1. الملخص
تُعد أداة مناطق اللامبالاة (Zones of Indifference Instrument – ZII)، التي طورها الباحثان سام ت. ويلكس (Sam T. Wilkes) وج. م. بلاكبيرن (J. M. Blackbourn) عام 1981 في جامعة ولاية مسيسيبي، مقياساً سيكومترياً ريادياً في ميدان القيادة التربوية والإدارة التعليمية وعلم النفس التنظيمي. يستند المقياس في جذوره النظرية العميقة إلى المفاهيم التأسيسية التي صاغها تشيستر بارنارد (Chester Barnard, 1938) حول “منطقة اللامبالاة” (Zone of Indifference) والتي طورها لاحقاً دانييل كونز (Daniel W. Kunz, 1973) تحت مسمى “منطقة القبول” (Zone of Acceptance). يهدف المقياس إلى قياس مدى اتساع أو ضيق استجابة المعلمين للأوامر والتوجيهات الإدارية الصادرة عن مديري المدارس والمسؤولين التربويين، وتحديد النطاق الذي يعتبر فيه المعلمون أن هذه التوجيهات تقع ضمن نطاق السلطة المشروعة غير القابلة للجدل، أو أنها تمثل تعدياً على الاستقلالية المهنية للممارس التربوي.
تتكون الأداة في نسختها النهائية من 78 فقرة مشتقة من مسودة أولية ضمت 134 فقرة طُبقت على عينة استطلاعية شملت 104 معلمين في أربع ولايات أمريكية، بعد مرحلة التوليد النوعي للفقرات التي شارك فيها 125 معلماً. تنتظم فقرات المقياس في بُعدين عاملين رئيسيين: بُعد الممارسات المحددة من قِبل المعلم (Teacher-Determined Practices) وبُعد السياسات المحددة من قِبل الإدارة (Administrator-Determined Policy). يتم تقييم استجابات المشاركين عبر سلم استجابة رباعي التدريج يُميز بدقة متناهية بين الامتثال غير المشروط، والامتثال المصحوب بالتساؤل الذهني حول شرعية السلطة، والامتثال المعدل الذي يُكيف التوجيه وفق الرؤية المهنية للمعلم، والرفض الصريح للأمر ما لم يتم الإكراه عليه.
أظهرت الخصائص السيكومترية للأداة كفاءة قياسية استثنائية؛ حيث بلغ معامل الاتساق الداخلي (ألفا كرونباخ) للمقياس الكلي 0.95، وبلغ 0.92 لكل من العاملين الفرعيين على حدة، مما يشير إلى مستوى فائق من الدقة القياسية والاستقرار المفاهيمي. تدعم التحليلات العاملية المتقدمة، وتحديداً تحليل المكونات الأساسية المقترن بالتدوير المتعامد وتحليل الصور (Image Analysis)، الصدق البنائي للأداة وتفرد عامليها. يمثل المقياس مورداً تشخيصياً وبحثياً بالغة الأهمية لتقييم المناخ التنظيمي المدرسي، ومستويات الرضا الوظيفي، والالتزام التنظيمي، ونمط القيادة الفعالة التي تتجنب النزاعات الإدارية من خلال فهم الحدود المهنية لأعضاء الهيئة التعليمية.
2. الكلمات المفتاحية
أداة مناطق اللامبالاة، منطقة القبول، تشيستر بارنارد، السلطة الإدارية، القيادة التربوية، الاستقلالية المهنية للمعلم، السلوك التنظيمي المدرسي، الامتثال التنظيمي، نظرية المنظمة، الخصائص السيكومترية.
3. المؤلفون
تم تطوير المقياس من قِبل باحثين متخصصين في الإدارة التربوية والقياس النفسي في جامعة ولاية مسيسيبي بالولايات المتحدة الأمريكية:
- د. سام ت. ويلكس (Sam T. Wilkes): باحث في قسم الإدارة التعليمية والإشراف التربوي، كلية التربية، جامعة ولاية مسيسيبي (Mississippi State University). اهتمت أبحاثه بديناميات القوة والسلطة داخل المؤسسات التعليمية العامة.
