يشكل افتراض التوزيع الطبيعي متعدد المتغيرات (Multivariate Normality) أحد الركائز الجوهرية والأساسية التي تقوم عليها النماذج الإحصائية المعلمية المتقدمة في حقول القياس النفسي (Psychometrics)، والعلوم السلوكية، والعلوم التربوية المعاصرة. فعندما ينتقل الباحث النفسي من دراسة الظواهر البسيطة أحادية البعد إلى استكشاف البنى المعرفية والانفعالية المعقدة والمتشابكة—كالذكاء متعدد الأبعاد، وأنماط الشخصية، ونوعية الحياة، والاضطرابات النفسية المرافقة—يصبح التعامل مع مصفوفات البيانات متعددة المتغيرات ضرورة منهجية ملحة. غير أن هذا الانتقال المنهجي يفرض استحقاقات إحصائية صارمة، يأتي في طليعتها التحقق من أن المتجهات العشوائية المشتركة تتبع توزيعاً طبيعياً متعدد المتغيرات داخل الفضاء الهندسي متعدد الأبعاد.
إن إغفال فحص هذا الافتراض أو الاكتفاء بالتحقق السطحي من اعتدالية كل متغير على حدة يوقع الدراسات النفسية في مغالطات منهجية كارثية. فالعديد من الباحثين يقعون في فخ الاعتقاد الخاطئ بأن تحقق التوزيع الطبيعي الأحادي (Univariate Normality) لجميع بنود المقاييس أو أبعادها يضمن تلقائياً تحقق التوزيع الطبيعي المتعدد (Multivariate Normality)، وهو ادعاء تم دحضه رياضياً وإمبريقياً في الأدبيات الإحصائية الكلاسيكية والحديثة على حد سواء. يترتب على انتهاك هذا الافتراض تضخيم معدلات الخطأ من النوع الأول، وتقديرات متحيزة للأخطاء المعيارية، وتشويه مؤشرات جودة المطابقة في نمذجة المعادلات البنائية (SEM)، وزيف في نتائج اختبارات الدلالة الإحصائية ضمن تحليلات التباين متعددة المتغيرات (MANOVA).
تقدم بيئة الحوسبة الإحصائية R منظومة برمجية متكاملة وفائقة المرونة للتعامل مع هذا التحدي القياسي، متيحة لعلماء النفس والباحثين الكميين ترسانة من الحزم المتخصصة، والاختبارات الإحصائية الصارمة، والأدوات البصرية التفاعلية لتشخيص التوزيع الطبيعي متعدد المتغيرات. يهدف هذا المقال الموسوعي إلى تقديم دليل عملي ونظري شامل يغطي الأسس الرياضية، والخطوات الإجرائية، واستراتيجيات اتخاذ القرار، وبدائل المعالجة الإحصائية المتقدمة عند تعذر تحقق الاعتدالية المتعددة في البيانات السيكومترية، وذلك بالاستناد إلى أحدث المعايير الأكاديمية الصادرة عن جمعية علم النفس الأمريكية (APA) وشبكة الحوسبة الإحصائية The R Project for Statistical Computing.
- 1. مقدمة وأهمية التوزيع الطبيعي متعدد المتغيرات في القياس النفسي
- 2. إعداد بيئة العمل واستيراد البيانات النفسية في R
- 3. الفحص البصري متعدد المتغيرات واستكشاف البيانات
- 4. كشف القيم المتطرفة متعددة المتغيرات باستخدام مسافة ماهالانوبيس
- 5. إجراء اختبار مارديا (Mardia’s Test) للتفرطح والالتواء المتعدد
- 6. إجراء اختبار هينز-زيركلر (Henze-Zirkler Test) في R
- 7. إجراء اختبار رويستون (Royston’s Test) للتوزيع الطبيعي المتعدد
- 8. إجراء اختبار الطاقة (Energy Test) في R
- 9. استخدام حزمة MVN للتحليل المتكامل والمقارن
- 10. المقارنة المنهجية بين مختلف اختبارات التوزيع الطبيعي المتعدد
- 11. الحلول الإحصائية والبدائل عند انتهاك شرط التوزيع الطبيعي المتعدد
- 12. دليل كتابة وتوثيق نتائج الاختبارات وفق معايير APA
- خاتمة
- References
1. مقدمة وأهمية التوزيع الطبيعي متعدد المتغيرات في القياس النفسي
1.1 المفهوم النظري للتوزيع الطبيعي متعدد المتغيرات (MVN)
يُعرَّف التوزيع الطبيعي متعدد المتغيرات بأنه تعميم رياضي واسع للتوزيع الطبيعي أحادي البعد ليشمل متجهين أو أكثر من المتغيرات العشوائية المستمرة المتفاعلة فيما بينها. رياضياً، إذا كان لدينا متجه عشوائي يتألف من عدد p من المتغيرات، فإن هذا المتجه يتبع توزيعاً طبيعياً متعدد الأبعاد إذا وفقط إذا كان أي تركيب خطي لعناصره يتبع توزيعاً طبيعياً أحادياً. وتتحدد معالم هذا التوزيع بشكل كامل من خلال متجه المتوسطات الحسابية ومصفوفة التباين والتباين المشترك (Variance-Covariance Matrix) المتماثلة والموجبة التعريف قطيعاً.
تستلزم دالة الكثافة الاحتمالية المشتركة في الفضاء الإقليدي متعدد الأبعاد أن تتوزع البيانات على شكل سطح إهليلجي متماثل الأطراف يتحدد مركزه بمتجه المتوسطات وتحدد استطالته وتدويره مصفوفة التباينات المشتركة. وفي سياق النمذجة الإحصائية المتقدمة، كالتحليل العاملي الاستكشفي (EFA) والتحليل العاملي التوكيدي (CFA)، يمثل هذا الافتراض الأساس النظري لاشتقاق مقدرات الإمكانية العظمى (Maximum Likelihood Estimation)؛ حيث تفترض خوارزميات التقدير أن البيانات تتبع دالة الكثافة الغوسية متعددة الأبعاد للوصول إلى تقديرات غير متحيزة وكفؤة لمعلمات النماذج السيكومترية.
