الإحصاء النفسيمناهج البحث في علم النفس

كيفية إيجاد المنوال

دليل أكاديمي شامل يوضح كيفية إيجاد المنوال لمختلف أنواع البيانات الإحصائية والنفسية، بالأساليب اليدوية والبيانية والبرمجيات المتقدمة.

تاريخ النشر

يحتل المنوال (Mode) مكانة محورية وفريدة في بنيان التحليل الإحصائي والقياس النفسي والتربوي؛ فهو ليس مجرد رقم يعكس تكراراً حسابياً عابراً، بل يمثل نقطة الاستقطاب المركزية والكثافة الاحتمالية القصوى التي تتجمع حولها استجابات الأفراد وسلوكياتهم. في سياق العلوم السلوكية المعاصرة، تبرز الحاجة الماسة إلى أدوات وصفية قادرة على اختزال تعقيدات السلوك الإنساني والأنماط الإكلينيكية دون الإخلال بطبيعة البيانات الأصلية أو تشويه خصائصها النوعية والكمية.

يتناول هذا الدليل الأكاديمي الشامل الأسس النظرية والمنهجية والتطبيقية لحساب وتفسير واستخدام المنوال عبر مختلف مستويات القياس. وسنستعرض هنا الآليات الحسابية الدقيقة لاستخراج المنوال من البيانات الفردية الخام، والجداول التكرارية المبوبة، والبيانات النوعية والاسمية، فضلاً عن الصيغ الرياضية المتقدمة مثل صيغة الفروق لكارل بيرسون، وطريقة كينج، والنماذج الهندسية البيانية، بالإضافة إلى كيفية معالجة التوزيعات المعقدة ثنائية ومتعددة المنوال باستخدام البرمجيات الإحصائية الحديثة.

1. المفهوم الإحصائي للمنوال وأهميته في القياس النفسي

1.1 التعريف النظري للمنوال وموقعه بين مقاييس النزعة المركزية

يُعرَّف المنوال في الأدبيات الإحصائية بأنه القيمة، أو الفئة، أو الرمز الأكثر تكراراً وشيوعاً بين مفردات التوزيع العيني أو المجتمع الإحصائي المدروس. ويقع المنوال ضمن المنظومة الثلاثية الكلاسيكية لـ مقاييس النزعة المركزية (Measures of Central Tendency) إلى جانب الوسط الحسابي والوسيط. وتتجلى الطبيعة الإحصائية للمنوال بصفته مقياساً موضعياً يحدد ذروة التوزيع الاحتمالي، أي النقطة التي تبلغ عندها دالة الكثافة الاحتمالية قيمتها العظمى، مما يجعله المعبر الحقيقي عن النمط السلوكي أو النفسي السائد في عينة معينة.

من الناحية الإبستمولوجية في بحوث القياس النفسي (Psychometrics)، يكتسب المنوال أهمية كبرى تتجاوز مقاييس النزعة المركزية الأخرى عندما يكون الهدف هو تلخيص الاستجابات السيكومترية النمطية وتوصيف السلوك النموذجي للمفحوصين. فبينما يمثل الوسط الحسابي مركز الثقل الرياضي الذي يدمج جميع القيم ويجبرها على المساهمة في تكوين رقم تجريدي واحد قد لا يطابق أي استجابة حقيقية للمفحوصين، وبينما يحدد الوسيط النقطة التي تقسم التوزيع إلى نصفين متساويين بغض النظر عن تكرار القيم، ينفرد المنوال بتحديد الاستجابة الفعلية الأكثر واقعية وحدوثاً على أرض الواقع الميداني.

يُعد المنوال المقياس الأكثر أماناً في التوزيعات التي تعاني من انحرافات حادة أو تتضمن فئات مفتوحة في نهاياتها، حيث يفشل الوسط الحسابي في التعبير عن الواقع بسبب حساسيته الشديدة لمواقع الأطراف. كما يتميز المنوال بقدرته على العمل في الفضاءات الوصفية الاسمية التي تنعدم فيها العمليات الحسابية من جمع وطرح، مما يمنحه موقعاً ابستمولوجياً فريداً في تصنيف الظواهر السلوكية ووصفها بدقة متناهية.

1.2 أهمية المنوال في البحوث النفسية والتشخيص الإكلينيكي

تتعدد التطبيقات الإكلينيكية والبحثية للمنوال في حقل علم النفس المرضي والتشخيص النفسي؛ حيث ترتكز المنظومات التشخيصية الدولية، مثل الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية (DSM-5)، على مفهوم النمطية وتكرار الأعراض لتحديد الملامح السريرية الأكثر شيوعاً. يساعد المنوال الأخصائي الإكلينيكي في الإجابة عن التساؤل الجوهري: ما هو العَرَض الأكثر حدوثاً لدى مرضى الاكتئاب الجسيم أو اضطراب ما بعد الصدمة في سياق ثقافي أو بيئي محدد؟

عند تقنين وتطبيق بطاريات الاختبارات النفسية الشاملة واستبيانات الشخصية، مثل مقياس منيسوتا متعدد الأوجه للشخصية (MMPI) أو استبيان العوامل الخمسة الكبرى (NEO-PI)، يوفر المنوال للمحلل النفسي القدرة على استخراج الاستجابات النموذجية على مستوى كل بند. يتيح ذلك للباحث تحديد ما إذا كان الأفراد يميلون بصفة غالبة نحو تفضيل خيار محدد، مما يساعد في كشف “الاستجابة النمطية الشائعة” ومقارنتها بالاستجابات المتطرفة أو الشاذة إحصائياً.

علاوة على ذلك، يمثل المنوال أداة استكشافية حاسمة لدراسة الظواهر غير المتماثلة والاضطرابات السلوكية النادرة؛ ففي دراسات الاستجابة الدوائية أو الفعالية العلاجية، قد لا يكون المعدل الحسابي كافياً للحكم على التحسن الإكلينيكي، بل يُنظر إلى “المستوى المنوالي للأداء الوظيفي” كدليل على الاستقرار واستعادة النمط السلوكي الطبيعي، مما يجعل القرارات العلاجية مبنية على الواقع التشخيصي الأكثر تكراراً ورسوخاً لدى المريض.

1.3 الخصائص الإحصائية الأساسية للمنوال ومحدداته

يتمتع المنوال بجملة من الخصائص الإحصائية الفريدة التي تجعله خياراً مفضلاً في العديد من التصاميم المنهجية، وتأتي في مقدمتها مناعته التامة ضد تأثير القيم المتطرفة والشاذة (Outliers). فإذا كانت درجات اختبار نفسي تحتوي على قيم متباعدة للغاية ناتجة عن أخطاء القياس أو حالات شاذة استثنائية، فإن قيمة المنوال تظل ثابتة ومستقرة تماماً ولا تتأثر بمواقع تلك القيم القصوى، بخلاف الوسط الحسابي الذي ينجرف بقوة نحو اتجاه التطرف.

تتمثل الميزة الثانية في سهولة حسابه وقابليته للتطبيق المباشر على المتغيرات الوصفية الكيفية والاسمية (Nominal Variables)، مثل فئات التشخيص، أو أنماط التعلّق، أو الجنس، دون اشتراط تحويلها إلى كميات عددية قابلة للجبر الرياضي. إلا أن هذه الميزات يصاحبها عدد من المحددات الرياضية الجوهرية؛ فالمنوال لا يدخل في حسابه سوى تكرارات القيم دون أن يعكس مقدار بقية القيم في التوزيع، مما يعني إهمالاً لجزء كبير من المعلومات المتضمنة في البيانات الإحصائية الكلية.

كما يعاني المنوال من حساسية مرتفعة لطريقة تنظيم البيانات؛ ففي الجداول التكرارية ذات الفئات، يتغير المنوال تغيراً ملموساً بتغير سعة الفئة (Class Width) أو بتغيير حدود الفئات، فضلاً عن كونه غير مستقر إحصائياً في العينات الصغيرة الحجم؛ حيث يمكن لإضافة مفردة واحدة جديدة إلى العينة أن تقلب قيمة المنوال تماماً، مما يجعله أقل كفاءة في الاستدلال الإحصائي المتقدم مقارنة بالوسط والوسيط.

