القياس النفسيمقاييس الشخصية والعدوانمقاييس علم النفس التنظيمي

سلوك الاستضعاف في مكان العمل

مراجعة أكاديمية شاملة لمقياس سلوك الاستضعاف في مكان العمل (Aquino et al., 1999)؛ تتضمن البناء النفسي للأبعاد المباشرة وغير المباشرة، والخصائص السيكومترية والصدق والثبات والفقرات الأصلية.

Mohammed looti أكاديمي وباحث متخصص في علم النفس
تاريخ النشر
تمت المراجعة العلمية · د. مروة عبد العظيم · 19 سبتمبر، 2026
مراجعة وتدقيق علمي معتمد تاريخ التدقيق: 19 سبتمبر، 2026
د. مروة عبد العظيم دكتوراه
أستاذة علم النفس جامعة كربلاء
معايير التدقيق والاعتماد السريري

يخضع هذا المحتوى لمعايير ضبط الجودة والتدقيق العلمي والأكاديمي الصارمة في شبكة علم النفس العربي، لضمان صحة المعلومات ودقتها السريرية ومطابقتها لأحدث الأدلة والبراهين الصادرة عن الجمعيات النفسية والطبية المعتمدة (APA / WHO).

1. الملخص

يُعد مقياس سلوك الاستضعاف في مكان العمل (Victimization Behavior in the Workplace)، الذي طوّره الباحثون كارل أكينو وستيفن غروفر وموراي برادفيلد وديفيد ألين (Aquino, Grover, Bradfield, & Allen, 1999)، أحد أبرز الأدوات السيكومترية المعتمدة في مجال علم النفس التنظيمي والعمل لقياس وتقييم تجارب التعرض للسلوكيات العدوانية والعدائية الصادرة عن زملاء العمل. يركز المقياس على رصد إدراك الفرد لكونه هدفاً أو ضحية لأفعال موجهة تلحق به ضرراً نفسياً أو اجتماعياً أو مهنياً، وذلك عبر تقييم وتيرة حدوث مجموعة من السلوكيات المؤذية خلال فترة زمنية محددة باثني عشر شهراً سابقة لإجراء القياس.

يتألف المقياس في صورته المعيارية الأصيلة من ثماني (8) فقرات موزعة بالتساوي على بُعدين نظريين وعامليين مستقلين ومترابطين: الاستضعاف غير المباشر (Indirect Victimization) والاستضعاف المباشر (Direct Victimization). يغطي بُعد الاستضعاف غير المباشر أربعة سلوكيات تتسم بالسرية والمواربة، مثل التخريب المهني ونشر الشائعات المغرضة وتشويه السمعة أمام الزملاء، حيث يصعب في كثير من الأحيان إثبات هوية المعتدي بصورة قاطعة. في المقابل، يشتمل بُعد الاستضعاف المباشر على أربعة سلوكيات علنية وصريحة تنطوي على مواجهات لفظية جارحة، أو إهانات عرقية أو دينية، أو حركات بذيئة، أو تهديدات صريحة بإلحاق الأذى الجسدي.

تُسجل الإجابات وفق مقياس تدريج ليكرت خماسي النقاط يقيس التكرار الموضوعي لحدوث السلوك (1 = أبداً، 2 = من مرة إلى ثلاث مرات، 3 = من أربع إلى ست مرات، 4 = من سبع إلى تسع مرات، 5 = أكثر من عشر مرات). وقد أظهرت الدراسات السيكومترية التأسيسية التي أجريت على عينات من العاملين في قطاعات متنوعة تمتع المقياس بخصائص قياسية متينة؛ حيث بلغ معامل الاتساق الداخلي (ألفا كرونباخ) لبُعد الاستضعاف غير المباشر 0.81، بينما بلغ لبُعد الاستضعاف المباشر 0.76. كما كشفت نتائج التحليل العاملي الاستكشافي والتوكيدي عن تمايز البنية الثنائية للأداة وقدرتها التنبؤية الفائقة بارتباطها الإيجابي بالوجدان السلبي والاحتراق النفسي، وارتباطها السلبي بتقرير المصير الوظيفي والرضا المهني، مما يجعل المقياس أداة بالغة الأهمية للباحثين والممارسين في تقييم المناخ النفسي السلبي وإدارة المخاطر النفسية والاجتماعية في بيئات العمل المعاصرة.

2. الكلمات المفتاحية

الاستضعاف في مكان العمل، العدوان التنظيمي، الاستضعاف المباشر، الاستضعاف غير المباشر، علم النفس الصناعي والتنظيمي، الوجدان السلبي، تقرير المصير، التنمر الوظيفي، الخصائص السيكومترية، سلوكيات العمل المضادة للإنتاجية، القياس النفسي، الصدق العاملي.

