علم النفس الإعلامينظريات الاتصال الجماهيري

نظرية وضع الأجندة – ماكسويل ماكومبس ودونالد شو

تحليل أكاديمي شامل لنظرية وضع الأجندة لماكسويل ماكومبس ودونالد شو، يشمل دراسة تشابل هيل، المستويات الإدراكية، الآليات النفسية، والتطبيقات الرقمية المعاصرة.

تاريخ النشر

تُعد نظرية وضع الأجندة (Agenda-Setting Theory)، التي أرسى دعائمها العالمان ماكسويل ماكومبس (Maxwell McCombs) ودونالد شو (Donald Shaw) في أواخر ستينيات القرن العشرين، واحدة من أعظم المنعطفات الإبستمولوجية في تاريخ بحوث الاتصال الجماهيري والرأي العام؛ إذ أعادت هندسة الفهم السائد حول طبيعة التأثير الإعلامي وقوته في بناء الواقع وتوجيه الإدراك البشري. فبعد عقود من التجاذب النظري الحاد بين فرضية التأثيرات القوية والمباشرة الموروثة من بدايات القرن العشرين، ونموذج التأثيرات المحدودة الذي ساد في منتصفه، جاءت هذه النظرية لتقدم إطاراً معرفياً يركز على الوظيفة الإدراكية والتراكمية للإعلام، مؤكدة أن قوة الصحافة لا تكمن بالضرورة في إملاء ما يجب أن يعتقده الجمهور من آراء ومواقف إيجابية أو سلبية، بل في قدرتها الفائقة على هندسة سلم أولويات القضايا العامة وتحديد الموضوعات الجديرة بالاهتمام والتفكير والنقاش داخل الفضاء العمومي.

انطلقت النظرية من فرضية مفادها أن وسائل الإعلام الإخبارية لا تنقل الواقع الموضوعي كما هو بحيادية مطلقة، بل تقوم بعملية إعادة بناء وانتقاء وتنظيم مكثف لأحداث العالم الخارجي، مما يخلق ما يُعرف بالبيئة الإدراكية المصطنعة أو الواقع الرمزي البديل. ومن خلال التكرار وإبراز بعض القضايا ومنحها مساحات زمنية ومكانية بارزة في صدارة النشرات والصفحات الأولى مع تهميش قضايا أخرى، تنتقل الأهمية النسبية لتلك الموضوعات تدريجياً وبصورة منهجية من الأجندة الإخبارية إلى الأجندة الذهنية للجمهور. وقد تحول هذا الطرح الأولي عبر أكثر من خمسة عقود من البحث التجريبي المعمق من مجرد دراسة مسحية تجريبية في بلدة أمريكية صغيرة إلى مظلة نظرية كبرى متعددة المستويات، تفسر ديناميكيات تشكيل الوعي الجمعي في النظم الديمقراطية والتسلطية على حد سواء.

تتجاوز أهمية نظرية ترتيب الأولويات حدود الوصف الإمبريقي للعملية الاتصالية؛ لتشكل مدخلاً تفسيرياً لعلاقات القوة، وتوزيع الانتباه الاجتماعي، وصناعة القرار السياسي والسياساتي في المجتمعات الحديثة والمعاصرة. وفي هذا المقال الموسوعي الشامل، سنستعرض بعمق تحليلي وتأصيلي كافة الأبعاد التاريخية، والمنهجية، والمعرفية، والنفسية لهذه النظرية، متتبعين مسارها منذ جذورها الفلسفية الأولى ودراسة تشابل هيل التأسيسية، مروراً بتطور مستوياتها الثلاثة من بروز الموضوعات إلى الأجندة الشبكية المعقدة، ووصولاً إلى تحدياتها المعاصرة في عصر الخوارزميات والذكاء الاصطناعي وتفتت الفضاء الاتصالي الرقمي.

1. مدخل تأصيلي لنظرية وضع الأجندة وسياقها التاريخي

1.1 الجذور الفلسفية والمعرفية لنظرية ترتيب الأولويات

تعود الجذور الفكرية العميقة لنظرية وضع الأجندة إلى الأطروحات الفلسفية والنقدية التي تناولت إشكالية إدراك الواقع وطبيعة المعرفة الإنسانية في المجتمعات الصناعية الحديثة. ويبرز في صدارة هذا التأصيل الفكري كتاب الرأي العام (Public Opinion) الذي أصدره المفكر والصحفي الأمريكي والتر ليبمان (Walter Lippmann) عام 1922. طرح ليبمان في عمله التأسيسي مفهوماً محورياً وهو “البيئة الزائفة” أو الواقع الرمزي الوسيط (Pseudo-environment)، مؤكداً أن العالم الحقيقي المحيط بالإنسان معقد للغاية، ومتغير، وبعيد جغرافياً وثقافياً عن متناول الملاحظة المباشرة للأفراد العاديين.