- د. ج. م. بلاكبيرن (J. M. Blackbourn): أستاذ الإدارة التعليمية والقيادة المدرسية، كلية التربية، جامعة ولاية مسيسيبي (Mississippi State University). تركزت إسهاماته العلمية على دراسة السلوك القيادي، والمناخ التنظيمي، وتطوير أدوات القياس السيكومتري في المدارس.
- الانتماء المؤسسي المشترك: Mississippi State University, Department of Educational Administration and Supervision, Mississippi State, MS 39762, USA. تم توثيق المقياس لأول مرة وإتاحته عبر مركز معلومات الموارد التعليمية التابع لوزارة التعليم الأمريكية (ERIC: ED 212 063).
4. الغرض
تتمحور الغاية الجوهرية لأداة مناطق اللامبالاة حول تفكيك وقياس البنية النفسية-التنظيمية التي تحكم استجابات المعلمين للتعليمات والتوجيهات الصادرة عن السلطة الإدارية المدرسية. في السياقات التربوية المعاصرة، يواجه مدير المدرسة تحدياً مستمراً يتمثل في الموازنة بين ممارسة السلطة التنظيمية البيروقراطية وبين احترام الاستقلالية المهنية والخبرة التخصصية للمعلمين. عندما يصدر مدير المدرسة أمراً معيناً، لا يتم استقبال هذا الأمر في فراغ؛ بل يمر عبر مرشحات إدراكية وتقييمية متعددة يحدد من خلالها المعلم ما إذا كان التوجيه يقع ضمن حقوق الإدارة المشروعة، أم أنه يمثل تدخلاً غير مبرر في صلاحياته البيداغوجية، أم أنه أمر مرفوض أخلاقياً أو مهنياً.
على المستوى المفاهيمي، تفترض الأداة أن كل معلم يمتلك “منطقة لامبالاة” أو “منطقة قبول” تتسع وتضيق تبعاً لعدة متغيرات تفاعلية. فالتوجيهات التي تقع في عمق منطقة اللامبالاة يتم الامتثال لها تلقائياً دون أدنى تفكير نقدي أو تساؤل ذهني؛ إذ يرى المعلم أنها جزء طبيعي وتلقائي من متطلبات الوظيفة وعقد العمل. أما التوجيهات التي تقع على أطراف هذه المنطقة، فتثير نوعاً من المقاومة السلبية أو التساؤل الداخلي، حيث قد يمتثل المعلم ظاهرياً ولكنه يبطن عدم اقتناعه بشرعية القرار، أو يلجأ إلى تحوير التوجيه وتعديله أثناء التطبيق الفعلي داخل الفصل الدراسي ليتماشى مع معتقداته الذاتية. وفي المقابل، فإن التوجيهات التي تقع خارج منطقة اللامبالاة تماماً تُقابل بالرفض القاطع أو العصيان المدني التنظيمي، ولا يمكن إنفاذها إلا من خلال القسر والإكراه والعقوبات الرسمية، مما يترتب عليه تكاليف تنظيمية باهظة تُلحق الضرر بالمناخ المدرسي والروح المعنوية.
تتعدد التطبيقات الإكلينيكية والبحثية والعملية لهذه الأداة، ويمكن تلخيصها في المجالات الآتية:
- التطوير التنظيمي وتشخيص المناخ المدرسي: تتيح الأداة للقيادات التربوية ومستشاري التطوير الإداري مسحاً دقيقاً لردود أفعال المعلمين تجاه السياسات الجديدة، مما يمنع نشوب الصراعات قبل استفحالها.
- تقييم برامج إعداد القيادات المدرسية: استخدام المقياس لتدريب مديري المدارس الجدد على التعرف على الحدود الفاصلة بين السياسة العامة للمدرسة (المقبولة عموماً) وبين التدخل المفرط في الطرائق التدريسية الخاصة بالمعلم.
- البحث التربوي المقارن: دراسة العلاقة الارتباطية بين اتساع منطقة اللامبالاة ومتغيرات تنظيمية أساسية مثل: الرضا الوظيفي، والاحتراق النفسي للمعلمين، والالتزام التنظيمي، ونمط القيادة التشاركية مقابل القيادة الأوتوقراطية.
