الإحصاء النفسيمناهج البحث في علم النفس

اختبار دان للمقارنات المتعددة

دليل أكاديمي شامل حول اختبار دان للمقارنات المتعددة: الأسس النظرية، خطوات التطبيق الإحصائي، طرق تصحيح p-value، وتطبيقاته في البحوث النفسية.

تاريخ النشر

يمثل الاستدلال الإحصائي اللامعلمي ركيزة أساسية في معالجة وتحليل البيانات السلوكية والاجتماعية والنفسية، لا سيما عندما تنتهك البيانات الفرضيات الصارمة للاختبارات المعلمية الكلاسيكية، مثل افتراض التوزيع الطبيعي وتجانس التباين. وفي كثير من التصاميم التجريبية وشبه التجريبية في العلوم الإنسانية والطبية، يواجه الباحثون مواقف تتضمن مقارنة ثلاثة مستويات أو أكثر لمتغير مستقل فئوي على متغير تابع ترتيبي أو كمي لا يتبع التوزيع الطبيعي. في مثل هذه السياقات، يُعد اختبار كروسكال-واليس (Kruskal-Wallis) بديلاً لامعلمياً لتحليل التباين أحادي الاتجاه (One-Way ANOVA)، غير أن دلالته الإحصائية لا تخبر الباحث تحديداً بأي الأزواج من المجموعات تكمن بينها الفروق الحقيقية.

هنا تبرز الحاجة المنهجية والرياضية الماسة للاختبارات البعدية (Post-Hoc Tests) المصممة خصيصاً للبنية اللامعلمية للبيانات. يبرز اختبار دان للمقارنات المتعددة (Dunn’s Test for Multiple Comparisons) كأحد أقوى وأدق الأساليب الإحصائية المعتمدة لإجراء المقارنات الثنائية البعدية في أعقاب رفض الفرضية الصفرية في اختبار كروسكال-واليس. يتميز هذا الاختبار باعتماده على الرتب المجمعة مسبقاً في التحليل الكلي، مما يحافظ على التناسق البنيوي مع إحصائية الاختبار الشامل، ويتيح للباحثين تفكيك العلاقات المعقدة بين المجموعات التجريبية والضابطة بدقة فائقة.

يهدف هذا المقال الأكاديمي الشامل إلى تقديم دليل مرجعي متكامل ومفصل حول اختبار دان للمقارنات المتعددة، متناولاً أصوله التاريخية، وأسسه الرياضية والنظرية، وافتراضاته المنهجية الصارمة، مروراً بخطوات حسابه اليدوي والبرمجي عبر بيئات التحليل الإحصائي الحديثة مثل R وPython وSPSS. كما يستعرض المقال أساليب ضبط معدلات الخطأ الناتجة عن المقارنات المتعددة، وحساب حجوم التأثير، وكتابة التقارير العلمية وفق معايير جمعية علم النفس الأمريكية (APA 7)، مدعماً ذلك بدراسات حالة تطبيقية معمقة من واقع الأبحاث الإكلينيكية والسلوكية.

1. مقدمة عامة حول اختبار دان وسياقه الإحصائي

1.1 التعريف باختبار دان ونشأته التاريخية

طوّرت عالمة الإحصاء الحيوي البارزة أوليف جين دان (Olive Jean Dunn) هذا الاختبار في ورقتها العلمية الرائدة المنشورة عام 1964 في مجلة Technometrics. جاء ابتكار دان استجابة مباشرة لفجوة منهجية واضحة في التحليل الإحصائي اللامعلمي آنذاك؛ حيث كان الباحثون يفتقرون إلى وسيلة رياضية منضبطة للمقارنة بين أزواج المجموعات بعد رفض الفرضية الصفرية الشاملة في اختبار كروسكال-واليس دون التضحية بالدقة أو الوقوع في فخ تضخيم الخطأ الإحصائي.

تكمن الفكرة المحورية للاختبارات البعدية للمقارنات الزوجية (Post-hoc Pairwise Comparisons) في عزل التأثيرات المحددة ومعرفة أي المجموعات تتفوق إحصائياً على غيرها بعد أن يُثبت الاختبار الشامل (Omnibus Test) وجود تباين عام في المجتمع المدروس. قدّمت أوليف جين دان صياغة رياضية أنيقة وظفت فيها تقريبات التوزيع الطبيعي المعياري لمقارنة الفروق بين متوسطات الرتب المجمعة (Pooled Ranks)، متضمنةً دمج طرائق تعديل احتمالية الخطأ التراكمي، مما جعل هذا الاختبار معياراً ذهبياً في الإحصاء التطبيقي منذ منتصف القرن العشرين وحتى اليوم.

يمثل اختبار دان نقلة نوعية في معالجة البيانات غير المتصلة؛ إذ لم يقتصر إسهام دان على مجرد صياغة معادلة الفروق، بل أسست لمنظومة شاملة تتعامل مع مشكلة تعدد الاختبارات الجزئية وتداخل التباينات، وهو ما جعل الإحصاء اللامعلمي يتجاوز مرحلة “الكشف العام عن الفروق” إلى مرحلة “التشخيص التفصيلي الدقيق للمسارات التجريبية”.

1.2 موقع اختبار دان ضمن شجرة الاختبارات الإحصائية

ضمن شجرة القرارات الإحصائية، يتحدد موقع اختبار دان كاختبار بعدي لا معملي يتبع حصراً اختبار كروسكال-واليس للعينات المستقلة المتباينة ذات المتغيرات الرتبية أو المتصلة المنحرفة. إذا كان اختبار تحليل التباين الأحادي (ANOVA) يتبعه اختبارات بعدية معلمية مثل اختبار توكي للفروق ذات الدلالة الحقيقية (Tukey’s HSD) أو اختبار شيفيه (Scheffé) أو اختبار بونفيروني المعلمي، فإن اختبار دان يؤدي الوظيفة الموازية تماماً في البيئة اللامعلمية.

تختلف الاختبارات المعلمية في اعتمادها الجوهري على توسطات البيانات الحسابية (Means) وتبايناتها (Variances) في ظل افتراض التوزيع الطبيعي الغوسي، بينما يتجاهل اختبار دان القيم الخام لصالح الرتب الترتيبية (Ranks). يسمح هذا التموضع للباحث بالتعامل الرصين مع البيانات التي تظهر التواءً شديداً (Skewness)، أو تفرطحاً شاذاً (Kurtosis)، أو تحتوي على قيم متطرفة (Outliers) تعطل كفاءة الاختبارات المعلمية التقليدية وتجعل تقديراتها غير موثوقة.

علاوة على ذلك، يتفوق اختبار دان على بدائل المقارنات الثنائية البسيطة بكونه يحافظ على التباين الإجمالي المستمد من جميع المجموعات في التجربة دون تجزئة العينة الكلية، مما يمنحه موقعاً فريداً يجمع بين قوة الاختبار الإجمالية ومرونة الاستدلال اللامعلمي.

1.3 أهمية الاختبار في العلوم السلوكية والنفسية

تعتمد العلوم السلوكية والنفسية اعتماداً مكثفاً على أدوات القياس النفسي التي تولد بيانات ترتيبية بطبيعتها، مثل مقاييس ليكرت (Likert Scales)، واستبانات التقييم الذاتي للسمات الشخصية، وسلالم التقدير الإكلينيكي لأعراض القلق والاكتئاب. نادراً ما تحقق هذه المقاييس التوزيع الطبيعي المتصل الحقيقي، حيث تتسم استجابات المشاركين غالباً بالتمركز حول نهايات المقياس أو التكتل حول خيارات معينة بفعل المرغوبية الاجتماعية أو الخصائص الإكلينيكية للعينة.

في مثل هذه البيئات البحثية، تصبح الحاجة إلى الفصل الدقيق بين المجموعات التجريبية المتعددة (مثل: مجموعة العلاج السلوكي المعرفي، مجموعة العلاج الدوائي، ومجموعة قائمة الانتظار) مسألة حاسمة في اتخاذ القرارات العلاجية ورسم السياسات الصحية. يمنح اختبار دان الباحثين النفسيين أداة صارمة إحصائياً للتحقق من أي البرامج التدخلية أحدثت تحسناً حقيقياً مقارنة بغيرها دون الوقوع في استنتاجات خاطئة ناتجة عن تشوه التوزيعات الأصلية للدرجات النفسية.

يساعد اختبار دان كذلك في تقليل خطر المبالغة في تقدير الفروق الإحصائية الهامشية، إذ يوفر حماية مزدوجة عبر استناده إلى ترتيب الرتب واستخدامه لتقنيات تصحيح الدلالة المتعددة، مما يعزز الموثوقية التكرارية (Replicability) للأبحاث السلوكية ويدعم الممارسات المبنية على الأدلة والبراهين (Evidence-Based Practice).

2. الأسس النظرية والرياضية لاختبار دان

2.1 الاعتماد على الرتب المجمعة (Pooled Ranks)

يقوم الأساس الفلسفي والرياضي لاختبار دان على مفهوم الرتب المجمعة (Pooled Ranks). في هذا السياق، لا يتم عزل المجموعتين المراد مقارنتهما وإعادة ترتيب بياناتهما بشكل منفصل، بل يتم أخذ جميع المشاهدات عبر كافة المجموعات التجريبية والضابطة ودمجها في مصفوفة واحدة، ثم ترتيب جميع القيم تصاعدياً من الرتبة 1 إلى الرتبة الإجمالية N.