وبناءً على ذلك، يضطر الإنسان إلى الاعتماد على الصور الذهنية التي يصنعها في عقله عن العالم الخارجي؛ وهي صور لا تنشأ من الاحتكاك المباشر بالأحداث، بل تتشكل عبر الرسائل التي تبثها وسائل الاتصال الجماهيري. ووفقاً لتحليل ليبمان، فإن السلوك الإنساني هو استجابة مباشرة لتلك البيئة الزائفة وليس للواقع الفعلي، مما يجعل من يتحكم في صناعة تلك الصور الرمزية متحكماً عملياً في تشكيل الرأي العام وتوجيه ردود أفعاله الجمعية وسلوكه الانتخابي والاجتماعي.

تعزز هذا الاتجاه الفكري بعد أربعة عقود من خلال الملاحظة الإبستمولوجية البليغة التي صاغها عالم العلوم السياسية برنارد كوهين (Bernard Cohen) في كتابه المنشور عام 1963 بعنوان “الصحافة والسياسة الخارجية”. سطر كوهين عبارته التاريخية التي تحولت لاحقاً إلى النواة الصلبة التي بُنيت عليها فرضية ماكومبس وشو، حيث قال إن الصحافة في معظم الأوقات قد لا تنجح في إخبار الناس بما يجب أن يفكروه (أي فرض آراء ومواقف محددة)، لكنها تنجح بنجاح مذهل في إخبار قرائها بما يجب أن يفكروا بشأنه (Tell them what to think about). شكلت هذه المقولة الحد الفاصل بين دراسات الإقناع الكلاسيكية التي كانت تبحث عن التأثير في الاتجاهات والمواقف النفسية، وبين الدراسات المعرفية الإدراكية التي تركز على توجيه الانتباه وترتيب سلم الاهتمامات الحيوية للأفراد والمجتمعات.

أفضى هذا التحول إلى إحداث قطيعة معرفية مع النموذج السلوكي البسيط القائم على فرضية “الرصاصة السحرية” أو “الحقنة الشرجية تحت الجلد”، والتي كانت تفترض تأثيراً مباشراً، وفورياً، ومتطابقاً للرسالة الإعلامية على الجماهير المتلقية السلبية. وبدلاً من ذلك، دشنت كتابات ليبمان وملاحظة كوهين الانتقال نحو نموذج التأثيرات المعرفية التراكمية متوسطة وطويلة المدى؛ حيث يُنظر إلى وسائل الإعلام كبنى مؤسسية تعيد تنظيم البنية الإدراكية للمجتمع عبر الزمن، من خلال إبراز ملفات سياسية واقتصادية معينة وإخفاء ملفات أخرى، مما يحدد مسارات الجدل العام دون الحاجة إلى ممارسة وصاية أيديولوجية فجة ومباشرة.

1.2 البيئة العلمية والاتصالية في أواخر الستينيات

شهدت الأوساط الأكاديمية الأمريكية في أواخر الستينيات أزمة منهجية ونظرية حادة في حقل دراسات الاتصال والعلوم السياسية. كانت تلك الفترة محكومة بهيمنة مطلقة لـ “نموذج التأثيرات المحدودة” (Limited Effects Paradigm) الذي صاغه رواد مدرسة كولومبيا للعلوم الاجتماعية، وعلى رأسهم بول لازارسفيلد (Paul Lazarsfeld) وجوزيف كلوبر (Joseph Klapper) في كتابه المرجعي الصادر عام 1960 “تأثيرات الاتصال الجماهيري”. كان هذا النموذج يجادل بأن وسائل الإعلام نادراً ما تغير آراء الناس أو توجهاتهم السياسية، وأن وظيفتها الأساسية تقتصر على تدعيم الآراء السابقة بفعل عمليات التعرض الانتقائي، والإدراك الانتقائي، والتأثير القوي لقادة الرأي والعلاقات الشخصية المباشرة.