2. تصنيف البيانات النفسية وتأثيرها على منهجية إيجاد المنوال

2.1 مستويات القياس النفسي الأربعة وعلاقتها بالمنوال

وفقاً للنموذج التصنيفي الرباعي لمستويات القياس الذي وضعه عالم النفس والقياس ستانلي سميث ستيفنز (Stanley Smith Stevens)، تتباين ملاءمة المقاييس الإحصائية بحسب طبيعة الخصائص الرياضية للمتغير المقاس. ويُعد المنوال المقياس الإحصائي الوحيد المقبول والمتاح لوصف النزعة المركزية عند مستوى القياس الاسمي (Nominal Scale)، حيث تقتصر العلاقات الرياضية على المساواة أو عدم المساواة دون وجود أي ترتيب منطقي، مثل تصنيف الأفراد وفق الزمر الدموية، أو التخصص الدراسي، أو التشخيص السريري.

عند الانتقال إلى المستوى الترتيبي (Ordinal Scale)، حيث تُرتب المتغيرات وفق متسلسلة هرمية من الأقل إلى الأكثر (مثل درجات شدة الاكتئاب: خفيف، متوسط، شديد)، يظل المنوال صالحاً ومفيداً جداً في كشف الرتبة الأكثر تفضيلاً أو تكراراً، جنباً إلى جنب مع الوسيط. وفي مستوى الفترات أو المسافات المتساوية (Interval Scale)، كدرجات الذكاء (IQ) ودرجات الاختبارات التحصيلية المقننة، يمكن حساب المنوال مباشرة لكشف الدرجة الأكثر تحقيقاً، مع إمكانية مقارنته بالوسط والوسيط لفحص اعتدالية التوزيع.

أما في مستوى النسبة (Ratio Scale)، الذي يتميز بوجود الصفر المطلق الحقيقي وتساوي المسافات، مثل قياسات زمن الرجع بالمللي ثانية، أو معدل النبض القلبي، أو عدد الأخطاء المرتكبة في مهمة إدراكية، فإن المنوال يقدم رؤية عميقة حول زمن الرجع الأكثر نمطية لدى المفحوصين، متجاوزاً التشوهات التي قد يسببها بطء الاستجابة العرضي في بعض المحاولات التجريبية.

2.2 التمييز بين البيانات المنفصلة والمتصلة في تحديد المنوال

يفرض التمييز الإحصائي بين البيانات المنفصلة (المتقطعة) والبيانات المتصلة (المستمرة) اعتماد منهجيات متباينة جوهرياً لتحديد المنوال. البيانات المنفصلة (Discrete Data) هي التي تأخذ قيماً عددية محددة وغير قابلة للتجزئة اللانهائية، مثل عدد مرات التردد على العيادة، أو عدد الأطفال في الأسرة، أو درجات استبيان مكوّن من نقاط صحيحة. يتم إيجاد المنوال في هذه البيانات عبر الفرز والحصر المباشر للتكرارات المرتبطة بكل قيمة رقمية مستقلة، وتكون النتيجة قيمة رقمية دقيقة لا تحتمل الشك.

في المقابل، تمثل البيانات المتصلة (Continuous Data) قياسات لظواهر مستمرة تمتد على متصل لا نهائي من القيم الممكنة، مثل الوزن، والزمن، والدرجات المعيارية المشتقة. نظراً لأن احتمال تكرار نفس القيمة المتصلة بدقة مطلقة يؤول نظرياً إلى الصفر في العينات الكبيرة، فإن تحديد المنوال يتطلب بالضرورة تجميع البيانات في فئات تكرارية (Class Intervals)، وتطبيق معادلات الاستكمال الرياضي (Interpolation Formulas) أو استخدام مراكز الفئات لتحديد النقطة ذات الكثافة الاحتمالية العليا.

تؤثر دقة أدوات وأجهزة القياس السيكوفيزيولوجي تأثيراً مباشراً على هذا التحول؛ فكلما كانت الأداة أكثر تقريباً للبيانات (مثل تسجيل زمن الاستجابة بالثانية بدلاً من أجزاء الألف من الثانية)، تحولت البيانات المتصلة ظاهرياً إلى بيانات منفصلة ذات تكرارات واضحة، وهو ما يفرض على الباحث الحذر الإبستمولوجي عند اختيار أسلوب المعالجة الإحصائية المناسب لدرجة دقة أداته.

2.3 تأثير حجم العينة على موثوقية تحديد المنوال

يُعد حجم العينة (Sample Size) عاملاً حاسماً في تحديد مدى استقرار وموثوقية المنوال كمؤشر إحصائي؛ ففي العينات النفسية الصغيرة (مثل العينات الإكلينيكية المكونة من 10 إلى 20 مريضاً)، يعاني المنوال من عدم الاستقرار الشديد، حيث يمكن لتغير عشوائي بسيط في استجابة مفحوص واحد أن ينقل المنوال من درجة منخفضة إلى درجة مرتفعة تماماً، مما يجعله مؤشراً مضللاً وضعيف القوة التفسيرية في مثل هذه الظروف البحثية الضيقة.

مع اتساع حجم العينة واقترابها من التمثيل الحقيقي للمجتمع الأصلي (كالعينات التي تتجاوز مئات أو آلاف المفحوصين)، يزداد استقرار المنوال وتبرز دلالته الإحصائية بقوة؛ حيث تتقارب التكرارات التجريبية من دوال التوزيع الاحتمالي النظري. هذا الاستقرار يمنح المنوال قوة تنبؤية فائقة تتيح للباحثين والمخططين التربويين اتخاذ قرارات دقيقة بالاعتماد على الاستجابة الأكثر ترجيحاً لدى المجتمع السكاني المستهدف.

لتفادي الوقوع في فخ التشتت الزائف عند معالجة العينات الصغيرة، يتعين على الباحث اتباع استراتيجيات منهجية صارمة، كإعادة دمج الفئات المتقاربة، أو الاعتماد على المؤشرات المركزية التوافقية (كالوسيط مع المنوال)، وتجنب بناء استنتاجات تعميمية قاطعة تستند حصرياً إلى منوال عينة صغيرة الحجم تفتقر إلى الاستقرار الإحصائي الكافي.

3. كيفية إيجاد المنوال للبيانات الفردية غير المبوبة

3.1 طريقة الترتيب والتنظيم المباشر للقيم الخام

تُعد البيانات الفردية غير المبوبة (Raw Ungrouped Data) أبسط صور البيانات الإحصائية، وهي الدرجات كما جُمعت ميدانياً من أفراد العينة دون تفريغها في فئات تكرارية. تبدأ المنهجية المعيارية لإيجاد المنوال يدوياً بترتيب الدرجات الخام ترتيباً تصاعدياً (من الأدنى إلى الأعلى) أو تنازلياً. تُسهم هذه الخطوة الأساسية في جمع القيم المتماثلة جنباً إلى جنب، مما يتيح للعين المجردة فحص التكرارات بصرياً واكتشاف نمط التمركز دون عناء حسابي.

لنفترض أن باحثاً طبق مقياساً للقلق مؤلفاً من درجات تتراوح بين (0 إلى 50) على عينة صغيرة مكونة من 15 مفحوصاً، وكانت الدرجات الخام كما يلي: [18، 22، 15، 22، 30، 22، 19، 25، 18، 22، 35، 27، 22، 20، 18]. نقوم أولاً بالترتيب التصاعدي للمفردات:

  • 15 (تكرار: 1)
  • 18، 18، 18 (تكرار: 3)
  • 19 (تكرار: 1)
  • 20 (تكرار: 1)
  • 22، 22، 22، 22، 22 (تكرار: 5)
  • 25 (تكرار: 1)
  • 27 (تكرار: 1)
  • 30 (تكرار: 1)
  • 35 (تكرار: 1)

بالملاحظة المباشرة للحصر التكراري، نجد أن الدرجة (22) قد تكررت 5 مرات، وهو أعلى تكرار بين جميع الدرجات المسجلة في العينة، وبالتالي فإن المنوال لدرجات القلق في هذه العينة هو: المنوال (Mode) = 22. تمتاز هذه الطريقة بالبساطة والسرعة المطلقة، إلا أنها تقتصر عملياً على العينات الصغيرة جداً؛ إذ تصبح مرهقة وعرضة للأخطاء البشرية كلما كبر حجم العينة.