1.2 دواعي إجراء الاختبارات في البحوث النفسية والسلوكية
تتجلى أهمية التحقق من التوزيع الطبيعي المتعدد في حساسية الاختبارات الإحصائية الكلاسيكية لأي تشوه يطرأ على التوزيع المشترك. فعلى سبيل المثال، تعتمد تحليلات التباين متعدد المتغيرات (MANOVA) واختبار هوتلنج لمقارنة المتوسطات المتعددة على فرضية دائرية واعتدالية التوزيعات المشتركة للمتغيرات التابعة؛ ويؤدي انتهاك هذا الافتراض، خاصة في حال عدم تساوي أحجام العينات، إلى تشويه قيمة إحصاء أثر بيلائي (Pillai’s Trace) ولامبدا ويلكس (Wilks’ Lambda)، مما يرفع بصورة خطيرة معدل الخطأ من النوع الأول (Type I Error) أو يضعف القوة الإحصائية للاختبار.
أما في نمذجة المعادلات البنائية (SEM)، فإن الانحراف عن التوزيع الطبيعي المتعدد ينجم عنه تضخيم مصطنع لقيمة إحصاء كاي تربيع (Chi-Square) لاختبار جودة المطابقة، مما يدفع الباحثين إلى رفض نماذج نظرية صحيحة في القياس النفسي دون مبرر علمي. كما يؤدي هذا الانتهاك إلى التقليل غير الدقيق من قيم الأخطاء المعيارية لمعاملات المسار وأثقال العوامل، الأمر الذي يقود إلى استنتاج دلالات إحصائية وهمية لعلاقات نفسية قد تكون معدومة في المجتمع الأصلي للدراسة.
1.3 العلاقة بين التوزيع الأحادي والتوزيع المتعدد للمتغيرات
من أهم الحقائق الرياضية التي يجب أن يستوعبها الباحث في القياس النفسي هي أن التوزيع الطبيعي الأحادي لكل متغير على حدة يمثل شرطاً ضرورياً ولكنه ليس شرطاً كافياً لتحقق التوزيع الطبيعي متعدد المتغيرات. بعبارة أخرى، إذا كان أحد المتغيرات لا يتبع التوزيع الطبيعي الأحادي، فإن المتجه المتعدد ككل يفشل قطعاً في تحقيق التوزيع الطبيعي المشترك؛ ولكن العكس غير صحيح إطلاقاً، إذ يمكن لمجموعة من المتغيرات أن تظهر توزيعات أحادية مثالية التناظر والاعتدال، ومع ذلك تفشل في تحقيق الاعتدالية المتعددة بمجرد دمجها في فضاء مشترك متعدد الأبعاد.
ينشأ هذا القصور نتيجة التفاعلات غير الخطية والارتباطات الشاذة في الفضاءات الهندسية المركبة، حيث قد تتركز نقاط البيانات في مناطق محددة من الفضاء الإقليدي المشترك بصورة لا تتطابق مع السطح الإهليلجي المتوقع، مما يولد تفرطحاً والتواءً خفياً لا يمكن رصده عبر المقاييس الوصفية الأحادية كمعاملي الالتواء والتفرطح لكل بند بمفرده. ومن هنا تنبع الضرورة المنهجية التي تؤكدها منصات التحليل المتقدمة مثل حزمة psych على CRAN لإجراء فحوصات متخصصة مكرسة بالكامل للأبعاد المشتركة.
2. إعداد بيئة العمل واستيراد البيانات النفسية في R
2.1 تثبيت واستدعاء الحزم الإحصائية المتخصصة
توفر لغة البرمجة R حزم برمجية فائقة التطور تتيح تنفيذ التحليلات السيكومترية واختبارات الاعتدالية بدقة متناهية. يأتي في مقدمة هذه الأدوات حزمة MVN الرائدة، والتي تُعد البيئة الأكثر شمولاً لاختبارات التوزيع الطبيعي المتعدد، نظراً لاحتوائها على محركات حسابية متقدمة تدعم مختلف الاختبارات التشخيصية، إلى جانب حزم مساعدة مثل QuantPsyc وenergy وpsych وMASS.
يتطلب البدء في بيئة العمل تثبيت هذه المكتبات عبر المستودع الرسمي للحزم الإحصائية الشاملة CRAN، ثم استدعاؤها داخل جلسة العمل البرمجية لضمان تكامل الدوال. تُعنى هذه الحزم بمعالجة الجبر الخطي، وتوليد مصفوفات التغاير، وتطبيق خوارزميات الاستنتاج القائمة على النمذجة الرياضية الدقيقة، فضلاً عن بناء التقارير البصرية والتفاعلية الموجهة للأبحاث المنشورة في المجلات المفهرسة عالمياً.
2.2 تجهيز وتجهيز المصفوفات والبيانات السيكومترية
تبدأ المعالجة السيكومترية باستيراد مصفوفات الاستجابات المأخوذة من استبيانات الشخصية متعددة الأبعاد، أو اختبارات القدرات العقلية، أو مقاييس التقدير الذاتي. ومن الأهمية بمكان تحويل هذه البيانات من صيغ التخزين الأولية مثل جداول البيانات المجدولة إلى هياكل أطر بيانات (Data Frames) متوافقة، والتأكد من تنظيفها عبر استبعاد المتغيرات التعريفية أو غير الرقمية كالاسم أو الرقم التعريفي للمستجيب.
تتطلب الاختبارات متعددة المتغيرات التعامل الحذر والواعي مع القيم المفقودة (Missing Values)؛ إذ إن حذف الحالات التي تحتوي على فقرات مفقودة بطريقة الحذف بالقائمة (Listwise Deletion) قد يؤدي إلى تقليص حجم العينة بصورة مجحفة وإدخال تحيزات في مصفوفة التباين والتباين المشترك إذا لم يكن الفقد عشوائياً تماماً (MCAR). ينبغي بعد معالجة الفقد تحويل أطر البيانات إلى مصفوفات عددية خالصة خالية من المتغيرات الثابتة (التي يكون تباينها صفراً)، لأن وجود تباين صفري يؤدي إلى فشل العمليات الرياضية الخاصة بقلب المصفوفات (Matrix Inversion) وتحديد محدد المصفوفة، مما يعطل خوارزميات التحليل متعدد المتغيرات.
