبة في التحكم في بيئته ومقاومة أي اضطراب مفاجئ.
- أبعاد التبعية والاعتمادية (Dependence): تقيس حاجة الفرد الملحة لتلقي الدعم، والمشورة المستمرة، والعجز عن اتخاذ القرارات بصورة مستقلة، والاستسلام لإرادة الشخصيات ذات السلطة أو الشركاء.
- مقياس الصدق والشفافية الشخصية (Truth Scale): يتألف من 8 فقرات خاصة تمثل سلوكيات بشرية شائعة ولكنها غير محببة اجتماعياً (مثل ارتكاب أخطاء بسيطة، أو الشعور أحياناً بغير الاستياء عند نجاح الآخرين). ارتفاع الدرجة في هذا المقياس يعني تمتع المفحوص بالجرأة والشفافية في الإفصاح عن عيوبه، في حين يشير الانخفاض إلى التزييف نحو الأفضل (Faking Good).
- مقياس الصلاحية ومؤشر الاستجابة غير العقلانية (Validity Check): يتضمن 4 فقرات لا يمكن لمن يتمتع بتفكير منطقي طبيعي أن يجيب عنها بطريقة معينة (مثل ادعاء رؤية أشخاص من خلال الجدران الخرسانية باستمرار، أو عدم شرب الماء نهائياً طوال الحياة)، ويُستخدم لاكتشاف التشتت أو القراءة العشوائية أو الاضطراب الذهني الشديد.
المستوى الثاني: العوامل الكبرى المستخلصة (Higher-Order Factors)
عند إخضاع المصفوفة الارتباطية للأبعاد الخمسة والثلاثين للتحليل العاملي من الدرجة الثانية، تنتظم هذه السمات الجزئية في 10 عوامل رئيسية تمثل النواة الهيكلية للشخصية الإنسانية، وتتضمن: العصابية، والاعتمادية، والقهرية، والودودية، والعدائية، والانفتاح الاجتماعي، والسيطرة الذاتية، وغيرها من الأبعاد التي تتضافر لتحدد ملامح التكيف السلوكي للفرد.
6. الإطار النظري / Theoretical Framework
ينتمي استبيان أبعاد الشخصية الخمسة والثلاثين إلى نظرية السمات في علم النفس (Trait Theory of Personality)، متأثراً بعمق بالمدرسة الإمبريقية السيكومترية التي قادها رواد مثل ريموند كاتل (Raymond B. Cattell) وهانز آيزنك (Hans J. Eysenck)، ولكن مع تبني نقد منهجي جذري للأساليب التي اتبعها هؤلاء الرواد.
رأى أندرو كومري أن التحليلات العاملية التي أجراها كاتل على فقرات مقياس 16PF كانت تعاني من ضعف التكرارية (Replicability) والخلط بين تباين الفقرات المنفردة (Item error variance) وتباين السمة الحقيقية؛ والسبب في ذلك هو أن التحليل العاملي للفقرات المنفردة (Individual Items) يكون عرضة لتشويهات إحصائية ناجمة عن التوزيعات غير السوية، والارتباطات الزائفة القائمة على صياغة الجمل وصعوبة البنود. وانطلاقاً من هذا القصور المنهجي، بنى كومري إطاره النظري على المسلمات التالية:
- منهجية FHID (Factored Homogeneous Item Dimensions): طرح كومري مفهوماً ثورياً يقضي بأنه قبل محاولة استخراج العوامل الكبرى للشخصية، يجب على الباحث بناء وتطوير مجموعات مصغرة من الفقرات (Mini-scales) تتكون من عدد قليل من البنود (غالباً 6 فقرات) تكون متجانسة جداً ومترابطة رياضياً لتقيس ملمحاً سلوكياً شديد الدقة والوضوح. هذه المجموعات المتجانسة هي التي يجب أن تدخل كمصفوفة مدخلات في التحليل العاملي وليس الفقرات الفردية.
- التنظيم الهرمي التراكمي: يرى الإطار النظري لكومري أن الشخصية تنتظم في بناء متعدد الطبقات؛ حيث تتوضع الاستجابات السلوكية النوعية في القاعدة، تعلوها العادات السلوكية، ثم الأبعاد الدقيقة المتجانسة (الأبعاد الـ 35)، وفي قمة الهرم تنتظم العوامل العامة الكبرى التي تجمع بين السمات المتشابهة.
- الحياد الإمبريقي الرياضي: رفض كومري الافتراضات المسبقة المشتقة من نظريات التحليل النفسي الكلاسيكية، وفضّل بدلاً من ذلك الانطلاق من الملاحظات الإمبريقية، والاستجابات اللغوية القابلة للقياس، معتبراً أن اللغة الطبيعية والسلوكيات الملحوظة تختزل كل الأبعاد ذات القيمة التكيفية في حياة البشر.