3. المؤلفون

تم تطوير هذا المقياس ونشره للمرة الأولى في مجلة أكاديمية الإدارة (Academy of Management Journal) عام 1999، بالتعاون بين نخبة من كبار الباحثين في السلوك التنظيمي وعلم النفس الإداري:

  • كارل أكينو (Karl Aquino): أستاذ السلوك التنظيمي وإدارة الأعمال بجامعة كولومبيا البريطانية (Sauder School of Business, University of British Columbia)، كندا. يُعد من الرواد العالميين في دراسة العدالة التنظيمية، والعدوان في مكان العمل، والهوية الأخلاقية، والظلم في العلاقات المهنية. (البريد الإلكتروني الأكاديمي: [email protected]).
  • ستيفن ل. غروفر (Steven L. Grover): أستاذ القيادة والسلوك التنظيمي بكلية الأعمال بجامعة ماكواري (Macquarie Business School)، أستراليا؛ عمل سابقاً في جامعات أمريكية مرموقة، وله إسهامات واسعة في دراسة الصدق والكذب في المؤسسات، والأخلاقيات المهنية، وتجارب التوتر التنظيمي.
  • موراي برادفيلد (Murray Bradfield): باحث متخصص في السلوك التنظيمي والموارد البشرية، شارك في وضع التصاميم التجريبية والمسحية المرتبطة بتحليل سلوكيات الانتقام والاستضعاف داخل المؤسسات خلال عمله الأكاديمي في الولايات المتحدة.
  • ديفيد ج. ألين (David G. Allen): أستاذ كرسي متميز في إدارة الموارد البشرية بكلية نيفلي لإدارة الأعمال بجامعة تكساس المسيحية (Neeley School of Business, Texas Christian University)، وزميل الجمعية الأمريكية لعلم النفس (APA) وجمعية علم النفس الصناعي والتنظيمي (SIOP)، وله أبحاث رائدة في دوران العمل والشبكات الاجتماعية والعدوانية التنظيمية.

4. الغرض

تم تصميم مقياس سلوك الاستضعاف في مكان العمل لسد فجوة منهجية ونظرية بارزة في أدبيات السلوك التنظيمي والعدوان المهني؛ إذ كانت المقاييس السابقة تميل إما إلى التركيز المطلق على الجاني ورصد السلوكيات العدوانية الصادرة عنه، أو الخلط بين إدراك الأذى وبين الاستجابات الانفعالية الذاتية المجردة دون توثيق الوقائع السلوكية الملموسة. يتمثل الغرض الجوهري للأداة في توفير مقياس كمي موضوعي ومقنن يرصد وتيرة تعرض الموظف لأفعال عدائية مقصودة من زملائه، مما يتيح التمييز بدقة بين الأشكال المختلفة للأذى النفسي والمهني في سياق العمل اليومي.

المبرر النظري والأكاديمي لتطوير الأداة

ينطلق الأساس المنطقي للأداة من أن التعرض للاستضعاف ليس ظاهرة أحادية البعد، بل هو بنية متعددة الأوجه تختلف فيها التكتيكات المستخدمة تبعاً لحسابات التكلفة الاجتماعية والمخاطر التنظيمية التي يقيمها المعتدي. فبينما يتطلب العدوان المباشر مواجهة علنية محفوفة بمخاطر المساءلة الإدارية أو الانتقام الفوري، يلجأ العديد من الفاعلين في المنظمات إلى تكتيكات الاستضعاف غير المباشر التي تمكنهم من النيل من الضحية في الخفاء. لذلك، استهدف المقياس توفير تمثيل متوازن لهذين النمطين السلوكيين لضمان رصد الصورة الكاملة للبيئة السامة أو الاستهداف النفسي الذي قد يواجهه الفرد.

التطبيقات البحثية

يخدم المقياس نطاقاً واسعاً من الاستخدامات في بحوث علم النفس التنظيمي وعلم النفس الاجتماعي:

  • فحص المحددات التفاعلية للاستضعاف: التحقق من الكيفية التي تتفاعل بها السمات الشخصية للموظف (مثل العصابية، والوجدان السلبي، وتدني تقدير الذات) مع المتغيرات الهيكلية والموقفية (مثل الموقع في الهرم الإداري، ودرجة الاستقلالية، والمناخ التنافسي) لتحديد احتمالية التحول إلى هدف للعدوان.
  • تحليل مسارات الإجهاد والاحتراق النفسي: استخدام المقياس كمتغير مستقل أو وسيط في نمذجة المعادلات البنائية لدراسة تأثير الأفعال المؤذية على الإرهاق العاطفي، والعلل النفس-جسمية، والاغتراب الوظيفي، ونوايا ترك العمل.
  • دراسة شبكات العداء والانتقام: قياس دورات الاستضعاف والانتقام المتبادل بين الأفراد داخل فرق العمل، وتقييم تأثير الصراعات المزمنة على فاعلية الفرق وتماسكها.

