الملخص
يُعد مقياس الثقة في العلاقات الشخصية الوثيقة (Trust Scale – Trust within close interpersonal relationships)، الذي طوره جون ريمبل وجون هولمز ومارك زانا (Rempel, Holmes, & Zanna, 1985)، أحد أبرز وأعمق المقاييس السيكومترية المستخدمة لتقييم مفهوم الثقة بين الأشخاص في إطار العلاقات العاطفية والزوجية الوثيقة. يتناول المقياس الثقة كبناء نفسي ديناميكي يتطور عبر مراحل زمنية ونفسية متعددة، متجاوزاً النظرة التقليدية الأحادية للثقة. يتألف المقياس في صورته المعيارية الشائعة من 17 إلى 18 فقرة موزعة على ثلاثة أبعاد رئيسية متمايزة ومترابطة هرمياً: القدرة على التنبؤ (Predictability)، والاعتمادية أو الموثوقية (Dependability)، والإيمان أو الثقة المطلقة (Faith).
يستجيب المفحوصون على فقرات المقياس باستخدام مقياس ليكرت السباعي التدريج، الذي يتراوح من (1 = لا أتفق بشدة) إلى (7 = أتفق بشدة). أظهرت الدراسات السيكومترية التأسيسية واللاحقة مؤشرات ممتازة على الصدق البنائي والتقاربي والتمايزي، فضلاً عن ثبات اتساق داخلي مرتفع، حيث تراوحت معاملات ألفا كرونباخ للأبعاد والدرجة الكلية بين 0.70 و0.85 في العينات الأصلية، وتجاوزت 0.90 في دراسات التكيف الثقافي المعاصرة. يقدم المقياس للباحثين الإكلينيكيين والأكاديميين أداة تشخيصية وبحثية رصينة لفهم آليات الارتباط، وتوقع استقرار العلاقات، وتحليل مسببات التباعد أو الانهيار الزواجي.
الكلمات المفتاحية
الثقة في العلاقات، العلاقات الشخصية الوثيقة، مقياس ريمبل وهولمز وزانا، القدرة على التنبؤ، الاعتمادية، الإيمان العاطفي، القياس النفسي، علم النفس الاجتماعي، الرضا الزواجي، نظرية التعلق.
المؤلفون
تم تطوير هذا المقياس بواسطة نخبة من علماء النفس الاجتماعي والشخصية في جامعة واترلو (University of Waterloo) في كندا:
- جون ك. ريمبل (John K. Rempel): أستاذ علم النفس بجامعة سانت جيروم / جامعة واترلو، كندا. متخصص في سيكولوجية العلاقات الشخصية المتبادلة، وديناميات التعلق والثقة والتسامح.
- جون ج. هولمز (John G. Holmes): أستاذ فخري لعلم النفس الاجتماعي بجامعة واترلو، كندا. أحد أبرز المنظرين العالميين في مجالات الثقة، وتكلفة التبادل الاجتماعي، واستقرار العلاقات الوثيقة.
- مارك ب. زانا (Mark P. Zanna): أستاذ متميز لعلم النفس بجامعة واترلو، كندا. زميل الجمعية الملكية الكندية، ومؤلف وباحث رائد في سيكولوجية المواقف والتنافر المعرفي والتأثير الاجتماعي.
الغرض
يهدف مقياس الثقة في العلاقات الشخصية الوثيقة إلى تقديم قياس كمي ونوعي دقيق لمدى عمق وطبيعة الثقة المتبادلة بين الشركاء في العلاقات العاطفية الحميمة. لم يُصمم المقياس لمجرد رصد ما إذا كان الشريك يثق في الطرف الآخر بصورة سطحية عامة، بل صُمم لتشريح المكونات التطورية والمعرفية والانفعالية التي تقوم عليها هذه الثقة عبر مراحل العلاقة المختلفة.
التطبيقات البحثية والإكلينيكية
يخدم المقياس نطاقاً واسعاً من الاستخدامات الميدانية والسريرية والبحثية، ومنها:
- الإرشاد الزواجي والأسري: يساعد المعالجين النفسيين على تحديد البعد المتضرر في منظومة الثقة لدى الزوجين؛ هل المشكلة تكمن في غياب القدرة على توقع تصرفات الشريك (Predictability)، أم في الشك في أمانته واستقراره الخلقي (Dependability)، أم في الخوف من المستقبل والافتقار إلى الأمان الوجداني (Faith).
- دراسات علم النفس الاجتماعي وعلم نفس الشخصية: يُستخدم لاختبار النماذج النظرية المتعلقة بالتضحية، والإيثار، والاستجابة لحاجات الشريك، وتفسير النوايا الإيجابية والسلبية أثناء الصراعات الزوجية.