3.2 إنشاء جدول التفريغ التكراري البسيط للبيانات الخام

عندما يزداد حجم العينة ليصبح بين 30 إلى 100 مفردة غير مبوبة، تفقد طريقة الفرز البصري المباشر كفاءتها وتزداد احتمالية إغفال بعض القيم. في هذه الحالة، تلجأ المنهجية الإحصائية إلى بناء جدول التفريغ التكراري البسيط المكوّن من ثلاثة أعمدة رئيسية: عمود القيم الفريدة المستقلة ($X$)، عمود علامات التفريغ التكراري (Tally Marks)، وعمود التكرار العددي المطلق ($f$).

يقوم الباحث برصد كل درجة خام في الجدول بوضع خط مائل (علامة) أمام القيمة المقابلة لها، مع تقفيل كل أربع علامات بخط خامس أفقي لتكوين حزم خماسية تسهل عملية العد الإجمالي اللاحقة. بعد الانتهاء من كامل البيانات، تُحوَّل علامات التفريغ إلى أرقام صحيحة في عمود التكرار ($f$). ويجب على الباحث التحقق من صحة التفريغ من خلال التأكد التام من أن مجموع عمود التكرارات يساوي الحجم الكلي للعينة المدروسة، أي أن:

$$\sum f = N$$

بمجرد التأكد من مطابقة المجموع، يُستخرج المنوال بمجرد النظر إلى عمود التكرار ($f$) لتحديد أكبر قيمة عددية واردة فيه، ثم قراءة القيمة المقابلة لها مباشرة في عمود الدرجات ($X$). هذه القيمة المقابلة هي المنوال الفعلي للبيانات، مما يضمن دقة خالية من أخطاء السهو والعد العشوائي.

3.3 استراتيجيات التعامل مع العينات الفردية الكبيرة يدوياً

في غياب الحواسيب أو الرغبة في التدقيق الميداني السريع للعينات الكبيرة، تُستخدم تقنيات الاستكشاف البياني السريع وعلى رأسها مخطط الساق والورقة (Stem-and-Leaf Plot). تتيح هذه الاستراتيجية تنظيم الدرجات العددية إلى “ساق” يمثل الأرقام الكبرى (كالخانات العشرية) و”أوراق” تمثل الآحاد، مما يوفر رؤية بصرية كاملة ومباشرة لتوزيع الدرجات وتكراراتها المتطابقة في نسق مصفوفي منظم.

لتطبيق التدقيق المتقاطع (Cross-Validation) وتفادي أخطاء الإغفال والعد المزدوج، يتم اتباع استراتيجية العد المتوازي المعكوس، حيث يقوم باحثان مستقلان بعمليتي تفريغ منفصلتين ومقارنة المصفوفات التكرارية النهائية الناتجة، أو يقوم باحث واحد بتفريغ البيانات مرتبة من الأعلى للأسفل ثم إعادة العملية من الأسفل للأعلى. يضمن هذا النهج المنهجي القضاء على التحيزات الإدراكية وضمان موثوقية المنوال المستخرج للعينات الفردية الكبيرة قبل الشروع في التحليلات الاستدلالية المعقدة.

4. كيفية إيجاد المنوال للبيانات النوعية والاسمية في علم النفس

4.1 تحديد المنوال للمتغيرات الاسمية ثنائية التقسيم ومتعددة الأقسام

تتميز المتغيرات الاسمية والنوعية (Qualitative/Nominal Data) بكونها متغيرات تعبر عن سمات وفئات لا تقبل المفاضلة الرياضية أو العمليات الحسابية القياسية كالمتوسط. تنقسم هذه المتغيرات إلى متغيرات ثنائية التقسيم (Dichotomous Variables) مثل (الجنس: ذكر/أنثى، الاستجابة: نعم/لا)، ومتغيرات متعددة الفئات (Polytomous Variables) مثل أنماط الشخصية، الحالات الاجتماعية، أو فئات الاضطرابات النفسية وفق المعايير التشخيصية المعتمدة.

في مثل هذه المتغيرات، لا نطلق مصطلح “القيمة المنوالية” بل نستخدم المصطلح الأدق منهجياً وهو الفئة المنوالية (Modal Category). ولإيجاد المنوال النوعي، يتم حصر التكرار المطلق لكل فئة مستقلة من فئات المتغير؛ فالفئة التي تحوز على النصيب الأكبر من الاستجابات أو الحالات المفحوصة تكون هي الفئة المنوالية المعبرة عن النزعة المركزية لتلك العينة.

دراسة تطبيقية: قامت إحدى العيادات النفسية بحصر التشخيصات السريرية لـ 200 مريض ترددوا على العيادة خلال شهر، وكانت النتائج كالتالي:

  • اضطرابات القلق: 85 حالة
  • اضطرابات المزاج (الاكتئاب): 60 حالة
  • الاضطرابات الجسدية الشكل (السيكوسوماتية): 35 حالة
  • اضطرابات الشخصية: 20 حالة

بالمقارنة المباشرة، يتضح أن “اضطرابات القلق” سجلت أعلى تكرار مطلق (85 مريضاً). وبناءً عليه، فإن الفئة المنوالية للتشخيصات في هذه العيادة هي اضطرابات القلق. يتمثل التفسير السيكولوجي والسريري لهذه النتيجة في أن المظهر الباثولوجي الأكثر هيمنة وشيوعاً لدى مجتمع المراجعين هو اعتلال القلق، مما يوجه الموارد العلاجية والكوادر الطبية للتركيز على استراتيجيات العلاج المعرفي السلوكي الموجهة لخفض القلق كأولوية قصوى.

4.2 التعامل مع البيانات الاسمية في المقابلات والملاحظات السلوكية

في تصاميم البحوث الكيفية والملاحظة السلوكية المنظمة داخل العيادات أو الفصول الدراسية، يجمع الباحثون كميات هائلة من الملاحظات النصية والتسجيلات السلوكية الوصفية. لتحويل هذه البيانات الخام إلى مخرجات إحصائية يمكن تحديد منوالها، يتم استخدام منهجية الترميز والتحليل الموضوعي (Thematic Analysis Coding).

يقوم الباحث بتحديد وحدات التحليل وترميز كل نمط سلوكي برمز نوعي فريد (مثل: $B_1$ = سلوك انسحابي، $B_2$ = سلوك عدواني لفظي، $B_3$ = سلوك تعاوني). يتم بعدها حساب التكرار الكلي لكل رمز سلوكي عبر فترات الملاحظة الزمنية المحددة. ويشترط لضمان الدقة المنهجية قياس معامل الاتفاق بين الملاحظين أو المحكمين (Inter-Rater Reliability) باستخدام معامل كابا لكوهين (Cohen’s Kappa)؛ فإذا ثبت الاتفاق، يُعتمد السلوك ذو التكرار الأعلى باعتباره “السلوك المنوالي” للجماعة المفحوصة.

4.3 تمثيل منوال البيانات الاسمية باستخدام النسب المئوية

لا يكتمل التقرير الإحصائي للمتغيرات الاسمية بالاكتفاء بذكر اسم الفئة المنوالية فقط؛ إذ يقتضي العرف الأكاديمي إقرانها بالنسب المئوية ($P$) المعبرة عن درجة الاستقطاب أو التشتت. تُحسب النسبة المئوية للمنوال بالصيغة الرياضية التالية:

$$P_m = \left( \frac{f_m}{N} \right) \times 100$$

حيث تمثل $f_m$ تكرار الفئة المنوالية، و $N$ الحجم الإجمالي للعينة. تفيد هذه النسبة في الحكم على مدى هيمنة الفئة المنوالية؛ فكلما اقتربت النسبة من 100% دل ذلك على إجماع أو تمركز نمطي مطلق، بينما تشير النسب المنخفضة (القريبة من حصص الفئات الأخرى) إلى ضعف القوة التمييزية للمنوال وتشتت الاستجابات.

وفقاً لمعايير النشر الصادرة عن الجمعية الأمريكية لعلم النفس (APA Style 7th Edition)، تتم صياغة التقرير النفسي للبيانات الاسمية في المتن كما يلي: “أظهرت النتائج الإحصائية الوصفية أن الفئة المنوالية للتشخيصات السريرية لدى العينة كانت اضطرابات القلق، حيث مثلت الاستجابة الأكثر شيوعاً بنسبة بلغت 42.5% من إجمالي الحالات المفحوصة ($n = 85$ من أصل $N = 200$).”

