يُعد التحليل الإحصائي الركيزة الأساسية التي تستند إليها البحوث العلمية المعاصرة لاختبار الفرضيات واستخلاص الاستنتاجات الموضوعية من البيانات التجريبية والميدانية. وفي سياق الدراسات النفسية والسلوكية والاجتماعية والطبية، يواجه الباحثون مراراً وتكراراً تحديات منهجية تتعلق بطبيعة البيانات المجموعة، لا سيما عندما يتعلق الأمر بالتصميمات التجريبية ذات القياسات المكررة (Repeated Measures) أو العينات المرتبطة (Paired Samples). ففي كثير من الأحيان، تفشل البيانات في تلبية الافتراضات الصارمة للاختبارات المعلمية (Parametric Tests)، مثل افتراض التوزيع الطبيعي أو مقاييس المسافة المتساوية، مما يجعل اللجوء إلى البدائل اللامعلمية (Non-parametric Alternatives) ضرورة حتمية لضمان سلامة الاستدلال الإحصائي وعدم التحيز في اتخاذ القرارات البحثية.
يمثل اختبار ويلكوكسون للرتب الموقعة (Wilcoxon Signed Rank Test) أحد أقوى وأبرز الاختبارات اللامعلمية المصممة للتعامل مع مقارنات الأزواج المرتبطة. ويتميز هذا الاختبار بقدرته الفائقة على استيعاب الفروق بين القياسات القبلية والبعدية أو القياسات الثنائية المرتبطة، مع الأخذ في الحسبان ليس فقط اتجاه الفرق (سواء كان إيجابياً أو سلبياً) بل وحجم هذا الفرق أيضاً عبر تحويل القيم الأصلية إلى رتب كمية موزونة. وتوفر البرمجيات الإحصائية المتطورة، وفي مقدمتها برنامج ستاتا (Stata)، بيئة برمجية وحسابية متكاملة تتيح للباحثين إجراء هذا الاختبار بدقة متناهية وسرعة فائقة، مع توفير خيارات متقدمة لمعالجة التعادلات وحساب أحجام الأثر بدقة منهجية رصينة.
يهدف هذا الدليل الشامل والمفصل إلى تقديم مرجع أكاديمي وتطبيقي عميق لكيفية إجراء وتفسير اختبار ويلكوكسون للرتب الموقعة باستخدام برنامج ستاتا. وسيتناول المقال كافة المراحل التحليلية بدءاً من التأصيل النظري والمفاهيمي، مروراً بفحص الافتراضات الإحصائية وتجهيز مصفوفات البيانات، وتنفيذ الأوامر البرمجية المباشرة، وصولاً إلى التفسير الإحصائي الدقيق للمخرجات، وحساب حجم الأثر، وكتابة النتائج وفق المعايير الدولية المعمول بها في دليل الجمعية الأمريكية لعلم النفس (APA 7th Edition).
- 1. مقدمة نظرية لاختبار ويلكوكسون للرتب الموقعة
- 2. الافتراضات والشروط المنهجية لتطبيق الاختبار
- 3. نظرة عامة على بيئة العمل البرمجية في ستاتا (Stata)
- 4. استيراد وتجهيز البيانات في برنامج ستاتا
- 5. التحقق العملي من التوزيع والتماثل قبل الاختبار
- 6. البناء المنهجي للفرضيات الإحصائية للاختبار
- 7. التطبيق الإجرائي لأمر signrank في ستاتا
- 8. القراءة التحليلية والتفسير المتقدم لمخرجات ستاتا
- 9. حساب حجم الأثر (Effect Size) والقوة الإحصائية
- 10. المعالجات المتقدمة والحالات الخاصة في التحليل
- 11. كتابة وتوثيق النتائج وفق معايير الجمعية الأمريكية لعلم النفس (APA)
- 12. دراسة حالة تطبيقية متكاملة وتوصيات منهجية
- خاتمة
- References
1. مقدمة نظرية لاختبار ويلكوكسون للرتب الموقعة
1.1 المفهوم الإحصائي والهدف من الاختبار
يُعرف اختبار ويلكوكسون للرتب الموقعة، الذي طوره عالم الإحصاء الأمريكي فرانك ويلكوكسون عام 1945، بأنه اختبار إحصائي لا معلمي استدلالي يُستخدم للمقارنة بين مجموعتين من البيانات المرتبطة أو المزدوجة. يُعد هذا الاختبار المعادل اللامعلمي لاختبار “ت” للعينات المزدوجة (Paired Samples t-test)، حيث يستهدف التحقق مما إذا كان هناك فرق دال إحصائياً بين وسيطي توزيعين لعينتين مرتبطتين مقاستين لدى نفس المجموعة من الأفراد تحت ظرفين مختلفين (مثل القياس القبلي والبعدي)، أو لدى عينتين تم التوفيق بينهما وفق متغيرات مطابقة محددة (Matched Pairs).
يكمن الجوهر الإحصائي لاختبار ويلكوكسون في معالجة الفروق الفردية الناتجة عن طرح قيمة القياس الأول من قيمة القياس الثاني لكل زوج من الملاحظات. وبدلاً من الاعتماد المباشر على القيم المطلقة لهذه الفروق كما هو الحال في الاختبارات المعلمية، يقوم الاختبار بخطوتين متتاليتين: أولاً، استبعاد الفروق التي تساوي صفراً، ثم ترتيب القيم المطلقة للفروق تصاعدياً من الأصغر إلى الأكبر وإعطائها رتباً متسلسلة (Ranks). ثانياً، إعادة إسناد الإشارة الأصلية (الموجبة أو السالبة) لكل رتبة وفقاً لاتجاه الفرق الحسابي الأصلي. يتيح هذا المنطق الرياضي للاختبار دمج معلومات الاتجاه والحجم النسبي للفروق معاً، مما يمنحه قوة إحصائية فائقة تتجاوز مجرد الاعتماد على إشارات الفروق كما في اختبار الإشارة البسيط (Sign Test).
تتجلى أهمية هذا الاختبار الإحصائي المتقدم عند التعامل مع مجموعات البيانات التي تفشل في تحقيق افتراض الاعتدالية أو التي تحتوي على تشوهات توزيعية حادة. ففي العلوم النفسية والتربوية، غالباً ما تكون مقاييس الاستجابة عبارة عن درجات رتبية ناتجة عن استبانات أو مقاييس مدرجة تعاني من الالتواء أو التفرطح. في مثل هذه البيئات القياسية، تصبح النماذج اللامعلمية هي الخيار الأكثر أماناً وموثوقية لتجنب أخطاء النوع الأول (Type I Error) وضمان استنتاجات علمية دقيقة تمثل الواقع الميداني للظاهرة المدروسة.
1.2 الفروق الجوهرية بين الاختبار المعلمي (Paired t-test) واللا معلمي
تتمحور الفروق الجوهرية بين اختبار “ت” للعينات المرتبطة واختبار ويلكوكسون للرتب الموقعة حول النموذج الرياضي الأساسي المفترض للبنية التوزيعية للبيانات. يرتكز اختبار “ت” المعلمي على قياس المتوسط الحسابي (Mean) والانحراف المعياري، ويفترض مسبقاً أن متغير الفروق بين القياسين يتبع التوزيع الطبيعي المعياري (Normal Distribution). وبناءً على ذلك، يتأثر اختبار “ت” بشدة بالقيم المتطرفة (Outliers) والالتواءات الشديدة في البيانات، حيث يمكن لقيمة شاذة واحدة أن تؤدي إلى تضخيم التباين وتشويه المتوسط، مما ينعكس سلباً على صحة القيمة الاحتمالية الناتجة وقرار قبول أو رفض الفرضية الصفرية.
في المقابل، يتجاوز اختبار ويلكوكسون للرتب الموقعة هذه القيود الصارمة عبر اعتماده على الوسيط (Median) والرتب كبديل للمتوسطات الحسابية. وبما أن الرتب تعكس الترتيب النسبي للملاحظات فقط دون أن تتأثر بمدى التباعد الرقمي للقيم المتطرفة، فإن الاختبار يُظهر حصانة إحصائية قوية (Robustness) ضد التشوهات التوزيعية. هذا الترتيب يقلل من وطأة القيم الشاذة، حيث يتم إعطاء القيمة المتطرفة الرتبة القصوى فقط دون أن تؤثر قيمتها العددية المفرطة على حسابات المجموع الكلي للرتب بالصورة المشوهة التي تحدث مع المتوسطات الحسابية.
من حيث الكفاءة الإحصائية المقارنة، أثبتت الدراسات الرياضية المحاكية (Monte Carlo Simulations) أنه عندما تكون البيانات موزعة توزيعاً طبيعياً تاماً، فإن اختبار ويلكوكسون يحتفظ بكفاءة نسبية تقارب 95.5% مقارنة باختبار “ت”. ولكن في حال انحراف البيانات عن التوزيع الطبيعي، لا سيما في التوزيعات ذات الذيول الثقيلة (Heavy-tailed Distributions) أو الالتواءات الواضحة، فإن الكفاءة الإحصائية وقوة الاختبار (Statistical Power) لويلكوكسون تتفوق بشكل حاسم على اختبار “ت”، مما يجعله الأداة المثلى في معالجة البيانات غير المقيدة بافتراضات التوزيع الطبيعي.