3. الفحص البصري متعدد المتغيرات واستكشاف البيانات
3.1 مخططات التشتت المصفوفية ومحيطات الكثافة المشتركة
يمثل الاستكشاف البصري الخطوة التشخيصية الأولى في تقييم مدى مطابقة البيانات النفسية للتوزيع الطبيعي المشترك. يتيح إنشاء مصفوفة مخططات التشتت (Scatterplot Matrix) فحصاً أولياً للعلاقات الزوجية الثنائية بين كافة أبعاد المقياس النفسي. في ظل التوزيع الطبيعي المشترك المثالي، ينبغي أن تتخذ نقاط الانتشار بين أي متغيرين شكل سحابة إهليلجية بيضاوية متناسقة، تتركز كثافتها العظمى في المركز وتتناقص تدريجياً وبانتظام باتجاه الأطراف الخارجية للمخطط.
يساعد رسم محيطات الثقة الإهليلجية (Confidence Ellipses) ومخططات الكثافة ثنائية الأبعاد (Bivariate Density Contours) في الكشف الفوري عن الانحرافات اللاخطية، وعلاقات الارتباط المنحنية، والتكتلات الفرعية متعددة الأنماط (Multimodality). فإذا أظهرت المخططات التواءات حادة أو فجوات خالية في الفضاء المشترك، أو اتخذت توزيعات البيانات أنماطاً حلقية أو غير متماثلة، فإن ذلك يقدم دليلاً مرئياً قاطعاً على انتهاك افتراض الاعتدالية المشتركة حتى قبل اللجوء إلى الاختبارات الفرضية الرسمية.
3.2 مخطط التوزيع متعدد المتغيرات (Chi-Square Q-Q Plot)
يُعد مخطط التوزيع متعدد المتغيرات—المعروف بمخطط كاي تربيع للرتب والميئينات (Chi-Square Q-Q Plot)—الأداة البصرية الأهم والأكثر حساسية لاختبار التوزيع الطبيعي المتعدد. يستند الأساس الرياضي لهذا المخطط إلى النظرية القائلة بأنه إذا كان المتجه العشوائي يتبع توزيعاً طبيعياً متعدد المتغيرات بعدد p من الأبعاد، فإن مربع مسافة ماهالانوبيس الإحصائية بين كل استجابة فردية ومتجه المتوسطات المشترك يتبع نظرياً توزيع كاي تربيع بدرجات حرية مساوية للعدد p.
يقوم مخطط كاي تربيع بمقابلة المسافات الإحصائية المرصودة فعلياً للبيانات على المحور الرأسي في مواجهة القيم الميئينية النظرية لتوزيع كاي تربيع المحسوبة تحت افتراض الاعتدالية على المحور الأفقي. يشير انطباق النقاط بدقة على خط المطابقة المرجعي المستقيم بزاوية 45 درجة إلى تحقق التوزيع الطبيعي متعدد المتغيرات؛ بينما يكشف ابتعاد النقاط وانحرافها الصاعد في الذيل العلوي عن وجود تفرطح مدبب موجب الذيول (Leptokurtosis) أو وجود قيم متطرفة متعددة المتغيرات تشوه البنية السيكومترية الكلية للبيانات.
4. كشف القيم المتطرفة متعددة المتغيرات باستخدام مسافة ماهالانوبيس
4.1 الأساس النظري لمسافة ماهالانوبيس (Mahalanobis Distance)
تُعد القيم المتطرفة متعددة المتغيرات (Multivariate Outliers) من أخطر العوامل المسببة لتشوه التوزيع الطبيعي المشترك في الدراسات النفسية والسلوكية. وتتميز هذه القيم بأنها قد لا تبدو متطرفة على الإطلاق عند فحص كل متغير بمفرده، لكنها تظهر نمطاً غير اعتيادي ومستحيلاً من الاستجابات المشتركة عند دمج الأبعاد، كأن يسجل مستجيب درجة قصوى في مقياس الاكتئاب ودرجة قصوى في مقياس الرفاه النفسي والبهجة في آن واحد.
تتجاوز مسافة ماهالانوبيس ($D^2$) قيود المسافة الإقليدية التقليدية لأنها تأخذ في الاعتبار مصفوفة التباين والتباين المشترك للمتغيرات، مما يجعلها قادرة على قياس التباعد النسبي لكل استجابة عن المركز الهندسي المشترك (Centroid) مع موازنة الفروق في وحدات القياس ودرجة الارتباط الخطي بين البنود. وتتم مقارنة مربع هذه المسافة بالقيمة الحرجة المستخرجة من جدول توزيع كاي تربيع عند مستوى دلالة صارم (غالباً ما يُحدد عند $\alpha = 0.001$) بدرجات حرية تكافئ عدد المتغيرات قيد الدراسة.
4.2 تطبيق حساب مسافة ماهالانوبيس برمجياً في R
توفر بيئة R دالة حسابية متجذرة في نظامها الأساسي باسم mahalanobis()، والتي تستقبل مصفوفة البيانات الرقمية، ومتجه المتوسطات الحسابية، ومصفوفة التباين والتغاير المشترك كمدخلات رئيسية. تقوم هذه الدالة بتوليد متجه رقمي يحتوي على قيمة مربع المسافة الإحصائية لكل مستجيب في العينة البحثية بدقة متناهية.
يقوم الباحث بعد ذلك بحساب القيمة الاحتمالية المرتبطة بكل مسافة استناداً إلى دالة التوزيع التراكمي لكاي تربيع، واستخراج الحالات التي تقل قيمتها الاحتمالية عن المستوى الحرج المحدد (p < 0.001). يتيح هذا الإجراء البرمجي فرز وعزل الاستجابات السيكومترية الشاذة، مما يمهد الطريق لفحص سجلات هؤلاء المستجيبين بشكل نوعي للتحقق من أسباب التطرف، مثل الاستجابة العشوائية المتسلسلة (Careless Responding) أو أخطاء إدخال البيانات الميدانية.
4.3 استراتيجيات التعامل مع الحالات المتطرفة
يتطلب التعامل مع الحالات المتطرفة متعددة المتغيرات حكمة سيكومترية ومنهجية بالغة؛ إذ إن الإلغاء العشوائي والفوري للحالات قد يؤدي إلى تقليص التباين الطبيعي الحقيقي للسمة النفسية المدروسة وتشويه صدق العينة. يجب على الباحث أولاً تصنيف الحالات المتطرفة إلى حالات ناتجة عن أخطاء إجرائية (والتي تستوجب الحذف الفوري أو التصحيح) وحالات تعكس تفرداً إكلينيكياً واقعياً في المجتمع النفسي المدروس.