بعد تعيين الرتب الشاملة لكل مفردة من مفردات العينة، يُحسب متوسط الرتب (Mean Rank) الخاص بكل مجموعة فرعية على حدة. تكمن القوة النظرية لهذا الأسلوب في أن متوسط رتب المجموعة يعكس موقعها النسبي ضمن التوزيع الكلي لجميع المشاركين في الدراسة، وليس فقط في مواجهة المجموعة المقابلة في المقارنة الثنائية. هذا الترتيب الموحد يحافظ على نفس فضاء الاحتمالات الذي استند إليه اختبار كروسكال-واليس المبدئي، مما يمنع حدوث تضارب في تقدير التباين العام ويحافظ على القوة الإحصائية (Statistical Power) للاختبار.

إذا قمنا بعزل مجموعتين وإعادة ترتيبهما بشكل ثنائي مستقل، فإننا نتجاهل المعلومات المستمدة من تشتت باقي المجموعات وحجم العينة الكلي، وهو ما يفقد التحليل جزءاً كبيراً من حساسيته الرياضية ويجعله عرضة للتشتت العشوائي للعينات الصغيرة داخل كل فئة.

2.2 المعادلة الرياضية وإحصاء الاختبار (Z-score)

يستخدم اختبار دان تقريباً مقاربياً للتوزيع الطبيعي المعياري لحساب الدلالة الإحصائية للفرق بين متوسطي رتب أي مجموعتين. يُرمز لمتوسط رتب المجموعة الأولى بالرمز R̄i ولمتوسط رتب المجموعة الثانية بالرمز R̄j. يُحسب الفرق المعياري وإحصاء الاختبار Z من خلال المعادلة الرياضية التالية:

$$Z = \frac{\bar{R}_i – \bar{R}_j}{\sigma_{ij}}$$

حيث يمثل البسط الفرق المطلق أو الموجه بين متوسطي رتب المجموعتين، بينما يمثل المقام ($\sigma_{ij}$) الخطأ المعياري للفرق بين متوسطي الرتب في ظل فرضية العدم التي تفترض عدم وجود أي فروق بين توزيعات المجموعات في المجتمع الأصلي. تُحسب قيمة التباين المشترك ($\sigma^2_{ij}$) في حالة عدم وجود تعادلات في الرتب عبر الصيغة الرياضية:

$$\sigma^2_{ij} = \left[ \frac{N(N + 1)}{12} \right] \left( \frac{1}{n_i} + \frac{1}{n_j} \right)$$

حيث تمثل N حجم العينة الكلي في كامل الدراسة، بينما تمثل $n_i$ و $n_j$ أحجام العينات في المجموعتين المقارنتين بالتحديد. يتم بعد ذلك استخراج الخطأ المعياري ($\sigma_{ij}$) بأخذ الجذر التربيعي للتباين المشترك. يتبع إحصاء Z الناتج توزيعاً طبيعياً معيارياً مقاربياً بمتوسط حسابي يساوي صفراً وانحراف معياري يساوي واحداً صحيحاً N(0, 1)، مما يتيح حساب القيمة الاحتمالية المقابلة (p-value) بدقة متناهية بالرجوع إلى جداول التوزيع الطبيعي المعياري.

2.3 معالجة التعادل في الرتب (Ties Adjustment)

في التطبيقات الواقعية والمقاييس النفسية، تتكرر نفس الدرجة الخام بين العديد من المشاركين، مما يؤدي إلى ما يُعرف بظاهرة “التعادل في الرتب” (Tied Ranks). عند وجود قيم متطابقة، يتم إعطاء كل قيمة متوسط الرتب التي كانت ستشغلها هذه القيم لو كانت مختلفة. غير أن وجود التعادلات يؤدي إلى تقليل التباين الإجمالي لمصفوفة الرتب مقارنة بالتباين النظري الخالي من التعادلات.

إذا لم يتم تصحيح هذا الانخفاض في التباين، فإن الخطأ المعياري المحسوب سيكون أكبر من قيمته الحقيقية، مما يؤدي إلى خفض قيمة إحصاء Z المحسوبة بصورة مصطنعة، وبالتالي يزداد احتمال ارتكاب الخطأ من النوع الثاني (Type II Error) بعدم اكتشاف الفروق الحقيقية. لمعالجة ذلك، طوّرت دان معامل تصحيح للتباين يُرمز له بالرمز C_ties ويُحسب وفق المعادلة التالية:

$$C_{ties} = 1 – \frac{\sum_{m=1}^g (t_m^3 – t_m)}{N^3 – N}$$

حيث يمثل g عدد مجموعات القيم المتعادلة، ويمثل $t_m$ عدد المشاهدات المتعادلة في المجموعة m. يتم تعديل معادلة الخطأ المعياري بضرب الحد الأول بمعامل التصحيح ليصبح التباين المصحح للتعادلات كالتالي:

$$\sigma^2_{ij,\text{adjusted}} = \left[ \frac{N(N + 1)}{12} – \frac{\sum (t_m^3 – t_m)}{12(N – 1)} \right] \left( \frac{1}{n_i} + \frac{1}{n_j} \right)$$

يضمن هذا التعديل الرياضي الصارم استعادة الدقة المعيارية لاختبار Z وتجنب أي انحيازات ناتجة عن تكرار القياسات المتشابهة في المقاييس السلوكية.

3. العلاقة الوثيقة بين اختبار كروسكال-واليس واختبار دان

3.1 اختبار كروسكال-واليس كاختبار شامل أولي (Omnibus Test)

يعمل اختبار كروسكال-واليس كحارس منهجي (Methodological Gatekeeper) للاستدلال الإحصائي؛ فهو اختبار شامل (Omnibus) وظيفته الأساسية فحص الفرضية الصفرية القائلة بأن جميع عينات المجموعات المدروسة مستمدة من مجتمعات ذات توزيعات متطابقة في متوسطات الرتب. تتمثل ميزة الاختبار الشامل في حماية الباحث من فحص فروق جزئية قد تكون وليدة الصدفة الإحصائية البحتة.

مع ذلك، تتجلى محدودية اختبار كروسكال-واليس في كونه لا يقدم أي معلومات تفصيلية عن نمط التباين بين المجموعات؛ فهو يكتفي بالإشارة إلى وجود فرق ذي دلالة إحصائية بين زوج واحد على الأقل من المجموعات دون تحديد ماهية هذا الزوج أو عدد الأزواج المتباينة. وفقاً للأعراف المنهجية الصارمة، لا يجوز للباحث الانتقال إلى إجراء المقارنات البعدية بواسطة اختبار دان إلا بعد رفض الفرضية الصفرية للاختبار الشامل عند مستوى دلالة محدد سلفاً (غالباً $\alpha = 0.05$).

يحمي هذا التسلسل الهرمي للتحليل الباحث من الشروع في تحليلات تفصيلية مضللة، ويشكل خط الدفاع الأول ضد تضخم معدل الخطأ العائلي عبر الحفاظ على ضبط العمليات الاستدلالية ضمن إطار منهجي متكامل ومنضبط.

3.2 لماذا لا نكرر اختبار مان-ويتني (Mann-Whitney U) كبديل مباشر؟

يميل بعض الباحثين غير المتخصصين إلى ارتكاب خطأ منهجي شائع يتمثل في إجراء سلسلة من اختبارات مان-ويتني (Mann-Whitney U) الثنائية المتكررة بين كل زوج من المجموعات كبديل للاختبارات البعدية. ينطوي هذا الإجراء على خطأين رياضيين جوهريين يؤثران تأثيراً مباشراً على صحة النتائج وسلامة الاستدلال الإحصائي.

الخطأ الأول يكمن في آلية حساب الرتب؛ فاختبار مان-ويتني يقوم بعزل المجموعتين المقارنتين فقط ويعيد ترتيب درجاتهما من جديد بمعزل عن بقية مجموعات الدراسة، مما يؤدي إلى تغير رتب المشاركين كلياً في كل مقارنة ثنائية وفقدان التناسق الرياضي مع الرتب المجمعة الشاملة التي استند إليها اختبار كروسكال-واليس. أما اختبار دان، فيحافظ على الرتب الكلية المجمعة ذاتها التي استُخدمت في التحليل الكلي.

الخطأ الثاني يرتبط بتقدير التباين؛ إذ يستند اختبار مان-ويتني إلى خطأ معياري يتغير بناؤه مع كل مقارنة ثنائية مستقلة بالاعتماد فقط على حجم وتشتت المجموعتين المعنيتين، بينما يستند اختبار دان إلى خطأ معياري مشترك وموحد يستغل القوة الإحصائية المستمدة من حجم العينة الإجمالي N وتباين الرتب الكلي، مما يجعل اختبار دان أكثر اتساقاً وقوة من الناحية النظرية والرياضية مقارنة بتكرار اختبارات مان-ويتني المستقلة.