1.3 دواعي استخدام الاختبار في البحوث النفسية والسلوكية
تتعدد وتتنوع دواعي اللجوء إلى اختبار ويلكوكسون للرتب الموقعة في ميادين البحوث النفسية والسلوكية والاجتماعية نظراً لخصوصية أدوات القياس المستخدمة في هذه المجالات. أحد أبرز هذه الدواعي هو تصميم الدراسات شبه التجريبية القائمة على القياس القبلي والبعدي (Pre-test vs. Post-test Design) لتقييم فعالية البرامج الإرشادية أو التدخلات العلاجية النفسية السلوكية والمعرفية. ففي هذه الدراسات، يتم قياس متغيرات مثل مستوى القلق، الاكتئاب، أو تقدير الذات قبل إخضاع الأفراد لبرنامج علاجي محدد، ثم يعاد قياس نفس المتغيرات بعد انتهاء التدخل لرصد التغيرات الدالة إحصائياً.
كذلك يبرز الاختبار كحل قياسي للتعامل مع البيانات الناتجة عن مقاييس ليكرت (Likert Scales) ومقاييس التقدير المتدرجة (Rating Scales). هذه المقاييس بطبيعتها التكوينية تولد بيانات ترتيبية (Ordinal Data) وليست فترية متصلة حقيقية، حيث لا يمكن الجزم رياضياً بأن المسافات الفاصلة بين خيارات الاستجابة (مثل: أعارض بشدة، أعارض، محايد، أوافق، أوافق بشدة) متساوية تماماً. وبالتالي، فإن استخدام اختبار معلمي يعتمد على المتوسط الحسابي يُعد تجاوزاً لمنهجية القياس، بينما يمثل اختبار الرتب الخيار المتوافق بنيوياً مع الطبيعة الترتيبية لهذه الأدوات السيكومترية.
علاوة على ذلك، تفرض الطبيعة الإكلينيكية للبحوث النفسية العمل في كثير من الأحيان مع عينات صغيرة الحجم ونادرة (Clinical Small Samples)، مثل دراسة حالات اضطراب ما بعد الصدمة الشديد أو الاضطرابات النمائية العصبية النادرة. في هذه البيئات العلاجية، يستحيل التحقق من افتراض اعتدالية التوزيع بفعل صغر حجم العينة (الذي قد يقل عن 20 مشاركاً)، مما يجعل اختبار ويلكوكسون هو الأسلوب الإحصائي الوحيد القادر على استخلاص الفروق بدقة دون المساس بمصداقية الاستنتاجات العلمية.
2. الافتراضات والشروط المنهجية لتطبيق الاختبار
2.1 طبيعة البيانات ومستوى القياس
على الرغم من تصنيف اختبار ويلكوكسون للرتب الموقعة كاختبار لا معلمي خفيف القيود، إلا أن تطبيقه الصحيح يتطلب استيفاء شروط منهجية محددة ترتبط بمستوى قياس المتغيرات الخاضعة للتحليل. يقتضي الاختبار أن تكون البيانات مقاسة على الأقل على مقياس ترتيبي (Ordinal Scale) مع وجود معنى مفهوم للترتيب، أو مقاسة على مقياس كمي متصل يشمل مقاييس الفترات (Interval Scale) ومقاييس النسبة (Ratio Scale). لا يمكن تطبيق هذا الاختبار إطلاقاً على البيانات الاسمية البحتة (Nominal Data) التي تفتقر إلى إمكانية الترتيب التفاضلي المنطقي.
يشترط الاختبار أن يكون الباحث قادراً على حساب الفروق الحسابية بين القياسين لكل زوج، وأن تكون هذه الفروق ذاتها قابلة للمقارنة والترتيب التصاعدي أو التنازلي. فعند طرح درجة القياس القبلي من درجة القياس البعدي، يجب أن تعكس النتيجة مقداراً كمياً أو رتبياً يسمح بتحديد ما إذا كان الفرق لدى المفحوص الأول أكبر من، أو يساوي، أو أصغر من الفرق لدى المفحوص الثاني. هذا المطلب يُلزم الباحث بالتأكد من أن الأداة القياسية المستخدمة تعتمد على تدريج رقمي متسق يسمح بإجراء العمليات الحسابية التفاضلية بين القياسات المزدوجة.
في التطبيقات النفسية والتربوية، يعد هذا الشرط مستوفىً تماماً في المقاييس المركبة متعددة البنود، حيث يتم جمع درجات الاستجابة الفردية لتكوين مجموع كلي يعبر عن السمة المقاسة، أو عند استخدام درجات الاختبارات المعيارية والزمنية مثل سرعة الاستجابة أو معدل دقة الأداء الإدراكي تحت ظروف تجريبية مختلفة.
2.2 ارتباط العينات واستقلالية الأزواج
يتمثل الافتراض المنهجي الثاني في ضرورة وجود ارتباط بنائي وثيق بين المشاهدتين المكونتين لكل زوج من البيانات. يعني ذلك أن البيانات يجب أن تنشأ إما من تصميم القياسات المكررة حيث يتم قياس نفس الأفراد مرتين متتاليتين، أو من تصميم العينات المتطابقة حيث يتم مطابقة كل فرد في المجموعة التجريبية مع فرد آخر في المجموعة الضابطة بناءً على متغيرات ديموغرافية أو إكلينيكية محددة (كالسن، الجنس، ومستوى الذكاء).
في المقابل، يفرض الاختبار استقلالية تامة بين أزواج الملاحظات المختلفة داخل العينة الإجمالية (Independence of Pairs). ويعني هذا الافتراض أن استجابة الزوج الأول من المشاركين لا يجوز أن تؤثر أو تتأثر بأي شكل من الأشكال باستجابات الأزواج الأخرى في العينة. يتم ضمان هذا الشرط من خلال تطبيق أساليب المعاينة العشوائية الصارمة أثناء اختيار الأفراد وضبط البيئة التجريبية لمنع أي نوع من أنواع التفاعل أو التأثير المتبادل بين المشاركين أثناء إجراءات القياس.
إن الإخلال بافتراض استقلالية الملاحظات، مثل تطبيق الاختبار على أفراد يتفاعلون داخل مجموعات تعليمية تعاونية أو أسرية دون ضبط التباين البيني، يؤدي إلى خطأ التجميع (Clustering Effect) وتضخيم الدلالة الإحصائية بشكل مضلل، مما يستدعي في تلك الحالات نماذج إحصائية أكثر تعقيداً كالنماذج الخطية المختلطة (Multilevel Mixed Models).
2.3 افتراض تماثل توزيع الفروق (Symmetry of Differences)
يُعد افتراض تماثل توزيع الفروق حول وسيطها (Symmetry Assumption) من أدق الافتراضات المنهجية التي يتم إغفالها غالباً عند تطبيق اختبار ويلكوكسون للرتب الموقعة. على الرغم من أن الاختبار لا يتطلب أن تتبع الفروق التوزيع الطبيعي، إلا أن التحقق من الفرضية الصفرية القائلة بتساوي الوسيطين (Equality of Medians) يتطلب رياضياً أن يكون التوزيع التكراري للفروق الناتجة بين القياسين متماثلاً تقريباً في شكله العام حول نقطة المركز.
إذا كان توزيع الفروق متماثلاً (حتى وإن لم يكن طبيعياً، كأن يكون مستوياً أو ذا ذروة عالية متماثلة الجانبين)، فإن اختبار ويلكوكسون يختبر بدقة الفرضية المتعلقة بوسيط الفروق (Median of Differences). أما في الحالات التي يكون فيها توزيع الفروق ملتوياً التواءً شديداً وغير متماثل (Asymmetric Distribution)، فإن منطق الاختبار يتحول تلقائياً من مقارنة الوسيطين إلى اختبار الفرضية المتعلقة بتماثل التوزيع العام للرتب الإيجابية والسالبة (Pseudomedian). وتوضح الدراسات الإحصائية المتقدمة أن هذا التمييز جوهري لتفسير النتائج وتحديد ما إذا كان التدخل أحدث إزاحة حقيقية في وسيط المجموعة أم مجرد تغيير في شكل انتشار البيانات.
لذلك، يتعين على المحلل الإحصائي في بيئة ستاتا فحص تماثل توزيع متغير الفروق قبل الشروع في التفسير النهائي للاختبار، وهو ما يمكن تحقيقه عبر الأدوات البصرية والمؤشرات الوصفية للالتواء والتفرطح كما سيتم تفصيله في الأقسام اللاحقة.
3. نظرة عامة على بيئة العمل البرمجية في ستاتا (Stata)
3.1 هيكل واجهة الأوامر وشاشة النتائج
تتميز منصة ستاتا (Stata) ببيئة عمل إحصائية عالية الكفاءة تجمع بين مرونة كتابة الأوامر البرمجية المباشرة (Command-driven interface) وسهولة استخدام القوائم الرسومية التفاعلية (GUI). تتكون واجهة البرنامج الأساسية من عدة نوافذ مترابطة تؤدي كل منها دوراً مكملاً للآخر في إدارة التحليل الإحصائي:
- نافذة الأوامر (Command Window): المساحة المخصصة للباحث لكتابة التعليمات البرمجية والأوامر المباشرة وتنفيذها فوراً بالضغط على زر الإدخال (Enter).