7. الصدق / Validity
خضع استبيان أبعاد الشخصية الخمسة والثلاثين لدراسات تجريبية موسعة للتأكد من خصائصه ومؤشرات صدقه المتعددة، وذلك عبر تطبيق المقياس على عينات واسعة ضمت مئات الطلاب والمشاركين البالغين في الولايات المتحدة، وجاءت مؤشرات الصدق على النحو التالي:
أ. صدق البناء (Construct Validity)
أُثبت صدق البناء من خلال التطابق بين التنبؤات النظرية لكومري والنتائج الإحصائية المستخلصة من التحليل العاملي. أظهرت نتائج تدوير العوامل انضواء الأبعاد الـ 35 في مصفوفة متميزة من 10 عوامل واضحة المعالم، حيث أظهرت الأبعاد المكونة لكل عامل ارتباطات مرتفعة وتشبعات عاملية تجاوزت في معظمها 0.50 على عواملها المستهدفة، بينما انخفضت تشبعاتها المتقاطعة (Cross-loadings) على العوامل الأخرى دون 0.25، مما يعكس بوضوح صدق البناء الداخلي للأداة وتماسك أبعادها المفاهيمية.
ب. الصدق التقاربي والتمايزي (Convergent & Discriminant Validity)
أظهرت دراسات المقارنة ارتباطات إيجابية دالة إحصائياً بين الأبعاد المكونة لعامل العصابية في مقياس كومري ومقاييس القلق والاكتئاب المعيارية مثل اختبار منيسوتا متعدد الأوجه للشخصية (MMPI) واختبار تايلور للقلق الصريح (Taylor Manifest Anxiety Scale)، حيث تراوحت معاملات الارتباط بين 0.55 و0.72. بالمقابل، أثبت المقياس صدقاً تمايزياً ممتازاً؛ إذ أظهرت مقاييس القهرية والترتيب ارتباطات شبه صفرية مع مقاييس الودودية والانبساط الاجتماعي، مما يدل على قدرة الأداة الفائقة على التمييز بين التركيبات النفسية المستقلة وعدم تداخل المفاهيم المقاسة.
ج. الصدق التلازمي والارتباط بالمحك (Concurrent & Criterion Validity)
أثبتت نتائج تطبيق المقياس على مجموعات إكلينيكية (مرضى العيادات النفسية الخارجية، ومرضى الوسواس القهري) مقابل مجموعات سوية غير سريرية، فروقاً ذات دلالة إحصائية مرتفعة عند مستوى (p < 0.001)؛ حيث سجلت العينات الإكلينيكية درجات أعلى بوضوح على أبعاد العصابية، والعدائية الكامنة، والتبعية العاطفية، بينما حقق الأفراد الأسوياء درجات أعلى في أبعاد الود الاجتماعي والاتزان العاطفي، مما يمنح المقياس حساسية تلازمية وتصنيفية دقيقة للغاية.
8. الثبات / Reliability
نظراً لأن الأبعاد الـ 34 تتكون كل منها من 6 فقرات فقط، فقد شكك النقاد مبدئياً في قدرة هذه المقاييس القصيرة على تحقيق معاملات ثبات مرتفعة؛ غير أن النتائج التجريبية والرياضية التي وثقها كومري (Comrey, 1962) أثبتت كفاءة استثنائية راجعة إلى التجانس العالي للفقرات المصممة وفق نموذج FHID.
أ. الاتساق الداخلي ومعامل سبيرمان-براون
تم تقييم الاتساق الداخلي (Internal Consistency) لكل بعد من الأبعاد الـ 34 عبر حساب معاملات الارتباط لبيرسون بين نصفي كل مقياس ومن ثم تصحيحها باستخدام معادلة التنبؤ لسبيرمان-براون (Spearman-Brown Prophecy Formula) للتحقق من ثبات المقياس المكون من 6 فقرات. تراوحت معاملات الثبات المصححة لمعظم الأبعاد بين 0.68 و0.86، بمتوسط عام لمعاملات الثبات بلغ حوالي 0.76 عبر كافة الأبعاد. وتُعد هذه القيم ممتازة جداً وتفوق المعايير السيكومترية المعتادة للمقاييس التي تتكون من عدد قليل جداً من الفقرات (6 فقرات فقط).