في حالة الحالات الواقعية، يوصى بمقارنة نتائج النماذج الإحصائية قبل وبعد استبعاد الحالات لمعرفة مدى حساسيتها (Sensitivity Analysis)، أو اللجوء إلى خوارزميات التقدير الإحصائي المتين (Robust Estimation) التي تقلل من الوزن النسبي للمسافات المتطرفة دون حذف المستجيبين من قاعدة البيانات، مثل خوارزميات الحد الأدنى لمحدد مصفوفة التباين (Minimum Covariance Determinant – MCD). كما يلزم توثيق كافة القرارات المتخذة بشفافية تامة في منهجية البحث وفق معايير النزاهة الأكاديمية الصادرة عن جمعيات القياس النفسي.
5. إجراء اختبار مارديا (Mardia’s Test) للتفرطح والالتواء المتعدد
5.1 المعادلات الرياضية وفرضيات اختبار مارديا
يُعد اختبار مارديا (Mardia’s Test)، الذي طوره الإحصائي ك. ف. مارديا عام 1970، الاختبار القياسي الكلاسيكي والأكثر استخداماً في قياس الاعتدالية متعددة المتغيرات. يرتكز هذا الاختبار على حساب مؤشرين منفصلين ومترابطين في آن واحد: معامل الالتواء المتعدد (Multivariate Skewness – $b_{1,p}$) ومعامل التفرطح المتعدد (Multivariate Kurtosis – $b_{2,p}$).
تتم صياغة الفرضيات الإحصائية للاختبار بحيث تنص فرضية العدم ($H_0$) على أن الالتواء المتعدد يساوي صفراً والتفرطح المتعدد يساوي $p(p+2)$، حيث تمثل $p$ عدد المتغيرات في النموذج. بينما تنص الفرضية البديلة ($H_1$) على وجود التواء أو تفرطح ينحرف دالاً عن البنية الهندسية المتوقعة للتوزيع الطبيعي المتعدد. ويعتمد حساب معامل الالتواء على حاصل ضرب المسافات القياسية المشتركة لجميع أزواج الحالات، بينما يعتمد التفرطح على القوى الرباعية لمسافات ماهالانوبيس الفردية.
5.2 التطبيق العملي لاختبار مارديا باستخدام QuantPsyc
تُعد حزمة QuantPsyc من الحزم التعليمية والتطبيقية المتميزة في القياس النفسي الكمي، حيث تقدم دالة مدمجة تُعرف باسم mult.norm(). عند تطبيق هذه الدالة على مصفوفة البيانات النفسية، تقوم بإجراء حسابات الالتواء والتفرطح وتوليد مخرجات تحتوي على القيم الإحصائية المقدرة، والأخطاء المعيارية، وقيم الدرجات المعيارية المحولة ($z$-scores)، ومستويات الدلالة الاحتمالية ($p$-values) المصاحبة لكل مؤشر.
يتيح هذا التحليل للباحث النفسي تشخيص طبيعة الخلل في التوزيع؛ فإذا كان الالتواء دالاً إحصائياً بينما التفرطح غير دال، فإن المشكلة تكمن في عدم تماثل أطراف التوزيع المشترك حول المركز. وتوفر الدالة أيضاً تصحيحاً خاصاً للعينات الصغيرة (Small Sample Correction) لمعامل الالتواء، لحماية الباحث من اتخاذ قرارات خاطئة برفض التوزيع الطبيعي نتيجة الصغر النسبي لحجم العينة السيكومترية.
5.3 تنفيذ اختبار مارديا عبر حزمة MVN الشاملة
توفر حزمة MVN المعاصرة تطبيقاً فائق الدقة والمرونة لاختبار مارديا من خلال دالتها المركزية mvn() وتمرير خيار الاختبار mvnTest = "mardia". تتميز هذه الحزمة بتقديم جدول تقرير قياسي موحد يدمج نتائج الالتواء المقاس، والالتواء المصحح للعينات الصغيرة، والتفرطح المتعدد، مع إصدار حكم نهائي وواضح حول تحقق التوزيع الطبيعي المشترك استناداً إلى مستوى الدلالة المختار.
في المسوح النفسية واسعة النطاق ذات العينات الضخمة ($N > 1000$)، يجب أن يكون الباحث على دراية بأن اختبار مارديا يصبح فائق الحساسية لأبسط الانحرافات الطفيفة التي لا تؤثر عملياً على كفاءة النمذجة الإحصائية. في مثل هذه البيئات البحثية، يركز علماء القياس على القيم الفعلية لمعامل التفرطح القياسي؛ حيث يُعتبر التفرطح المتعدد غير مشوه بصورة حرجة لنماذج المعادلات البنائية طالما بقيت قيمته المطلقة المعيارية دون الحد الحرج المتوافق عليه في الأدبيات السيكومترية المعاصرة (مثل قيمة التفرطح المعياري النسبي الأصغر من 5 أو المؤشر الطبيعي الأقل من 3).
6. إجراء اختبار هينز-زيركلر (Henze-Zirkler Test) في R
6.1 المنطق الإحصائي لاختبار هينز-زيركلر (HZ)
يُصنف اختبار هينز-زيركلر (Henze-Zirkler Test – HZ) في المراجع السيكومترية والإحصائية المتقدمة كواحد من أقوى الاختبارات وأكثرها ثباتاً ورصانة لتقييم التوزيع الطبيعي المتعدد. على النقيض من اختبار مارديا الذي يركز حصرياً على العزوم الإحصائية المحددة (الالتواء والتفرطح)، يعتمد اختبار HZ على قياس المسافة الوظيفية التكاملية بين دالة الكثافة الاحتمالية التجريبية المقدرة من البيانات الفعلية ودالة الكثافة المميزة النظرية للتوزيع الطبيعي المتعدد عبر فضاء فورييه الرياضي.
يستخدم الاختبار معامل تنعيم رياضي يعتمد على حجم العينة وعدد الأبعاد المتعددة، مما يمنحه قوة إحصائية متفوقة (Statistical Power) في كشف جميع أشكال التشوه والانحراف عن التوزيع الطبيعي المتعدد، سواء كانت ناتجة عن التواء مركب، أو تفرطح سميك الذيول، أو عدم خطية العلاقات البينية. وتصاغ فرضية العدم للاختبار بأن البيانات تتبع توزيعاً طبيعياً متعدد المتغيرات بمتوسط ومصفوفة تغاير محددين، مقابل الفرضية البديلة التي تقرر الحيود عن هذا التوزيع الوظيفي المشترك.