- أبحاث التعلق وتطور العلاقات: يُعد أداة محورية لربط أنماط التعلق عند البالغين (الآمن، القلق، التجنبي) بمستويات الأمان الوجداني والشعور بالحصانة ضد خيبات الأمل.
الفجوة العلمية والمبرر النظري
قبل نشر دراسة ريمبل وزملائه (1985)، كانت مقاييس الثقة السائدة، مثل مقياس الثقة المعممة لجوليان روتر (Rotter’s Interpersonal Trust Scale)، تقيس الثقة كسمة شخصية عامة تجاه المجتمع والناس عموماً، أو تفترض أن الثقة مجرد بناء أحادي البعد يتساوى فيه توقع السلوك مع مشاعر الأمان النفسي. سد مقياس ريمبل هذه الفجوة الجوهرية من خلال تقديم نموذج متدرج تطورياً وخاصاً بالعلاقات الثنائية الحميمة (Dating and Married Couples)، مما سمح بتمييز الثقة القائمة على الشواهد السلوكية الماضية عن الثقة المتجهة نحو المجهول والمستقبل.
البناء النفسي
يقوم المقياس على بناء نفسي ثلاثي الأبعاد يُنظر إليه كنموذج نمائي يتدرج من الخبرات الحسية الملموسة إلى اليقين العاطفي المجرد:
1. القدرة على التنبؤ بالسلوك (Predictability)
يمثل هذا البعد القاعدة السلوكية الأولى لبناء الثقة. ويشير إلى اتساق واستقرار سلوكيات الشريك وتكرارها عبر الزمن والمواقف. يعتمد هذا البعد على الملاحظة المباشرة؛ حيث يتعلم الفرد أن شريكه يتصرف وفق نمط منظم ومألوف، مما يقلل من المفاجآت السلبية ويخلق بيئة تفاعلية مستقرة. ومع ذلك، يرى المؤلفون أن التنبؤ وحده لا يكفي لبناء ثقة عميقة، فالشريك قد يكون متوقعاً في سلوكه السيئ أو الأناني دون أن يعني ذلك وجود ثقة حقيقية.
2. الاعتمادية والموثوقية (Dependability)
ينتقل هذا البعد من مجرد التنبؤ بالسلوك الخارجي إلى إصدار أحكام حول السمات والخصائص الشخصية الكامنة للشريك (Personal Dispositions). يتضمن تقييم أمانة الشريك، ونزاهته، واستعداده لتحمل المسؤولية، ومدى الوفاء بالعهود. في هذا المستوى، يُعزى السلوك الإيجابي للشريك إلى دوافع داخلية أصيلة وتقدير حقيقي للعلاقة، وليس لمجرد عوامل ظرفية أو ضغوط خارجية.
3. الإيمان والثقة الوجدانية المطلقة (Faith)
يُمثل أعلى وأعمق مراتب الثقة في العلاقات الشخصية. يُعرف بأنه الشعور الراسخ بالأمان واليقين الداخلي بأن الشريك سيبقى مخلصاً ومحباً وداعماً في المستقبل، حتى في ظل الظروف الغامضة وغير المتوقعة والتي تتجاوز نطاق الخبرة الماضية. يتميز هذا البعد بتجاوزه للأدلة السلوكية التجريبية المباشرة؛ فهو بمثابة قفزة وجدانية (Emotional Leap) نحو اليقين، تجعل الفرد قادراً على منح شريكه الأمان النفسي دون حاجة إلى ضمانات مادية مستمرة.
الإطار النظري
يستند مقياس الثقة إلى تقاطع نظري رصين يجمع بين نظرية التبادل الاجتماعي (Social Exchange Theory)، ونظرية العزو المعرفي (Attribution Theory) لهيدر وكيلي، ونظريات التطور النفسي والتعلق (Attachment Theory) لجون بولبي وإريك إريكسون.
المعالجة المعرفية والعزو السببي
يفترض الإطار النظري لريمبل وزملائه أن تطور الثقة يتطلب عملية معالجة معلوماتية يقوم خلالها الفرد بتحليل تصرفات الشريك وعزوها داخلياً. عندما يُقدم الشريك على التضحية بمصالحه الشخصية الفورية من أجل مصلحة العلاقة، يُعزى هذا السلوك إلى سمات الاعتمادية والإخلاص. ومع تراكم هذه العزوات الإيجابية، تتحول الثقة من مجرد حسابات عقلانية للأرباح والخسائر إلى شعور شمولي بالإيمان النفسي غير المشروط.