5. كيفية إيجاد المنوال للبيانات الترتيبية ومقاييس ليكرت النفسية

5.1 إيجاد المنوال لعبارات مقياس ليكرت الفردية

تعتمد معظم المقاييس والاستبيانات النفسية والسلوكية على مقياس ليكرت (Likert Scale) المتعدد النقاط (كالخماسي أو السباعي). تندرج استجابات هذه المقاييس أصلاً ضمن مستوى القياس الترتيبي (Ordinal Scale)، حيث تشير الخيارات إلى رتب متدرجة في الشدة مثل: (1 = أعارض بشدة، 2 = أعارض، 3 = محايد، 4 = أوافق، 5 = أوافق بشدة).

لإيجاد المنوال لكل فقرة من فقرات المقياس، يتم تفريغ استجابات أفراد العينة في جدول توزيع تكراري رتبي، ورصد بديل الاستجابة الذي حاز على أعلى تردد مطلق. يتيح ذلك للباحث تحديد الاتجاه النمطي الغالب لعينة البحث تجاه كل قضية أو مظهر سلوكي على حدة. على سبيل المثال، إذا كانت استجابات 100 طالب على فقرة “أشعر بالتوتر أثناء الامتحانات الشفوية” موزعة كالآتي: [أعارض بشدة: 5، أعارض: 15، محايد: 10، أوافق: 45، أوافق بشدة: 25]، فإن بديل الاستجابة المنوالي هو “أوافق” (درجة 4) بتكرار قدره 45 مفحوصاً.

يتميز المنوال عن الوسيط في فحص بنود ليكرت بقدرته على كشف خيار التصويت الكتلي السائد بصورة مباشرة وواضحة للمفحوصين دون الحاجة إلى اللجوء إلى التجزئة الكسرية التي قد تنتج أحياناً عند حساب الوسيط للرتب المتقاربة.

5.2 استخراج المنوال للدرجات الكلية المركبة في المقاييس الترتيبية

في الممارسات السيكومترية، يقوم الباحثون عادة بجمع درجات البنود الفردية للحصول على “الدرجة الكلية المركبة” (Composite Score) للمقياس. ورغم الجدل الإبستمولوجي المستمر حول ما إذا كان الجمع يحول البيانات الترتيبية إلى بيانات فئوية، فإن الدرجة الكلية تخضع لمستوى توزيع شبه متصل ذي قيم صحيحة متكررة.

يتم استخراج المنوال للدرجات الكلية بحصر الدرجة الإجمالية التي حصل عليها أكبر عدد من أفراد العينة. وفي حال وجود تباين وتشتت واسع في الدرجات الكلية، يُنصح بالجمع بين المنوال والمئينيات (Percentiles) أو الرتب المئينية لتحديد موقع الدرجة الأكثر تكراراً بدقة ضمن المنحنى العام لقدرات أو سمات العينة المفحوصة، مما يساعد في بناء المعايير المئينية للاختبار النفسي.

5.3 تفسير المنوال الترتيبي في سياق القياس السيكومتري

يحمل المنوال الترتيبي دلالات سيكومترية عميقة تتعلق بالخصائص القياسية للاختبار؛ فإذا تركز منوال غالبية الفقرات في الخيار “محايد” أو الخيارات الوسطى، فإن ذلك قد يكون مؤشراً على ميل المفحوصين نحو الرغبة الاجتماعية (Social Desirability) وتجنب الإفصاح عن مواقفهم الحقيقية، أو دليلاً على غموض صياغة العبارات وصعوبة فهمها.

أما إذا اتجه المنوال نحو الأطراف المتطرفة (أعارض بشدة أو أوافق بشدة) لمعظم الفقرات، فإن ذلك يكشف عن قوة السمة المقاسة لدى العينة أو قد يشير إلى ظاهرة التدقيق المتطرف (Extreme Response Style). يستخدم مصممو المقاييس هذه المؤشرات المنوالية في مرحلة التحليل الإحصائي للبنود (Item Analysis) لاستبعاد أو تعديل الفقرات التي تفشل في إحداث تباين وتوزيع طبيعي بين المستجيبين.

6. كيفية إيجاد المنوال للبيانات المبوبة في جداول فئات تكرارية

6.1 خطوات تحديد الفئة المنوالية (Modal Class)

عندما تُجمع البيانات في عينات كبيرة جداً وتُنظم في جداول تكرارية ذات فئات (Grouped Frequency Distributions)، يتعذر تحديد المنوال كقيمة فردية مباشرة من الوهلة الأولى. تبدأ أولى الخطوات المنهجية لتحديد المنوال بفحص عمود التكرارات المطلقة وتحديد الفئة التي يقابلها أكبر تكرار على الإطلاق، وتسمى هذه الفئة بـ الفئة المنوالية (Modal Class).

يشترط لصحة هذا التحديد التأكد التام من أن جميع فئات الجدول متساوية الأطوال تماماً. تمثل الفئة المنوالية المجال العددي الذي يقع المنوال الحقيقي في نطاقه بين حدها الأدنى الفعلي وحدها الأعلى الفعلي. يتم تحديد الحدود الحقيقية (Real Limits) للفئة بطرح نصف وحدة قياس (0.5 في الأعداد الصحيحة) من الحد الأدنى الظاهري وإضافتها إلى الحد الأعلى الظاهري للفئة، لتكون هذه الفئة نقطة الانطلاق الأساسية للتطبيق الحسابي والبياني الدقيق.

6.2 حساب المنوال باستخدام طريقة مركز الفئة المنوالية التقريبية

تُعد طريقة “مركز الفئة المنوالية” (Midpoint Method) أسرع الطرق الحسابية التقديرية لإيجاد قيمة تقريبية للمنوال في البيانات المبوبة دون الحاجة إلى معادلات رياضية معقدة. يُعرَّف مركز الفئة ($X_m$) بأنه النقطة المنصفة الواقعة في منتصف المسافة بين حدي الفئة، ويُحسب بالمعادلة التالية:

$$X_m = \frac{\text{الحد الأدنى للفئة المنوالية} + \text{الحد الأعلى للفئة المنوالية}}{2}$$

تصلح هذه الطريقة في الدراسات الاستطلاعية السريعة أو عندما يرغب الباحث في إعطاء تقدير أولي خاطف لطبيعة تمركز البيانات. ومع ذلك، يعيب هذه الطريقة ضعف دقتها العلمية؛ إذ تفترض أن تكرارات الفئة المنوالية موزعة بانتظام متماثل تماماً داخل الفئة، متجاهلة تأثير قوى الجذب الناتجة عن تكرارات الفئة السابقة لها والفئة اللاحقة لها، وهو افتراض نادراً ما يتحقق في البيانات النفسية الواقعية.

6.3 معالجة الجداول التكرارية ذات الفئات غير المتساوية الطول

في بعض المسوح السيكولوجية أو الدراسات الديموغرافية، قد يضطر الباحث إلى التعامل مع جداول تكرارية تحتوي على فئات غير متساوية الأطوال (Unequal Class Intervals). في هذه الحالة، يُعد الاعتماد المباشر على التكرار المطلق لتحديد الفئة المنوالية خطأً منهجياً فادحاً يؤدي إلى تضليل النتائج؛ لأن الفئة الطويلة تحوز تكراراً أكبر بطبيعة اتساعها وليس لكثافتها الفعلية.

لتصحيح هذا الخلل، يجب حساب ما يُعرف بـ الكثافة التكرارية (Frequency Density) أو التكرار المعدل ($f_{adj}$) لكل فئة من فئات الجدول عبر قسمة التكرار المطلق ($f$) على طول الفئة المقابلة ($c$):

$$f_{adj} = \frac{f}{c}$$

بناءً على نتائج هذا التعديل، تُحدد الفئة المنوالية بأنها الفئة المقابلة لـ أعلى كثافة تكرارية وليس لأعلى تكرار خام، ومن ثم يتم تطبيق معادلات الاستكمال الرياضي الدقيقة بعد إحلال التكرارات المعدلة محل التكرارات المطلقة لضمان دقة تقدير موقع المنوال.