3.3 حالات التباين بين نتائج كروسكال-واليس واختبار دان

قد يواجه المحلل الإحصائي في بعض الأحيان ظاهرة محيرة تتمثل في وجود دلالة إحصائية شاملة لاختبار كروسكال-واليس (مثل $p < 0.03$)، ولكن عند تطبيق اختبار دان وإجراء تعديلات المقارنات المتعددة، لا يظهر أي زوج من المجموعات دلالة إحصائية عند مستوى 0.05. تُعرف هذه الظاهرة بالتناقض الاستدلالي للاختبارات البعدية (Post-Hoc Discrepancy).

تعود أسباب هذا التباين إلى عدة عوامل منهجية؛ أهمها الصرامة التحفظية لأساليب تصحيح القيم الاحتمالية (مثل تعديل بونفيروني)، لا سيما عندما تكون أحجام العينات صغيرة، أو عندما يكون التأثير الكلي موزعاً بشكل طفيف وتراكمي عبر عدة مجموعات بدلاً من تركز فارق ضخم بين مجموعتين محددتين. في مثل هذه الحالات، يمتلك الاختبار الشامل قدرة كافية على رصد التشتت الكلي التراكمي، في حين تفقد الاختبارات البعدية قدرتها على إثبات الدلالة لكل زوج على حدة بعد تطبيق عقوبة تصحيح ألفا.

يتطلب التعامل المنهجي مع هذه الحالات عدم تلفيق الدلالة بحذف التصحيحات، بل يجب على الباحث الإبلاغ عن النتيجة بشفافية تامة، موضحاً أن الاختبار الكلي أظهر تأثيراً عاماً غير أن التعديلات الصارمة للمقارنات المتعددة حالت دون عزل الزوج المسؤول بدقة، مع التوصية بزيادة حجم العينة في الدراسات المستقبلية لرفع القوة الإحصائية.

4. شروط وافتراضات تطبيق اختبار دان

4.1 طبيعة المتغيرات ومستويات القياس

يتطلب التطبيق السليم لاختبار دان استيفاء مجموعة محددة من الشروط التصميمية والقياسية لضمان صحة الاستدلال الرياضي. يتمثل الشرط الأول في طبيعة المتغير التابع، والذي يجب أن يكون مقاساً على مستوى ترتيبي (Ordinal) على الأقل، مثل درجات بنود ليكرت، أو رتب التفضيل، أو أن يكون متغيراً كمياً متصلاً (Continuous) ينتهك افتراضات التوزيع الطبيعي بدرجة تجعل استخدام اختبارات ANOVA المعلمية غير موثوق به.

أما الشرط الثاني فيتعلق بالمتغير المستقل؛ حيث يجب أن يكون متغيراً تصنيفياً فئوياً (Categorical) يتكون من ثلاثة مستويات مستقلة أو أكثر. يُشترط هنا أن تكون المجموعات مستقلة تماماً ومتبادلة الحصر (Mutually Exclusive)؛ بحيث لا ينتمي أي مشارك لأكثر من مجموعة علاجية أو تصنيفية واحدة، مما يستبعد استخدام هذا الاختبار في تصاميم القياسات المتكررة (Repeated Measures) أو العينات المترابطة داخل نفس الأفراد.

الشرط الثالث هو استقلالية الملاحظات والمشاركين؛ أي أن استجابة أي فرد داخل العينة لا تتأثر أو ترتبط باستجابة أي فرد آخر سواء داخل نفس المجموعة أو عبر المجموعات الأخرى، وهو افتراض منهجي جوهري يُبنى عليه حساب التباينات الإحصائية.

4.2 افتراض تماثل أشكال التوزيعات (Distribution Shape)

من أكثر الجوانب المنهجية دقة في تطبيق اختبار دان واختبار كروسكال-واليس هو التمييز بين اختبار الفروق في متوسطات الرتب (Mean Ranks) واختبار الفروق في الوسيط الحسابي (Medians). لا يشترط اختبار دان بطبيعته الرياضية الأصلية أي توزيع محدد لشكل البيانات، ولكن صياغة الفرضيات وتفسير النتائج تعتمد كلياً على شكل التوزيع التكراري لكل مجموعة.

إذا كانت التوزيعات التكرارية للدرجات عبر جميع المجموعات تمتلك أشكالاً هندسية متماثلة ومستويات التواء وتفرطح متشابهة بصرياً وإحصائياً، فإن اختبار دان يُفسر في هذه الحالة كاختبار للفروق بين الوسيطات (Medians) للمجموعات. أما إذا كانت أشكال التوزيعات التكرارية متباينة وغير متجانسة بين المجموعات (مثلاً: مجموعة ملتوية التواءً موجباً شديداً وأخرى ملتوية التواءً سالباً)، فإن اختبار دان يظل صالحاً رياضياً، ولكنه يُفسر حصراً كاختبار للفروق بين متوسطات الرتب (Mean Ranks) وليس بين الوسيطات.

يُنصح الباحثون دائماً بإجراء الفحص البصري لتجانس التوزيعات عبر المدرجات التكرارية (Histograms) ومخططات الكثافة الاحتمالية (Density Plots) قبل صياغة الاستنتاجات النهائية لتحديد ما إذا كان التقرير سيتناول الوسيط أم متوسط الرتب.

4.3 حجم العينة وتأثيره على كفاءة الاختبار

يعتمد اختبار دان على التقريب الطبيعي المقاربي (Asymptotic Normal Approximation) لحساب إحصائية Z، وهو تقريب يفترض نظرياً أن حجم العينة كافٍ لتطبيق نظرية النهاية المركزية على توزيع متوسطات الرتب. بشكل عام، يُفضل ألا يقل حجم العينة داخل كل مجموعة عن 5 إلى 10 مشاركين كحد أدنى لضمان استقرار تقريب التوزيع الطبيعي المعياري وموثوقية القيم الاحتمالية المستخرجة.

تتجلى إحدى أقوى مزايا اختبار دان في مرونته الفائقة وقدرته الرياضية العالية على التعامل مع العينات غير المتساوية (Unequal Sample Sizes) بين المجموعات؛ حيث تتضمن معادلة الخطأ المعياري المشترك معاملات مستقلة لأحجام كل مجموعة ($1/n_i + 1/n_j$)، مما يتيح موازنة التباين بدقة بغض النظر عن تفاوت أعداد المشاركين بين المجموعات التجريبية والضابطة.

في المقابل، إذا كانت أحجام العينات شديدة الصغر (أقل من 4 أو 5 مشاركين في المجموعة)، فإن كفاءة الاختبار وحساسيته الإحصائية تنخفضان بشكل ملحوظ، ويزداد خطر عدم اكتشاف الفروق الحقيقية، مما يفرض في مثل هذه الحالات اللجوء إلى طرائق إعادة التوليد العشوائي (Exact Tests or Permutation Approaches) لتدعيم الاستدلال.

5. خطوات إجراء اختبار دان خطوة بخطوة

5.1 صياغة الفرضيات الإحصائية للاختبار البعدي

تبدأ العملية الإحصائية لاختبار دان بالتحديد الصارم لعدد المقارنات الممكنة وصياغة الفرضيات الإحصائية المقابلة لكل مقارنة ثنائية. إذا كان لدينا عدد k من المجموعات المستقلة، فإن العدد الإجمالي للمقارنات الثنائية الزوجية الممكنة يُحسب باستخدام معادلة التوافيق الرياضية:

$$c = \frac{k(k – 1)}{2}$$

على سبيل المثال، في دراسة تحتوي على 4 مجموعات علاجية، سيكون لدينا $4(3)/2 = 6$ مقارنات ثنائية مستقلة. يتم تحديد فرضية العدم ($H_0$) والفرضية البديلة ($H_1$) لكل زوج محدد من المجموعات (المجموعة i والمجموعة j) على النحو التالي:

  • فرضية العدم ($H_{0: ij}$): لا يوجد فرق ذو دلالة إحصائية بين متوسط رتب المجموعة i ومتوسط رتب المجموعة j في المجتمع الأصلي ($\bar{R}_i = \bar{R}_j$).
  • الفرضية البديلة ثنائية الذيل ($H_{1: ij}$): يوجد فرق ذو دلالة إحصائية بين متوسط رتب المجموعة i ومتوسط رتب المجموعة j ($\bar{R}_i \neq \bar{R}_j$).
  • الفرضية البديلة أحادية الذيل ($H_{1: ij}$ الموجهة): متوسط رتب المجموعة i أكبر (أو أصغر) بدلالة إحصائية من متوسط رتب المجموعة j ($\bar{R}_i > \bar{R}_j$ أو $\bar{R}_i < \bar{R}_j$).

5.2 حساب الرتب ومتوسطات الرتب المشتركة

تتمثل الخطوة الإجرائية الأولى في دمج كافة الدرجات الخام لجميع المشاركين عبر المجموعات في عمود واحد مع الاحتفاظ بمعرّف المجموعة لكل مشارك. يتم ترتيب البيانات تصاعدياً من أصغر قيمة إلى أكبر قيمة، وتُعطى أصغر قيمة الرتبة 1 والقيمة التي تليها الرتبة 2 وهكذا حتى نصل إلى القيمة الأخيرة التي تأخذ الرتبة الكلية N.