النموذج التنموي الهرمي
تتأثر الرؤية النظرية للمقياس بنظرية إريك إريكسون حول “الثقة الأساسية مقابل عدم الثقة”، حيث تتطور الثقة في العلاقات الراشدة عبر خط زمني يتنقل من الماضي (القدرة على التنبؤ بالسلوكيات السابقة) إلى الحاضر (اختبار الاعتمادية على سمات الشريك الحالية) وصولاً إلى المستقبل (الإيمان باستمرارية الرعاية والدعم في مواجهة المجهول).
الصدق
خضع مقياس الثقة لدراسات سيكومترية مكثفة أثبتت تمتعه بدرجات عالية ومتنوعة من الصدق:
الصدق التقاربي والتمايزي (Convergent and Discriminant Validity)
- الارتباط بالرضا والأمان: أظهرت النتائج الأصلية لريمبل وزملائه (1985) وجود ارتباطات إيجابية دالة إحصائياً بين الدرجة الكلية لمقياس الثقة (وخاصة بعد الإيمان) ومقاييس الحب التشاركي، والرضا الزواجي، والأمان العاطفي (تراوحت الارتباطات بين r = 0.50 و r = 0.72، p < 0.001).
- التمايز عن السمات الشخصية المعممة: أظهر المقياس تمايزاً إحصائياً واضحاً عن مقياس روتر للثقة المعممة ومقاييس الرغبة الاجتماعية (Social Desirability)، مما يؤكد أنه يقيس ديناميات العلاقة الثنائية الخاصة وليس مجرد ميل عام لإعطاء إجابات مقبولة اجتماعياً.
الصدق التنبؤي (Predictive Validity)
أثبتت الدراسات الطولية أن درجات بعد “الإيمان” (Faith) تمثل المنبئ الأقوى بقدرة الشريكين على التكيف مع الأزمات، وانخفاض نسب الانفصال والطلاق على مدى سنوات، واستخدام استراتيجيات بناءة وبناء المعنى المشترك أثناء حل النزاعات بدلاً من اللجوء إلى التجنب أو الهجوم اللفظي.
الثبات
أظهر المقياس استقراراً واتساقاً سيكومترياً بارزاً عبر مختلف الدراسات والتطبيقات الميدانية:
- الاتساق الداخلي (Internal Consistency): في الدراسة التأسيسية (Rempel et al., 1985)، بلغت معاملات ألفا كرونباخ للأبعاد كما يلي:
- بعد القدرة على التنبؤ (Predictability): α = 0.70 إلى 0.73
- بعد الاعتمادية (Dependability): α = 0.75 إلى 0.81
- بعد الإيمان (Faith): α = 0.80 إلى 0.86
- المقياس ككل: α = 0.85 إلى 0.89
- ثبات إعادة الاختبار (Test-Retest Reliability): أظهرت القياسات المتكررة على فترات زمنية تراوحت بين 4 إلى 8 أسابيع معاملات ثبات تتراوح بين r = 0.76 و r = 0.84، مما يشير إلى أن المقياس يقيس بناءً نفسياً يتميز بالاستقرار النسبي مع قابليته للتغير بتغير أحداث العلاقة الجوهرية.
التحليل العاملي
أكدت دراسات التحليل العاملي الاستكشافي (EFA) والتوكيدي (CFA) البنية العاملية الثلاثية المقترحة للمقياس:
نتائج التحليل العاملي التوكيدي (CFA) ومؤشرات المطابقة
أظهرت نماذج التحليل العاملي التوكيدي مطابقة ممتازة للبيانات الميدانية، حيث سجلت المؤشرات قيماً نموذجية في العينات الزوجية الحديثة:
- نسبة كاي تربيع إلى درجات الحرية (χ²/df) < 2.5
- مؤشر المطابقة المقارن (CFI) ≥ 0.93
- مؤشر تكر-لويس (TLI) ≥ 0.91
- جذر متوسط مربعات خطأ الاقتراب (RMSEA) ≤ 0.055
تشبعت جميع الفقرات على عواملها المحددة بحمولات عاملية (Factor Loadings) تراوحت بين 0.48 و0.82، مع وجود علاقات ارتباطية موجبة ذات دلالة بين العوامل الثلاثة، حيث يرتبط بعد الاعتمادية بقوة مع كل من التنبؤ والإيمان كجسر وسيط بينهما.
أداة القياس
- نوع الاختبار: مقياس تقرير ذاتي (Self-Report Questionnaire).
- شكل الأداة: عبارات تقريرية تقيس إدراك الفرد لسلوكيات ونوايا شريكه العاطفي.