7. الطرق الحسابية الدقيقة لإيجاد المنوال للبيانات المبوبة

7.1 طريقة الفروق لكارل بيرسون (Pearson’s Difference Method)

تُعد طريقة الفروق التي صاغها رائد الإحصاء الحيوي كارل بيرسون (Karl Pearson) الطريقة الرياضية الأكثر دقة وقبولاً في الأوساط الأكاديمية لحساب المنوال للبيانات المبوبة ذات الفئات المتساوية. تنطلق هذه الطريقة من افتراض هندسي مفاده أن موقع المنوال داخل الفئة المنوالية ينجذب نحو الفئة المجاورة ذات التكرار الأكبر، وتُحسب باستخدام المعادلة الرياضية المعيارية التالية:

$$\text{Mode} = L + \left( \frac{\Delta_1}{\Delta_1 + \Delta_2} \right) \times c$$

حيث تدل الرموز على المتغيرات التالية:

  • $L$: الحد الأدنى الحقيقي (الفعلي) للفئة المنوالية.
  • $\Delta_1$ (دلتا 1): الفرق المطلق بين تكرار الفئة المنوالية وتكرار الفئة السابقة لها مباشرة ($f_m – f_{pre}$).
  • $\Delta_2$ (دلتا 2): الفرق المطلق بين تكرار الفئة المنوالية وتكرار الفئة اللاحقة لها مباشرة ($f_m – f_{post}$).
  • $c$: طول الفئة المنوالية (المدى بين حديها الحقيقيين).

تطبيق حسابي تفصيلي خطوة بخطوة:
أجريت دراسة سيكومترية على درجات 80 مريضاً على قائمة بيك للاكتئاب (BDI)، وجاء التوزيع التكراري كما في الجدول التالي:

  • الفئة (10 – 19): التكرار = 12
  • الفئة (20 – 29): التكرار = 18 (الفئة السابقة)
  • الفئة (30 – 39): التكرار = 30 (الفئة المنوالية ذات أكبر تكرار)
  • الفئة (40 – 49): التكرار = 14 (الفئة اللاحقة)
  • الفئة (50 – 59): التكرار = 6

الخطوات الحسابية:

  1. تحديد الحد الأدنى الحقيقي للفئة المنوالية: $L = 30 – 0.5 = 29.5$.
  2. طول الفئة: $c = 39.5 – 29.5 = 10$.
  3. حساب $\Delta_1$: تكرار الفئة المنوالية (30) ناقص تكرار الفئة السابقة (18) = $30 – 18 = 12$.
  4. حساب $\Delta_2$: تكرار الفئة المنوالية (30) ناقص تكرار الفئة اللاحقة (14) = $30 – 14 = 16$.
  5. التعويض المباشر في قانون بيرسون:

$$\text{Mode} = 29.5 + \left( \frac{12}{12 + 16} \right) \times 10 = 29.5 + \left( \frac{12}{28} \right) \times 10$$

$$\text{Mode} = 29.5 + (0.42857 \times 10) = 29.5 + 4.29 = 33.79$$

إذن، قيمة المنوال الدقيقة لدرجات الاكتئاب في هذه العينة هي 33.79 درجة، وهي تقع بدقة داخل حدود الفئة المنوالية وتنزاح قليلاً نحو الفئة السابقة نظراً لتقارب تكرارها النسبي مقارنة باللاحقة.

7.2 طريقة العزوم والرافعة لكينج (King’s Method)

تُمثل صيغة كينج (King’s Formula) بديلاً رياضياً كلاسيكياً لطريقة بيرسون، وتعتمد في فلسفتها على نسبة الرافعة المباشرة للتكرارات المجاورة دون الدخول في تفاصيل الفروق المركبة. يُصاغ قانون كينج على النحو التالي:

$$\text{Mode} = L + \left( \frac{f_{post}}{f_{pre} + f_{post}} \right) \times c$$

حيث يمثل $f_{post}$ تكرار الفئة اللاحقة للفئة المنوالية، و $f_{pre}$ تكرار الفئة السابقة للفئة المنوالية، مع بقاء $L$ و $c$ كما هما معرفين سابقاً.

بتطبيق صيغة كينج على نفس بيانات الاكتئاب السابقة:

$$\text{Mode} = 29.5 + \left( \frac{14}{18 + 14} \right) \times 10 = 29.5 + \left( \frac{14}{32} \right) \times 10 = 29.5 + 4.375 = 33.88$$

نلاحظ تقارباً شديداً بين ناتج صيغة بيرسون (33.79) وناتج صيغة كينج (33.88). ورغم سهولة صيغة كينج، فإن الأوساط السيكومترية تفضل صيغة بيرسون للفروق لأنها تأخذ في الاعتبار تكرار الفئة المنوالية ذاتها ($f_m$) كعنصر توازن محوري في تحديد شدة الجذب بين الجانبين، بينما تتجاهله صيغة كينج في بسط ومقام النسبة الداخلية.

7.3 العلاقة التجريبية بين الوسط والوسيط والمنوال (Pearson’s Empirical Relationship)

في العديد من التوزيعات التكرارية المستمرة للسمات النفسية والتربوية التي تتميز بكونها معتدلة الالتواء (Moderately Skewed Distributions) وتتبع توزيعاً أحادي القمة شبيهاً بالمنحنى الطبيعي، اكتشف كارل بيرسون علاقة تقريبية تجريبية تربط بين المقاييس الثلاثة، وتُصاغ كالتالي:

$$\text{Mean} – \text{Mode} \approx 3 \times (\text{Mean} – \text{Median})$$

وبإعادة ترتيب المعادلة جبرياً لعزل المنوال في طرف مستقل، نحصل على الصيغة الشهيرة لتقدير المنوال:

$$\text{Mode} = 3 \times \text{Median} – 2 \times \text{Mean}$$

تُعد هذه العلاقة أداة قيمة للغاية للباحث النفسي عندما يفقد الوصول إلى البيانات الخام الأصلية، وتتوفر لديه فقط التقارير المنشورة التي تفصح عن قيمتي الوسط الحسابي والوسيط. على سبيل المثال، إذا كان الوسط الحسابي لدرجات القلق = 45 درجة، والوسيط = 42 درجة في توزيع معتدل الالتواء، فإن تقدير المنوال يكون:

$$\text{Mode} = (3 \times 42) – (2 \times 45) = 126 – 90 = 36$$

يجب التأكيد الأكاديمي الصارم على أن هذه العلاقة هي علاقة تقريبية تجريبية ولا تصلح للتطبيق في حالات التوزيعات الشديدة الالتواء (Severely Skewed)، أو التوزيعات ثنائية المنوال، أو التوزيعات المستوية (Platykurtic)، حيث تفقد العلاقة دقتها الرياضية تماماً في تلك الظروف الشاذة.

8. كيفية إيجاد المنوال هندسياً وبيانياً

8.1 استخراج المنوال من المدرج التكراري (Histogram)

يُمثل المدرج التكراري (Histogram) الأداة الهندسية الأساسية لتحديد قيمة المنوال بیانياً للبيانات المتصلة والمبوبة. تعتمد هذه المنهجية الهندسية على رسم مستطيلات متلاصقة تمثل كل فئة؛ حيث يمثل المحور الأفقي الفئات بحدودها الحقيقية، بينما يمثل المحور الرأسي التكرارات المطلقة أو الكثافات التكرارية.

تتلخص خطوات الاستخراج الهندسي للمنوال في الآتي:

  1. تحديد المستطيل الأكثر ارتفاعاً في المدرج التكراري، وهو المستطيل الممثل للفئة المنوالية.
  2. رسم خط مستقيم مائل ينطلق من الزاوية العليا اليسرى للمستطيل المنوالي إلى الزاوية العليا اليسرى للمستطيل اللاحق له مباشرة.
  3. رسم خط مستقيم مائل ثانٍ ينطلق من الزاوية العليا اليمنى للمستطيل المنوالي إلى الزاوية العليا اليمنى للمستطيل السابق له مباشرة.
  4. تحديد نقطة تقاطع الخطين المائلين داخل المستطيل المنوالي.
  5. إسقاط خط عمودي مستقيم من نقطة التقاطع هذه باتجاه المحور الأفقي (محور الدرجات).
  6. قراءة الإحداثي السيني على المحور الأفقي عند النقطة التي يتقاطع معها الخط العمودي الساقط؛ وتكون هذه القراءة هي قيمة المنوال بيانياً.