في حالة وجود قيم متطابقة ومتكررة، يتم رصد جميع المواقع التي تشغلها تلك القيم وتعيين المتوسط الحسابي للرتب المتنافس عليها لكل قيمة من تلك القيم المتعادلة. بمجرد الانتهاء من إسناد الرتب لكامل مصفوفة البيانات، تُعاد الرتب إلى مجموعاتها الأصلية، ويُحسب مجموع الرتب ($R_i$) لكل مجموعة من خلال جمع رتب أفرادها، ثم يُستخرج متوسط الرتب ($\bar{R}_i$) بقسمة مجموع الرتب على حجم العينة داخل تلك المجموعة ($n_i$):

$$\bar{R}_i = \frac{\sum_{k=1}^{n_i} R_{ik}}{n_i}$$

يوفر هذا الحساب جدولاً يحتوي على أحجام المجموعات، ومجموع رتبها، ومتوسطات رتبها، وهي المدخلات المباشرة لمعادلة إحصائية Z لاختبار دان.

5.3 حساب الخطأ المعياري وإحصاء Z لكل مقارنة ثنائية

بعد الحصول على متوسطات الرتب، يتم الانتقال إلى حساب الخطأ المعياري لكل زوج من المقارنات. يتم تطبيق معادلة التباين المشترك بالاعتماد على حجم العينة الكلي N وأحجام المجموعتين المقارنتين بالتحديد ($n_i, n_j$)، مع تطبيق معامل تصحيح التعادلات إذا كانت البيانات تتضمن قياسات مكررة.

يُحسب إحصاء الاختبار Z لكل مقارنة من خلال قسمة الفرق بين متوسطي الرتب على الخطأ المعياري المحسوب:

$$Z_{ij} = \frac{\bar{R}_i – \bar{R}_j}{\sqrt{\left[ \frac{N(N+1)}{12} – \frac{\sum(t_m^3 – t_m)}{12(N-1)} \right] \left( \frac{1}{n_i} + \frac{1}{n_j} \right)}}$$

بمجرد الحصول على قيمة $Z_{ij}$، يتم استخراج القيمة الاحتمالية غير المصححة (Unadjusted p-value) بالرجوع إلى دالة التوزيع التراكمي للتوزيع الطبيعي المعياري ثنائي الذيل:

$$p_{\text{unadjusted}} = 2 \times (1 – \Phi(|Z_{ij}|))$$

حيث تمثل $Phi$ دالة التوزيع التراكمي للتوزيع الطبيعي المعياري. تمثل هذه القيمة الاحتمالية النقطة المبدئية التي ستخضع لعمليات التصحيح الإحصائي في الخطوة التالية.

6. طرق تصحيح الخطأ من النوع الأول في اختبار دان

6.1 مشكلة المقارنات المتعددة ومعدل الخطأ العائلي (FWER)

عند إجراء مقارنة إحصائية فردية واحدة، يتم ضبط احتمال ارتكاب الخطأ من النوع الأول (Type I Error) — وهو رفض الفرضية الصفرية عندما تكون صحيحة في الواقع — عند مستوى ألفا المعتاد ($\alpha = 0.05$). ومع ذلك، عند إجراء مقارنات ثنائية متعددة في وقت واحد على نفس مجموعة البيانات، يتراكم هذا الاحتمال ويتضخم بشكل هندسي مهدداً موثوقية النتائج.

يُعرف احتمال ارتكاب خطأ واحد على الأقل من النوع الأول عبر كامل مجموعة المقارنات بـ معدل الخطأ العائلي (Family-Wise Error Rate – FWER). في ظل استقلالية الاختبارات، يُحسب معدل الخطأ العائلي الفعلي ($\alpha_{\text{family}}$) بعدد c من المقارنات وفق المعادلة:

$$\alpha_{\text{family}} = 1 – (1 – \alpha_{\text{per-comparison}})^c$$

إذا كان لدينا دراسة تحتوي على 5 مجموعات، فإن عدد المقارنات الثنائية هو 10 مقارنات. عند استخدام $\alpha = 0.05$ لكل مقارنة دون تعديل، فإن معدل الخطأ العائلي يقفز إلى:

$$\alpha_{\text{family}} = 1 – (1 – 0.05)^{10} \approx 0.401$$

يعني ذلك وجود احتمال يتجاوز 40% للعثور على فرق زائف ذي دلالة إحصائية ناتج عن الصدفة وحدها. من هنا تصبح أساليب ضبط وتصحيح القيم الاحتمالية ضرورة حتمية لحماية النزاهة العلمية للبحث.

6.2 طريقة بونفيروني (Bonferroni Correction)

تُعد طريقة بونفيروني (Bonferroni Correction) الأسلوب التقليدي الأكثر شهرة وبساطة لمكافحة تضخم الخطأ من النوع الأول. تقوم الفكرة الرياضية لبونفيروني على مبدأ عدم مساواة بول (Boole’s Inequality)، وتتمثل آليتها إما في تقسيم مستوى الدلالة الكلي المستهدف ($\alpha = 0.05$) على إجمالي عدد المقارنات المنجزة c، ليصبح مستوى الدلالة الجديد الحرج ($\alpha_{\text{adjusted}} = \alpha / c$)، أو بضرب كل قيمة احتمالية غير مصححة في عدد المقارنات ($p_{\text{adjusted}} = p \times c$) ومقارنتها مباشرة بالمستوى 0.05.

تمتاز طريقة بونفيروني بصرامتها الفائقة وضمانها القاطع لعدم تجاوز معدل الخطأ العائلي لسقف 0.05 تحت أي ظرف، مما يجعلها درعاً حصيناً ضد الاكتشافات الزائفة في الدراسات الحساسة والسريرية الحرجة.

على الجانب الآخر، تُوجه لطريقة بونفيروني انتقادات منهجية واسعة بسبب إفراطها في التحفظ (Over-conservatism)، لا سيما مع ازدياد عدد المقارنات؛ إذ تؤدي صرامتها الشديدة إلى خفض القوة الإحصائية بشكل حاد وزيادة احتمالية ارتكاب الخطأ من النوع الثاني (Type II Error) بإغفال فروق حقيقية جوهرية بين المجموعات.

6.3 طريقة هولم-بونفيروني المتتابعة (Holm-Bonferroni Method)

طوّر عالم الإحصاء ستري هولم (Sture Holm) عام 1979 تعديلاً متتابعاً لطريقة بونفيروني يُعرف بـ طريقة هولم-بونفيروني المتتابعة (Holm-Bonferroni Step-down Procedure). يحقق هذا الأسلوب نفس الحماية الصارمة لمعدل الخطأ العائلي التي توفرها بونفيروني التقليدية، ولكنه يوفر قوة إحصائية أعلى بشكل ملحوظ عبر تقليل التحفظ المفرط.

تعتمد الآلية الإجرائية لهولم على الخطوات المتتابعة التالية:

  1. ترتيب القيم الاحتمالية غير المصححة لجميع المقارنات الثنائية تصاعدياً من الأصغر إلى الأكبر: $p_{(1)} le p_{(2)} le dots le p_{(c)}$.
  2. مقارنة كل قيمة احتمالية $p_{(i)}$ بمستوى دلالة متدرج يتناقص صرامة يُحسب بالمعادلة: $\frac{\alpha}{c – i + 1}$، حيث تمثل i ترتيب القيمة الاحتمالية الحالي، وتمثل c إجمالي عدد المقارنات.
  3. تبدأ العملية بمقارنة أصغر قيمة $p_{(1)}$ بـ $\alpha / c$. إذا كانت دالة إحصائياً ($p_{(1)} < \alpha / c$)، تُرفض الفرضية الصفرية الأولى وننتقل إلى القيمة الثانية $p_{(2)}$ ونقارنها بـ $\alpha / (c – 1)$.
  4. تستمر العملية خطوة بخطوة؛ وفي اللحظة التي تفشل فيها أي قيمة احتمالية $p_{(k)}$ في تحقيق الدلالة عند مستواها المتدرج، تتوقف عملية الاختبار فوراً ويتم قبول الفرضيات الصفرية لجميع المقارنات المتبقية دون الحاجة لاختبارها.

تتفوق طريقة هولم دائماً على بونفيروني التقليدية من حيث القوة والقدرة على اكتشاف الفروق الواقعية، مما يجعلها الخيار المفضل في أغلب التحليلات السلوكية الحديثة.

6.4 طريقة بنجاميني-هوشبرغ لمعدل الاكتشاف الخاطئ (Benjamini-Hochberg FDR)

في العديد من الدراسات النفسية والعصبية الحديثة، مثل أبحاث التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي (fMRI) والجينات السلوكية، يكون عدد المقارنات الثنائية كبيراً جداً، مما يجعل ضبط معدل الخطأ العائلي التقليدي (FWER) خانقاً للاكتشافات العلمية. هنا ابتكر يوآف بنجاميني ويوسف هوشبرغ (Benjamini & Hochberg, 1995) مقاربة بديلة تركز على التحكم في معدل الاكتشاف الخاطئ (False Discovery Rate – FDR).