6.2 التطبيق البرمجي لاختبار HZ في R
يمكن تنفيذ اختبار هينز-زيركلر بكل سهولة عبر استدعاء دالة mvn() من حزمة MVN مع تحديد المعلمة الإجرائية mvnTest = "hz". تقوم الخوارزمية بحساب قيمة إحصاء الاختبار اللامعلمي، ومن ثم تقريب توزيعه الاحتمالي إلى توزيع لوغاريتمي طبيعي (Log-Normal Distribution) لاشتقاق مستوى الدلالة الاحتمالي الملازم بدقة فائقة.
تتم قراءة مخرجات الاختبار بمقارنة القيمة الاحتمالية الناتجة ($p$-value) بمستوى الدلالة المحدد مسبقاً ($\alpha = 0.05$). إذا كانت القيمة الاحتمالية أكبر من 0.05، يفشل الباحث في رفض فرضية العدم، ويُستنتج أن مصفوفة البيانات النفسية تتطابق بشكل كافٍ مع متطلبات التوزيع الطبيعي المتعدد؛ أما إذا كانت القيمة الاحتمالية أقل من 0.05، فيتم رفض فرضية الاعتدالية المتعددة، مما يوجب تطبيق حلول إحصائية بديلة ملائمة لتفادي الوقوع في تحيزات التقدير.
7. إجراء اختبار رويستون (Royston’s Test) للتوزيع الطبيعي المتعدد
7.1 بنية اختبار رويستون القائمة على تحويل شابيرو-ويلك
طور الإحصائي ج. ب. رويستون امتداداً عبقرياً متعدد المتغيرات لاختبار شابيرو-ويلك (Shapiro-Wilk) الشهير للأبعاد الأحادية. يرتكز المنطق الحسابي لاختبار رويستون على دمج وتحويل الإحصاءات الأحادية لاختبار شابيرو-ويلك لكل متغير مستقل داخل المتجه النفسي إلى قيم مكافئة تتبع التوزيع الطبيعي المعياري، ومن ثم دمجها في إحصاء كلي مجمع يُرمز له بالرمز ($H$).
يتميز اختبار رويستون بحساب مصفوفة الارتباطات التبادلية بين المتغيرات لإجراء تصحيح حرج على درجات الحرية الفعلية للإحصاء المجمع؛ إذ إن المتغيرات المرتبطة نفسياً لا توفر معلومات مستقلة تماماً، وبالتالي فإن دمجها البسيط دون تصحيح درجات الحرية يؤدي إلى تضخيم زائف في رفض فرضية الاعتدالية. ومع ذلك، يعاني اختبار رويستون من محدودية حسابية ترتبط بحجم العينة، حيث تقتضي خوارزميته الأصلية ألا يقل حجم العينة عن 3 وألا يزيد عن 2000 مستجيب، مما يجعله مثالياً وموجهاً خصيصاً للعينات النفسية الصغيرة والمتوسطة الحجم.
7.2 خطوات تنفيذ اختبار رويستون في R
يتم تنفيذ اختبار رويستون في بيئة R عبر دالة mvn() المدمجة في حزمة MVN من خلال تعيين الوسيط mvnTest = "royston". تقوم الدالة برمجياً بحساب قيم التحويل الفردية لكل مقياس فرعي، وتعديل مصفوفة التغاير للارتباطات المتبادلة، ثم إصدار قيمة إحصاء رويستون $H$ ومستوى الدلالة الاحتمالي المقترن بتوزيع كاي تربيع المحول.
يُعد هذا الاختبار ذا قيمة منهجية فائقة في التجارب الإكلينيكية والبحوث النفسية العصبية، والتي تتسم عادة بصغر أحجام العينات وصعوبة استقطاب أعداد ضخمة من المشاركين؛ إذ يمتلك اختبار رويستون حساسية استثنائية وقوة إحصائية متقدمة لاكتشاف التشوهات الطفيفة في العينات التي تتراوح أحجامها بين 30 و150 مشاركاً، متفوقاً في تلك النطاقات العددية المحدودة على اختبار مارديا.
8. إجراء اختبار الطاقة (Energy Test) في R
8.1 مفهوم إحصاءات الطاقة والمسافات الإقليدية
يمثل اختبار الطاقة (Energy Test for Multivariate Normality) طفرة معاصرة في الإحصاء اللامعلمي الرياضي طوره الإحصائيان سزيكيلي وريزو (Székely & Rizzo). يستند هذا الاختبار المتقدم إلى مفهوم مستمد من الفيزياء الإحصائية يعرف باسم “مسافات الطاقة” (Energy Distances)، والتي تقيس التباعد الهندسي الإجمالي بين الدوال المميزة للبيانات التجريبية المرصودة والتوزيع الطبيعي متعدد المتغيرات بالاعتماد الحصري على المسافات الإقليدية البينية لجميع أزواج النقاط في الفضاء متعدد الأبعاد.
تكمن الميزة الأبرز لاختبار الطاقة في كونه اختباراً متسقاً وقطعياً لا يعتمد على أي افتراضات مسبقة حول عزوم التوزيع، كما أنه لا يتطلب تقسيم البيانات أو تقدير معلمات وسيطة معقدة. يمتلك هذا الاختبار قدرة خارقة على رصد أدق أشكال التكتلات غير الخطية والحيود المركب الذي تعجز عنه الاختبارات الكلاسيكية، مما يجعله مناسباً جداً لتحليل استبيانات الشخصية المعقدة والبيانات السلوكية متعددة الأبعاد المشتقة من أدوات القياس الرقمية الحديثة.
8.2 التطبيق العملي باستخدام حزمة energy
يتم إجراء اختبار الطاقة عملياً في R باستخدام حزمة energy المتخصصة، وتحديداً عبر الدالة المتقدمة mvnorm.etest(). ونظراً لأن التوزيع الدقيق لإحصاء الطاقة تحت فرضية العدم لا يتبع صيغة تحليلية مغلقة بسيطة في العينات المحدودة، تستخدم الدالة تقنية التباديل المعادة والمحاكاة الحاسوبية (Monte Carlo Permutation / Bootstrap Replications) لتوليد التوزيع الصفري بدقة بالغة.