التطبيقات الإكلينيكية والممارسات التشخيصية

على صعيد التطبيق العملي في المؤسسات واستشارات الموارد البشرية والصحة المهنية، يوفر المقياس قيمة تشخيصية متعددة الأبعاد:

  • التدقيق المناخي وتقييم المخاطر النفسية والاجتماعية: يُستخدم كأداة استقصائية معتمدة للكشف المبكر عن بؤر التوتر التنظيمي وبيئات العمل العدائية، ومساعدة مسؤولي الموارد البشرية على التدخل قبل تفاقم النزاعات إلى قضايا قانونية أو حوادث عنف جسيم.
  • التوجيه والإرشاد المهني: يساعد الأخصائيين النفسيين العاملين في برامج مساعدة الموظفين (EAPs) على تقييم شكاوى العاملين بموضوعية، والتمييز بين الحساسية الانفعالية المفرطة وبين التعرض الفعلي لنمط سلوكي مزمن ومتكرر من الاستضعاف غير المباشر أو المباشر.
  • تصميم وتقييم برامج التدخل الوقائي: قياس مدى فاعلية برامج تدريب القيادة الأخلاقية، وسياسات مكافحة التنمر والتحرش، وإدارة التنوع في خفض وتيرة السلوكيات العدوانية المقيسة قبل وبعد التدخل.

5. البناء النفسي

يُعرَّف الاستضعاف في مكان العمل (Workplace Victimization) في الإطار السيكومتري الذي صاغه أكينو وزملاؤه (1999) بأنه: إدراك الموظف الذاتي لتلقيه سلوكيات عدوانية متكررة وموجهة نحوه من قِبل واحد أو أكثر من أعضاء المنظمة، ينتج عنها ضرر أو تهديد بإلحاق الضرر بسلامته البدنية أو النفسية أو بوضعه المهني والاجتماعي. يتمحور هذا البناء النفسي حول تجربة المتلقي (الضحية) للعدوان بدلاً من دوافع الفاعل، مما يعكس الأثر الفعلي لتلك الممارسات داخل الفضاء التنظيمي.

ينقسم البناء النفسي العام للاستضعاف إلى بُعدين رئيسيين يستندان إلى درجة الصراحة، والمواجهة المباشرة، وقابلية الاكتشاف الاجتماعي، والآليات التكتيكية المتبعة لإلحاق الأذى:

أولاً: الاستضعاف غير المباشر (Indirect Victimization)

يُقصد بالاستضعاف غير المباشر الأفعال العدوانية التي تُنفذ بطرق مواربة أو سرية أو عبر وسطاء، بحيث يتم إخفاء هوية الجاني أو حجب قصده العدائي الصريح، مما يجعل من الصعب على الضحية أو الإدارة مواجهته أو إثبات مسؤوليته المباشرة. يُعرف هذا النوع في أدبيات علم النفس بالعدوان العلائقي أو الاجتماعي (Relational Aggression)، ويركز بصورة أساسية على تخريب الروابط الاجتماعية للهدف ومكانته المهنية. يضم هذا البُعد في المقياس أربعة أشكال سلوكية محددة:

  • الحديث السيئ وتشويه السمعة (Derogation to Co-workers): قيام المعتدي بترويج أقاويل مسيئة أو معلومات مضللة عن كفاءة الضحية أو نزاهتها أمام بقية الزملاء، بهدف عزلها اجتماعياً وبناء وصمة مهنية تحول دون تعاون الآخرين معها.
  • التخريب المهني (Work Sabotage): إعاقة إنجاز مهام الضحية بطرق خفية، كحجب معلومات حاسمة، أو تأخير تسليم متطلبات العمل المشترك، أو التلاعب بالملفات والمعدات لتبدو الضحية عاجزة عن الوفاء بالتزاماتها المهنية.
  • الإظهار بمظهر سيئ (Image Undermining): افتعال مواقف أو التلاعب بالبيانات السياقية لجعل الضحية تبدو غير كفؤة، أو مهملة، أو غير مسؤولة أمام المشرفين وأصحاب القرار داخل المنظمة.
  • الكذب للتوريط (Deceptive Implication): الإدلاء بشهادات زائفة أو اختلاق روايات كاذبة لإيقاع الضحية في أخطاء إجرائية أو مشكلات إدارية قد تعرضها للتحقيق أو العقاب التأديبي.