يُعرَّف معدل الاكتشاف الخاطئ بأنه النسبة المتوقعة للفرضيات الصفرية المرفوضة خطأً من بين إجمالي الفرضيات التي تم رفضها (أي نسبة الاكتشافات الزائفة بين مجمل الاكتشافات المعلنة). يتم تطبيق طريقة بنجاميني-هوشبرغ (BH) عبر الخطوات التالية:

  1. ترتيب القيم الاحتمالية غير المصححة تصاعدياً: $p_{(1)} le p_{(2)} le dots le p_{(c)}$.
  2. حساب القيمة الحرجة المتدرجة لكل مقارنة وفق الصيغة: $Q \times \frac{i}{c}$، حيث تمثل Q معدل الاكتشاف الخاطئ المستهدف (غالباً 0.05 أو 0.10)، و i رتبة القيمة الاحتمالية، و c عدد المقارنات الإجمالي.
  3. البحث عن أكبر رتبة k تحقق الشرط: $p_{(k)} le Q \times \frac{k}{c}$.
  4. رفض الفرضيات الصفرية لجميع المقارنات من الرتبة 1 حتى الرتبة k، واعتبارها ذات دلالة إحصائية.

توفر هذه الطريقة توازناً مثالياً في الأبحاث الاستكشافية؛ حيث تحافظ على حساسية التحليل لرصد الفروق الحقيقية مع وضع قيد احتمالي صارم على نسبة التلوث بالنتائج الزائفة.

7. مقارنة بين اختبار دان والاختبارات البعدية اللامعلمية الأخرى

7.1 مقارنة اختبار دان باختبار نيميني (Nemenyi Test)

يُعد اختبار نيميني (Nemenyi Test) أحد الاختبارات البعدية اللامعلمية الشائعة، لا سيما في سياقات مقارنة خوارزميات التعلم الآلي والبيانات المترابطة. يقوم اختبار نيميني في بنيته الرياضية على استخدام توزيع المدى الطلابي (Studentized Range Distribution) كبديل لتقريب التوزيع الطبيعي المعياري الذي يعتمده اختبار دان.

يظهر الاختلاف الجوهري بين الاختبارين في نطاق التطبيق الأمثل ومصدر الرتب؛ فاختبار نيميني صُمم أساساً ليعمل كاقتبار بعدي يتبع اختبار فريدمان (Friedman Test) في تصاميم القياسات المتكررة والعينات المترابطة، حيث تُحسب الرتب داخل كل كتلة أو مشارك بشكل مستقل. عند تطبيقه على العينات المستقلة بعد كروسكال-واليس، يتطلب نيميني تساوي أحجام العينات بين جميع المجموعات تماماً ($n_1 = n_2 = dots = n_k$)، وتنهار دقته الحسابية في حال تفاوت أعداد المشاركين.

في المقابل، يتميز اختبار دان بقدرته التامة على استيعاب العينات غير المتساوية بكفاءة متناهية، وبكونه مصمماً خصيصاً للبنية التوزيعية لاختبار كروسكال-واليس، مما يجعله الخيار الأكثر صلابة وملاءمة للتصاميم التجريبية المستقلة في العلوم السلوكية مقارنة باختبار نيميني.

7.2 مقارنة اختبار دان باختبار كونوفر-إيمان (Conover-Iman Test)

يمثل اختبار كونوفر-إيمان (Conover-Iman Test) خياراً بعدياً لامعلمياً قوياً طُوّر عام 1979. يُبنى هذا الاختبار على تطبيق مبادئ اختبار أقل فرق معنوي لفيشر (Fisher’s LSD) ولكن بعد تحويل البيانات الأصلية إلى رتب مجمعة شاملة.

يعتمد كونوفر-إيمان على توزيع t الطلابي بدرجات حرية مساوية لـ ($N – k$) بدلاً من التوزيع الطبيعي المعياري Z المعتمد في اختبار دان. وبسبب هذا الأساس، يمتلك اختبار كونوفر-إيمان قوة إحصائية تفوق اختبار دان في كثير من الأحيان، وتكون قيمه الاحتمالية أصغر، مما يجعله أكثر قدرة على رصد الفروق الطفيفة بين المجموعات.

غير أن هذه القوة الإحصائية العالية تأتي على حساب زيادة الحساسية ومخاطر ارتكاب أخطاء من النوع الأول إذا لم يتم تطبيق شروط التحقق الصارمة للاختبار الشامل؛ حيث يتطلب كونوفر-إيمان رفضاً قاطعاً لفرضية كروسكال-واليس قبل إجرائه. في المقابل، يظل اختبار دان أكثر تحفظاً وأماناً من الناحية المنهجية، ويحظى بقبول أوسع لدى المجلات العلمية المحكمة نظراً لخصائصه التقاربية الثابتة وقلة تعرضه لتضخيم الفروق الإحصائية الهامشية.

7.3 مصفوفة الاختيار المنهجي للباحث النفسي

لتسهيل اتخاذ القرار الإحصائي وتوجيه الباحث نحو الأداة التحليلية الأكثر ملاءمة لطبيعة بياناته وتصميمه التجريبي، يلخص الجدول المقارن التالي الفروق الجوهرية بين الاختبارات البعدية اللامعلمية الشائعة:

معيار المقارنة اختبار دان (Dunn’s Test) اختبار كونوفر-إيمان (Conover-Iman) اختبار نيميني (Nemenyi Test) مان-ويتني المصحح (Mann-Whitney)
الاختبار الشامل المتبوع كروسكال-واليس (Kruskal-Wallis) كروسكال-واليس (Kruskal-Wallis) فريدمان / كروسكال-واليس لا يشترط رسمياً (غالباً يُكرر خطأً)
التوزيع النظري المرجعي التوزيع الطبيعي المعياري (Z) توزيع t الطلابي ($df = N – k$) المدى الطلابي (Studentized Range) توزيع U / تقريب Z المستقل
طبيعة الرتب المستخدمة رتب مجمعة شاملة (Pooled) رتب مجمعة شاملة (Pooled) رتب مجمعة أو رتب الكتل إعادة ترتيب ثنائي مستقل (Independent)
التعامل مع تفاوت أحجام العينات مرن ومثالي للعينات غير المتساوية مرن ويستوعب العينات غير المتساوية يشترط تساوي أحجام العينات يستوعب التفاوت بحسابات منفصلة
مستوى القوة الإحصائية متوسط إلى مرتفع (متوازن) مرتفع جداً (قوة عالية) منخفض إلى متوسط (شديد التحفظ) متغير ومشتت عبر المقارنات
الملاءمة البحثية المثلى الأبحاث النفسية والطبية التأكيدية الدراسات الاستكشافية وتجارب الأثر التصاميم المترابطة والتعلم الآلي غير مستحسن للمقارنات البعدية الشاملة

8. التطبيق العملي لاختبار دان باستخدام لغة البرمجة R

8.1 تجهيز البيانات واستكشافها في بيئة R

تُعد لغة البرمجة الإحصائية R البيئة الأكثر مرونة ودقة لتنفيذ اختبار دان وتخصيص كافة معاملاته المتقدمة. يتطلب التحليل تجهيز إطار البيانات في نسق طولي منظم (Tidy Long Format)، حيث يتضمن جدول البيانات عموداً يمثل المتغير المستقل الفئوي، وعموداً يمثل المتغير التابع الرتبي أو الكمي غير المقيد بالتوزيع الطبيعي.

تبدأ المعالجة باستدعاء الحزم البرمجية الأساسية، وعلى رأسها حزمة dunn.test وحزمة rstatix إلى جانب بيئة tidyverse للتعامل مع البيانات واستكشافها. يتم استخراج الإحصاءات الوصفية اللامعلمية، والتي تشمل حساب الوسيط، والمدى الربيعي (IQR)، ومتوسط الرتب لكل مجموعة، مما يمنح الباحث رؤية واضحة حول توزيع الدرجات قبل الانتقال إلى الاستدلال الإحصائي.

يتم بعد ذلك تنفيذ اختبار كروسكال-واليس الأولي باستخدام دالة kruskal.test() المدمجة في النظام الأساسي لـ R. بعد التحقق من وجود دلالة إحصائية شاملة على مستوى المتغير التابع بين المجموعات ($p < 0.05$)، يتأهل التحليل منهجياً للشروع في المقارنات البعدية الثنائية.

8.2 تنفيذ اختبار دان وضبط معاملات التصحيح

يوفر مجتمع R طريقتين رئيسيتين لتنفيذ اختبار دان؛ الطريقة الأولى الكلاسيكية تعتمد على دالة dunn.test() من حزمة dunn.test، والتي تتيح للمحلل تمرير المتغير التابع والمتغير المستقل كمتجهات مع تحديد طريقة التصحيح المطلوبة عبر المعامل method، مثل "bonferroni" أو "holm" أو "bh" (لمعدل الاكتشاف الخاطئ بنجاميني-هوشبرغ).

تتميز هذه الدالة بطباعة تقرير مفصل في منصة الأوامر يتضمن قيم إحصاء Z لكل مقارنة، والقيم الاحتمالية غير المصححة، والقيم الاحتمالية المصححة بعد تطبيق العقوبة الإحصائية، مع توضيح الفروق ذات الدلالة برموز نجمية ميسرة للقراءة. كما توفر الحزمة خيارات لضبط الفرضيات الموجهة أحادية الذيل أو ثنائية الذيل.

أما الطريقة الحديثة فتعتمد على دالة dunn_test() من حزمة rstatix، والتي تتكامل بسلاسة مع نمط التمرير البرمجي (Piping Syntax) وتنتج مخرجات على هيئة جدول بيانات نظيف (Tibble). يحتوي الجدول الناتج على أعمدة محددة بوضوح تشمل: المجموعة الأولى، المجموعة الثانية، حجم العينة، إحصائية Z، القيمة الاحتمالية الأصلية، والقيمة الاحتمالية المصححة، مما يسهل معالجة المخرجات برمجياً ودمجها في تقارير لاحقة.