- نافذة النتائج (Results Window): الشاشة المركزية الكبرى التي تعرض كافة مخرجات التحليل، الجداول الإحصائية، رسائل النظام، والتقارير الرقمية الناتجة عن تنفيذ الأوامر، مع تمييز النصوص بلغات بصرية متعددة الألوان.
- نافذة سجل الأوامر (Review/History Window): تسجل تاريخياً وبشكل تسلسلي كل أمر تم تنفيذه خلال جلسة العمل، مما يسمح بإعادة استدعاء الأوامر السابقة بنقرة واحدة وتعديلها بسهولة.
- نافذة المتغيرات (Variables Window): تعرض قائمة شاملة بكافة المتغيرات المحملة حالياً في الذاكرة، متضمنة أسماء المتغيرات، التسميات التوضيحية (Labels)، وأنواع التخزين.
- نافذة الخصائص (Properties Window): تتيح استعراض وتعديل السمات الفنية لملف البيانات والمتغيرات النشطة، مثل تنسيق العرض، نوع البيانات (نصية، رقمية)، وحجم الذاكرة المستهلكة.
3.2 إدارة ملفات الأوامر Do-Files لضمان التكرارية
تُعد ملفات الأوامر (Do-Files) حجر الزاوية للممارسة التحليلية الرصينة في ستاتا ولتحقيق مبدأ الشفافية وإمكانية تكرار النتائج العلمية (Reproducibility). إن الاعتماد الحصري على كتابة الأوامر المتفرقة في النافذة التفاعلية يعرض التحليل للنسيان والخطأ، بينما يتيح ملف Do-File توثيق كافة خطوات معالجة البيانات، من الاستيراد والتنظيف وحتى الاختبارات المتقدمة ورسم المخططات البيانية، في ملف نصي تنفيذي بصيغة .do.
يمكن فتح محرر ملفات الأوامر في ستاتا عبر النقر على أيقونة المحرر أو كتابة الأمر doedit. ويوصى في الكتابات المنهجية بهيكلة ملف Do-File بشكل منظم يتضمن:
- ترويسة تعريفية تتضمن اسم الباحث، تاريخ التحليل، الهدف من الدراسة، وإصدار البرنامج المستخدم.
- استخدام التعليقات التوثيقية المسبوقة برمز
//أو المحصورة بين/* ... */لتفسير المنطق الرياضي لكل خطوة تحليلية. - تنظيم الأوامر في كتل وظيفية منطقية متسلسلة (استيراد، فحص أولي، اختبار الفرضيات، تصدير النتائج).
- حفظ الملف وتشغيله بالكامل أو تنفيذ أجزاء محددة منه عبر تظليل الأسطر والضغط على زر التنفيذ (Execute / Do).
3.3 منطق التعامل مع البيانات المكررة في ستاتا
يتعامل برنامج ستاتا مع البيانات ذات القياسات المكررة والبيانات الطولية من خلال بنيتين هيكليتين رئيسيتين: البنية العريضة (Wide Format) والبنية الطولية (Long Format). من الأهمية بمكان للمحلل الإحصائي استيعاب الفارق الهيكلي بين هاتين البنيتين، حيث إن كل اختبار إحصائي في ستاتا يتطلب نسقاً بيانياً محدداً ليعمل بصورة صحيحة.
في البنية العريضة (Wide Format)، تُمثَّل كل وحدة معاينة (مشارك أو مبحوث) في صف واحد مفرد داخل مصفوفة البيانات، بينما تظهر القياسات المكررة عبر الزمن أو الظروف التجريبية كأعمدة ومتغيرات متجاورة ومستقلة (مثل: pre_test و post_test). أما في البنية الطولية (Long Format)، فتتوزع القياسات المكررة لنفس الفرد على عدة صفوف متتالية، ويتم التمييز بينها بواسطة متغير تعريف زمني (مثل: time يحمل القيم 1 و 2)، مع وجود عمود واحد مخصص لقيمة الدرجة (مثل: score).
يتطلب أمر اختبار ويلكوكسون للرتب الموقعة في ستاتا (signrank) حصرياً أن تكون البيانات مهيكلة في البنية العريضة (Wide Format)، حيث يُدخل الباحث اسم متغير القياس الأول واسم متغير القياس الثاني كمدخلين منفصلين لنفس الحالة. وإذا كانت البيانات مخزنة في البنية الطولية، يتعين تحويلها إلى البنية العريضة أولاً باستخدام أمر إعادة التشكيل القياسي reshape wide قبل البدء في إجراءات الاختبار.
4. استيراد وتجهيز البيانات في برنامج ستاتا
4.1 استدعاء البيانات التدريبية من خوادم ستاتا
يوفر برنامج ستاتا مستودعاً سحابياً متكاملاً من مجموعات البيانات التدريبية المعيارية المتاحة للاستخدام المباشر لأغراض التعلم والتطبيق الإحصائي. لاستدعاء هذه البيانات التعليمية، يُستخدم الأمر use متبوعاً بالمسار الشبكي الكامل للملف. ومن بين أشهر مجموعات البيانات المخصصة لاختبار ويلكوكسون للرتب الموقعة مجموعة بيانات استهلاك الوقود للسيارات تحت نوعين مختلفين من الإضافات الكيميائية.
يمكن تحميل هذه البيانات مباشرة إلى ذاكرة البرنامج النشطة عبر تنفيذ الأمر التالي في نافذة الأوامر:
use http://www.stata-press.com/data/r13/fuel, clear
تتضمن هذه المجموعة بيانات مزدوجة تمثل معدل استهلاك الوقود للميل الواحد لكل مركبة مقاساً بنوعين مختلفين من الوقود: الوقود الأول غير المعالج (mpg1) والوقود الثاني المزود بإضافات كيميائية محسنة (mpg2). يتيح هذا النموذج التدريبي التطبيق الإجرائي لاختبار ويلكوكسون لمقارنة أداء المحركات في نفس السيارات بين المعالجة الأولى والمعالجة الثانية.
4.2 استيراد مجموعات البيانات المخصصة (Excel و CSV)
في الممارسة الميدانية العملية، يجمع الباحثون بياناتهم عبر استبانات إلكترونية أو سجلات ورقية يتم تفريغها في جداول بيانات ميكروسوفت إكسيل (Excel) أو ملفات نصية مفصولة بفواصل (CSV). يوفر برنامج ستاتا أوامر مرنة وسريعة لاستيراد هذه البيانات المخصصة بدقة فائقة مع الاحتفاظ بالبنية الدلالية للمتغيرات.
لاستيراد ملف إكسيل يحتوي على درجات قياس نفسي قبلي وبعدي، يتم استخدام الأمر import excel مع تحديد المسار المصدري للملف وخيارات الاستيراد الأساسية كما في الصيغة التالية:
import excel "C:ResearchDataclinical_anxiety.xlsx", sheet("Sheet1") firstrow clear
يضمن خيار firstrow قيام ستاتا بقراءة الصف الأول من ورقة العمل واستخدامه تلقائياً كأسماء معتمدة للمتغيرات بدلاً من التسميات الافتراضية العامة. أما خيار clear فيعمل على مسح أي بيانات سابقة كانت محملة في الذاكرة لتجنب التعارض. وفي حال كانت البيانات مخزنة بصيغة نصية مفصولة بفواصل، يُستخدم الأمر import delimited "C:ResearchDataclinical_anxiety.csv", clear لاستيراد البيانات بنفس السلاسة الإجرائية.
عقب عملية الاستيراد، من الضروري فحص ومعالجة القيم المفقودة (Missing Values). يتعامل ستاتا مع القيم المفقودة في المتغيرات الرقمية برمز النقطة (.)، والتي يعتبرها البرنامج رياضياً قيماً لا نهائية الكبر، مما يوجب استبعادها أو تعويضها بأساليب التعويض المتعدد قبل تشغيل النماذج الرياضية.
4.3 المعاينة الأولية وفحص بنية المتغيرات
قبل الشروع في أي معالجات إحصائية متقدمة، يجب إجراء فحص استكشافي شامل للتحقق من سلامة البنية التقنية للمتغيرات المستوردة والتأكد من خلوها من أخطاء الإدخال والتنسيق. تتيح ستاتا حزمة من الأوامر الاستكشافية السريعة التي تمنح المحلل فهماً متعمقاً لهيكل البيانات:
أولاً، يُستخدم أمر التوصيف describe لاستعراض الملخص التقني للمتغيرات، متضمناً عدد المشاهدات الإجمالي (N)، أسماء المتغيرات، أنواع التخزين (مثل float, double للمتغيرات الكمية، أو str للمتغيرات النصية)، والتسميات التوضيحية. إذا ظهر متغير رقمي مخزناً كمتغير نصي بسبب وجود رموز خاطئة، يمكن تصحيحه باستخدام أمر destring.