- عدد الفقرات: 17 فقرة في نسختها الأساسية المعتمدة (تتوزع إلى: 5 فقرات للتنبؤ، 5 فقرات للاعتمادية، 7 فقرات للإيمان).
- مقياس الاستجابة: مقياس ليكرت سباعي النقاط (1 = لا أتفق بشدة، 4 = محايد / غير متأكد، 7 = أتفق بشدة).
- طريقة التصحيح: يتم عكس درجات الفقرات السلبية (Reverse-scored items)، ثم جمع درجات الفقرات لكل بعد لحساب الدرجة الفرعية، أو جمع جميع الفقرات للحصول على درجة الثقة الكلية (Total Trust Score).
- الفقرات المعكوسة: يتم عكس الفقرات التي تعبر عن الشك أو عدم الاتساق (مثل الفقرات 2، 6، 10، 16 في الترتيب المعياري).
- الفئة المستهدفة: البالغون المنخرطون في علاقات شخصية وثيقة (خطوبة، زواج، علاقات شراكة عاطفية طويلة الأمد).
- الفئة العمرية: 18 سنة فما فوق.
- زمن التطبيق: يستغرق تطبيقه من 5 إلى 10 دقائق.
- مدى الدرجات: تتراوح الدرجة الكلية للنسخة ذات الـ 17 فقرة بين 17 و119 درجة؛ حيث تشير الدرجات المرتفعة إلى مستويات عالية من الأمان والثقة في الشريك.
الأذونات والرسوم وسنة الاختبار
- سنة النشر الأصلية: 1985.
- حقوق النشر والملكية الفكرية: المقياس محمي بموجب حقوق النشر لجمعية علم النفس الأمريكية (American Psychological Association – APA) ومؤلفي المقياس الأصليين.
- شروط الاستخدام والرسوم: يُتاح المقياس مجاناً للأغراض الأكاديمية والبحثية غير التجارية والتدريس الجامعي بشرط الاستشهاد الكامل بالدراسة المرجعية الأصلية لعام 1985. أما في حالات الاستخدام التجاري أو التطبيقات البرمجية الربحية، فيجب الحصول على إذن خطي مسبق من الناشر (APA).
المراجع
- Holmes, J. G., & Rempel, J. K. (1989). Trust in close relationships. In C. Hendrick (Ed.), Review of personality and social psychology: Close relationships (Vol. 10, pp. 187–220). Sage Publications.
- Rempel, J. K., Holmes, J. G., & Zanna, M. P. (1985). Trust in close relationships. Journal of Personality and Social Psychology, 49(1), 95–112. https://doi.org/10.1037/0022-3514.49.1.95
- Rotter, J. B. (1967). A new scale for the measurement of interpersonal trust. Journal of Personality, 35(4), 651–665. https://doi.org/10.1111/j.1467-6494.1967.tb01454.x
- Simpson, J. A. (2007). Psychological foundations of trust. Current Directions in Psychological Science, 16(5), 264–268. https://doi.org/10.1111/j.1467-8721.2007.00517.x
- Wieselquist, J., Rusbult, C. E., Foster, C. A., & Agnew, C. R. (1999). Commitment, pro-relationship behavior, and trust in close relationships. Journal of Personality and Social Psychology, 77(5), 942–966. https://doi.org/10.1037/0022-3514.77.5.942
فقرات المقياس
فيما يلي نص فقرات مقياس الثقة باللغة الإنجليزية كما وردت في الدراسة الأصلية الصادرة عن (Rempel, Holmes, & Zanna, 1985). تُقدم الاستجابات على مقياس من 1 (Strongly Disagree) إلى 7 (Strongly Agree):
- An unexpected action by my partner would make me feel uncomfortable.
- My partner’s behavior toward me is consistent from day to day.
- I can count on my partner to be concerned about my welfare.
- My partner is not always as honest with me as I would like.
- I know how my partner will act in most situations.
- Whenever we have to make an important decision in a situation we have never faced before, I know my partner will be concerned about my welfare.
- I am never quite sure what to expect from my partner from day to day.
- Even when I am having a difficult time, I can count on my partner to be supportive.
- My partner has proven to be a trustworthy person.
- I feel completely secure in my partner’s devotion to me.
- I am usually able to anticipate how my partner will behave.
- When it comes to things that are important to me, I know that my partner will take my feelings into account.
- In the face of uncertainty, I feel a strong sense of security in knowing that my partner loves me.
- I can rely on my partner to keep the promises they make to me.
- Though times may change and the future is uncertain, I know my partner will always be ready to offer me strength and support.
- It is difficult to predict how my partner will react when I do something unexpected.
- When I have concerns about our relationship, I feel comfortable discussing them with my partner because I know they will listen and try to understand.