إلا أن هذا التفسير الأكاديمي السائد بدأ يصطدم بعجز صارخ عن تفسير التحولات الاجتماعية والسياسية العاصفة التي اجتاحت الولايات المتحدة والعالم الغربي في النصف الثاني من الستينيات؛ مثل تصاعد الاحتجاجات ضد حرب فيتنام، واحتدام حركة الحقوق المدنية، والاغتيالات السياسية المتتالية، والانفجار الثقافي لجيل الشباب. كانت هذه الأحداث تُنقل لحظياً ومباشرة عبر شاشات التلفزيون إلى ملايين المنازل، مسببة تحولات جذرية وسريعة في المزاج العام لا يمكن لنموذج التأثيرات المحدودة تفسيرها بالاعتماد فقط على شبكات العلاقات الأولية والتعرض الانتقائي.

تزامن ذلك مع التحول الهيكلي العميق في المشهد الاتصالي والمتمثل في صعود التلفزيون كوسيط إخباري مهيمن بلا منازع في تشكيل الوعي الجمعي وإدارة الحملات الانتخابية. أتاح التلفزيون نقل المشاهد المصورة بالصوت والصورة مع فرض تركيز مكثف على أحداث وشخصيات معينة، مما وفر شحنة عاطفية وإدراكية غير مسبوقة للمحتوى الإخباري اليومي. لم يعد الناخب الأمريكي يقرأ ملخصات متوازنة في الصحف الحزبية المحلية، بل بات يتعرض لجرعات يومية موحدة من الأخبار المتلفزة عبر الشبكات الوطنية الثلاث الكبرى (CBS, NBC, ABC)، والتي كانت تركز على أولويات موحدة تقريباً في نشراتها المسائية.

خلقت هذه المعطيات حاجة ملحة لدى الباحثين لتطوير أدوات منهجية وأطر نظرية جديدة قادرة على رصد وتفسير كيفية تقاطع المحتوى الإعلامي مع البنية المعرفية والإدراكية للجماهير؛ بعيداً عن ثنائية “التأثير الكلي” الساذج أو “التأثير المنعدم” المفرط في التبسيط. تبلورت القناعة بأن وسائل الإعلام قد لا تمتلك القدرة المطلقة على تغيير انتماءات الناخبين الحزبية الراسخة بين عشية وضحاها، لكنها تمتلك سلطة غير مقيدة تقريباً في تحديد القضايا والأزمات التي تُبنى على أساسها قرارات هؤلاء الناخبين وتقييماتهم لأداء المرشحين والنظم الحاكمة.

2. السيرة الأكاديمية والمنهجية لماكسويل ماكومبس ودونالد شو

2.1 ماكسويل ماكومبس: المسار الفكري والإسهامات البحثية

يُمثل ماكسويل ماكومبس (Maxwell E. McCombs) أحد أبرز المنظرين في علم الاتصال الجماهيري في النصف الثاني من القرن العشرين. بدأ مسيرته المعرفية بالحصول على درجة البكالوريوس في الأدب والرياضيات، مما منحه أساساً تحليلياً متيناً يجمع بين الحس الإنساني والدقة الإحصائية الصارمة. انتقل بعدها لدراسة الاتصال في معهد بحوث الاتصال الشهير في جامعة ستانفورد، حيث نال درجتي الماجستير والدكتوراه، متأثراً بالتقاليد المنهجية الرائدة التي أرساها علماء بارزون هناك مثل ويلبر شرام ونيل برودور.

ركز ماكومبس اهتمامه البحثي المبكر على دراسة السلوك الانتخابي وتدفق المعلومات عبر الوسائط المتعددة، وتحديداً كيفية انتقال البروز المعرفي (Cognitive Salience) من المؤسسات الإخبارية إلى الأفراد. عمل على صياغة الأطر الرياضية والمفاهيمية التي تحول الفرضيات الفلسفية المجردة حول “الصور في رؤوسنا” إلى متغيرات قابلة للقياس الإمبريقي الدقيق عبر أدوات التحليل الكمي للمحتوى والمسوح الميدانية للرأي العام.

قاد ماكومبس طوال مسيرته الأكاديمية، لا سيما أثناء عمله الطويل أستاذاً في جامعة تكساس في أوستن (UT Austin)، مئات المشروعات البحثية الدولية الرامية إلى اختبار صلاحية النظرية خارج السياق الأمريكي؛ فشملت أبحاثه المقارنة دولاً من أوروبا وآسيا وأمريكا اللاتينية. أثبتت هذه الدراسات العالمية أن آلية ترتيب الأولويات تمثل ظاهرة اتصالية إنسانية عابرة للثقافات والأنظمة السياسية المتنوعة، مما رسخ اسمه كأحد أكثر علماء الإعلام استشهاداً في الأدبيات الأكاديمية العالمية.