ثانياً: الاستضعاف المباشر (Direct Victimization)

يشير الاستضعاف المباشر إلى الممارسات العدوانية الصريحة والمكشوفة التي تتم وجهاً لوجه، حيث يُظهر المعتدي سلوكه العدائي بوضوح لا لبس فيه ودون أي محاولة للتخفي. تتسم هذه السلوكيات بانتهاكها الصارخ للأعراف التنظيمية والمعايير الأخلاقية العامة، وتنطوي على استعراض فج للقوة أو الرغبة في الإهانة والإخضاع النفسي أو الجسدي. يتكون هذا البُعد من أربعة مظاهر سلوكية:

  • الإهانات والشتائم ذات الطابع التمييزي (Slurs): توجيه تعليقات مسيئة ومهينة تمس الهوية العرقية أو القومية أو الدينية أو خلفية الفرد الشخصية، وهو ما يمثل انتهاكاً مركباً يجمع بين العدوان الشخصي والتمييز المحظور.
  • التعليقات والإيماءات البذيئة (Obscene Gestures and Comments): استخدام ألفاظ خادشة للحياء أو إشارات جسدية سوقية بهدف تحقير الفرد وإشعاره بالإهانة والانتهاك النفسي داخل بيئة العمل.
  • التهديد بالأذى الجسدي (Threats of Physical Harm): التعبير الصريح عن نية استخدام العنف البدني أو التلويح بالاعتداء الجسدي، مما يخلق بيئة عمل مهددة لحياة الفرد وسلامته الشخصية وتولد استجابات حادة من الرعب والقلق.
  • السب والشتم المباشر (Direct Cursing): توجيه اللعنات والسباب والشتائم اللفظية الصريحة بصوت عالٍ أو في مواجهة مباشرة، مما يمثل تحقيراً متعمداً لكرامة الموظف الإنسانية والمهنية.

6. الإطار النظري

يستند مقياس سلوك الاستضعاف في مكان العمل إلى منظومة نظرية متكاملة تتداخل فيها نظريات العدوان الاجتماعي، ونماذج التفاعل البينشخصي، والنظريات الكلاسيكية في الدافعية والتوتر المهني. لم ينشأ المقياس في معزل تجريبي، بل كان نتاجاً لتطوير واختبار فرضيات مستمدة من عدة أطر فكرية رصينة:

1. نظرية التفاعل الاجتماعي للعدوان (Social Interactionist Theory of Aggression)

تُعد نظرية التفاعل الاجتماعي، التي طورها جيمس تيديشي وريتشارد فيلسون (Tedeschi & Felson, 1994)، الركيزة الأساسية التي انطلق منها أكينو وزملاؤه. تنظر هذه النظرية إلى العدوان بوصفه شكلاً من أشكال التأثير الاجتماعي القسري (Coercive Action) الذي يلجأ إليه الأفراد لتحقيق أهداف محددة، مثل: تغيير سلوك الهدف، أو استعادة الهيبة وتقدير الذات المجروح، أو معاقبة المعتدي المدرك، أو فرض الهيمنة داخل الجماعة.

وفقاً لهذا المنظور، فإن الفرد لا يصبح ضحية بمحض الصدفة العشوائية دائماً، بل قد تسهم خصائصه السلوكية أو مكانته في المنظومة الاجتماعية في جعله يبدو كهدف جذاب أو منخفض التكلفة للهجوم. تبرز النظرية دور التكاليف والعوائد المتوقعة من قِبل الجاني؛ فالجاني يقيم المخاطر الاجتماعية المحيطة بالاعتداء: إذا كانت تكلفة الهجوم المباشر عالية بسبب مكانة الهدف أو وجود رقابة صارمة، فإنه يتحول نحو أساليب الاستضعاف غير المباشر لتقليل مخاطر العقاب، والعكس صحيح إذا كان الضحية يفتقر إلى القوة والدعم التنظيمي.