ثانياً، يُستخدم أمر الإحصاء الوصفي الشامل summarize (أو اختصاراً su) للحصول على لوحة مؤشرات إحصائية تتضمن المتوسط الحسابي، الانحراف المعياري، أدنى قيمة (Min)، وأعلى قيمة (Max) لكل متغير. يتيح فحص الحدود الدنيا والقصوى الكشف الفوري عن أي أخطاء طباعية متطرفة خارج نطاق مقياس القياس المعتمد (مثل تسجيل درجة 50 على مقياس مداه من 1 إلى 10).
ثالثاً، يمكن استعراض مصفوفة البيانات بصرياً كجدول بيانات تفاعلي عبر كتابة الأمر browse، مما يمكن الباحث من التحقق العيني من اتساق الدرجات المقابلة لكل فرد في العينة.
5. التحقق العملي من التوزيع والتماثل قبل الاختبار
5.1 حساب متغير الفروق بين القياسين القبلي والبعدي
تبدأ خطوات التحقق الإحصائي والرياضي من ملاءمة البيانات لمتطلبات اختبار ويلكوكسون بإنشاء متغير جديد يمثل الفرق الحسابي الدقيق بين درجتي القياس لكل مفحوص داخل مصفوفة البيانات. يتم ذلك باستخدام أمر التوليد الحسابي generate في ستاتا بطرح القياس القبلي من القياس البعدي (أو العكس وفق الفرضية المعتمدة):
gen diff_anxiety = post_anxiety - pre_anxiety
عقب توليد هذا المتغير، يُستعرض الملخص الوصفي التفصيلي للفروق عبر استخدام خيار التفصيل detail في أمر التلخيص الإحصائي:
summarize diff_anxiety, detail
يوفر هذا الخيار مخرجات إحصائية بالغة الأهمية تشمل الوسيط (المئيني الخمسين 50%)، المدى الربيعي (IQR = P75 – P25)، وقيم الالتواء (Skewness) والتفرطح (Kurtosis). كما يساعد استعراض المتغير في تحديد عدد الحالات التي تساوي فيها الفروق صفراً (Zero Differences)، وهي الحالات التي لم يطرأ عليها أي تغير بين القياسين، حيث يقوم منطق ويلكوكسون باستبعادها تلقائياً عند إجراء الترتيب الرتبي.
5.2 الفحص البصري لتوزيع الفروق (Graphical Inspection)
يمثل الفحص البصري الخطوة المنهجية الأولى لتقييم شكل التوزيع والتحقق من افتراض تماثل الفروق والكشف عن القيم الشاذة. يوفر برنامج ستاتا قدرات بيانية قوية تمكن المحلل من رسم مخططات متعددة الأبعاد لدراسة سلوك متغير الفروق بدقة متناهية.
يُعد المدرج التكراري المقترن بمنحنى الكثافة الاحتمالية من أفضل الوسائل البصرية لفحص التماثل، ويتم إنشاؤه عبر الأمر:
histogram diff_anxiety, kdensity normal title("توزيع فروق درجات القلق")
يرسم هذا الأمر توزيع التكرارات الفعلية للبيانات مع تركيب منحنيين بيانيين: منحنى التوزيع الطبيعي المتوقع باللون الأسود، ومنحنى الكثافة التقديري الفعلي (Kernel Density) بلون متباين. يتيح ذلك للباحث رؤية ما إذا كان التوزيع يتطابق مع المنحنى الطبيعي أو يظهر انحرافات والتواءات واضحة مع الحفاظ على التماثل العام حول المنتصف.

بالإضافة إلى المدرج التكراري، يُستخدم المخطط الصندوقي (Boxplot) لتحديد انتشار الفروق وكشف القيم المتطرفة من خلال الأمر:
graph box diff_anxiety, title("المخطط الصندوقي لفروق القياس")
يوضح المخطط الصندوقي موضع الوسيط داخل الصندوق، والمسافة بين الربيعين الأول والثالث، والنقاط المنفصلة خارج الشوارب التي تمثل قيماً شاذة محتملة، مما يعطي مؤشراً بصرياً إضافياً حول تماثل التوزيع ومدى الحاجة للاختبارات اللامعلمية.
5.3 الاختبارات الإحصائية للاعتدالية والالتواء
لتعزيز الفحص البصري بأدلة استدلالية قاطعة، يُخضع الباحث متغير الفروق لاختبارات الدلالة الإحصائية الخاصة بالاعتدالية (Normality Tests). تُعد هذه الاختبارات المعيار المعتمد لتبرير التحول من اختبار “ت” المعلمي إلى اختبار ويلكوكسون اللامعلمي عند تقديم التقارير الأكاديمية والمقالات للنشر العلمي.
يُعد اختبار شابيرو-ويلك (Shapiro-Wilk test) المعيار الذهبي لاختبار الاعتدالية، خاصة في العينات الصغيرة والمتوسطة (أقل من 2000 مشاهدة). يتم تنفيذه في ستاتا عبر الأمر:
swilk diff_anxiety
يقوم الاختبار بفحص الفرضية الصفرية القائلة بأن البيانات تتبع التوزيع الطبيعي. إذا كانت القيمة الاحتمالية الناتجة (Prob > z) أصغر من مستوى المعنوية المحدد (p < 0.05)، يتم رفض فرضية الاعتدالية، مما يقدم دليلاً إحصائياً قاطعاً على أن الفروق تنحرف جوهرياً عن التوزيع الطبيعي، مما يجعل تطبيق اختبار ويلكوكسون أمراً إلزامياً من الناحية المنهجية.
ويمكن تدعيم ذلك بإجراء اختبار شابيرو-فرانشيا (Shapiro-Francia test) عبر الأمر sfrancia diff_anxiety، أو اختبار سكونيس-كورتوسيس الشامل عبر الأمر sktest diff_anxiety الذي يفحص معاملات الالتواء والتفرطح معاً، مما يكتمل به ملف التقييم التوزيعي للمتغيرات قبل تشغيل التحليل النهائي.
6. البناء المنهجي للفرضيات الإحصائية للاختبار
6.1 صياغة الفرضية الصفرية (Null Hypothesis – H0)
تُمثل الفرضية الصفرية (H0) نقطة الانطلاق الأساسية لأي اختبار استدلالي، حيث تعبر عن الموقف المنهجي المحايد القائل بعدم وجود تأثير أو فرق حقيقي ناتج عن التدخل التجريبي أو المتغير المستقل، وأن أي تباينات مرصودة بين القياسين لا تعدو كونها تباينات عشوائية ناشئة عن خطأ المعاينة (Sampling Error).
في اختبار ويلكوكسون للرتب الموقعة، تُصاغ الفرضية الصفرية رياضياً ومنهجياً على النحو التالي:
H0: Median(diff) = 0 أو H0: Median(Pre) = Median(Post)
وتعني هذه الصيغة أن وسيط الفروق بين القياسين القبلي والبعدي في المجتمع الأصلي يساوي صفراً، وهو ما يكافئ القول بأن توزيع الدرجات في القياس الأول يتطابق كلياً مع توزيع الدرجات في القياس الثاني. ومن منظور توزيع الرتب، تفترض الفرضية الصفرية أن مجموع رتب الفروق الإيجابية يتساوى تقريباً مع مجموع رتب الفروق السلبية حول نقطة التماثل، مما يدل على عدم حدوث أي تحول أو إزاحة دالة في مستوى الظاهرة المقاسة نتيجة المتغير المستقل.
6.2 صياغة الفرضيات البديلة ثنائية وأحادية الاتجاه (H1)
تُعبر الفرضية البديلة (Alternative Hypothesis – H1) عن توقع الباحث النظري وفرضيته العلمية التي يسعى للبرهنة عليها عبر جمع وتحليل البيانات الميدانية. وتنقسم الفرضيات البديلة إلى نمطين أساسيين بحسب طبيعة التأطير النظري للدراسة:
1. الفرضية البديلة ثنائية الاتجاه (Two-Tailed Hypothesis): تُصاغ عندما يتوقع الباحث وجود فرق جوهري بين القياسين دون التنبؤ المسبق باتجاه هذا الفرق (سواء كان زيادة أو نقصاناً):
H1: Median(diff) ≠ 0
2. الفرضية البديلة أحادية الاتجاه (One-Tailed Hypothesis): تُصاغ عندما تستند الدراسة إلى خلفية نظرية وتطبيقية قوية تتنبأ باتجاه محدد للتغير. ففي الدراسات العلاجية التي تهدف إلى خفض حدة الأعراض، تُصاغ الفرضية موجهة نحو التراجع:
H1: Median(Post) < Median(Pre) أو H1: Median(diff) < 0
أما في برامج التدريب التنموية التي تهدف إلى تعزيز مستوى التحصيل أو الكفاءة الذاتية، فتُصاغ الفرضية موجهة نحو الزيادة (H1: Median(diff) > 0). يحدد اختيار نوع الفرضية البديلة كيفية احتساب وتفسير القيمة الاحتمالية النهائية الناتجة عن البرنامج كما سيتم إيضاحه لاحقاً.