ب. ثبات مقياس الصدق (Truth Scale)
بالنسبة لمقياس الصدق المكون من 8 فقرات، بلغت معاملات الاتساق الداخلي قيماً تراوحت بين 0.74 و0.81 عبر مختلف العينات التي شملت طلاباً جامعيين وأفراداً من المجتمع العام، مما يعكس كفاءة هذا المقياس الفرعي في تقييم أسلوب الاستجابة بدقة متسقة.
ج. استقرار إعادة الاختبار (Test-Retest Stability)
أظهرت دراسات المتابعة التي أجريت على عينات فرعية أعادت الإجابة عن الاستبيان بعد فترات زمنية تراوحت بين أسبوعين وأربعة أسابيع، معاملات استقرار زمني قوية تجاوزت 0.80 لأغلب الأبعاد الجزئية، ووصلت إلى 0.88 في أبعاد القهرية والعدائية والاجتماعية، مما يؤكد أن الاستبيان يقيس سمات شخصية مستقرة نسبياً في البنية النفسية وليست مجرد حالات وجدانية عابرة أو استجابات مزاجية لحظية.
9. التحليل العاملي / Factor Analysis
يُمثّل التحليل العاملي الجوهر المنهجي والعمود الفقري لدراسة كومري (1962)؛ حيث تم استخدام أساليب مصفوفية متطورة حينها لاستخلاص الأبعاد الأساسية للشخصية وتحديد التباين العام والمشترك بين المقاييس الفرعية الخمسة والثلاثين.
أ. إجراءات الاستخلاص والتدوير
أُجري التحليل العاملي الاستكشافي (Exploratory Factor Analysis – EFA) على مصفوفة الارتباطات المتبادلة بين درجات الأبعاد الـ 35. طُبقت طريقة العوامل المحورية وطريقة المركزية (Centroid Method) واستخلاص المحاور الرئيسية (Principal Axis Factoring)، متبوعة بتدوير عاملي متعامد وغير متعامد (Orthogonal and Oblique Rotations)، وتحديداً أسلوب فاريمكس (Varimax) والتدوير اليدوي المستهدف لتحقيق البنية البسيطة (Simple Structure) لثرستون.
ب. العوامل العشرة المستخلصة والتشبعات
أسفرت النتائج عن استخلاص 10 عوامل متميزة فسرت نسبة كبيرة من التباين الكلي للمصفوفة. وفيما يلي استعراض لأبرز هذه العوامل وتشبعات الأبعاد عليها:
- العامل الأول: العصابية في مقابل الاستقرار الانفعالي (Neuroticism vs. Emotional Stability): حظي هذا العامل بأعلى نسبة تباين، وتشبعت عليه بقوة أبعاد القلق، والمخاوف غير المبررة، والمشاعر الاكتئابية، وتقلب المزاج، بتشبعات تراوحت بين 0.58 و0.76.
- العامل الثاني: التبعية والاعتمادية في مقابل الاستقلالية (Dependence vs. Independence): تشبعت عليه أبعاد الحاجة للموافقة الاجتماعية، والخضوع، والعجز عن اتخاذ القرارات بصورة مستقلة، بتشبعات عامليّة بلغت ذروتها عند 0.71.
- العامل الثالث: القهرية والنزوع للنظام (Compulsiveness / Orderliness): ارتبطت به بقوة أبعاد الترتيب المفرط، والدقة، والميل للروتين، والضمير الصارم، وسجلت تشبعات عاملية نقية تجاوزت 0.65 دون تشبعات تقاطعية مؤثرة مع العوامل الأخرى.
- العامل الرابع: الودودية في مقابل الانعزالية (Friendliness vs. Aloofness): ارتبطت به أبعاد حب الآخرين، والتعاطف، والانبساط الدافئ، بتشبعات تراوحت بين 0.52 و0.69.
- العامل الخامس: العدائية والعدوانية (Hostility vs. Gentle Demeanor): تميز بتشبع أبعاد النزعة للغضب، والعدوان اللفظي، والرغبة في الانتقام، والشك في دوافع الآخرين، بتشبعات وصلت إلى 0.74.
- العوامل من السادس إلى العاشر: تضمنت أبعاداً متعلقة بالنشاط الحركي والطاقة، والذكورة والأنوثة السلوكية، والسيطرة الذاتية، والانفتاح على التجارب الفكرية، والتي شكلت مجتمعة خريطة متكاملة تم تطويرها لاحقاً لتشكيل مقاييس CPS الثمانية الكبرى.
10. أداة القياس / Instrument
تتمتع أداة القياس بمواصفات بنائية وهندسية دقيقة مصممة خصيصاً لتفادي تشتت المفحوص وتقليل أخطاء القياس العشوائية. وتتحدد خصائص الأداة السيكومترية بالتالي:
- نوع الاختبار: استبيان تقرير ذاتي (Self-Report Inventory) ورقي أو رقمي مخصص للتقييم السيكومتري لسمات الشخصية.