- إدارة التغيير التربوي والإصلاح التعليمي: تحديد المجالات التي يرجح أن يبدي المعلمون فيها مقاومة شرسة لسياسات المساءلة أو المناهج المستحدثة، ومن ثم تصميم استراتيجيات تحفيزية واستشارية ملائمة.
5. البناء النفسي
يرتكز البناء النفسي لأداة مناطق اللامبالاة على مفهوم ثنائي الأبعاد مستخلص من التحليل العاملي، يصف طبيعة المهام والمسؤوليات داخل المؤسسة المدرسية والجهة التي يرى المعلمون أنها تملك الحق المهني والأخلاقي في البت فيها وإدارتها. يمثل هذان البعدان المحورين الأساسيين اللذين تتوزع عليهما سلطة اتخاذ القرار التربوي:
أولاً: بُعد الممارسات المحددة من قِبل المعلم (Teacher-Determined Practices)
يعبر هذا العامل عن نطاق الاستقلالية المهنية والفنية والتربوية للمعلم داخل حجرة الدراسة. يشمل هذا البناء التوجيهات الإدارية التي تمس صميم العملية البيداغوجية، والتفاعل المباشر بين المعلم والمتعلم، وإدارة الصف، والتقييم الصفي، واختيار الاستراتيجيات التدريسية المناسبة. يميل المعلمون في هذا المجال إلى امتلاك منطقة قبول أو لامبالاة بالغة الضيق؛ فهم يعتبرون أنفسهم خبراء متخصصين يمتلكون المعرفة التخصصية الكافية لتحديد الكيفية التي يُدرس بها المحتوى التعليمي، وكيفية تنظيم البيئة الصفية، والتعامل مع المشكلات السلوكية اليومية للطلاب.
عندما يصدر المدير أو الإداري تعليمات تحدد تفاصيل هذا البُعد، فإنها غالباً ما تثير حفيظة المعلم وتدفعه إلى التشكيك الذهني أو الامتثال الحذر المعدل. من أمثلة الفقرات التي تتشبع بدرجة مرتفعة على هذا العامل:
- الفقرة 45: اختيار الإجراءات والطرائق التدريسية التي يجب تطبيقها في الصف (تشبع مرتفع جداً).
- الفقرة 46: فرض ترتيب موحد ومقنن لأثاث الفصول الدراسية في عموم المدرسة.
- الفقرة 57: إلزام المعلمين بتأدية مهام الصيانة أو النظافة التي يدخل تنفيذها في نطاق عمال الصيانة الموظفين.
- الفقرة 126: تحديد ممارسة تلزم المعلمين بتحصيل الرسوم والاشتراكات المالية لأنشطة الطلاب.
- الفقرة 128: قيام مدير المدرسة بجدولة وتنظيم الأنشطة الصفية الداخلية لكل حصة.
ثانياً: بُعد السياسات المحددة من قِبل الإدارة (Administrator-Determined Policy)
يعكس هذا العامل نطاق السلطة التنظيمية والبيروقراطية والتنسيقية المخولة قانوناً وعرفاً لإدارة المدرسة. يتناول هذا البناء المسائل المتعلقة بالصالح العام للمؤسسة، وتنسيق الجداول الزمنية، وضمان الامتثال للأنظمة واللوائح المعتمدة على مستوى المنطقة التعليمية، والعلاقات المجتمعية والتمثيل المؤسسي، وحماية حقوق المستفيدين، وإدارة الموارد المادية والبشرية الكلية. يتميز هذا البعد بأن منطقة اللامبالاة لدى المعلمين تكون عادة أكثر اتساعاً تجاه فقراته؛ حيث يتقبل المعلمون بسهولة مبدأ وجود قواعد تنسيقية عامة لا تمس حريتهم البيداغوجية الصرفة داخل قاعات التدريس.
ومع ذلك، إذا تجاوزت التوجيهات الإدارية حدود المعقولية وتوغلت في الحياة الشخصية أو فرضت قيوداً مفرطة خارج أوقات العمل الرسمية، فإن الاستجابة تتراجع نحو الرفض. من أبرز الأمثلة على الفقرات ذات التشبعات العالية على هذا البُعد:
- الفقرة 97: إلزام المعلم بالوقوف التام طوال فترة تدريس الحصة الصفية.