6.3 تحديد مستوى الدلالة الإحصائية (Alpha) وقواعد القرار
يقتضي المنهج العلمي تحديد مستوى الدلالة الإحصائية المعتمد (Significance Level – α) مسبقاً قبل تنفيذ التحليل الإحصائي، لتجنب التحيز التأكيدي في اتخاذ القرارات. يمثل مستوى ألفا الحد الأقصى المقبول لاحتمالية الوقوع في خطأ النوع الأول (Type I Error)، وهو رفض الفرضية الصفرية عندما تكون صحيحة في الواقع.
تعتمد معظم الدراسات السلوكية والتربوية مستوى دلالة قياسياً مقداره (α = 0.05)، بينما تلجأ الدراسات الطبية والإكلينيكية الحساسة إلى مستويات أكثر صرامة مثل (α = 0.01) أو (α = 0.001) لتقليل مخاطر الاستنتاجات الخاطئة. وتتمثل قاعدة القرار الإحصائي العامة في الآتي:
- إذا كانت القيمة الاحتمالية المحسوبة أصغر من أو تساوي مستوى الدلالة (p-value ≤ α): يتم رفض الفرضية الصفرية (Reject H0) وقبول الفرضية البديلة، مما يؤكد وجود فرق دال إحصائياً بين القياسين.
- إذا كانت القيمة الاحتمالية المحسوبة أكبر من مستوى الدلالة (p-value > α): يتم الفشل في رفض الفرضية الصفرية (Fail to Reject H0)، مما يعني عدم توفر أدلة كافية لإثبات وجود تأثير دال للتدخل التجريبي.
7. التطبيق الإجرائي لأمر signrank في ستاتا
7.1 الصيغة البرمجية العامة لأمر signrank
يوفر برنامج ستاتا أمراً مخصصاً ومباشراً لتنفيذ اختبار ويلكوكسون للرتب الموقعة وهو الأمر signrank. تتميز البنية التركيبية للأمر بالبساطة والوضوح، حيث تُكتب الصيغة القياسية في نافذة الأوامر أو ملف Do-file على النحو التالي:
signrank varname1 = varname2 [if] [in]
حيث يمثل varname1 المتغير التابع الأول (كالقياس القبلي مثلاً)، ويمثل varname2 المتغير التابع المقارن (كالقياس البعدي)، ويفصل بينهما رمز التساوي (=). من الضروري الانتباه إلى أن ترتيب كتابة المتغيرين يحدد اتجاه إشارة الفروق الناتجة؛ حيث يقوم ستاتا بحساب الفروق بطرح المتغير الثاني من المتغير الأول (diff = varname1 - varname2).
يتيح الأمر استخدام المحددات الشرطية (Qualifiers) مثل محدد الشرط if لتطبيق الاختبار على فئة فرعية محددة من عينة الدراسة دون غيرها، كأن يتم إجراء الاختبار للإناث فقط باستخدام الأمر:
signrank post_test = pre_test if gender == 1
أو حصر التحليل على نطاق محدد من المشاهدات باستخدام المحدد in (مثل: in 1/50 لتحليل أول خمسين مشاركاً فقط).
7.2 تنفيذ الاختبار خطوة بخطوة على مجموعة البيانات
لتطبيق الاختبار إجرائياً وبشكل عملي، سنستخدم مجموعة البيانات التدريبية المعيارية للوقود التي تم استيرادها سابقاً، حيث يرغب الباحث في اختبار ما إذا كان هناك فرق دال إحصائياً في معدل استهلاك الوقود بين النوع القياسي (mpg1) والنوع المحسن بالإضافات (mpg2).
نقوم بتنفيذ الأمر البرمجي التالي في ستاتا:
signrank mpg1 = mpg2
بمجرد إدخال الأمر والضغط على مفتاح التنفيذ، يقوم المحرك الحسابي في ستاتا بإجراء سلسلة من العمليات الرياضية المعقدة في أجزاء من الثانية:
- توليد الفروق الفردية لكل مركبة بطرح
mpg2منmpg1. - حصر المشاهدات التي تكون فيها الفروق مساوية للصفر بدقة وتجنيبها من جدول الرتب.
- أخذ القيمة المطلقة للفروق غير الصفرية وترتيبها تصاعدياً من الأصغر إلى الأكبر، مع تعيين الرتب المقابلة وحساب متوسطات الرتب المقيدة في حالات التساوي.
- إعادة إسناد الإشارات الجبرية الأصلية لكل رتبة، ثم جمع رتب الفروق الموجبة والسالبة بشكل منفصل.
- حساب القيمة المتوقعة والتباين الرياضي لمجموع الرتب تحت فرضية العدم، واشتقاق الدرجة المعيارية Z والقيمة الاحتمالية المقابلة.
7.3 آلية معالجة الفروق الصفرية (Zero Differences / Ties with Zero)
تحدث الفروق الصفرية (Zero Differences) عندما تتطابق درجة المفحوص تماماً في كلا القياسين القبلي والبعدي، مما يجعل قيمة الفرق الحسابي مساوية للصفر (diff = 0). تُعد معالجة هذه الحالات قضية منهجية بالغة الأهمية في النمذجة اللامعلمية.
تعتمد ستاتا الطريقة الكلاسيكية القياسية التي طورها ويلكوكسون (Wilcoxon’s standard elimination method)، والتي تقضي بالاستبعاد التلقائي التام لكافة المشاهدات التي يكون فرقها صفراً قبل البدء في مرحلة ترتيب الرتب. يُعرض عدد هذه الحالات المستبعدة بوضوح في الصف المعنون بـ zero داخل جدول المخرجات الإحصائي، ويتم تعديل حجم العينة الفعال (Effective Sample Size) المستخدم في حساب التباين والدرجة المعيارية ليساوي حجم العينة الأصلي مطروحاً منه عدد الحالات الصفرية.
من الناحية المنهجية، إذا كانت نسبة الفروق الصفرية في العينة منخفضة (أقل من 5% إلى 10%)، فإن استبعادها لا يترك أثراً ملموساً على قوة الاختبار. ولكن في حال كانت نسبة التعادلات الصفرية مرتفعة جداً (كأن تكون 30% أو أكثر من العينة)، فإن استبعادها قد يؤدي إلى انخفاض غير مرغوب في القوة الإحصائية (Statistical Power) وتشويه حجم الأثر، مما يستدعي من الباحث تقييم حساسية الأداة القياسية المستخدمة في رصد التغيرات الفردية الطفيفة.
8. القراءة التحليلية والتفسير المتقدم لمخرجات ستاتا
8.1 تفكيك جدول الرتب (Sign Table Output)
عند تنفيذ أمر signrank في ستاتا، تظهر نافذة النتائج جدولاً إحصائياً عالي الدقة يتألف من أربعة صفوف وثلاثة أعمدة رئيسية تلخص البنية التوزيعية للرتب الموقعة. يُعد الفهم المتعمق لكل خلية في هذا الجدول الركيزة الأساسية لتفسير ديناميكية التغير المرصود بين القياسين.
يحتوي الجدول على العناصر الأساسية التالية:
- الصف الأول (positive sign): يعرض عدد المشاهدات (
obs) التي كانت فيها قيمة المتغير الأول أكبر من المتغير الثاني (فروق موجبة)، متبوعاً بمجموع الرتب (sum of ranks) المعطاة لهذه الفروق الإيجابية. - الصف الثاني (negative sign): يوضح عدد المشاهدات التي كانت فيها قيمة المتغير الأول أصغر من المتغير الثاني (فروق سالبة)، مع مجموع الرتب المخصصة لتلك الفروق السلبية.
- الصف الثالث (zero sign): يبين عدد المشاهدات التي تساوت فيها قيم القياسين تماماً (فروق صفرية)، مع إشارة إلى أن مجموع رتبها يساوي صفراً نظراً لاستبعادها من التحليل الرتبي.
- الصف الرابع (all cases): يلخص العدد الإجمالي للمشاهدات المتاحة في التحليل، متبوعاً بإجمالي مجموع الرتب الكلية المحسوبة لكافة المشاهدات الفعالة.

8.2 تفسير القيم المتوقعة والتباين (Expected Values & Variance)
أسفل جدول الرتب، تقدم مخرجات ستاتا تفاصيل النموذج الرياضي الاحتمالي المستخدم لاختبار الفرضية الصفرية، ويتضمن ذلك سطرين رئيسيين للحسابات البينية:
السطر الأول يوضح المجموع المتوقع للرتب (Expected Sum of Ranks) تحت فرضية العدم، والذي يُحسب وفق المعادلة الرياضية المعيارية:
E(W) = n(n + 1) / 4
حيث تمثل n عدد المشاهدات الفعالة غير الصفرية. يفترض النموذج أنه في حال عدم وجود أي فرق بين القياسين، فإن مجموع الرتب الإيجابية يجب أن يقترب جداً من نصف إجمالي مجموع الرتب الكلي، متساوياً مع مجموع الرتب السلبية المتوقعة.
السطر الثاني يعرض تباين مجموع الرتب المعدل (Variance of Ranks)، ويرمز له بـ Var(W)، والذي يُحسب تحت فرضية العدم وفق الصيغة الرياضية:
Var(W) = [n(n + 1)(2n + 1)] / 24
يقوم برنامج ستاتا بإجراء تعديل رياضي فوري ودقيق على قيمة التباين في حال وجود تعادلات في القيم المطلقة للفروق (Tied Ranks)، لضمان عدم تضخيم التباين والمحافظة على دقة الدرجة المعيارية المشتقة.