يقوم الباحث بتمرير مصفوفة المتغيرات وتحديد عدد التكرارات التباديلية (مثلاً R = 999 أو R = 1999). تُظهر المخرجات البرمجية إحصاء الطاقة المحسوب وقيمة $p$ المحاكاة تجريبياً. يُعد الحصول على قيمة احتمالية أكبر من مستوى الدلالة المعتمد ($p > 0.05$) شهادة جودة إحصائية دامغة تؤكد أن بنية البيانات تتسق بصورة نموذجية مع التوزيع الطبيعي المتعدد في الفضاء الإقليدي الكلي.
9. استخدام حزمة MVN للتحليل المتكامل والمقارن
9.1 التحليل المزدوج للأبعاد الأحادية والمتعددة في خطوة واحدة
تبرز القوة الاستثنائية لحزمة MVN في قدرتها على إجراء مسح تشخيصي هجين ومتكامل يجمع في خطوة برمجية واحدة بين فحص التوزيع الطبيعي المتعدد وفحص الاعتدالية الأحادية لكافة أبعاد ومقاييس البحث النفسي. فبمجرد استدعاء دالة mvn() مع تحديد خيارات الاختبار المرغوبة، تولد الحزمة تقريراً تحليلياً متكاملاً يشتمل على المؤشرات الوصفية الكاملة كالمتوسطات، والانحرافات المعيارية، ونطاقات التشتت، والوسيط، ومعاملات الالتواء والتفرطح الأحادية.
وتتيح الحزمة إدراج اختبارات اعتدالية أحادية متعددة مثل اختبار أندرسون-دارلنج (Anderson-Darling)، واختبار كرامر-فون ميسيز (Cramer-von Mises)، واختبار شابيرو-فرانشيا، واختبار شابيرو-ويلك بالتوازي التام مع إحصاء الاختبار المتعدد المختار. يمكن للباحثين استخراج هذه النتائج في مصفوفات منظمة وتصديرها بصيغ متقدمة تتوافق مع برامج الجداول الإلكترونية، مما يختصر جهداً تحليلياً شاقاً ويوفر توثيقاً إحصائياً شاملاً يغطي كافة مستويات القياس من البند الفردي إلى البنية متعددة الأبعاد.
9.2 المعالجة الرسومية التفاعلية والمتقدمة عبر MVN
تقدم حزمة MVN حلولاً رسومية متطورة لتجسيد التوزيعات متعددة المتغيرات بدقة عالية تلبي متطلبات النشر في المجلات العلمية المصنفة. تتيح الحزمة عبر وسائطها الرسومية إنشاء المخططات ثلاثية الأبعاد (3D Perspective Plots) والتي ترسم سطح الكثافة الاحتمالية التفاعلي لثنائيات المتغيرات النفسية، مما يسمح للباحث برؤية “الجرس ثلاثي الأبعاد” وتقييم تماثله البصري بوضوح متناهٍ.
كما توفر الحزمة خيارات لإنشاء مخططات الكثافة الكنتورية (Contour Plots)، والمخططات الصندوقية المتعددة (Multivariate Boxplots) لكشف التباين، ومخططات كاي تربيع المدمجة مع حدود الثقة الإحصائية بنسبة 95%. تتيح هذه الترسانة الرسومية المتقدمة للباحث النفسي الانتقال من الأرقام الصامتة إلى التمثيل البصري الجذاب، مما يعزز قوة الحجة الإحصائية ويسهل نقل النتائج بصورة بيانية مقنعة للجان التحكيم والأقران.
10. المقارنة المنهجية بين مختلف اختبارات التوزيع الطبيعي المتعدد
10.1 قوة الاختبارات وحساسيتها لحجم العينة والأبعاد
أظهرت دراسات المحاكاة الموسعة بمنهجية مونت كارلو (Monte Carlo Simulations) تفاوتات جوهرية في القوة الإحصائية والحساسية بين مختلف اختبارات التوزيع الطبيعي المتعدد تبعاً لثلاثة عوامل رئيسية: حجم العينة ($N$)، وعدد المتغيرات أو الأبعاد المشتركة ($p$)، ونمط التشوه التوزيعي السائد في البيانات السيكومترية. يتميز اختبار مارديا بقدرته الفريدة على عزل وتشخيص مصدر الخلل التوزيعي بدقة، مفرقاً بين التشوه الناجم عن غياب التماثل (الالتواء) والتشوه الناتج عن ثقل الذيول وتراكم القيم في المركز (التفرطح)، إلا أنه يعاني من ضعف القوة في العينات الصغيرة وتضخم الحساسية المفرطة في العينات بالغة الضخامة.
من جهة أخرى، يبرهن اختبارا هينز-زيركلر (HZ) والطاقة (Energy Test) على تفوق شامل وثبات متين في القوة الإحصائية عبر مختلف أحجام العينات، وخصوصاً في الحالات التي ترتفع فيها نسبة الأبعاد إلى حجم العينة الكلي ($p/N$). بينما يحتفظ اختبار رويستون بأفضلية تطبيقية واضحة في كشف الانحرافات التوزيعية في النماذج النفسية التي تحتوي على عدد معتدل من المتغيرات في ظل عينات صغيرة إلى متوسطة، مما يجعل اختيار الأداة الإحصائية قراراً منهجياً يستلزم موازنة دقيقة بين شروط تصميم البحث وطبيعة القياس المستهدف.
10.2 إرشادات اختيار الاختبار الأنسب وفق تصميم البحث النفسي
لوضع ممارسة القياس النفسي في مسارها الإحصائي الصحيح، يمكن إجمال التوصيات المنهجية لاختيار الاختبار الأنسب في مصفوفة توجيهية واضحة:
- العينات الإكلينيكية والتجريبية الصغيرة ($N < 50$): يُوصى بشدة بالاعتماد على اختبار رويستون نظراً لضبطه الفائق لقوة الاختبار في العينات المحدودة، مع الاستعانة باختبار مارديا المصحح للعينات الصغيرة لفحص الالتواء، واقتران ذلك دائماً بالفحص البصري الدقيق لمخطط كاي تربيع.
- الدراسات الميدانية والارتباطية المتوسطة ($50 le N le 300$): يمثل اختبار هينز-زيركلر (HZ) واختبار الطاقة (Energy) الخيار المنهجي الأكثر أماناً وموثوقية لتشخيص التوزيع الطبيعي المشترك في هذه الفئة القياسية.