- الفقرة 102: تعيين وتكليف المعلمين كمشرفين على الأنشطة والأندية الطلابية في المدرسة.
- الفقرة 114: منع المعلمين من مغادرة مبنى المدرسة خلال ساعات الدوام المدرسي دون إذن رسمي.
- الفقرة 121: توجيه المعلمين بضرورة الامتناع عن التعبير عن آرائهم حيال المشكلات والقضايا المجتمعية المحلية.
- الفقرة 123: إصدار قرار بمنع استخدام العقاب البدني كوسيلة من وسائل الضبط المدرسي.
6. الإطار النظري
يستند الأساس المفاهيمي لأداة مناطق اللامبالاة إلى إسهامات عملاقة في تاريخ النظرية التنظيمية والسلوك الإداري، وتحديداً كتابات تشيستر بارنارد (Chester I. Barnard, 1938) في مؤلفه الكلاسيكي الخالد وظائف المدير (The Functions of the Executive). قدم بارنارد نظرية ثورية في مفهوم السلطة عرفت لاحقاً بـ “نظرية القبول في السلطة” (Acceptance Theory of Authority). على نقيض النظريات البيروقراطية الكلاسيكية (مثل نظريات ماكس فيبر) التي اعتبرت أن السلطة تتدفق حصرياً من أعلى إلى أسفل بحكم المنصب الرسمي، جادل بارنارد بأن السلطة الحقيقية تكمن في الطرف المتلقي للأمر وليس في الطرف المصدر له. وفقاً لبارنارد، لا يمتلك المدير أي سلطة فعلية ما لم يقرر المرؤوس قبول الأمر وتنفيذه طوعاً.
صاغ بارنارد مفهوم “منطقة اللامبالاة” (Zone of Indifference) ليعبر عن ذلك النطاق من الأوامر والقرارات الإدارية التي يكون الفرد مستعداً لقبولها تلقائياً دون أي تساؤل فكري حول شرعية السلطة أو مدى ملاءمتها. وقد أوضح بارنارد أن الأوامر الإدارية يمكن تصنيفها بالنسبة للموظف إلى أربع فئات حاسمة:
- أوامر غير مقبولة بوضوح، وسيتم رفضها أو عصيانها حتماً.
- أوامر تقع على الخط الفاصل للحياد، قد يقبلها الموظف على مضض أو يعدلها.
- أوامر مقبولة بدون شك وتقع صراحة ضمن التوقعات الطبيعية للوظيفة.
- أوامر تقع في الصميم من منطقة اللامبالاة، حيث يتم الامتثال لها بكل أريحية.
أكدت نظرية بارنارد أن اتساع أو ضيق منطقة اللامبالاة ليس ثابتاً، بل هو حصيلة دينامية لمعادلة “المحفزات مقابل المساهمات” (Inducements-Contributions Balance). فبقدر ما تتفوق الحوافز (سواء كانت مادية، أو معنوية، أو تتعلق ببيئة العمل والتقدير المهني) على الأعباء والالتزامات المترتبة على الانتماء للمنظمة، تتسع منطقة اللامبالاة لدى الموظف، ويصبح أكثر استعداداً لتقبل توجيهات قد لا تروق له تماماً، حفاظاً على مكتسبات العضوية التنظيمية.
في سبعينيات القرن العشرين، نقل دانييل كونز (Daniel W. Kunz, 1973) ومعه نخبة من الباحثين مثل وين هوي (Wayne K. Hoy, 1976) هذه المفاهيم التنظيمية إلى البيئة التعليمية، معيدين تسميتها بـ “منطقة القبول المهنية” (Professional Zone of Acceptance). أظهرت أبحاث كونز وهوي أن المعلمين يختلفون جذرياً عن العمال الصناعيين في حساسيتهم الشديدة للسلطة؛ فالتعليم مهنة احترافية تتطلب حكماً ذاتياً واستقلالية قرار (Professional Autonomy). وعليه، فإن أي توجيه إداري يخترق الحدود البيداغوجية للمعلم يؤدي فوراً إلى تآكل منطقة القبول ويدفع المعلم نحو الرفض أو المقاومة المستترة. انطلق ويلكس وبلاكبيرن (Wilkes & Blackbourn, 1981) من هذه الأسس النظرية الرصينة لتصميم أداة كمية مقننة قادرة على قياس هذا الفضاء المعقد من التفاعلات السلوكية بدقة سيكومترية عالية.