8.3 التمثيل البصري لنتائج اختبار دان في R

يمثل التمثيل البياني عالي الجودة ركيزة محورية لإيصال نتائج الاختبارات البعدية بوضوح في الأوراق العلمية. تُستخدم حزمة ggplot2 لبناء مخططات الصندوق (Boxplots) أو مخططات الكمان (Violin plots) التي توضح تشتت الدرجات والوسيط الحسابي لكل مجموعة، مع إمكانية إضافة النقاط الفردية المشوشة خفيفاً (Jittered points) لإظهار التوزيع الخام للبيانات.

تتيح حزمة ggpubr دمج نتائج اختبار دان مباشرة فوق الرسم البياني من خلال دالة stat_pvalue_manual(). تقوم هذه الدالة بقراءة جدول المقارنات البعدية المصححة وإسقاط أقواس المقارنة الأفقية التلقائية التي تربط بين أزواج المجموعات المتباينة، مع كتابة القيمة الاحتمالية المصححة أو مستويات النجوم الدالة (مثل: * أو ** أو ***) فوق كل قوس عند الارتفاع المناسب.

يمكن للمحلل بعد ذلك تخصيص الألوان، والسمات الجمالية وفق نمط المجلات الأكاديمية (مثل theme_classic() أو theme_apa())، وتصدير المخطط البياني بدقة متناهية بصيغ متجهية مثل PDF أو TIFF بدقة 300 DPI لضمان تلبية المعايير الصارمة لدور النشر العالمية.

9. التطبيق العملي لاختبار دان في Python و SPSS

9.1 تنفيذ اختبار دان باستخدام بيئة Python

في بيئة بايثون (Python)، تُمثل مكتبة scikit-posthocs الأداة المعيارية الرائدة لإجراء الاختبارات البعدية اللامعلمية. يتم أولاً استيراد مصفوفات البيانات ومعالجتها كأطر بيانات بواسطة مكتبة pandas، والتأكد من تنظيف القيم المفقودة والتحقق من صحة أنواع المتغيرات.

يُنفذ اختبار دان عبر استدعاء دالة posthoc_dunn() مع تمرير إطار البيانات، وتحديد اسم عمود المتغير التابع الترتيبي، واسم عمود المتغير الفئوي الممثل للمجموعات. توفر الدالة المعامل p_adjust الذي يستقبل خيارات التصحيح المتعددة مثل 'bonferroni' أو 'holm' أو 'fdr_bh'.

تنتج الدالة مصفوفة متماثلة مربعة (Square Matrix) تحتوي على القيم الاحتمالية المصححة لكافة المقارنات الثنائية. لتحويل هذه المخرجات الرياضية إلى شكل بصري احترافي، يتم دمج مخرجات الدالة مع مكتبة seaborn ومكتبة matplotlib لتوليد خريطة حرارية (Heatmap) تُبرز درجات الدلالة الإحصائية بألوان متباينة، مما يسمح بفهم فوري لطبيعة التمايز بين المجموعات التجريبية المتعددة بنظرة بصرية واحدة.

9.2 تنفيذ الاختبار البعدي في برنامج SPSS

يوفر برنامج IBM SPSS إمكانية تنفيذ اختبار دان بصورة آلية منضبطة ضمن بيئة الاختبارات اللامعلمية الحديثة. يتم الوصول إلى الاختبار من خلال التبويب العلوي عبر المسار التالي:

Analyze > Nonparametric Tests > Independent Samples

في واجهة الحوار، يتم تعيين المتغير التابع في حقل “Test Fields” والمتغير المستقل الفئوي في حقل “Groups”. في تبويب الإعدادات (Settings)، يختار الباحث تخصيص الاختبار (Customize tests) ويحدد خيار اختبار كروسكال-واليس لعينات متعددة، مع ضبط خيار المقارنات المتعددة البعدية على “All Pairwise”.

عند تنفيذ الأمر، يولد SPSS دليلاً تفاعلياً لمخرجات النموذج يشتمل على جدول تفصيلي للمقارنات الزوجية (Pairwise Comparisons). يعرض هذا الجدول لكل مقارنة: عينة المجموعة الأولى، عينة المجموعة الثانية، إحصائية الاختبار المعيارية (Test Statistic Z)، الخطأ المعياري، القيمة الاحتمالية غير المصححة (Sig.)، والأهم من ذلك القيمة الاحتمالية المصححة بتعديل بونفيروني المتتابع (Adj. Sig.). يجب على الباحث الاعتماد حصراً على عمود “Adj. Sig.” في اتخاذ قرارات قبول أو رفض الفرضيات الصفرية.

9.3 مطابقة المخرجات والتحقق المتبادل بين البرمجيات

قد يلاحظ الباحثون المتمرسون أحياناً وجود فروق طفيفة جداً في الكسور العشرية الأخيرة لقيم Z أو القيم الاحتمالية عند مقارنة مخرجات R مع Python أو SPSS لنفس مجموعة البيانات. تعود هذه الاختلافات الدقيقة إلى تباين طفيف في الصيغ البرمجية المستخدمة لمعالجة التعادلات في الرتب (Ties handling) أو في طريقة تقريب النهايات الطرفية للتوزيع المعياري.

لضمان التكرارية المطلقة للنتائج وتحقيق أعلى درجات الشفافية العلمية، يُنصح الباحث دائماً بتوثيق البرمجية المستخدمة بدقة متناهية، متضمناً رقم إصدار البرنامج واسم الحزمة البرمجية وخيارات المعاملات الممررة (مثل نوع التصحيح وما إذا كان الاختبار ثنائي أو أحادي الذيل). يساعد هذا التوثيق الدقيق المراجعين المستقلين على إعادة إنتاج التحليل بدقة، وهو ما يمثل جوهر النزاهة في البحث العلمي المعاصر.

10. تفسير النتائج وحساب حجوم التأثير

10.1 تفسير القيم الإحصائية (Z-value, p-value, Adjusted p-value)

يتطلب التفسير السليم لمخرجات اختبار دان فهماً تكاملياً للقيم الإحصائية الثلاث الناتجة عن كل مقارنة ثنائية. تُشير إشارة قيمة Z (موجبة أم سالبة) إلى اتجاه التباين بين المجموعتين؛ فالقيمة الموجبة تعني أن متوسط رتب المجموعة الأولى في البسط أعلى من متوسط رتب المجموعة الثانية، بينما تعني الإشارة السالبة العكس. يعكس المقدار المطلق لقيمة Z حجم الانحراف المعياري للفرق عن فرضية العدم الصفرية.

في المقابل، تمثل القيمة الاحتمالية غير المصححة (p-value) فرصة الحصول على هذا الفرق بالصدفة في مقارنة معزولة، ولكنها تفقد مصداقيتها في بيئة الاختبارات المتعددة. لذلك، يجب أن يستند القرار الإحصائي الفاصل حصراً إلى القيمة الاحتمالية المصححة (Adjusted p-value)؛ فإذا كانت أقل من مستوى الدلالة المعتمد ($\alpha = 0.05$)، يرفض الباحث فرضية العدم بثقة ويعلن وجود فرق ذي دلالة إحصائية حقيقية بين المجموعتين.

يجب التمييز الحذر بين الدلالة الإحصائية (Statistical Significance) والأهمية الإكلينيكية أو العملية (Clinical/Practical Significance)؛ إذ قد تنتج عينة ضخمة جداً فروقاً دالة إحصائياً عند قيم احتمالية بالغة الصغر ولكن بفروق رتبية هامشية لا قيمة لها على أرض الواقع السلوكي أو العلاجي، وهو ما يبرز ضرورة حساب حجوم التأثير المرافقة.

10.2 حساب حجوم التأثير للمقارنات الثنائية اللامعلمية

وفقاً لمعايير النشر العلمي الحديثة، لا يكتمل التقرير الإحصائي بمجرد ذكر القيمة الاحتمالية وإحصاء Z، بل يجب تدعيمه بحساب حجم التأثير (Effect Size) لتقدير الحجم النسبي للتغير أو التباين الملاحظ. يُعد معامل حجم التأثير $r$ المشتق من إحصاء Z الخيار القياسي الأكثر استخداماً للمقارنات الثنائية اللامعلمية، ويُحسب بالصيغة التالية:

$$r = \frac{|Z|}{\sqrt{N_{ij}}}$$

حيث يمثل $|Z|$ القيمة المطلقة لإحصاء Z لاختبار دان، بينما يمثل $N_{ij}$ إجمالي حجم العينة في المجموعتين المقارنتين فقط ($N_{ij} = n_i + n_j$). وفقاً لمحكات كوهين (Cohen’s Benchmarks)، تُفسر قيم $r$ على النحو التالي:

  • تأثير صغير (Small Effect): $0.10 le r < 0.30$
  • تأثير متوسط (Medium Effect): $0.30 le r < 0.50$
  • تأثير كبير (Large Effect): $r ge 0.50$

كما يمكن للباحث حساب مقاييس لامعلمية موازية مثل مقياس كليف دلتا (Cliff’s Delta) الذي يقيس احتمالية أن تتفوق قيمة مختارة عشوائياً من المجموعة الأولى على قيمة مختارة من المجموعة الثانية، أو مقياس إبسيلون المربع ($\epsilon^2$) كمعيار لحجم التأثير الكلي المرتبط باختبار كروسكال-واليس، مما يمنح القارئ فهماً دقيقاً لحجم التأثير السلوكي المتولد.