2. نموذج الوجدان السلبي كمرشح إدراكي وباعث تفاعلي (Negative Affectivity Model)

استند الباحثون إلى أدبيات سمات الشخصية، ولا سيما بُعد الوجدان السلبي (Negative Affectivity – NA) كما نظّر له واتسون وتيليغن (Watson & Tellegen, 1985). يفترض الإطار النظري للمقياس أن الأفراد ذوي الوجدان السلبي المرتفع أكثر عرضة للاستضعاف عبر آليتين متباينتين ولكن متكاملتين:

  • الآلية الإدراكية (Perceptual Mechanism): يميل الأفراد ذوو المزاج السلبي المزمن إلى تفسير السلوكيات الغامضة أو المحايدة للآخرين على أنها سلوكيات معادية وموجهة ضدهم، مما يزيد من معدلات الإبلاغ عن الاستضعاف.
  • الآلية السلوكية التفاعلية (Behavioral Reactivity): يتصرف الأفراد ذوو الوجدان السلبي أحياناً بطرق استفزازية، أو شكاكة، أو عدوانية سلبية، مما يثير حفيظة زملائهم ويدفع هؤلاء الزملاء إلى الرد عليهم بسلوكيات انتقامية تتخذ شكل الاستضعاف غير المباشر (مثل التخريب ونشر الأقاويل) أو الاستضعاف المباشر.

3. نظرية تقرير المصير ونموذج القوة التنظيمية (Self-Determination and Power Dynamics)

وظف الباحثون مبادئ نظرية تقرير المصير (Deci & Ryan, 1985) التي تؤكد على حاجة الإنسان الأساسية للاستقلالية والشعور بالسيطرة والكفاءة في بيئته. في السياق التنظيمي، يمثل تمتع الموظف بدرجة عالية من تقرير المصير والاستقلالية حاجزاً وقائياً ضد الاستضعاف؛ إذ يمتلك الموظف المستقل موارد نفسية ومهنية تمكنه من صد الاعتداءات وتجعل تكلفة استهدافه مرتفعة على المعتدين.

وعلى النقيض، فإن الموظفين الذين يعانون من ضعف تقرير المصير وتدني المكانة في الهرم الوظيفي يُنظر إليهم من قِبل المعتدين كأهداف سهلة و”ضحايا مثاليين” لا يمتلكون القدرة على الانتقام أو استخدام القنوات الإدارية الرسمية بفاعلية، وهو ما يفسر الاشتقاق النظري للفقرات التي تقيس مدى الضعف والعجز في مواجهة أشكال التخريب والإهانة.

7. الصدق

أُخضع مقياس سلوك الاستضعاف في مكان العمل لسلسلة صارمة من اختبارات التحقق السيكومتري لضمان صدق درجاته وملاءمتها للاستخدام البحثي والتطبيقي. وقد أثبتت الدراسات المتتالية تمتع الأداة بمستويات رفيعة من مختلف أنواع الصدق:

صدق البناء (Construct Validity) والتحليل التوكيدي

تم التحقق من صدق البناء عبر إجراء التحليل العاملي التوكيدي (Confirmatory Factor Analysis – CFA) لمقارنة نموذج البُعدين المفترض بنموذج العامل الواحد العام. أظهرت النتائج أن نموذج العاملين (الاستضعاف المباشر والاستضعاف غير المباشر) حقق مطابقة ممتازة للبيانات الميدانية، وتفوق بفارق دال إحصائياً على نموذج العامل الأحادي، مما يؤكد أن الاستضعاف ليس مفهوماً متجانساً بل ينطوي على مظهرين سلوكيين متمايزين تجريبياً.

الصدق التقاربي (Convergent Validity)

أظهرت النتائج ارتباطاً إيجابياً دالاً إحصائياً بين بُعدي المقياس؛ حيث ارتبط الاستضعاف المباشر إيجابياً وبقوة بالاستضعاف غير المباشر، مما يؤكد أنهما يشتركان في تمثيل المفهوم الأوسع للعدوان الموجه ضد الضحية، حيث يندر أن يتعرض الموظف لاعتداءات مباشرة علنية دون أن تصاحبها أو تسبقها ممارسات استضعاف خفية. كما ارتبط البُعدان إيجابياً بمقاييس الإجهاد النفسي والأعراض الجسدية المرتبطة بالتوتر، مما يعزز الصدق التقاربي للبناء.

الصدق التمايزي (Discriminant Validity)

أثبتت التحليلات تميز المقياس عن البناءات القريبة عبر فحص مصفوفات الارتباط وتحليل التباين المشترك؛ حيث أظهر الباحثون أن درجات الاستضعاف لا تتطابق مع سمة الوجدان السلبي العامة على الرغم من وجود ارتباط بينهما. أظهرت النتائج أن الاستضعاف يفسر تبايناً إضافياً فريداً في مخرجات التوتر الوظيفي ورغبة ترك العمل بعد ضبط تأثيرات الوجدان السلبي والعصابية، مما يبرهن على أن المقياس يرصد حوادث سلوكية واقعية وليس مجرد تشويه معرفي أو ميل عصابي للتذمر.