7. الصدق
خضعت أداة مناطق اللامبالاة لفحوص دقيقة لإثبات المؤشرات السيكومترية المرتبطة بصدق القياس (Construct Validity):
صدق المحتوى والصدق الظاهري (Content & Face Validity)
تم تأصيل صدق المحتوى عبر منهجية تشاركية مفتوحة؛ حيث بدأ الباحثان بمطالبة 125 معلماً ممارساً بكتابة وتقديم فقرات تعكس مواقف حقيقية وتوجيهات إدارية يتلقونها يومياً في المدارس. تم جمع وتصنيف هذه المواقف، واستبعاد التكرارات والمفردات الغامضة، حتى استقرت الأداة في صورتها التجريبية على 134 فقرة صريحة غطت كافة جوانب العمل المدرسي (من التدريس، وإدارة الصف، والسجلات، إلى الاجتماعات، والأنشطة الإضافية، وضوابط المظهر الشخصي). ضمنت هذه الخطوة تمثيلاً فائقاً وشاملاً للمجال السلوكي المستهدف.
صدق البناء والتحليل التمايزي (Construct & Discriminant Validity)
أكدت التحليلات العاملية الاستكشافية متعددة المراحل أن الفقرات تتجمع بنقاء مفاهيمي حول كيانين منفصلين وظيفياً: الاستقلالية الفنية للمعلم مقابل السياسة الإدارية للمؤسسة. أظهرت النتائج أن الفقرات ذات الصلة المباشرة بطرائق التدريس والتقييم الصفي تميزت بوضوح تام عن الفقرات ذات الطابع التنظيمي العام والرقابي، مما وفر دعماً قوياً لصدق البناء والصدق التمايزي للمقياس.
ومع ذلك، يشير الباحثان في تقريرهما التقني الأصلي (ERIC ED 212 063) إلى أن التحقق من الصدق اقتصر في دراستهما على إجراءات التحليل العاملي الصارمة ومطابقة المحتوى مع الأدبيات النظرية لكبار منظري الإدارة (بارنارد وكونز)، دون تقديم بيانات تجريبية موسعة حول الصدق التقاربي (Convergent Validity) بمقارنته مع مقاييس أخرى أو الصدق التنبؤي المحكي (Criterion-Related Validity) المرتبط بمؤشرات الأداء المباشرة، مما يفتح أفقاً واسعاً أمام الباحثين المعاصرين لإجراء دراسات ارتباطية مكملة.
8. الثبات
تتمتع أداة مناطق اللامبالاة بمستويات استثنائية من الاتساق الداخلي والثبات الإحصائي، متجاوزة بكثير المعايير القياسية الدنيا الموصى بها في القياس النفسي والتربوي (والتي تتطلب عادة معاملاً لا يقل عن 0.70 أو 0.80 في المقاييس التشخيصية والبحثية):
- معامل ألفا كرونباخ الكلي (Overall Cronbach’s Alpha): بلغ معامل ثبات الاتساق الداخلي للأداة ككل بمفرداتها الـ 78 قيمة مرتفعة جداً بلغت 0.95. يبرهن هذا المعامل الفائق على التماسك المنهجي القوي للمقياس وقدرته على قياس مفهوم منطقة القبول واللامبالاة بخطأ معياري قياسي ضئيل جداً.
- ثبات المقاييس الفرعية (Subscales Reliability): عند فحص الاتساق الداخلي لكل عامل من العاملين المستخرجين، أظهرت النتائج ثباتاً متطابقاً ومتميزاً؛ حيث بلغ معامل ألفا كرونباخ لبُعد “الممارسات المحددة من قِبل المعلم” 0.92، كما بلغ لبُعد “السياسات المحددة من قِبل الإدارة” 0.92 أيضاً.