8.3 تفسير الدرجة المعيارية z والقيمة الاحتمالية p-value
تختتم مخرجات ستاتا بالمعلمات الاستدلالية الحاسمة لاتخاذ القرار الإحصائي، حيث يتم تحويل مجموع الرتب الفعلي إلى درجة معيارية معتمدة على التقريب التوزيعي الطبيعي (z-score) باستخدام الصيغة الرياضية التالية:
z = (W – E(W)) / sqrt(Var(W))
حيث تمثل W المجموع الفعلي للرتب الإيجابية (أو الأقل تكراراً)، و E(W) القيمة المتوقعة، ومقام الكسر هو الانحراف المعياري لمجموع الرتب (الجذر التربيعي للتباين). تُظهر إشارة الدرجة المعيارية z اتجاه التغير الإجمالي؛ فالإشارة السالبة تعني أن رتب الفروق السلبية كانت المهيمنة إحصائياً، في حين تعكس الإشارة الموجبة تفوق رتب الفروق الإيجابية.
يلي ذلك السطر الأهم في المخرجات وهو القيمة الاحتمالية ثنائية النهاية المعروضة بالصيغة:
Prob > |z| = 0.0000
إذا كانت هذه القيمة أصغر من مستوى الدلالة المحدد (مثلاً p < 0.05)، فإننا نرفض الفرضية الصفرية بثقة ونستنتج وجود فروق دالة إحصائياً بين القياسين. وفي حال كان الباحث قد صاغ فرضية بديلة موجهة (أحادية الاتجاه One-tailed)، يمكنه استخراج القيمة الاحتمالية أحادية النهاية بقسمة القيمة الاحتمالية ثنائية النهاية المعروضة على 2، شريطة أن تتوافق إشارة الدرجة المعيارية z المحسوبة مع الاتجاه النظري المفترض مسبقاً في الفرضية.
9. حساب حجم الأثر (Effect Size) والقوة الإحصائية
9.1 أهمية حجم الأثر كمعيار مكمل للدلالة الإحصائية
أكدت الأدبيات الإحصائية الحديثة وتوصيات الجمعية الأمريكية لعلم النفس (American Psychological Association) على القصور الجوهري للاعتماد المنفرد على القيمة الاحتمالية (p-value) في الحكم على النتائج العلمية. فالقيمة الاحتمالية تعكس فقط درجة كفاية الأدلة ضد الفرضية الصفرية، وتتأثر بشكل حاد بحجم العينة؛ حيث يمكن لأي فرق ضئيل وغير ذي قيمة عملية أن يصبح دالاً إحصائياً إذا كان حجم العينة كبيراً بدرجة كافية.
من هنا تنبع الأهمية الاستثنائية لحساب وتقديم حجم الأثر (Effect Size) كمعيار كمي معياري يقيس القوة والجسارة العملية للتأثير المرصود بمعزل تام عن حجم العينة. يوفر حجم الأثر للباحثين والممارسين إجابة واضحة عن السؤال الجوهري: “ما مدى فاعلية هذا التدخل أو التغير في الواقع التطبيقي؟”. علاوة على ذلك، يمثل حجم الأثر الوحدة الأساسية التي يعتمد عليها باحثو التحليل البعدي (Meta-Analysis) لتجميع نتائج الدراسات المستقلة وتقدير الحجم التراكمي للتأثيرات العلمية عبر المؤلفات المنشورة.
9.2 معادلة معامل الارتباط r لاختبار ويلكوكسون
يُعد معامل الارتباط اللامعلمي r (Correlation-based Effect Size)، الذي اقترحه الإحصائي الشهير جاكوب كوهين وروشنتال، المقياس الأكثر شيوعاً وقبولاً لتقدير حجم الأثر المقترن باختبار ويلكوكسون للرتب الموقعة. يتم حساب هذا المعامل من خلال قسمة القيمة المطلقة للدرجة المعيارية z الناتجة عن الاختبار على الجذر التربيعي للعدد الإجمالي للمشاهدات، وفق المعادلة الرياضية التالية:
r = |z| / sqrt(N)
هنا تجدر الإشارة إلى مسألة منهجية دقيقة تدور حول تعريف N في مقام المعادلة: هل تمثل عدد الأزواج المرتبطة (Number of Pairs)، أم إجمالي عدد الملاحظات الفردية عبر القياسين (Total Number of Observations = 2 * n)؟
توصي المراجع الإحصائية الكلاسيكية (مثل Cohen, 1988; Rosenthal, 1991) باستخدام إجمالي عدد الملاحظات الفردية (أي ضعف عدد الأزواج: N = 2 * n_pairs) عند حساب معامل r لمقارنة القياسات المزدوجة، لضمان اتساق المقياس مع معامل ارتباط بيرسون القياسي. وتتراوح قيمة r الناتجة دائماً بين 0 و 1، ويتم تفسير قوتها بالاعتماد على محكات كوهين الإرشادية المشهورة:
- أثر صغير (Small Effect): عندما تتراوح قيمة
rمن 0.10 إلى أقل من 0.30. - أثر متوسط (Medium Effect): عندما تتراوح قيمة
rمن 0.30 إلى أقل من 0.50. - أثر كبير (Large Effect): عندما تبلغ قيمة
r0.50 فما فوق، مما يدل على تأثير علاجي أو تجريبي بالغ القوة والأهمية الميدانية.
9.3 حساب حجم الأثر برمجياً في ستاتا
على الرغم من أن أمر signrank الأساسي في ستاتا لا يطبع قيمة حجم الأثر r بشكل مباشر داخل جدول المخرجات الافتراضي، إلا أن البرنامج يقوم بتخزين كافة المعلمات الرقمية الناتجة في مصفوفة النتائج المرجعية المحفوظة (Saved Results). يتيح ذلك للباحث استخراج قيمة z وحساب معامل r ومعامل التحديد r^2 بدقة وسرعة عبر كتابة أوامر برمجية تكميلية بسيطة داخل ملف Do-file.
عقب تنفيذ أمر signrank mpg1 = mpg2 مباشرة، يمكن كتابة واستدعاء الشفرة البرمجية التالية:
return list
scalar z_val = r(z)
scalar N_total = r(N) * 2
scalar r_effect = abs(z_val) / sqrt(N_total)
scalar r_squared = r_effect^2
display "Wilcoxon Effect Size (r) = " r_effect
display "Coefficient of Determination (r^2) = " r_squared
تقوم هذه الشفرة باستخراج الدرجة المعيارية المخزنة تحت الاسم r(z) وعدد الحالات r(N)، ثم تطبق المعادلة الرياضية وتطبع القيمة النهائية لحجم الأثر فوراً في شاشة النتائج. كما يمكن للباحثين المتقدمين تثبيت واستخدام حزم خارجية إضافية مبرمجة بواسطة مجتمع مستخدمي ستاتا، مثل حزمة epm أو حزمة rstat، والتي تقوم بحساب وطباعة فترات الثقة لحجم الأثر تلقائياً عبر تقنيات إعادة المعاينة التكرارية (Bootstrapping).
10. المعالجات المتقدمة والحالات الخاصة في التحليل
10.1 معالجة الرتب المقيدة أو المتعادلة (Tied Ranks Handling)
تنشأ الرتب المقيدة أو المتعادلة (Tied Ranks) عندما تتساوى القيم المطلقة للفروق الحسابية بين زوجين أو أكثر من المشاهدات في العينة (مثال: المفحوص رقم 3 سجل فرقاً قدره +4 والمفحوص رقم 8 سجل فرقاً قدره -4). في هذه الحالة، تتشارك هذه الملاحظات في نفس الأهمية النسبية لحجم الفرق على الرغم من اختلاف أو تطابق الإشارات.
يعالج برنامج ستاتا مشكلة التعادلات من خلال إسناد “متوسط الرتب المشتركة” (Average Rank) لكل الملاحظات المتساوية. فإذا كان هناك فرقان يشغلان الرتبتين 4 و 5 في الترتيب التصاعدي، يتم منح كل منهما الرتبة الموزونة 4.5. وتكمن المعالجة الرياضية المتقدمة لستاتا في قيامها بتعديل تباين مجموع الرتب لتعويض النقصان الطفيف في التشتت الناتج عن الرتب المتوسطة عبر طرح معامل تصحيح الرتب المقيدة من صيغة التباين الأساسية:
Correction Factor = Σ(t_i^3 – t_i) / 48
حيث تمثل t_i عدد الملاحظات المشتركة في الرتبة المقيدة رقم i. يضمن هذا التعديل التلقائي في ستاتا عدم حدوث أي انحياز أو تضخيم في قيمة الدرجة المعيارية z، مما يحافظ على دقة القرار الإحصائي حتى في وجود نسب عالية من الرتب المتعادلة.