10.3 فترات الثقة اللامعلمية للوسيط وفروق الرتب

يوفر حساب فترات الثقة (Confidence Intervals) تقديراً لمقدار عدم اليقين المرتبط بالتقديرات الإحصائية، ويمنح مدى متوقعاً لحجم التأثير في المجتمع الأصلي. في التحليلات اللامعلمية، يُستخدم مقدِّر هودجز-ليمان (Hodges-Lehmann Estimator) لبناء فترات الثقة لفروق الوسيط الحسابي بين المجموعات. يعتمد هذا المقدر على حساب وسيط جميع الفروق الثنائية الممكنة بين أفراد المجموعة الأولى وأفراد المجموعة الثانية.

بالإضافة إلى ذلك، يُعد أسلوب إعادة التوليد العشوائي (Bootstrapping) أداة فائقة القوة لبناء فترات ثقة قوية (Robust CIs) بنسبة 95% لفروق متوسطات الرتب أو فروق الوسيط دون الحاجة للاعتماد على افتراضات شكل التوزيع. يتم في هذا الأسلوب إعادة سحب آلاف العينات العشوائية مع الإحلال من البيانات الأصلية وتقدير الفروق في كل عينة مولدة لاستخراج الحدود الدنيا والعليا لفترة الثقة.

إذا كانت فترة الثقة بنسبة 95% لفارق الوسيط بين مجموعتين لا تشتمل على القيمة صفر، فإن هذا يؤكد استدلالياً وجود فرق جوهري مستقر، ويوفر للأطباء والممارسين النفسيين فهماً أدق للحد الأدنى والأقصى للأثر العلاجي المتوقع في الميدان التطبيقي.

11. دراسات حالة وأمثلة تطبيقية من علم النفس والعلوم السلوكية

11.1 دراسة حالة 1: مقارنة فاعلية ثلاثة برامج علاجية لاضطراب القلق

أجرى فريق من الباحثين النفسيين دراسة تجريبية لمقارنة فاعلية ثلاثة مسارات تدخلية على درجات القلق لدى المرضى المشخصين باضطراب القلق العام (GAD). قُسمت العينة المكونة من 45 مريضاً عشوائياً إلى ثلاث مجموعات متساوية ($n = 15$ لكل مجموعة):

  • المجموعة الأولى: العلاج السلوكي المعرفي التقليدي (CBT).
  • المجموعة الثانية: برنامج الحد من الضغوط القائم على اليقظة الذهنية (MBSR).
  • المجموعة الثالثة: مجموعة التحكم على قائمة الانتظار (Waitlist Control).

تم قياس درجات القلق بعد انتهاء فترة التدخل (8 أسابيع) باستخدام استبيان بيك للقلق (BAI). أظهرت اختبارات التحقق المبدئية التواءً إيجابياً ملحوظاً في درجات المقياس وانتهاكاً واضحاً للتوزيع الطبيعي، مما استدعى استخدام اختبار كروسكال-واليس. أسفر الاختبار الشامل عن وجود فرق ذي دلالة إحصائية عالية بين المجموعات الثلاث ($H(2) = 18.42, p < 0.001$).

أُجري اختبار دان البعدي مع تصحيح هولم-بونفيروني للمقارنات الثنائية الثلاث، وأسفرت النتائج عما يلي:

  • المقارنة بين CBT وقائمة الانتظار: تفوق ملحوظ لمجموعة CBT بمتوسط رتب أقل في القلق ($Z = -4.12, p_{\text{adj}} < 0.001, r = 0.75$)، مما يمثل حجماً تأثيرياً كبيراً جداً.
  • المقارنة بين MBSR وقائمة الانتظار: تفوق ملحوظ لمجموعة اليقظة الذهنية ($Z = -3.28, p_{\text{adj}} = 0.002, r = 0.60$) مع حجم تأثير كبير.
  • المقارنة بين CBT و MBSR: لم يظهر فرق ذو دلالة إحصائية بين البرنامجين العلاجيين ($Z = -0.84, p_{\text{adj}} = 0.401, r = 0.15$).

أظهرت الدراسة أن كلا البرنامجين التدخليين يمتلكان فاعلية سريرية فائقة في خفض أعراض القلق مقارنة بغياب العلاج، دون وجود أفضلية إحصائية قاطعة لبرنامج على الآخر في هذه العينة.

11.2 دراسة حالة 2: أثر مستويات الضغط النفسي الأكاديمي على الرضا عن الحياة

استهدفت دراسة مسحية فحص أثر التفاوت في مستويات الضغط النفسي الأكاديمي المدرك على درجات الرضا العام عن الحياة لدى طلاب الجامعات. صُنف المشاركون ($N = 120$) إلى ثلاث فئات بناءً على مقياس الضغط النفسي الأكاديمي: ضغط منخفض ($n = 30$)، ضغط متوسط ($n = 55$)، وضغط مرتفع ($n = 35$). تم قياس المتغير التابع بواسطة مقياس الرضا عن الحياة (SWLS) المكون من درجات ليكرت الترتيبية من 7 نقاط.

أظهر اختبار كروسكال-واليس تمايزاً دالاً إحصائياً في مستويات الرضا عن الحياة عبر فئات الضغط ($H(2) = 24.15, p < 0.001$). ولتحديد العتبة الحرجة التي يبدأ عندها التدهور النفسي، تم إجراء اختبار دان مع تصحيح بونفيروني:

  • مجموعة الضغط المنخفض مقابل الضغط المتوسط: أظهرت مقارنة دان انخفاضاً غير دال إحصائياً في الرضا عن الحياة ($Z = 1.62, p_{\text{adj}} = 0.315, r = 0.18$).
  • مجموعة الضغط المنخفض مقابل الضغط المرتفع: انخفاض حاد وكبير في الرضا عن الحياة ($Z = 4.85, p_{\text{adj}} < 0.001, r = 0.60$).
  • مجموعة الضغط المتوسط مقابل الضغط المرتفع: انخفاض دال إحصائياً ($Z = 3.65, p_{\text{adj}} = 0.001, r = 0.38$).

استخلصت الدراسة نتيجة سلوكية هامة تفيد بأن الضغط الأكاديمي لا يمارس تأثيراً سلبياً هداماً على جودة الحياة في مستوياته المتوسطة، ولكن التدهور الحاد والمفاجئ في الصحة النفسية ينشأ تحديداً عند تجاوز الضغط للعتبة المتوسطة والانتقال إلى الفئة المرتفعة، مما يوجه المرشدين النفسيين لتركيز جهودهم الوقائية على الطلاب في هذه الشريحة الحرجة.

11.3 دراسة حالة 3: تقييم الوظائف التنفيذية عبر مجموعات إكلينيكية متباينة

في دراسة في علم النفس العصبي الإكلينيكي، قارن الباحثون كفاءة الوظائف التنفيذية والمرونة المعرفية بين ثلاث مجموعات من المشاركين: مرضى الاكتئاب الجسيم (MDD, $n = 22$)، مرضى الاضطراب ثنائي القطب في مرحلة الاستقرار (BD, $n = 18$)، ومجموعة ضابطة من الأصحاء (HC, $n = 30$). تم قياس الأداء من خلال عدد أخطاء المثابرة (Perseverative Errors) في اختبار ويسكونسن لفرز البطاقات (WCST).

تميزت البيانات بوجود تفاوت ملحوظ في أحجام العينات ووجود عدد كبير جداً من التعادلات في درجات الأخطاء، مما جعل اختبار دان مع تصحيح التعادلات وتطبيق ضبط معدل الاكتشاف الخاطئ لبنجاميني-هوشبرغ (BH) الخيار المنهجي الأمثل بعد دلالة كروسكال-واليس ($H(2) = 15.78, p < 0.001$).

كشفت مخرجات اختبار دان المصححة عن النمط العصبي التالي:

  • أظهر كل من مرضى الاكتئاب الجسيم ($Z = 3.10, p_{\text{adj}} = 0.003, r = 0.43$) ومرضى ثنائي القطب ($Z = 3.45, p_{\text{adj}} = 0.002, r = 0.50$) زيادة دالة إحصائياً في أخطاء المثابرة مقارنة بالأصحاء.
  • لم يُظهر التحليل أي فرق دال إحصائياً بين مرضى الاكتئاب ومرضى ثنائي القطب ($Z = 0.12, p_{\text{adj}} = 0.905, r = 0.02$).

دعمت هذه النتائج الفرضية القائلة بأن العجز في المرونة المعرفية يمثل علامة ظاهرية عصبية مشتركة (Transdiagnostic Cognitive Deficit) عبر اضطرابات المزاج المختلفة، دون أن ينفرد بها اضطراب نوعي بعينه.