تؤكد هذه البيانات الرقمية الدقيقة أن الأداة تتسم بدرجة عالية جداً من الاستقرار المفاهيمي وخلو استجابات المبحوثين من التشتت العشوائي، مما يجعلها أداة بالغة الموثوقية للدراسات الميدانية سواء على المستوى الفردي أو التحليل الجمعي للمدارس.
9. التحليل العاملي
اتبع ويلكس وبلاكبيرن (1981) مساراً إحصائياً دقيقاً ومتعدد الخطوات لاختزال مسودة الأداة وتحديد بنيتها العاملية الكامنة:
العينة الإحصائية وإجراءات التطبيق
تم تطبيق المسودة التجريبية المكونة من 134 فقرة على عينة ميدانية قوامها 104 معلمين ينتمون إلى مدارس متنوعة في أربع ولايات أمريكية مختلفة، مما أتاح تنوعاً جغرافياً وتنظيمياً وثقافياً مناسباً لعينة المعايرة الأولية.
مراحل التحليل واستخلاص العوامل
- تحليل المكونات الأساسية (Principal Components Analysis – PCA): أُخضعت استجابات المعلمين لتحليلات استكشافية متتالية أدت في الخطوة الأولى إلى تقليص عدد الفقرات من 134 إلى 80 فقرة توزعت مبدئياً على ثلاثة عوامل، مع استبعاد كافة الفقرات التي فشلت في تحقيق معيار التشبع المقبول (تم اعتماد حد أدنى لتشبع الفقرة لا يقل عن 0.40).
- تحليل الصور والتدوير المتعامد (Image Analysis & Orthogonal Rotation): لزيادة وضوح البنية التفسيرية وتقليل التداخل بين المتغيرات، تم تطبيق تحليل الصور المقترن بالتدوير المتعامد (Orthogonal Rotation)، والذي أسفر بصورة قاطعة ومحكمة عن حل عاملي ثنائي (Two-Factor Solution) تم من خلاله الاستقرار النهائي على 78 فقرة تتمتع بتشبعات عاملية قوية ومتميزة على أحد العاملين دون حدوث تشبعات متقاطعة مربكة.
بنية العاملين والفقرات الممثلة
| العامل | تسمية العامل والمضمون التربوي | أمثلة الفقرات الأعلى تشبعاً |
|---|---|---|
| العامل الأول | الممارسات المحددة من قِبل المعلم (Teacher-Determined Practices): يتعلق بالحرية الفنية، وتخطيط الدروس، والتقييم الصفي، والممارسات التدريسية. | الفقرات: 45، 126، 128، 46، 57 |
| العامل الثاني | السياسات المحددة من قِبل الإدارة (Administrator-Determined Policy): يتعلق بالنظام العام للمدرسة، والمناوبة، والدوام الرسمي، والسياسات المجتمعية واللوائح التنظيمية. | الفقرات: 121، 102، 97، 123، 114 |
10. أداة القياس
تتميز أداة مناطق اللامبالاة بمواصفات منهجية وفنية محددة تجعلها متفردة في القياس التنظيمي:
- نوع الأداة: استبانة تقرير ذاتي مسحية-سيكومترية (Self-report Survey / Psychometric Scale).
- تنسيق المقياس: تتضمن مسودة الأداة 134 موقفاً إدارياً وتوجيهاً واقعياً، تم تنقيحها عبر التحليل العاملي إلى 78 فقرة أساسية لتشكل الأداة المعتمدة. تبدأ الفقرات بالعبارة التوجيهية المعيارية: “حدد كيف سيكون رد فعلك تجاه التوجيهات التالية الصادرة عن مدير أو مسؤول إداري والتي تقضي بـ:…”.
- مقياس الاستجابة والبدائل: لا يستخدم المقياس تدريج ليكرت التقليدي للاتفاق (موافق بشدة إلى غير موافق بشدة)، بل يعتمد مقياس استجابة رباعي التدريج يمثل سلم قبول السلطة والامتثال السلوكي والذهني، وهو كالآتي:
- 1 = توجيه تمتثل له وتنفذه دون أي تساؤل ذهني (A directive you would comply with without question). [يمثل عمق منطقة اللامبالاة والقبول التام].