10.2 التعامل مع العينات الصغيرة وحساب الاحتمال الدقيق (Exact Test)
يعتمد حساب القيمة الاحتمالية الافتراضية في أمر signrank على تقريب التوزيع الطبيعي المعياري (Asymptotic z-approximation). يستند هذا التقريب الرياضي إلى مبرهنة النهاية المركزية، ويكون عالي الدقة والموثوقية عندما يكون حجم العينة الفعال كافياً (عادة n ≥ 20 أو 30 زوجاً).
ومع ذلك، في الدراسات الإكلينيكية النادرة أو التجارب النفسية المصغرة التي يكون فيها حجم العينة صغيراً جداً (مثلاً n < 15)، قد يؤدي التقريب الطبيعي إلى تقدير غير دقيق للقيمة الاحتمالية، مما يرفع احتمالية الخطأ الاستدلالي. في مثل هذه الحالات الخاصة، يفضل الاعتماد على الاختبار الدقيق (Exact Permutation Test)، الذي يقوم بحساب التوزيع الاحتمالي الدقيق لكافة التباديل الممكنة للرتب الموقعة تحت فرضية العدم دون أي افتراضات تقريبية.
على الرغم من أن الأمر القياسي signrank في الإصدارات الأساسية لا يتضمن خيار exact بشكل مباشر، إلا أنه يمكن للمحلل في ستاتا الحصول على القيمة الاحتمالية الدقيقة إما عبر كتابة كود مخصص لأسلوب إعادة المعاينة والتباديل (permute)، أو عبر استدعاء الحزم المتقدمة المتخصصة بالاختبارات اللامعلمية الدقيقة المتاحة عبر مستودعات مجتمع ستاتا (SSC Repository)، مثل حزمة exactr التي تتيح مقارنة القيمة الاحتمالية التقريبية مع القيمة التباديلية الدقيقة لضمان أعلى مستويات الدقة العلمية.
10.3 المقارنة المنهجية مع اختبار الإشارة (Sign Test)
يخلط بعض الباحثين أحياناً بين اختبار ويلكوكسون للرتب الموقعة واختبار آخر منافس يُعرف بـ اختبار الإشارة (Sign Test). من الضروري للمحلل الإحصائي إدراك الفروق البنائية والمنهجية الفاصلة بين هذين النموذجين لاختيار الأداة الأنسب لطبيعة بياناته.
يقوم اختبار الإشارة، الذي يُنفذ في ستاتا عبر الأمر signtest var1 = var2، على مبدأ ثنائي بحت: حيث يكتفي فقط بحساب عدد المرات التي زادت فيها قيم القياس الثاني عن الأول (+) وعدد المرات التي انخفضت فيها (-)، متجاهلاً تماماً الحجم العددي أو المقدار النسبي لتلك الفروق. ولهذا السبب، يُعد اختبار الإشارة اختباراً ثنائي الحدين (Binomial Test) ضعيف القوة الإحصائية مقارنة باختبار ويلكوكسون.
يوضح الجدول المقارن التالي أبرز الفروق المنهجية بين الاختبارين:
- حساسية الاختبار للمعلومات: اختبار ويلكوكسون يستغل معلومات الاتجاه والحجم النسبي للفرق معاً، بينما يقتصر اختبار الإشارة على اتجاه الفرق فقط.
- القوة الإحصائية (Power): يتمتع اختبار ويلكوكسون بقوة إحصائية أعلى بكثير، مما يجعله أكثر قدرة على اكتشاف الفروق الحقيقية ومنع أخطاء النوع الثاني.
- الافتراضات المسبقة: يتطلب اختبار ويلكوكسون افتراض التماثل التقريبي لتوزيع الفروق ليكون اختباراً دقيقاً للوسيط، بينما لا يتطلب اختبار الإشارة أي افتراضات شكلية حول توزيع الفروق، مما يجعله الملاذ الوحيد فقط عندما يكون توزيع الفروق ملتوياً التواءً شديداً وغير متماثل بصورة مطلقة.
11. كتابة وتوثيق النتائج وفق معايير الجمعية الأمريكية لعلم النفس (APA)
11.1 المكونات الأساسية لفقرة النتائج الإحصائية
تضع جمعية علم النفس الأمريكية (APA) في دليلها السابع معايير صارمة وواضحة لكيفية توثيق وعرض نتائج الاختبارات الإحصائية اللامعلمية داخل التقارير الأكاديمية والمجلات العلمية المحكمة. لضمان اكتمال التقرير الإحصائي لاختبار ويلكوكسون، يجب أن تتضمن فقرة النتائج العناصر المنهجية التالية بالترتيب والتفصيل:
- تحديد الاختبار الإحصائي المستخدم صراحة ومبرر اللجوء إليه (مثل: عدم استيفاء شرط الاعتدالية وفق اختبار شابيرو-ويلك).
- عرض المقاييس الوصفية اللامعلمية لكلا القياسين بشكل منفصل، متضمنة الوسيط (Median) والمدى الربيعي (Interquartile Range – IQR)، بدلاً من الاقتصار على المتوسط الحسابي والانحراف المعياري.
- توثيق اتجاه التغير الرتبي من خلال ذكر عدد الحالات ذات الفروق الموجبة والسالبة والمتعادلة، ومجموع الرتب المقابل لكل فئة.
- كتابة السلسلة الرمزية الموحدة للاختبار الاستدلالي والتي تتضمن: الدرجة المعيارية
z، القيمة الاحتمالية الدقيقةp(مكتوبة بثلاث خانات عشرية دون وضع صفر قبل الفاصلة: مثلp = .003)، وحجم الأثر المحسوبrمصحوباً بالتفسير النوعي لقوته (أثر صغير، متوسط، أو كبير).
11.2 نماذج صياغة أكاديمية للنتائج باللغة العربية والإنجليزية
لتسهيل مهمة الباحثين في صياغة تقاريرهم العلمية، نقدم فيما يلي نماذج تطبيقية معيارية معدة للنشر الأكاديمي المباشر لصياغة نتائج اختبار ويلكوكسون باللغتين العربية والإنجليزية:
النموذج التطبيقي باللغة العربية:
“أُجري اختبار ويلكوكسون للرتب الموقعة (Wilcoxon Signed Rank Test) لتقييم أثر البرنامج العلاجي المعرفي السلوكي في خفض درجات القلق لدى أفراد العينة (N = 20). أظهرت النتائج الإحصائية وجود انخفاض دال إحصائياً في مستويات القلق لدى المشاركين بعد تطبيق البرنامج (الوسيط = 18.50، المدى الربيعي = 6.00) مقارنة بمستويات القلق المقاسة قبلياً (الوسيط = 32.00، المدى الربيعي = 7.50)، حيث بلغت قيمة الدرجة المعيارية (z = -3.824, p < .001). وقد أظهرت الفروق الرتبية تفوقاً واضحاً للرتب السالبة، حيث انخفضت درجات القلق لدى 18 مشاركاً، بينما حافظ مشاركان على نفس الدرجة. وبلغ حجم الأثر المحسوب (r = .605)، وهو ما يمثل حجماً كبيراً للأثر وفق محكات كوهين، مما يؤكد الفاعلية الإكلينيكية البارزة للبرنامج التدخلي."
النموذج التطبيقي باللغة الإنجليزية (APA 7th Edition):
“A Wilcoxon signed-rank test was conducted to determine the effect of the cognitive behavioral intervention on participants’ anxiety levels (N = 20). The results indicated a statistically significant reduction in post-intervention anxiety scores (Mdn = 18.50, IQR = 6.00) compared to pre-intervention baseline scores (Mdn = 32.00, IQR = 7.50), z = -3.82, p < .001, with a large effect size, r = .61. Negative ranks dominated the distribution, with 18 participants exhibiting decreased anxiety, zero showing increases, and two ties."
11.3 الأخطاء الشائعة في كتابة تقارير الاختبارات اللامعلمية
يقع العديد من الباحثين وطلاب الدراسات العليا في أخطاء منهجية متكررة عند كتابة وتوثيق نتائج الاختبارات اللامعلمية. ومن أبرز هذه الأخطاء التي ينبغي تجنبها بعناية:
- تقديم المتوسط الحسابي والانحراف المعياري بمفردهما: يُعد تقديم المتوسطات الحسابية فقط مع اختبار ويلكوكسون تناقضاً منهجياً صريحاً، لأن الاختبار لا يقارن المتوسطات بل يقارن الرتب والوسيط. يجب دائماً تقديم الوسيط والمدى الربيعي كمؤشرات مركزية وتشتت أساسية.
- إغفال حساب وذكر حجم الأثر (Effect Size): يكتفي الكثير من الباحثين بذكر القيمة الاحتمالية
p < 0.05دون حساب معاملr، وهو ما يتعارض مع معايير النشر في المجلات الدولية المصنفة في قواعد بيانات مثل Scopus و Web of Science. - كتابة القيمة الاحتمالية بصيغ غامضة: تجنب كتابة صيغ غير دقيقة مثل
p = 0.000، حيث يجب كتابتها بالصيغة المعتمدةp < .001عندما تكون القيمة بالغة الصغر، وكتابة القيمة الدقيقة المحددة للأرقام الأخرى (مثل:p = .038بدلاً منp < 0.05). - الخلط المفاهيمي بين الاختبارات: الخلط في التسمية أو التوثيق بين اختبار ويلكوكسون للعينات المزدوجة (Wilcoxon Signed Rank) واختبار مان-ويتني للعينات المستقلة (Mann-Whitney U / Wilcoxon Rank Sum Test)، حيث يختص الأول بالعينات المرتبطة بينما يختص الثاني بمقارنة مجموعتين مستقلتين تماماً.