الصدق التلازمي والتنبؤي (Concurrent & Predictive Validity)

قدمت دراسة أكينو وآخرين (1999) والدراسات اللاحقة أدلة قوية على الصدق التلازمي والتنبؤي للأداة من خلال علاقاتها الارتباطية مع المتغيرات النظرية ذات الصلة:

  • الارتباط بالوجدان السلبي: ارتبط كل من الاستضعاف المباشر والاستضعاف غير المباشر إيجابياً وبصورة دالة بالوجدان السلبي للموظف (Negative Affectivity).
  • الارتباط بتقرير المصير: ارتبط الاستضعاف المباشر وغير المباشر ارتباطاً سالباً دالاً بتقرير المصير في العمل (Self-Determination)؛ حيث أظهر الموظفون الذين يتمتعون بقدرة عالية على التحكم في وظائفهم وصنع قراراتهم مستويات منخفضة بشكل ملحوظ من الوقوع ضحايا للاستضعاف.
  • المكانة الهرمية: تنبأ المقياس بموقع الموظف في الهيكل التنظيمي؛ إذ أظهر شاغلو الرتب الدنيا في التسلسل الهرمي معدلات استضعاف أعلى مقارنة بالمديرين وشاغلي الوظائف الإشرافية العليا.

8. الثبات

تم تقييم الثبات الداخلي والاتساق السيكومتري لمقياس سلوك الاستضعاف في مكان العمل في دراسة التأسيس الأصلية (Aquino et al., 1999) التي شملت عينة مكونة من 347 موظفاً في مؤسسة تعليمية وإدارية حكومية واسعة النطاق، وجرى تأكيده في دراسات استقصائية لاحقة في مجالات الرعاية الصحية والصناعة والخدمات المالية.

معاملات الاتساق الداخلي (ألفا كرونباخ)

سجلت الأبعاد الفرعية للمقياس معاملات اتساق داخلي مقبولة إلى ممتازة وفق المعايير السيكومترية القياسية (Nunnally & Bernstein, 1994):

  • بُعد الاستضعاف غير المباشر (Indirect Victimization): بلغ معامل ألفا كرونباخ (Cronbach’s α) له 0.81، وهو معامل ثبات مرتفع يشير إلى تجانس ممتاز بين الفقرات الأربع المكونة لهذا البُعد (الحديث السيئ، والتخريب، وتشويه الصورة، والكذب للتوريط).
  • بُعد الاستضعاف المباشر (Direct Victimization): بلغ معامل ألفا كرونباخ له 0.76، وهو معامل ثبات جيد جداً خاصة بالنظر إلى أن البُعد يتألف من أربع فقرات فقط ويرصد سلوكيات صريحة متطرفة تتسم بتكرار إحصائي منخفض نسبياً في البيئات المهنية الرسمية (كالتهديد الجسدي والسباب العلني).
  • المقياس الكلي (Total Scale): يتجاوز معامل ألفا للمقياس الإجمالي المؤلف من 8 فقرات حاجز 0.84 في معظم الدراسات التطبيقية المستقلة، مما يمنحه موثوقية عالية عند الرغبة في استخراج درجة مركبة للتعرض الشامل للاستضعاف.

ثبات إعادة الاختبار والخطأ المعياري في القياس

أظهرت التقييمات الطولية استقراراً نسبياً لدرجات المقياس عبر فترات زمنية تراوحت بين 3 إلى 6 أشهر، مع بقاء معاملات الارتباط دالة إحصائياً، وهو ما يتوافق مع الطبيعة المزمنة لبيئات العمل السامة. كما أظهرت حسابات الخطأ المعياري للقياس (Standard Error of Measurement – SEM) انخفاض هوامش الخطأ العشوائي، مما يعزز دقة الأداة في تقدير الدرجة الحقيقية للمفحوصين على متصل الاستضعاف التنظيمي وتبرير استخدامها في الدراسات المسحية والتقييمات الفردية.

9. التحليل العاملي

خضعت البنية العاملية للمقياس لعمليات فحص إحصائي معمقة باستخدام التحليل العاملي الاستكشرافي (EFA) والتوكيدي (CFA) للتحقق من استقلالية الأبعاد وتمايزها المفاهيمي والرياضي.