- 2 = توجيه تمتثل له في الممارسة، ولكنك تتساءل في عقلك وتشكك في سلطة الإداري لإصداره (A directive you would comply with but mentally question the authority of the administrator to issue). [يمثل حافة منطقة اللامبالاة مع وجود تحفظ باطني].
- 3 = توجيه صادر عن الإداري تتساءل ذهنياً حول مشروعيته، وتقوم بتعديل تطبيقه ليكون أكثر انسجاماً مع ما تراه أنت صائباً وواجباً (A directive issued by the administrator that you mentally question the authority of, but alter the application more in keeping with what you think should be done). [يمثل خروجاً جزئياً عن الطاعة وإخضاع الأمر للتقدير المهني الذاتي].
- 4 = توجيه صادر عن الإداري تتساءل وتشكك ذهنياً في سلطته، وترفض الامتثال له نهائياً ما لم تُجبر وتُكره على ذلك (A directive issued by the administrator that you question mentally and refuse compliance with unless forced to do so). [يمثل الخروج التام والقطعي عن منطقة اللامبالاة ودخول دائرة الصراع والرفض].
- طريقة التصحيح والدرجات: يتم احتساب متوسط الدرجات للفقرات التابعة لكل عامل، وكذلك الدرجة الكلية للأداة. تشير الدرجات المنخفضة (القريبة من 1) إلى اتساع هائل في منطقة اللامبالاة والقبول، حيث يتصف المعلم بامتثال وانقياد عالٍ للتوجيهات الإدارية. في حين تشير الدرجات المرتفعة (التي تقترب من 3 و4) إلى ضيق شديد في منطقة اللامبالاة ومقاومة عالية للتوجيهات الإدارية، ما يعكس حرصاً بالغاً على الاستقلالية ورفض الهيمنة البيروقراطية.
- الفقرات المعكوسة: لا تتضمن الأداة فقرات معكوسة بالمعنى الإحصائي التقليدي؛ إذ أن جميع الاستجابات مصممة على متصل متصاعد من الامتثال التام غير المشروط (1) إلى الرفض والمقاومة الصريحة (4).
11. الأذونات والرسوم وسنة الاختبار
- سنة النشر الأساسية: 1981.
- جهة التوثيق والنشر الأصلي: تم توثيق المقياس لأول مرة في جامعة ولاية مسيسيبي، وأُودع في قاعدة البيانات الفيدرالية لمركز معلومات الموارد التعليمية التابع للولايات المتحدة تحت الرقم: ERIC ED 212 063.
- الأذونات وحقوق الاستخدام (Permissions): تتوفر الأداة ضمن وثائق الملكية العامة المودعة في الأرشيف التربوي الوطني الأمريكي (ERIC Document Reproduction Service)، وهي متاحة بصورة حرة للأغراض الأكاديمية والبحثية البحتة وغير التجارية. يُسمح للباحثين وطلاب الدراسات العليا بنسخها واستخدامها وترجمتها للدراسات العلمية مع الالتزام التام بالإشارة المرجعية الواجبة إلى المؤلفين الأصليين (Wilkes & Blackbourn, 1981).
- الرسوم المالية: لا تترتب أي رسوم مالية على استخدام الأداة في البحوث التربوية والجامعية المستقلة.
12. المراجع
- Barnard, C. I. (1938). The functions of the executive. Harvard University Press.
- Hoy, W. K., & Miskel, C. G. (1978). Educational administration: Theory, research, and practice. Random House.
- Kunz, D. W. (1973). Leader behavior of principals and the professional zone of acceptance of teachers (Doctoral dissertation, Rutgers University). University Microfilms No. 74-8824.
- Kunz, D. W., & Hoy, W. K. (1976). Leadership style of principals and the professional zone of acceptance of teachers. Educational Administration Quarterly, 12(3), 49–64. https://doi.org/10.1177/0013161X7601200305
- Wilkes, S. T., & Blackbourn, J. M. (1981). The design of an instrument to measure zones of indifference of teachers to directives issued by administrators. Mississippi State University. ERIC Document Reproduction Service No. ED 212 063. https://eric.ed.gov/?id=ED212063