2.2 دونالد شو: التكامل المنهجي والصحافة التاريخية

تميز دونالد شو (Donald Lewis Shaw) بمسار أكاديمي غني يجمع بين الممارسة الصحفية الاحترافية والعمق التاريخي والتحليلي. بعد حصوله على درجاته العلمية المتقدمة في الصحافة والتاريخ من جامعة ويسكونسن-ماديسون، استقر في كلية الصحافة والإعلام بـ جامعة كارولاينا الشمالية في تشابل هيل (UNC-Chapel Hill)، حيث كرس جهوده لفهم تطور الصحافة الأمريكية وأدوارها الوظيفية في التحولات الديمقراطية.

قدم شو إسهامات جوهرية في تطوير أدوات التحليل الإحصائي المتقدم لقياس درجة التوافق والتطابق بين الأجندة الإخبارية المحللة كمياً وأجندة الجمهور المستخرجة من الاستبيانات الميدانية. تميزت رؤيته بالتركيز على السياق التاريخي لتطور تقنيات النشر والبث وتأثيراتها البنيوية على تشكيل الرأي العام وتماسك المجتمعات.

وسع شو لاحقاً النطاق النظري لنموذج وضع الأجندة من خلال صياغة مفاهيم متقدمة مثل “أجندات الاندماج الاجتماعي” (Integrating Agendas) و”مجتمعات الإجماع” (Consensus Communities). جادل بأن وسائل الإعلام التقليدية الكبرى تؤدي وظيفة غراء اجتماعي ومعرفي يجمع أفراد المجتمع غير المتجانسين حول منظومة موحدة من القضايا الوطنية، مما يحمي الدولة والمجتمع من مخاطر التفكك والانعزال الإدراكي والتشرذم الفئوي.

2.3 الشراكة البحثية وديناميكية التعاون المعرفي

بدأت واحدة من أخصب الشراكات العلمية في تاريخ العلوم الاجتماعية عندما التقى ماكسويل ماكومبس ودونالد شو كأستاذين شابين في كلية الصحافة بجامعة كارولاينا الشمالية في تشابل هيل عام 1967. جمعت بينهما الرغبة في كسر الجمود المنهجي الذي فرضته مدرسة التأثيرات المحدودة، وتطوير تصميم بحثي رصين قادر على حسم الجدل التاريخي حول طبيعة التأثير الإعلامي في الانتخابات الرئاسية المعقدة.

شهدت هذه الشراكة توزيعاً للأدوار وتكاملاً بين خلفية ماكومبس في القياس النفسي-الاجتماعي وتصميم الدراسات الإدراكية، وخبرة شو المعمقة في التحليل الببليومتري والتاريخي لمحتوى الرسائل الصحفية وأساليب المعالجة التحريرية. هذا التناغم المنهجي أتاح لهما بناء تصميم دراسة محكم جمع بين التحليل الكمي الموسع للصحف والتلفزيون والمسح الميداني للناخبين في توقيت متزامن.

لم تتوقف هذه الشراكة التاريخية عند دراستهما التأسيسية الأولى، بل استمر التعاون عبر عقود متتالية من التأليف المشترك للأوراق المحكمة والكتب المرجعية؛ مثل كتابهما الشهير “ظهور القضايا السياسية الأمريكية: وظيفة وضع الأجندة للصحافة” (The Emergence of American Political Issues) الصادر عام 1977. واصلا معاً الإشراف على أجيال من الباحثين وتطوير الطبعات المتتالية وتحديثات النظرية لتستوعب التطورات التكنولوجية المتلاحقة حتى مطلع القرن الحادي والعشرين.

3. دراسة تشابل هيل 1968: التجربة التأسيسية ومنهجيتها

3.1 التصميم التجريبي والمجتمع الإحصائي للدراسة

خلال الانتخابات الرئاسية الأمريكية التاريخية عام 1968—والتي تنافس فيها الجمهوري ريتشارد نيكسون مع الديمقراطي هيوبرت همفري والمرشح المستقل جورج والاس—أجرى ماكومبس وشو دراستهما الميدانية التأسيسية في بلدة تشابل هيل بولاية كارولاينا الشمالية. تميز التصميم التجريبي للدراسة بدقة منهجية هدفت إلى عزل المتغيرات الدخيلة والتحيزات المسبقة التي طالما شوشت على دراسات التأثير السابقة.