12. دراسة حالة تطبيقية متكاملة وتوصيات منهجية
12.1 سيناريو دراسة نفسية: قياس القلق قبل وبعد برنامج تدخلي
لتجسيد كافة المفاهيم والأوامر البرمجية السابقة في سياق بحثي متكامل وواقعي، نفترض السيناريو التجريبي التالي: قام باحث في علم النفس الإكلينيكي بتصميم برنامج تدخلي قائم على تقنيات اليقظة الذهنية (Mindfulness-Based Stress Reduction) يستهدف خفض أعراض قلق الاختبار لدى عينة من طلاب المرحلة الجامعية قوامها 15 طالباً. تم قياس درجات القلق قبل تطبيق البرنامج بأسبوع باستخدام مقياس ترتيبي مقنن (تتراوح درجاته من 10 إلى 50 نقطة)، ثم أعيد تطبيق نفس المقياس على نفس الطلاب بعد إتمام البرنامج التدريبي الذي استمر لمدة 6 أسابيع متواصلة.
نظراً لصغر حجم العينة (N = 15) وعدم استيفاء فروق الدرجات لاقتراض التوزيع الطبيعي وفق المؤشرات الاستكشافية الأولية، قرر الباحث استخدام اختبار ويلكوكسون للرتب الموقعة في ستاتا لاختبار الفرضية الصفرية القائلة بعدم وجود فرق دال إحصائياً بين وسيطي درجات القلق في القياسين القبلي والبعدي.
12.2 كود ستاتا الكامل للتحليل من الاستيراد حتى استخراج النتائج
فيما يلي النص البرمجي الكامل والمنظم لملف الأوامر (Do-file)، والذي يتضمن كافة الخطوات المتسلسلة من إنشاء البيانات الافتراضية، والتحقق من التوزيع، وتنفيذ الاختبار، وحساب حجم الأثر، وإنشاء المخطط البياني المعتمد:
// 1. مسح الذاكرة وضبط الإعدادات الأولية
clear all
set more off
// 2. إدخال بيانات دراسة القلق (15 مشاركاً)
input id pre_anxiety post_anxiety
1 38 24
2 42 28
3 35 30
4 40 22
5 45 35
6 33 33
7 48 31
8 39 27
9 41 29
10 36 34
11 44 26
12 37 37
13 46 32
14 43 25
15 39 28
end
// 3. تسمية المتغيرات وتوصيفها
label variable pre_anxiety "درجة القلق في القياس القبلي"
label variable post_anxiety "درجة القلق في القياس البعدي"
// 4. توليد متغير الفروق وفحص التوزيع
gen diff = post_anxiety - pre_anxiety
label variable diff "فروق درجات القلق (بعدي - قبلي)"
summarize pre_anxiety post_anxiety diff, detail
swilk diff
// 5. إنشاء المخططات البيانية الاستكشافية
histogram diff, kdensity normal title("توزيع فروق درجات القلق") xtitle("الفروق")
graph box pre_anxiety post_anxiety, title("مقارنة مستويات القلق قبل وبعد البرنامج") ytitle("درجة القلق")
// 6. تنفيذ اختبار ويلكوكسون للرتب الموقعة
signrank post_anxiety = pre_anxiety
// 7. حساب واستخراج حجم الأثر r برمجياً
scalar z_score = r(z)
scalar total_obs = r(N) * 2
scalar effect_r = abs(z_score) / sqrt(total_obs)
scalar r2_val = effect_r^2
display _newline
display "====== النتائج الإحصائية وحجم الأثر ======"
display "قيمة الدرجة المعيارية (Z-Score): " z_score
display "معامل حجم الأثر اللامعلمي (r): " effect_r
display "معامل التفسير النسبي (r-squared): " r2_val
display "========================================"
12.3 توصيات ومحاذير منهجية للباحثين والمحللين
لضمان الاستخدام الأمثل والمسؤول لاختبار ويلكوكسون للرتب الموقعة في البحوث الميدانية، يُوصى باتباع الإرشادات والمحاذير المنهجية التالية:
- عدم التسرع في اللجوء للاختبارات اللامعلمية: يجب ألا يتحول الاختبار اللامعلمي إلى ملاذ تلقائي دون فحص فعلي للاعتدالية؛ فعندما تستوفي البيانات شروط التوزيع الطبيعي ومستوى القياس الفتري، يظل اختبار “ت” المعلمي هو الخيار الأكثر كفاءة وقدرة على بناء فترات ثقة دقيقة للمتوسطات.
- التحقق المستمر من موثوقية وثبات الأدوات القياسية: إن استخدام اختبارات إحصائية متقدمة في ستاتا لا يعوض القصور الكامن في أدوات جمع البيانات ذات الثبات المتدني أو الصدق الضعيف. يجب التأكد مسبقاً من الخصائص السيكومترية لأدوات القياس المطبقة.
- فحص تماثل توزيع الفروق بدقة: احرص دائماً على فحص تماثل شكل توزيع الفروق بصرياً وإحصائياً قبل تفسير نتائج الاختبار بدلالة “وسيط الفروق” لتجنب الوقوع في أخطاء الاستدلال التفسيري.
- التوثيق المتكامل للشفرات البرمجية: احتفظ دائماً بملفات Do-files كاملة وموثقة توثيقاً دقيقاً لضمان إمكانية تكرار التحليل ومراجعته من قبل المحكمين والباحثين الآخرين تعزيزاً لمبادئ النزاهة والشفافية العلمية.
خاتمة
يمثل اختبار ويلكوكسون للرتب الموقعة أداة تحليلية بالغة الأهمية والمرونة في ترسانة المنهجية الإحصائية الحديثة، حيث يجمع بين الرصانة الرياضية والقدرة على تجاوز القيود الصارمة المفروضة على النماذج المعلمية الكلاسيكية. ومن خلال توظيف القدرات البرمجية والحسابية العالية لبرنامج ستاتا (Stata)، يستطيع الباحثون في العلوم النفسية، الاجتماعية، والطبية إجراء هذا الاختبار المعقد بمنتهى السلاسة والسرعة، مع الحصول على مؤشرات إحصائية دقيقة تضمن سلامة القرارات العلمية.
وقد أوضح هذا الدليل المتكامل أن النجاح في تطبيق الاختبار لا يقتصر فقط على كتابة أمر signrank، بل يمتد ليشمل الفهم المعمق لمنطق الرتب، والتحقق الاستكشافي المسبق من التوزيع والتماثل، وحساب وتفسير حجم الأثر المكمل للقيمة الاحتمالية، وصولاً إلى الصياغة الأكاديمية الاحترافية للنتائج المتوافقة مع المعايير الدولية المعاصرة (APA 7th). إن الالتزام بهذه الضوابط المنهجية والإجرائية يضمن رفع جودة وموثوقية البحوث المنشورة ويسهم في تعزيز البناء المعرفي التراكمي في مختلف الميادين العلمية.
References
- Acock, A. C. (2018). A Gentle Introduction to Stata (6th ed.). Stata Press. https://www.stata-press.com/books/gentle-introduction-to-stata/
- American Psychological Association. (2020). Publication Manual of the American Psychological Association (7th ed.). American Psychological Association. https://doi.org/10.1037/0000165-000
- Cohen, J. (1988). Statistical Power Analysis for the Behavioral Sciences (2nd ed.). Lawrence Erlbaum Associates. https://www.routledge.com/Statistical-Power-Analysis-for-the-Behavioral-Sciences/Cohen/p/book/9780805802832
- Conover, W. J. (1999). Practical Nonparametric Statistics (3rd ed.). John Wiley & Sons. https://www.wiley.com/en-us/Practical+Nonparametric+Statistics%2C+3rd+Edition-p-9780471160687
- Field, A. (2018). Discovering Statistics Using IBM SPSS Statistics (5th ed.). SAGE Publications. https://uk.sagepub.com/en-gb/eur/discovering-statistics-using-ibm-spss-statistics/book257688
- Holland, C., & Wolfe, D. A. (1999). Nonparametric Statistical Methods (2nd ed.). John Wiley & Sons. https://doi.org/10.1002/9781118556436
- Rosenthal, R. (1991). Meta-Analytic Procedures for Social Research (Rev. ed.). SAGE Publications. https://doi.org/10.4135/9781412984997
- Siegel, S., & Castellan, N. J. (1988). Nonparametric Statistics for the Behavioral Sciences (2nd ed.). McGraw-Hill. https://www.mheducation.com/
- StataCorp. (2023). Stata Base Reference Manual Release 18: signrank — Wilcoxon signed-rank test. Stata Press. https://www.stata.com/manuals/rsignrank.pdf
- Wilcoxon, F. (1945). Individual comparisons by ranking methods. Biometrics Bulletin, 1(6), 80–83. https://doi.org/10.2307/3001968