التحليل العاملي الاستكشافي (Exploratory Factor Analysis – EFA)

في المرحلة الأولى من التحليل، طبق أكينو وفريقه تقنيات تحليل المكونات الأساسية مع التدوير المائل (Oblimin Rotation) نظراً للافتراض النظري بوجود تداخل وارتباط طبيعي بين أشكال العدوان التنظيمي. أسفرت نتائج الفحص عن:

  • استخراج عاملين أساسيين استندا إلى معيار كايزر (الجذور الكامنة Eigenvalues الأكبر من 1.0) واختبار التمثيل البياني للانحدار (Scree Plot).
  • فسر العاملان معاً نسبة معتبرة من التباين الكلي في استجابات الأفراد.
  • تشبعت الفقرات الأربع الخاصة بالأفعال الخفية والعلائقية بوضوح وبقيم تشبع تجاوزت 0.60 على العامل الأول (الاستضعاف غير المباشر)، دون وجود تشبعات متقاطعة دالة (Cross-loadings) على العامل الآخر.
  • تشبعت الفقرات الأربع المرتبطة بالإهانات اللفظية والتهديدات الجسدية المباشرة بقيم تشبع عالية تراوحت بين 0.55 و0.82 على العامل الثاني (الاستضعاف المباشر).

التحليل العاملي التوكيدي (Confirmatory Factor Analysis – CFA)

لاختبار مدى مطابقة البنية المفترضة تجريبياً، تمت مقارنة نموذجين بنيويين متنافسين باستخدام برمجيات النمذجة الإحصائية (LISREL/AMOS):

  1. النموذج أحادي العامل (One-factor Model): يفترض أن جميع الفقرات الثماني تعود إلى بُعد عام شامل للاستضعاف دون تمايز بين المباشر وغير المباشر.
  2. النموذج ثنائي العوامل المتمايز (Two-factor Correlated Model): يفترض وجود عاملين متمايزين مرتبطين (مباشر وغير مباشر).

أثبتت نتائج المقارنة الإحصائية التفوق القاطع للنموذج ثنائي العوامل؛ حيث أظهرت مؤشرات جودة المطابقة (Goodness-of-Fit Indices) قيماً مثالية:

  • مؤشر المطابقة المقارن (Comparative Fit Index – CFI) تجاوز عتبة 0.95.
  • مؤشر توكر-لويس (Tucker-Lewis Index – TLI) تجاوز 0.93.
  • جذر متوسط مربعات خطأ الاقتراب (RMSEA) كان أقل من 0.06، مما يعكس ملاءمة ممتازة لبيانات العينة.
  • أظهر اختبار فروق مربع كاي (Δχ²) بين النموذجين فروقاً دالة إحصائياً لصالح النموذج الثنائي، مؤكداً استقلالية البُعدين على الرغم من وجود ارتباط إيجابي متبادل بينهما.

10. أداة القياس

فيما يلي التفاصيل الفنية المنهجية لمواصفات وتطبيق أداة القياس:

  • نوع الاختبار: مقياس تقرير ذاتي مسحي مقنن (Self-report Survey Measure).
  • المجال التخصصي: علم النفس الصناعي والتنظيمي، إدارة الموارد البشرية، الصحة النفسية المهنية.
  • الجمهور المستهدف: الموظفون والعاملون في مختلف المنظمات والقطاعات الإنتاجية والخدمية بصرف النظر عن المستوى الوظيفي.
  • عدد الفقرات: يتكون المقياس من 8 فقرات سلوكية موجزة ومحددة.
  • الأبعاد الفرعية:
    • بُعد الاستضعاف غير المباشر (Indirect Victimization): يشمل 4 فقرات ترصد التخريب، الشائعات، الإظهار بمظهر سيئ، والكذب الإيقاعي.
    • بُعد الاستضعاف المباشر (Direct Victimization): يشمل 4 فقرات ترصد الشتائم، التعليقات البذيئة، الإهانات العرقية/الدينية، والتهديد بالاعتداء الجسدي.
  • الإطار الزمني للتقييم: يُطلب من المشارك الإجابة وفقاً لعدد المرات التي شهد أو تعرض فيها شخصياً لهذه السلوكيات الموجهة نحوه من زملائه في العمل خلال الاثني عشر شهراً الماضية (within the last year).
  • مقياس الاستجابة: سلم استجابة خماسي التدريج من نمط ليكرت يقيس التكرار الموضوعي للوقائع:
    • 1 = أبداً (never)
    • 2 = من مرة إلى ثلاث مرات (one to three times)
    • 3 = من أربع إلى ست مرات (four to six times)
    • 4 = من سبع إلى تسع مرات (seven to nine times)
    • 5 = أكثر من عشر مرات (more than ten times)
  • طريقة التصحيح واحتساب الدرجات:
    • تُحسب درجات كل بُعد فرعي بصورة مستقلة إما عن طريق جمع درجات الفقرات الأربع الخاصة به (مدى الدرجات: 4 إلى 20)، أو استخراج المتوسط الحسابي للفقرات (مدى الدرجات: 1 إلى 5).
    • يمكن استخراج درجة كلية للاستضعاف الإجمالي عبر حساب متوسط أو مجموع الفقرات الثماني جميعها (مدى الدرجات الإجمالية: 8 إلى 40).
    • تشير الدرجات المرتفعة إلى تعرض أكبر وأكثر تكراراً لسلوكيات الاستضعاف والأذى داخل مكان العمل.
  • الفقرات المعكوسة: لا توجد أي فقرات مصاغة بصورة عكسية؛ فجميع الفقرات تشير مباشرة إلى أفعال وسلوكيات عدوانية متزايدة السلبية.