- المسوح النفسية واسعة النطاق ($N > 500$): يفضل الاعتماد على اختبار HZ بالتكامل مع مؤشرات تفرطح والتواء مارديا الوصفية وليس الاعتماد الحصري على دلالتها الاحتمالية، نظراً لحتمية رفض الفرضية الصفرية إحصائياً في العينات الكبيرة بسبب الحساسية الفائقة للأخطاء الهامشية.
- بيانات مقاييس ليكرت شبه المتصلة (5 نقاط فأكثر): ينبغي توخي الحذر الشديد وفحص التوزيعات المشتركة باستخدام اختبار الطاقة واختبار مارديا، مع الاستعداد المنهجي لاعتماد مقدرات متينة إذا كان عدد فئات الاستجابة محدوداً وأظهرت البيانات انحرافاً واضحاً عن الاستمرارية والاعتدال.
11. الحلول الإحصائية والبدائل عند انتهاك شرط التوزيع الطبيعي المتعدد
11.1 التحويلات الرياضية للمتغيرات النفسية
عندما تثبت الاختبارات انتهاكاً جسيماً لافتراض التوزيع الطبيعي المتعدد، تبرز التحويلات الرياضية (Data Transformations) كخط دفاع منهجي أول لإعادة ضبط وتطبيع البيانات النفسية. تشمل التحويلات الأحادية الكلاسيكية تطبيق التحويل اللوغاريتمي ($Log$) أو تحويل الجذر التربيعي ($Square Root$) لمعالجة الالتواء الإيجابي الحاد الناتج عن مقاييس التقدير النفسي والزمن، أو تحويل مقلوب القيمة ($Inverse$) للتوزيعات شديدة الانحراف.
وفي السياق متعدد الأبعاد، يمثل تحويل بوكس-كوكس المتعدد (Multivariate Box-Cox Transformation) خوارزمية استمثال جبرية متقدمة تبحث عن أفضل معامل قوى ($lambda$) لكل متغير بصورة متزامنة لتقريب المصفوفة الكلية نحو الاعتدالية المتعددة وتثبيت التباينات المشتركة. ومع ذلك، يجب على الباحثين الحذر من الآثار الجانبية السيكومترية للتحويلات الرياضية، إذ إنها قد تؤدي إلى تعقيد تفسير الدرجات الأصلية للروائز النفسية وتحويل وحدات القياس إلى دلالات رياضية مجردة يصعب شرحها إكلينيكياً وتربوياً للمستفيدين وصناع القرار.
11.2 الأساليب الإحصائية المتينة (Robust Statistical Methods)
تُعد الأساليب الإحصائية المتينة البديل الأكثر تفضيلاً ورواجاً في القياس النفسي الحديث، لأنها تتعامل مع البيانات الأصلية دون تشويه بنيتها عبر التحويلات الجبرية، وتوفر في الوقت ذاته حماية إحصائية كاملة ضد انتهاك الاعتدالية. في نمذجة المعادلات البنائية (SEM) والتحليل العاملي التوكيدي (CFA)، يبرز مقدر الإمكانية العظمى المتين ذو تصحيح ساتورا-بينتلر (MLR / Satorra-Bentler Scaled Chi-Square) كمعيار ذهبي معتمد في بيئات التحليل كحزمة lavaan في R؛ حيث يقوم بتعديل قيمة إحصاء المطابقة وتصحيح الأخطاء المعيارية للمعلمات وفقاً لدرجة التفرطح الفعلي المرصود في البيانات.
كما يمثل أسلوب إعادة المعاينة اللامعلمي، أو ما يُعرف بأسلوب الت bootstrapping غير المعلمي (Non-Parametric Bootstrapping)، حلاً متفوقاً في اختبار الدلالة الإحصائية للتأثيرات غير المباشرة ومسارات التوسط والاعتدال (Mediation and Moderation) في النماذج المعقدة؛ إذ يقوم بإنشاء توزيعات تجريبية للمؤشرات بالاعتماد على آلاف العينات العشوائية المستخرجة من البيانات ذاتها دون فرض أي توزيع شكلي نظري مسبق. وفي سياق مقارنة المجموعات، يمكن استبدال تحليلات MANOVA الكلاسيكية باختبارات التحليل المتعدد اللامعلمي مثل التباديل المتعددة للتباين المشترك (Permutational MANOVA – NPMANOVA).
11.3 النمذجة بافتراض توزيعات بديلة
في حالات الانتهاك الشديدة الناتجة عن خصائص بنيوية حتمية في الظاهرة النفسية المقاسة (كالاستجابة لمفردات نادرة الحدوث كالسلوك الانتحاري أو الصدمات النفسية الشديدة)، يتجاوز القياس النفسي المتقدم افتراض التوزيع الطبيعي كلياً نحو نمذجة البيانات عبر عائلات توزيعية أكثر ملاءمة. يشمل ذلك النمذجة بافتراض التوزيع التائي متعدد المتغيرات (Multivariate t-Distribution)، والذي يمتلك قدرة طبيعية على استيعاب الذيول السميكة وتأثير القيم المتطرفة بكفاءة إحصائية متناهية دون الحاجة إلى حذف أي استجابة حقيقية.
وفيما يخص البيانات الترتيبية (Ordinal Data) وبنود مقاييس ليكرت ذات النقاط المحدودة (3 إلى 5 نقاط)، يُعد الانتقال إلى نماذج الاستجابة للمفردة (Item Response Theory – IRT) أو استخدام مصفوفات الارتباطات البوليكورية (Polychoric Correlations) مع مقدرات المربعات الصغرى الموزونة قطرياً والمعدلة للوسط والتباين (WLSMV / Diagonally Weighted Least Squares) هو الخيار المنهجي الأكثر دقة ورصانة علمية في التحليلات العاملية المعاصرة، بدلاً من إجبار البيانات الترتيبية قسراً على افتراضات الاستمرارية الغوسية المفرطة في مثالتها.
12. دليل كتابة وتوثيق نتائج الاختبارات وفق معايير APA
12.1 صياغة الفقرات الإحصائية في قسم النتائج
تقتضي معايير الدليل الإجرائي لجمعية علم النفس الأمريكية في نسخته السابعة (APA 7th Edition) توثيقاً دقيقاً وشاملاً لنتائج اختبارات افتراض التوزيع الطبيعي المتعدد داخل قسم النتائج في الأطروحات والبحوث الأكاديمية. يجب أن يتضمن التقرير تحديد الحزمة البرمجية المستخدمة وإصدارها، وتحديد الاختبارات المطبقة، وعرض القيم الإحصائية المقدرة بدقة، مع ذكر درجات الحرية والمستويات الاحتمالية المصاحبة، بالإضافة إلى تقديم تبرير منهجي واضح للإجراءات المتخذة في حال انتهاك الافتراض.