تتطابق هذه النتيجة الهندسية بيانياً تطابقاً تاماً مع الناتج المستخرج جبرياً عبر صيغة الفروق لكارل بيرسون، نظراً لتطابق العلاقات التناسبية الهندسية للمثلثات المتشابهة الناتجة عن التقاطع مع النسب الجبرية لصيغة الفروق.

8.2 تحديد المنوال من المنحنى التكراري ودالة الكثافة الاحتمالية (KDE)

عند تمهيد المضلع التكراري ليصبح منحنى تكرارياً أملساً (Frequency Curve)، يُحدد المنوال بيانياً بإسقاط خط عمودي من قمة أو ذروة المنحنى (Peak) نحو المحور الأفقي، لتكون نقطة التماس هي المنوال. وفي الإحصاء الحاسوبي المتقدم والقياس النفسي الحديث، يُستخدم أسلوب تقدير كثافة النواة (Kernel Density Estimation – KDE) كأداة غير معيارية (Non-parametric) فائقة القوة لتمهيد التوزيعات المستمرة.

تتيح دالة KDE تحويل عينات الاستجابة السلوكية المعقدة إلى منحنى كثافة احتمالية مستمر وخالٍ من التحيزات الناتجة عن التقسيم العشوائي لحجم الفئات التكرارية. ويُستخرج المنوال عبر خوارزميات البحث العددي عن النقطة الحرجة العظمى في الدالة (Global Maximum)، والتي يتحقق عندها شرط المشتقة الأولى للدالة التكرارية بحيث تتساوى مع الصفر ($f'(x) = 0$) مع كون المشتقة الثانية سالبة ($f”(x) < 0$).

8.3 مقارنة الطرق البيانية بالطرق الجبرية في القياس السلوكي

تتميز الطرق البيانية بقدرتها الفائقة على النقل البصري السريع لطبيعة التمركز والتوزيع في العروض التقديمية والتقارير التنفيذية، مما يمنح القارئ غير المتخصص فهماً حدسياً لموقع القيمة الأكثر شيوعاً. ومع ذلك، تظل الطرق البيانية الكلاسيكية اليدوية محكومة بدقة مقياس الرسم وسمك خطوط الرسم وأخطاء التقدير البصري للمحلل.

لذا، تقتضي المعايير المنهجية الصارمة في البحوث النفسية المحكمة الاعتماد الأساسي على الطرق الجبرية الاستكمالية في استخراج القيم الرقمية النهائية وتضمينها في الجداول الإحصائية، مع استخدام التمثيل البياني كأداة توضيحية مساندة تُعزز التفسير البصري دون أن تحل محل الحسابات الجبرية الدقيقة.

9. التعامل مع الحالات الخاصة: التوزيعات عديمة ومتعددة المنوال

9.1 التوزيعات عديمة المنوال (No Mode Distribution)

تنشأ حالة التوزيع عديم المنوال (No-Mode or Amorphous Distribution) عندما تتساوى جميع مفردات أو فئات التوزيع الإحصائي في تكراراتها تماماً، أو عندما تظهر جميع القيم مرة واحدة فقط دون أي تكرار مميز لأي منها. يُعرف هذا التوزيع في النظرية الإحصائية باسم التوزيع المنتظم (Uniform Distribution)، حيث يكون المنحنى التكراري أفقياً ومستوياً تماماً دون أي قمة تميزه.

في بحوث القياس النفسي، يشير غياب المنوال إلى تشتت كامل للاستجابات وانعدام النمطية السلوكية لدى العينة المدروسة؛ كأن يوزع 50 مفحوصاً استجاباتهم بالتساوي التام على خيارات مقياس محدد. في مثل هذه الحالات، يُعد إعلان وجود منوال خطأً منهجياً، ويجب على الباحث الإشارة صراحة في التقرير إلى أن “التوزيع عديم المنوال”، مع التحول الفوري إلى استخدام الوسيط أو الوسط الحسابي والانحراف المعياري لتمثيل النزعة المركزية والتشتت.

9.2 التوزيع ثنائي المنوال (Bimodal Distribution) وتفسيره السيكولوجي

يظهر التوزيع ثنائي المنوال (Bimodal Distribution) عندما يحتوي التوزيع التكراري على قمتين منفصلتين ومتميزتين، تمثل كل منهما قيمة أو فئة ذات تكرار مرتفع تتفوق به على القيم المجاورة لها. قد تكون القمتان متساويتين في التكرار أو متقاربتين بشدة بحيث يصعب إهمال إحداهما لصالح الأخرى.

يحمل التوزيع ثنائي المنوال أهمية إكلينيكية وتشخيصية بالغة الخطورة في علم النفس والطب النفسي؛ إذ يدل ظهوره بصورة شبه حتمية على أن العينة المدروسة ليست متجانسة، بل هي عبارة عن مزيج هجين من مجتمعين فرعيين متمايزين (Two Distinct Sub-populations) جرى دمجهما معاً عن غير قصد. على سبيل المثال، إذا طبقنا اختباراً لتقدير الذات على عينة مختلطة، وظهر للتوزيع قمتان عند الدرجة (25) والدرجة (70)، فإن التحليل السريري المعمق غالباً ما يكشف أن القمة الأولى تمثل مرضى الاكتئاب السريري بينما تمثل القمة الثانية الأفراد الأسوياء، أو قد تعكس استجابات متباينة جذرياً بين الذكور والإناث في السمة المقاسة.

تتمثل المعالجة المنهجية الصحيحة للتوزيع ثنائي المنوال في تفكيك العينة وإجراء تحليلات طبقية منفصلة لكل مجموعة فرعية على حدة، بدلاً من اختزال البيانات في رقم وسطي وحيد يشوه الواقع الإكلينيكي لكلا الفريقين.

9.3 التوزيعات متعددة المنوال (Multimodal) والمنوال المحلي مقابل العام

في التوزيعات التي تتضمن أكثر من قمتين تكراريتين، نكون بصدد توزيع متعدد المنوال (Multimodal Distribution). تفرض هذه الظاهرة التمييز الإحصائي بين نوعين من المناول:

  • المنوال العام (Major Mode): القمة الكبرى المطلقة التي تسجل أعلى تكرار إجمالي على مستوى التوزيع بأكمله.
  • المنوال المحلي (Minor / Local Mode): القمم الثانوية التي تسجل تكرارات تفوق الفئات المجاورة لها مباشرة ضمن نطاق محلي، لكنها لا تصل إلى مستوى القمة الكبرى.

يُنذر اختزال التوزيعات المتعددة في قيمة منوالية واحدة بفقدان معلومات حيوية حول الأنماط السلوكية المتفرعة للعينة. وللتعامل مع هذه التوزيعات المعقدة في البحوث المتقدمة، يتم اللجوء إلى تقنيات النمذجة الإحصائية المعروفة بـ نماذج الخليط الاحتمالي (Mixture Models) مثل نماذج المزيج الغاوسي (Gaussian Mixture Models – GMM) لفصل وتفسير البنى الكامنة المتعددة وراء كل ذروة تكرارية.

10. كيفية إيجاد المنوال باستخدام البرمجيات والحزم الإحصائية

10.1 حساب المنوال باستخدام حزمة SPSS للعلوم النفسية

تُعد الحزمة الإحصائية للعلوم الاجتماعية والنفسیة (IBM SPSS Statistics) من أكثر البرمجيات استخداماً في الأوساط الأكاديمية والبحثية السلوكية. يوفر البرنامج واجهة تفاعلية بسيطة وقوية لاستخراج المنوال جنباً إلى جنب مع مقاييس النزعة المركزية الأخرى.

الخطوات الإجرائية عبر القوائم التفاعلية:

  1. الذهاب إلى القائمة الرئيسية واختيار: Analyze ثم Descriptive Statistics ثم النقر على Frequencies....
  2. نقل المتغيرات النفسية المستهدفة من المربع الأيسر إلى مربع المتغيرات Variable(s):.
  3. الضغط على زر Statistics... الموجود على الجانب الأيمن للنافذة.
  4. في قسم مقاييس النزعة المركزية (Central Tendency)، يتم تفعيل مربع الاختيار الخاص بـ Mode.
  5. الضغط على Continue ثم OK لتنفيذ الأمر.