12. الأخطاء الشائعة والقيود المنهجية وكتابة التقارير الأكاديمية (APA)

12.1 الأخطاء المنهجية والتحليلية الشائعة

يقع بعض الباحثين في منزلقات منهجية متكررة عند تطبيق اختبار دان، مما يضعف جودة أبحاثهم ويجعل استنتاجاتهم عرضة للنقد الأكاديمي. من أبرز هذه الأخطاء تخطي الاختبار الشامل؛ أي البدء مباشرة بإجراء مقارنات دان الثنائية دون فحص دلالة اختبار كروسكال-واليس أولاً، وهو انتهاك مباشر لمنطق الاستدلال الهرمي.

الخطأ الشائع الثاني هو إهمال تطبيق تصحيحات المقارنات المتعددة والاكتفاء بالإبلاغ عن القيم الاحتمالية غير المصححة للحصول على دلالات إحصائية زائفة، أو استخدام تصحيح بونفيروني بشكل متطرف في دراسات استكشافية واسعة مما يتسبب في إخفاء نتائج هامة بفعل فرط التحفظ. يجب دائماً اختيار أسلوب التصحيح المناسب لطبيعة الفرضيات (تأكيدية مقابل استكشافية).

أما الخطأ الثالث فيتمثل في الخلط في التفسير بين الوسيط ومتوسط الرتب؛ حيث يفترض بعض المحللين تلقائياً أن اختبار دان يقارن وسيطات المجموعات دائماً، متجاهلين فحص تماثل أشكال التوزيعات التكرارية. إذا كانت التوزيعات غير متماثلة في الشكل الهندسي والتشتت، يجب صياغة كافة الاستنتاجات بدقة متناهية بالاعتماد على “متوسطات الرتب” (Mean Ranks) حصراً لتجنب التضليل الوصفي.

12.2 القيود المنهجية الملازمة لاختبار دان

على الرغم من القوة الرياضية لاختبار دان، إلا أنه ينطوي على قيود تصميمية أصيلة يجب أن يعيها الباحث بعناقيد التحليل. يتمثل القيد الرئيسي في عدم قدرة الاختبار على معالجة التصاميم العاملية المعقدة (Factorial Designs)؛ فاختبار دان مخصص حصراً للتصاميم أحادية الاتجاه (One-Way)، ويعجز عن رصد وفحص تأثيرات التفاعل المتبادل (Interaction Effects) بين متغيرين مستقلين أو أكثر، وهو ما يتطلب في حال وجوده اللجوء إلى نماذج الانحدار الترتيبي (Ordinal Logistic Regression) أو النماذج اللامعلمية المعممة.

يرتبط القيد الثاني بالكفاءة النسبية المقاربة (Asymptotic Relative Efficiency)؛ ففي حال كانت البيانات تتبع التوزيع الطبيعي فعلياً وتستوفي شروط التجانس بدقة، فإن استخدام اختبار كروسكال-واليس واختبار دان ينطوي على فقدان طفيف في القوة الإحصائية (تصل إلى نحو 5% مقارنة باختبار ANOVA واختبار توكي المعلمي).

بالإضافة إلى ذلك، لا يلائم اختبار دان البيانات المترابطة أو الطولية المقاسة عبر الزمن لنفس المشاركين، مما يوجب استبداله باختبارات بعدية مخصصة لتصميم فريدمان أو استخدام النماذج الخطية المختلطة اللامعلمية.

12.3 دليل كتابة نتائج اختبار دان وفق معايير جمعية علم النفس الأمريكية (APA 7)

تضع جمعية علم النفس الأمريكية (APA 7th Edition) معايير دقيقة لكتابة وتوثيق نتائج الاختبارات اللامعلمية في المجلات المحكمة. يجب أن يشتمل نص التقرير بوضوح على: قيمة إحصائية الاختبار الشامل ودرجات الحرية والقيمة الاحتمالية، تليها إحصاءات المقارنات البعدية المشتملة على إحصاء Z المصحح، القيمة الاحتمالية المصححة، اسم طريقة التصحيح المستخدمة، وقيمة حجم التأثير r مع الإحصاءات الوصفية المناسبة (الوسيط والمدى الربيعي أو متوسطات الرتب).

نموذج تطبيقي لكتابة النتائج في نص البحث:

“أظهرت نتائج اختبار كروسكال-واليس وجود فروق دالة إحصائياً في درجات القلق عبر المجموعات العلاجية الثلاث، H(2) = 18.42, p < .001. ولتحديد أزواج المجموعات المتباينة، أُجريت مقارنات دان البعدية مع ضبط معدل الخطأ العائلي باستخدام تعديل هولم-بونفيروني. كشفت النتائج عن انخفاض دال إحصائياً في درجات القلق لدى مجموعة العلاج السلوكي المعرفي (الوسيط = 14.00, المدى الربيعي = 6.00) مقارنة بمجموعة قائمة الانتظار (الوسيط = 28.00, المدى الربيعي = 7.50), Z = -4.12, p_adj < .001, r = .75. كما أظهرت مجموعة اليقظة الذهنية (الوسيط = 16.00, المدى الربيعي = 5.00) انخفاضاً دالاً مقارنة بمجموعة قائمة الانتظار, Z = -3.28, p_adj = .002, r = .60. في المقابل، لم يظهر فرق ذو دلالة إحصائية بين مجموعتي العلاج السلوكي المعرفي واليقظة الذهنية, Z = -0.84, p_adj = .401, r = .15."

يجب كذلك تضمين جدول إحصائي منسق وفق نمط APA يوضح المقارنات الزوجية ومتوسطات الرتب وقيم Z والقيم الاحتمالية المصححة لتعزيز وضوح وشفافية العرض الأكاديمي.

الخاتمة والتوصيات المستقبلية

يمثل اختبار دان للمقارنات المتعددة ركيزة لا غنى عنها في ترسانة الباحث الإحصائي الحديث، حيث يجمع بين الرصانة النظرية والمرونة التطبيقية في التعامل مع البيانات الترتيبية والمنحرفة. من خلال استناده إلى الرتب المجمعة الشاملة وتكامله الوثيق مع اختبار كروسكال-واليس، يوفر هذا الاختبار إطاراً متماسكاً لتشخيص الفروق الدقيقة بين المجموعات التجريبية دون الوقوع في مآزق تضخيم الخطأ الإحصائي أو انتهاك افتراضات القياس.

توصي الممارسات المنهجية الفضلى بضرورة الفحص البصري والاستكشافي المعمق للتوزيعات قبل البدء بالتحليل، والالتزام الصارم بتطبيق أساليب التعديل المناسبة للمقارنات المتعددة (مثل هولم-بونفيروني أو بنجاميني-هوشبرغ)، مع الحرص الدائم على الإبلاغ عن حجوم التأثير وفترات الثقة جنباً إلى جنب مع الدلالة الإحصائية، بما يضمن رفعة الإنتاج العلمي ودعم القرارات التطبيقية في مختلف ميادين العلوم السلوكية والطبية.

References

  • Benjamini, Y., & Hochberg, Y. (1995). Controlling the false discovery rate: A practical and powerful approach to multiple testing. Journal of the Royal Statistical Society: Series B (Methodological), 57(1), 289–300. https://doi.org/10.1111/j.2517-6161.1995.tb02031.x
  • Conover, W. J., & Iman, R. L. (1979). On multiple-comparisons procedures (Technical Report LA-7677-MS). Los Alamos Scientific Laboratory. https://doi.org/10.2172/6057803
  • Dinno, A. (2015). Nonparametric pairwise multiple comparisons in independent groups using Dunn’s test. The Stata Journal, 15(1), 292–300. https://doi.org/10.1177/1536867X1501500117
  • Dunn, O. J. (1961). Multiple comparisons among means. Journal of the American Statistical Association, 56(293), 52–64. https://doi.org/10.1080/01621459.1961.10482090
  • Dunn, O. J. (1964). Multiple comparisons using rank sums. Technometrics, 6(3), 241–252. https://doi.org/10.1080/00401706.1964.10490181
  • Holm, S. (1979). A simple sequentially rejective multiple test procedure. Scandinavian Journal of Statistics, 6(2), 65–70. https://www.jstor.org/stable/4615733
  • Kruskal, W. H., & Wallis, W. A. (1952). Use of ranks in one-criterion variance analysis. Journal of the American Statistical Association, 47(260), 583–621. https://doi.org/10.1080/01621459.1952.10483441
  • Siegel, S., & Castellan, N. J. (1988). Nonparametric statistics for the behavioral sciences (2nd ed.). McGraw-Hill.
  • Tomczak, M., & Tomczak, E. (2014). The need to report effect size estimates in review and empirical research: Some recommendations in the field of sport sciences. Trends in Sport Sciences, 21(1), 19–25.

اقتباس هذا المقال

looti, M. (2026, أغسطس 27). اختبار دان للمقارنات المتعددة. عرب سايكلوجي. https://arabpsychology.com/statistics/dunns-test-for-multiple-comparisons/
looti, Mohammed. “اختبار دان للمقارنات المتعددة.” عرب سايكلوجي, 27 أغسطس 2026, https://arabpsychology.com/statistics/dunns-test-for-multiple-comparisons/.
looti, Mohammed. “اختبار دان للمقارنات المتعددة.” عرب سايكلوجي. أغسطس 27, 2026. https://arabpsychology.com/statistics/dunns-test-for-multiple-comparisons/.