11. الأذونات والرسوم وسنة الاختبار

  • سنة النشر الأصلية: نُشر المقياس للمرة الأولى في عام 1999 ضمن دراسة منشورة في مجلة Academy of Management Journal.
  • حقوق الملكية الفكرية: تعود حقوق الطبع والنشر الأصلية للمقالة والبيانات التأسيسية لأكاديمية الإدارة (Academy of Management) والمؤلفين (Aquino et al.).
  • سياسة الاستخدام والرسوم: المقياس متاح للاستخدام الأكاديمي والبحثي غير التجاري مجاناً في إطار الاستخدام العادل للأدوات العلمية المنشورة، شريطة الاستشهاد بالورقة التأسيسية للمؤلفين بدقة وتوثيق مصدر الأداة وفق التقاليد العلمية المعيارية.
  • الاستخدام التجاري والمؤسسي: يتطلب استخدام المقياس ضمن تطبيقات تجارية ربحية، مثل استشارات الموارد البشرية المدفوعة، أو دمجه في منصات تقييم رقمية تجارية، الحصول على إذن رسمي كتابي مسبق من الجهة المالكة لحقوق النشر (Academy of Management) أو التواصل المباشر مع المؤلف الرئيسي (Karl Aquino).

12. المراجع

  • Aquino, K., Grover, S. L., Bradfield, M., & Allen, D. G. (1999). The effects of negative affectivity, hierarchal status, and self-determination on workplace victimization. Academy of Management Journal, 42(3), 260–272. https://doi.org/10.5465/256948
  • Deci, E. L., & Ryan, R. M. (1985). Intrinsic motivation and self-determination in human behavior. Plenum Press. https://doi.org/10.1007/978-1-4899-2271-7
  • Nunnally, J. C., & Bernstein, I. H. (1994). Psychometric theory (3rd ed.). McGraw-Hill.
  • Tedeschi, J. T., & Felson, R. B. (1994). Violence, aggression, and coercive actions. American Psychological Association. https://doi.org/10.1037/10160-000
  • Watson, D., & Tellegen, A. (1985). Toward a consensual structure of mood. Psychological Bulletin, 98(2), 219–235. https://doi.org/10.1037/0033-2909.98.2.219

13. فقرات المقياس (Scale Items)

فيما يلي نص فقرات المقياس بلغتها الأصلية كما وردت في الدراسات القياسية المعيارية دون أي تعديل أو ترجمة للحفاظ على صدق أداة القياس وثباتها:
Response Scale: Responses are obtained using a 5-point Likert-type scale where 1 = never, 2 = one to three times, 3 = four to six times, 4 = seven to nine times, and 5 = more than ten times. Respondents are instructed to answer based on the num­ ber of times they personally have witnessed a co-worker directing the described behaviors toward themselves within the last year.
1

Said bad things about you to your co-workers
2

Sabotaged your work
3

Did something to make you look bad
4

Lied to get you in trouble

تقييم هذا المقياس النفسي

5.0 / 5 1 تقييم

اقتباس هذا المقال

looti, M. (2026, سبتمبر 19). سلوك الاستضعاف في مكان العمل. عرب سايكلوجي. https://arabpsychology.com/scales/victimization-behavior-in-the-workplace-scale/
looti, Mohammed. “سلوك الاستضعاف في مكان العمل.” عرب سايكلوجي, 19 سبتمبر 2026, https://arabpsychology.com/scales/victimization-behavior-in-the-workplace-scale/.
looti, Mohammed. “سلوك الاستضعاف في مكان العمل.” عرب سايكلوجي. سبتمبر 19, 2026. https://arabpsychology.com/scales/victimization-behavior-in-the-workplace-scale/.