في جدول المخرجات الإحصائية (Statistics Table)، تظهر قيمة المنوال بوضوح. وفي حال كان التوزيع متعدداً أو ثنائي المنوال، يكتفي برنامج SPSS تقليدياً بطباعة أصغر قيمة منوالية كقيمة رئيسية، مع إدراج حاشية تنبيهية سفلية تفيد بوجود مناول متعددة للبيانات، مما يتطلب من الباحث مراجعة جدول التكرارات التفصيلي لتحديد المناول الأخرى.

كما يمكن تنفيذ العملية برمجياً بسرعة عبر كتابة وتنفيذ الأمر التالي في نافذة محرر الأوامر (Syntax Editor):

FREQUENCIES VARIABLES=Anxiety_Score Depression_Level /STATISTICS=MODE /ORDER=ANALYSIS.

10.2 إيجاد المنوال في بيئة R الإحصائية

تتميز لغة البرمجة وبيئة التحليل الإحصائي مفتوحة المصدر (R) بمرونتها الفائقة في معالجة البيانات النفسية المعقدة. ومن المثير للاهتمام أن لغة R الأساسية (Base R) لا تتضمن دالة افتراضية صريحة باسم mode() لحساب المنوال الإحصائي (حيث تقوم دالة mode المدمجة بإرجاع نوع تخزين الكائن في الذاكرة).

لحساب المنوال للبيانات المنفصلة أو الاسمية في R، يبني المحللون دالة مخصصة وفعالة تعتمد على توليد جدول التكرارات ثم استخراج القيمة الأكثر تكراراً كما يلي:

getmode <- function(v) {
  uniqv <- unique(na.omit(v))
  uniqv[which.max(tabulate(match(v, uniqv)))]
}

ولتطبيق هذه الدالة على درجات متغير في إطار بيانات (DataFrame):

modal_anxiety <- getmode(psych_data$Anxiety_Score)

أما في حالات البيانات المتصلة الكبيرة، يُنصح بتثبيت واستخدام الحزم الإحصائية المتخصصة مثل حزمة modeest، والتي توفر دوالاً متقدمة مثل mlv() (Most Likely Value) لحساب المنوال المستمر باستخدام طرق متعددة مثل تمهيد النواة، أو طريقة بارزن (Parzen-kernel method).

10.3 استخراج المنوال عبر Excel و Python

في بيئة جداول بيانات مايكروسوفت إكسل (Microsoft Excel)، تتوفر دوال حديثة مخصصة لحساب المنوال بكفاءة عالية:

  • الدالة MODE.SNGL(number1, [number2], ...): لحساب المنوال الفردي الأول للبيانات.
  • الدالة MODE.MULT(number1, [number2], ...): وهي دالة مصفوفية حديثة تُرجع قائمة بكافة القيم المنوالية في التوزيعات ثنائية أو متعددة المنوال، مما يمنع الوقوع في خطأ إغفال المناول الثانوية.

أما في بيئة لغة بايثون (Python) المعتمدة في نمذجة علوم البيانات السلوكية، يتم استخدام مكتبة scipy.stats أو مكتبة pandas بسهولة فائقة:

from scipy import stats
mode_result = stats.mode(anxiety_scores, keepdims=True)
print(mode_result.mode[0])

أو باستخدام مصفوفات الباندا المباشرة للبيانات:

psych_df['Depression_Category'].mode()

تتميز أدوات بايثون وإكسل بالسرعة الفائقة في معالجة مصفوفات البيانات الضخمة (Big Data) المسجلة في السجلات الطبية والتربوية المركزية.

11. مقارنة المنوال بمقاييس النزعة المركزية الأخرى في الدراسات السلوكية

11.1 مقارنة المنوال بالوسط الحسابي في التوزيعات الملتوية

تخضع مقاييس النزعة المركزية الثلاثة (الوسط، الوسيط، المنوال) لعلاقات موضعية منتظمة تتحدد بناءً على شكل التوزيع وتماثله التكراري. في التوزيعات الملتوية (Skewed Distributions)، تنفصل هذه المقاييس وتتباعد مراكزها بصورة منهجية كما يوضح التوصيف التالي:

  • التوزيع ملتوي الطرف الموجب (Right / Positively Skewed): تمتد فيه الدرجات المتطرفة نحو اليمين (القيم المرتفعة). ينجرف الوسط الحسابي بقوة مع هذا الذيل الطويل، يليه الوسيط، بينما يظل المنوال مستقراً عند الذروة في جهة اليسار، وتكون العلاقة الرياضية الموقعية: $\text{Mode} < \text{Median} < \text{Mean}$.
  • التوزيع ملتوي الطرف السالب (Left / Negatively Skewed): تمتد فيه الدرجات المتطرفة نحو اليسار (القيم المنخفضة). يسحب الذيل الوسط الحسابي ليكون الأصغر قيمة، يليه الوسيط، بينما يبقى المنوال عند القمة المرتفعة في أقصى اليمين، وتكون العلاقة: $\text{Mean} < \text{Median} < \text{Mode}$.
  • التوزيع المتماثل الطبيعي (Symmetric Normal Distribution): تنطبق فيه المقاييس الثلاثة تماماً في نقطة المنتصف: $\text{Mean} = \text{Median} = \text{Mode}$.

تتجلى أفضلية المنوال المطلقة على الوسط الحسابي في تلك التوزيعات الملتوية التي تحوي قيماً شاذة؛ فالوسط يفقد قدرته على تمثيل الاستجابة الشائعة ويتحول إلى رقم وهمي مضلل، بينما يقدم المنوال التوصيف الدقيق لما يفعله غالبية الأفراد في الميدان السلوكي.

11.2 مقارنة المنوال بالوسيط في القياس الترتيبي

رغم أن كلاً من المنوال والوسيط يصلحان لمعالجة البيانات الترتيبية ومقاييس الرتب، إلا أن هناك فروقاً فلسفية وإجرائية دقيقة بينهما؛ فالمنوال يعبر عن نقطة “الكثافة والشيوع الأقصى”، في حين يعبر الوسيط عن نقطة “التناصف الموضعي” التي تقع عندها المفردة التي تقسم التوزيع إلى 50% أدنى و 50% أعلى.

يُفضل الباحث النفسي استخدام الوسيط بدلاً من المنوال عندما يكون التوزيع متدرجاً بانتظام ولا يحتوي على قمة تكرارية حادة أو عندما تتشتت التكرارات عبر الفئات دون بروز خيار مهيمن، حيث يوفر الوسيط تمثيلاً للرتبة الوسطى الحقيقية. بينما يتفوق المنوال وظيفياً عندما تكون الغاية البحثية هي تحديد بديل الاستجابة الحاسم الذي اتفقت عليه الكتلة الحرجة من المستجيبين.

يتحقق التكامل الإحصائي الأرقى عند تقديم المنوال جنباً إلى جنب مع الوسيط؛ فإذا تطابقت قيمتاهما في القياس الترتيبي، دل ذلك على استقرار السمة وتمركزها المنتظم، أما إذا تباعدتا، فإن ذلك يفتح آفاقاً لتفسير التحيزات والتمركزات الفرعية داخل بنية استجابات العينة.

11.3 معايير اختيار المقياس الأمثل للنزعة المركزية في البحث النفسي

لاتخاذ القرار الإحصائي والمنهجي الصائب حول المقياس الواجب اعتماده للنزعة المركزية، يستند الباحثون إلى مصفوفة المعايير القياسية التالية:

  • مستوى القياس الاسمي: المنوال هو المقياس الوحيد المقبول رياضياً ومنهجياً.
  • مستوى القياس الترتيبي: يُعتمد الوسيط كمقياس رئيسي، ويكون المنوال مقياساً موازياً ومفضلاً في حالات الاستقطاب الكتلي للخيارات.
  • مستوى القياس الفئوي والنسبي مع توزيع طبيعي متماثل: يُعد الوسط الحسابي المقياس الأفضل والأكثر كفاءة وقوة في الاستدلال الإحصائي البارامتري.
  • مستوى القياس الفئوي والنسبي مع وجود التواء أو قيم متطرفة شاذة: يُعتمد الوسيط أو المنوال، مع استبعاد الوسط الحسابي تجنباً للتشويه.
  • التوزيعات متعددة القمم أو غير المتجانسة إكلينيكياً: المنوال (بصيغته المتعددة) هو المقياس الأنسب والوحيد القادر على كشف البنى الهجينة.