وفيما يلي نموذج تطبيقي لصياغة أكاديمية رصينة يمكن الاسترشاد بها في الأبحاث السيكومترية:
“تم التحقق من افتراض التوزيع الطبيعي متعدد المتغيرات لأبعاد المقياس النفسي الخمسة ($N = 340$) باستخدام بيئة التحليل الإحصائي R وحزمة MVN (الإصدار 5.9). أظهرت نتائج الفحص البصري لمخطط كاي تربيع (Chi-Square Q-Q Plot) انحرافاً طفيفاً في الذيل العلوي للتوزيع. وقد أكدت الاختبارات الإحصائية الدقيقة وجود انتهاك دال إحصائياً للاعتدالية المتعددة؛ حيث أسفر اختبار مارديا عن معامل التواء متعدد مقداره $b_{1,p} = 24.32$، $z = 1378.14$، $p < .001$، ومعامل تفرطح متعدد مقداره $b_{2,p} = 41.56$، $z = 6.84$، $p < .001$. كما أكد اختبار هينز-زيركلر النتائج ذاتها بقيمة إحصائية بلغت $HZ = 1.48$، $p < .001$. وبناءً على هذا الانتهاك الدال للاعتدالية المشتركة، تقرر استخدام مقدر الإمكانية العظمى المتين (MLR) مع تصحيح ساتورا-بينتلر للأخطاء المعيارية واختبار المطابقة في تنفيذ التحليل العاملي التوكيدي للنموذج المقترح.”
12.2 تصميم الجداول والرسوم البيانية التوضيحية للنشر الأكاديمي
يجب تنظيم نتائج اختبارات الاعتدالية في جداول أكاديمية أنيقة تلتزم بقواعد التنسيق الشكلي لجمعية APA، والتي تمنع استخدام الخطوط العمودية داخل الجداول وتكتفي بالخطوط الأفقية الرئيسية في الرأس والتذييل. ينبغي أن يوضح الجدول اسم كل بُعد من الأبعاد النفسية، ومؤشرات الالتواء والتفرطح الأحادية مع أخطائها المعيارية، وقيم اختبارات شابيرو-ويلك الأحادية، يعقبها قسم بارز في أسفل الجدول مخصص لنتائج الاختبارات متعددة المتغيرات المشتركة (مارديا، HZ، رويستون).
أما في جانب التوثيق البصري، فيجب تصدير مخططات كاي تربيع (Chi-Square Q-Q Plots) ومصفوفات التشتت بدقة رسومية عالية لا تقل عن 300 نقطة في البوصة (300 DPI) بصيغ متجهة مثل PDF أو TIFF لضمان وضوحها التام في الطباعة والنشر الرقمي. كما يتعين إرفاق كل رسم بياني بتعليق تفسيري وافٍ (Caption) يوضح المحاور، وحجم العينة، والدلالات المنهجية للخطوط المرجعية وحدود الثقة المضمنة، مما يمنح القارئ فهماً بصرياً متكاملاً ومستقلاً عن المتن النصي للبحث.
خاتمة
يمثل فحص التوزيع الطبيعي متعدد المتغيرات في بيئة R محطة منهجية حاسمة لا غنى عنها لضمان سلامة الاستدلال الإحصائي والصدق السيكومتري في البحوث النفسية والتربوية المعاصرة. إن الفهم العميق للفروق الجوهرية بين الاعتدالية الأحادية والاعتدالية المتعددة، والتمكن من توظيف الترسانة البرمجية المتقدمة كحزمة MVN واختبارات Mardia وHenze-Zirkler وRoyston وEnergy، ينقل الممارسات البحثية من الأساليب السطحية النمطية إلى آفاق الدقة والرصانة العلمية المتقدمة.
يتيح هذا التأسيس المنهجي للباحثين ليس فقط تشخيص مكامن الخلل التوزيعي ورصد القيم المتطرفة بدقة باستخدام مسافات ماهالانوبيس، بل يمنحهم أيضاً الرؤية السيكومترية الواعية لاختيار البدائل الإحصائية الأنسب—سواء عبر التقدير المتين (MLR)، أو النمذجة اللامعلمية، أو التحليل الترتيبي—بما يحفظ صدق البيانات ويضمن إسهاماً علمياً حقيقياً يثري المعرفة الإنسانية في حقول العلوم السلوكية والقياس النفسي.
References
- American Psychological Association. (2020). Publication manual of the American Psychological Association (7th ed.). American Psychological Association. https://doi.org/10.1037/0000165-000
- Henze, N., & Zirkler, B. (1990). A class of invariant consistent tests for multivariate normality. Communications in Statistics – Theory and Methods, 19(10), 3595–3617. https://doi.org/10.1080/03610929008830400
- Korkmaz, S., Goksuluk, D., & Zararsiz, G. (2014). MVN: An R package for assessing multivariate normality. The R Journal, 6(2), 151–162. https://doi.org/10.32614/RJ-2014-031
- Mardia, K. V. (1970). Measures of multivariate skewness and kurtosis with applications. Biometrika, 57(3), 519–530. https://doi.org/10.1093/biomet/57.3.519
- R Core Team. (2023). R: A language and environment for statistical computing. R Foundation for Statistical Computing, Vienna, Austria. https://www.R-project.org/
- Revelle, W. (2023). psych: Procedures for psychological, psychometric, and personality research. Northwestern University, Evanston, Illinois. https://CRAN.R-project.org/package=psych
- Royston, J. P. (1992). Approximating the Shapiro-Wilk W-test for non-normality. Statistics and Computing, 2(3), 117–119. https://doi.org/10.1007/BF01891203
- Rosseel, Y. (2012). lavaan: An R package for structural equation modeling. Journal of Statistical Software, 48(2), 1–36. https://doi.org/10.18637/jss.v048.i02
- Székely, G. J., & Rizzo, M. L. (2013). Energy statistics: A class of statistics based on energy distances. Journal of Statistical Planning and Inference, 143(8), 1249–1272. https://doi.org/10.1016/j.jspi.2013.03.018
- Tabachnick, B. G., & Fidell, L. S. (2019). Using multivariate statistics (7th ed.). Pearson. https://www.pearson.com