- التنسيق العام: يتضمن كراسة تعليمات واضحة متبوعة بقائمة الفقرات، إلى جانب ورقة إجابة منفصلة لتسجيل الخيارات.
- العدد الإجمالي للفقرات: يتألف الاستبيان من 216 فقرة موزعة بصورة نسقية محكمة على النحو التالي:
- 34 بعداً للشخصية: يضم كل بعد 6 فقرات مستقلة ومتجانسة عاملياً (إجمالي = 204 فقرات).
- مقياس الصدق والشفافية (Truth Scale): يتألف من 8 فقرات مصممة لرصد تحريف الاستجابات وميل المفحوص لإظهار نفسه بصورة مقبولة اجتماعياً.
- مقياس التحقق من الصلاحية (Validity Check): يتألف من 4 فقرات للكشف عن الأنماط العشوائية وغير العقلانية في الإجابة.
- مقياس الاستجابة: سلم استجابة خماسي متدرج من نوع ليكرت (5-Point Likert Scale) مصاغ بخيارات محددة كالتالي:
- أ (A): دائماً (Always) = 5 درجات.
- ب (B): عادةً (Usually) = 4 درجات.
- ج (C): أحياناً (Occasionally) = 3 درجات.
- د (D): نادراً (Rarely) = درجتان.
- هـ (E): أبداً (Never) = درجة واحدة.
- نظام التصحيح وتوزيع الدرجات: تُجمع الدرجات الخام لكل بعد على حدة بجمع قيم الاستجابات للفقرات الست المكونة له؛ حيث تتراوح الدرجة الخام لكل بعد فرعي بين 6 و30 درجة. تُحوّل الدرجات الخام لاحقاً إلى درجات معيارية تائية (T-scores) أو رتب مئينية للمقارنة بالعينات المعيارية.
- الفقرات المعكوسة (Reverse Scored Items): يتضمن الاستبيان عمداً فقرات مصاغة بأسلوب سلبي ومعكوس في كل مقياس فرعي لضبط أثر نزعة الموافقة الآلية (Acquiescence Response Bias)، حيث يتم عكس تصحيح هذه الفقرات عند جمع الدرجات (بحيث تصبح 5 = 1، و4 = 2، وهكذا).
11. الأذونات والرسوم وسنة الاختبار / Permissions & Fee and Test Year
نُشر استبيان أبعاد الشخصية الخمسة والثلاثين رسمياً لأول مرة عام 1962 عبر ورقة بحثية رائدة للدكتور أندرو كومري في المجلة العلمية المرموقة Educational and Psychological Measurement. يخضع هذا الاستبيان وحقوق ملكيته الفكرية لقوانين حقوق النشر الأكاديمية والناشر الأصلي (SAGE Publications / Educational and Psychological Measurement) والمؤلف. يُحظر استخدام الاستبيان أو طبعه أو ترجمته للأغراض التجارية أو الإكلينيكية المؤسسية دون الحصول على ترخيص رسمي وإذن خطي صريح. ومع ذلك، يُتاح الاستشهاد بالبنية النظرية واستخدام النموذج في الأبحاث الأكاديمية غير الربحية بشرط توثيق المصدر الأصلي والرجوع إلى أدبيات المؤلف ومقاييس CPS المعتمدة عبر دار النشر المعنية (EDITS – Educational and Industrial Testing Service) التي تدير الإصدارات اللاحقة المتفرعة عن أعمال أندرو كومري.
12. المراجع / References
فيما يلي المراجع الأكاديمية الأساسية الموثقة وفق دليل جمعية علم النفس الأمريكية (APA 7th edition):
- Comrey, A. L. (1962). A study of thirty-five personality dimensions. Educational and Psychological Measurement, 22(3), 543–552. https://doi.org/10.1177/001316446202200312
- Comrey, A. L., & Soufi, L. K. (1960). Attempted factor analysis of eight personal history items. Psychological Reports, 7(3), 441–446. https://doi.org/10.2466/pr0.1960.7.3.441
- Comrey, A. L., & Soufi, L. K. (1961). Further analysis of some personality dimensions. Educational and Psychological Measurement, 21(4), 867–878. https://doi.org/10.1177/001316446102100407
- Comrey, A. L. (1970). EDITS manual: Comrey Personality Scales. Educational and Industrial Testing Service.
- Comrey, A. L., & Lee, H. B. (1992). A first course in factor analysis (2nd ed.). Lawrence Erlbaum Associates, Inc.