تشترط المجلات العلمية المرموقة في تقارير البحوث النفسية تقديم رؤية بانورامية تشمل المقاييس الثلاثة عندما يقتضي سياق التحليل ذلك، لضمان أعلى مستويات الشفافية المنهجية والمصداقية الاستدلالية.

12. الأخطاء الشائعة والمعايير الأكاديمية عند تحديد المنوال وتفسيره

12.1 الأخطاء الإجرائية والحسابية الشائعة في إيجاد المنوال

يقع العديد من الباحثين المبتدئين وطلاب الدراسات العليا في أخطاء إجرائية متكررة عند حساب المنوال؛ وأول هذه الأخطاء وأكثرها شيوعاً هو الخلط بين قيمة المنوال نفسه والتكرار المقابل له؛ كأن يذكر الباحث أن “المنوال هو 45” بينما 45 هي تكرار الدرجة (20)، والصواب هو القول بأن “المنوال هو 20 وتكراره 45”.

يتمثل الخطأ الثاني في الإغفال التام لفحص تعدد المناول؛ حيث يكتفي الباحث بتسجيل أول قيمة متكررة يلاحظها في الجدول أو يكتفي بالمخرج الآلي الفردي لبعض البرمجيات، متجاهلاً وجود قمة تكرارية أخرى مكافئة أو مساوية لها في التوزيع. ويبرز الخطأ الثالث عند تطبيق معادلات البيانات المبوبة على فئات غير متساوية الأطوال دون تعديل التكرارات بالكثافة، مما ينتج قيماً منوالية زائفة تماماً وبعيدة عن الواقع الرياضي للتوزيع.

كما يخطئ البعض بافتراض وجود منوال في توزيع مستوٍ ومتساوٍ لجميع القيم التكرارية، حيث يُسجلون خطأً قيمة الصفر أو أول مفردة كمنوال، في حين أن التوصيف العلمي الصحيح في هذه الحالة هو الإقرار بانعدام المنوال.

12.2 الأخطاء المنهجية والتفسيرية في التقارير النفسية

على المستوى التفسيري والمنهجي، يتجلى الخطأ الأكبر في تعميم قيمة المنوال المستخرجة من عينات نفسية صغيرة (أقل من 30 مفحوصاً) على المجتمع الأصلي؛ إذ تفتقر هذه المناول إلى الثبات الإحصائي (Statistical Reliability) وتتقلب بحذف أو إضافة مفحوص واحد، مما يجعل التعميم قفزة منهجية غير مبررة إحصائياً.

يتضمن الخطأ الآخر إسقاط دلالات حاسمة على المنوال الاسمي دون فحص تشتت وتوزع الفئات المتبقية؛ فإذا كانت الفئة المنوالية تحوز 25% فقط من العينة بينما تتوزع الـ 75% المتبقية على ثلاث فئات متقاربة، فإن وصف الفئة المنوالية بـ “المهيمنة” أو “الممثلة للأغلبية الساحقة” يُعد تضليلاً علمياً منافياً للحقائق الرقمية للتوزيع الإجمالي.

12.3 معايير توثيق وإعلان قيمة المنوال وفق متطلبات الجمعية الأمريكية لعلم النفس (APA)

تضع جمعية علم النفس الأمريكية معايير دقيقة لتوثيق مقاييس النزعة المركزية ضمن تقارير البحوث المحكمة؛ حيث يقتضي الدليل إرفاق المنوال بمؤشر التشتت النوعي الملائم لطبيعة البيانات الاسمية والترتيبية، وأبرزها نسبة التباين النوعي (Variation Ratio – VR) التي تُحسب بالصيغة:

$$VR = 1 – \left( \frac{f_m}{N} \right)$$

حيث تعكس هذه النسبة مقدار التشتت عن الفئة المنوالية؛ فكلما اقتربت النسبة من الصفر دل ذلك على تجانس مطلق حول المنوال، وكلما اقتربت من الواحد الصحيح كشفت عن تشتت استجابات العينة وضعف هيمنة المنوال.

الصياغة القياسية المعتمدة للنتائج في التقارير الأكاديمية:

  • في متن التقرير النصي: “بلغت الاستجابة المنوالية لتقييم الرضا عن البرنامج التدريبي الخيار ‘راضٍ جداً’ ($Mode = 5$)، محققة تكراراً مطلقاً مقداره ($n = 120$) من إجمالي المفحوصين البالغ عددهم ($N = 200$)، بنسبة مئوية بلغت 60% ونسبة تباين نوعي ($VR = 0.40$).”
  • في الجداول الإحصائية: يُخصص عمود مستقل للمنوال يشار إليه بالرمز المختصر ($Mo$)، مع إدراج حواشي توضيحية سفلية تشرح دلالات المناول المتعددة في حال وجودها، وتوضيح طريقة الحساب المتبعة (معادلة بيرسون، كينج، أو المخرجات البرمجية)، لضمان الشفافية وإمكانية تكرار الحسابات والتحقق منها من قِبل الباحثين الآخرين.

خاتمة

يُمثل المنوال ركناً أساسياً لا غنى عنه في صرح التحليل الإحصائي والقياس النفسي والسلوكي؛ وتتجلى قوته المعرفية في قدرته الفريدة على استنطاق البيانات الوصفية والاسمية، ومناعته الراسخة في وجه القيم الشاذة والمتطرفة، وتوصيفه الواقعي للأنماط والظواهر الأكثر شيوعاً وهيمنة في السلوك الإنساني. إن الإلمام العميق بالمنهجيات الرياضية لحساب المنوال—بدءاً من الفرز اليدوي البسيط للبيانات الخام، مروراً بصيغ الفروق والعلاقات التجريبية لكارل بيرسون، وصولاً إلى استخراجه الهندسي وخوارزمياته البرمجية في SPSS و R وبايثون—يُمكّن الباحث من بناء قراءات سيكومترية وتشخيصية رصينة تتسم بأعلى معايير الدقة والموثوقية العلمية.

المراجع المعتمدة (References)

  • American Psychological Association. (2020). Publication manual of the American Psychological Association (7th ed.). American Psychological Association. https://doi.org/10.1037/0000165-000
  • Cohen, J., Cohen, P., West, S. G., & Aiken, L. S. (2003). Applied multiple regression/correlation analysis for the behavioral sciences (3rd ed.). Lawrence Erlbaum Associates.
  • Field, A. (2018). Discovering statistics using IBM SPSS statistics (5th ed.). SAGE Publications.
  • Gravetter, F. J., & Wallnau, L. B. (2017). Statistics for the behavioral sciences (10th ed.). Cengage Learning.
  • Howell, D. C. (2013). Statistical methods for psychology (8th ed.). Wadsworth, Cengage Learning.
  • Pearson, K. (1895). Contributions to the mathematical theory of evolution.—II. Skew variation in homogeneous material. Philosophical Transactions of the Royal Society of London. A, 186, 343–414. https://doi.org/10.1098/rsta.1895.0010
  • Silverman, B. W. (1986). Density estimation for statistics and data analysis. Chapman and Hall. https://doi.org/10.1007/978-1-4899-3324-9
  • Stevens, S. S. (1946). On the theory of scales of measurement. Science, 103(2684), 677–680. https://doi.org/10.1126/science.103.2684.677
  • Wickham, H., & Grolemund, G. (2017). R for data science: Import, tidy, transform, visualize, and model data. O’Reilly Media.

اقتباس هذا المقال

looti, M. (2026, أغسطس 26). كيفية إيجاد المنوال. عرب سايكلوجي. https://arabpsychology.com/statistics/how-to-find-the-mode-psychological-statistics/
looti, Mohammed. “كيفية إيجاد المنوال.” عرب سايكلوجي, 26 أغسطس 2026, https://arabpsychology.com/statistics/how-to-find-the-mode-psychological-statistics/.
looti, Mohammed. “كيفية إيجاد المنوال.” عرب سايكلوجي. أغسطس 26, 2026. https://arabpsychology.com/statistics/how-to-find-the-mode-psychological-statistics/.