اختار الباحثان عينة عشوائية مكونة من 100 ناخب تم انتقاؤهم وفق معيار دقيق ومحدد: أن يكونوا من الناخبين غير المحسومين حزبياً أو المستقلين (Undecided/Uncommitted Voters). كان الهدف الأساسي من استبعاد المصوتين الملتزمين أيديولوجياً بالولاء لأحد الأحزاب هو تحييد أثر آليات “الدفاع الإدراكي” (Selective Exposure and Perception)؛ حيث يميل الحزبيون المتعصبون إلى متابعة وتصديق وسائل الإعلام الداعمة لمرشحيهم فقط وتجاهل ما سواها.

تم جمع البيانات الميدانية عبر مقابلات شخصية متعمقة خلال شهري سبتمبر وأكتوبر من عام 1968، بالتزامن الدقيق مع ذروة الحملات الانتخابية وتكثيف التغطيات الإخبارية. أتاح هذا التوقيت للباحثين رصد التفاعل الحي بين ما تبثه وسائل الإعلام يومياً وما يستقر في عقول هؤلاء الناخبين المستقلين كقضايا جوهرية حاسمة ستحدد خياراتهم النهائية في صناديق الاقتراع.

3.2 منهجية تحليل المحتوى الإعلامي وأجندة الجمهور

تضمنت المنهجية البحثية مسارين تحليليين متوازيين خضعا لتقنين صارم. ركز المسار الأول على إجراء تحليل محتوى كمي لـ 9 وسائل إعلامية رئيسية يتابعها مجتمع الدراسة وتصل إلى بلدة تشابل هيل بانتظام، وشملت الصحف اليومية المحلية والوطنية الكبرى (مثل New York Times وDurham Morning Herald)، والمجلات الإخبارية الأسبوعية الرائدة (Time وNewsweek)، إضافة إلى نشرات الأخبار المسائية اليومية للشبكات التلفزيونية الوطنية الثلاث (NBC, CBS, ABC).

قام الباحثان بتصنيف المواد الإخبارية المتعلقة بالحملة الانتخابية إلى فئات موضوعية محددة وفق معايير مساحية وزمنية تقيس مدى إبراز الخبر؛ حيث اعتُبرت المواد في الصفحة الأولى من الصحف، أو القصص الإخبارية الافتتاحية في النشرات التلفزيونية، أو المقالات التي تتجاوز مساحتها ثلاثة أعمدة في المجلات، “أخباراً رئيسية بالغة البروز”، بينما صُنفت المواد ذات المساحات الأقل كمواد ثانوية.

في المقابل، صُمم المسار الثاني لاستخراج الأجندة الحقيقية للجمهور دون ممارسة أي نوع من التوجيه أو الإيحاء المسبق؛ إذ وُجه للناخبين سؤال مفتوح مباشر يطلب منهم تحديد القضايا السياسية والاجتماعية الكبرى الأكثر إلحاحاً وأهمية بالنسبة لهم في هذه الانتخابات، بغض النظر عما يطرحه المرشحون في خطاباتهم الرسمية. جرى بعد ذلك ترميز إجابات المبحوثين وتجميعها ضمن نفس الفئات الموضوعية المستخدمة في تحليل المحتوى الإعلامي (مثل: حرب فيتنام، الحقوق المدنية، التضخم الاقتصادي، القانون والنظام، والسياسة الخارجية).

3.3 النتائج الإحصائية وتأكيد فرضية الارتباط القوي

أسفرت المعالجة الإحصائية للبيانات عن نتائج لافتة أحدثت دوياً واسعاً في الأوساط الأكاديمية؛ حيث سجل الباحثان معامل ارتباط سبيرمان للرتب (Spearman’s Rank Correlation Coefficient – $r_s$) وصل إلى مستويات استثنائية بلغت (+0.97) بين الترتيب التنازلي لأهمية القضايا في التغطية الإخبارية لوسائل الإعلام والترتيب التنازلي لأهمية القضايا لدى الناخبين المستقلين.

كشفت البيانات أن القضايا التي حظيت بأعلى نسبة من التغطية والمساحات الزمنية في الإعلام (وعلى رأسها حرب فيتنام والاضطرابات المدنية الداخلية) كانت هي ذاتها القضايا التي صنفها الناخبون كأولويات وطنية قصوى. ولم يقتصر هذا التطابق على وسائل الإعلام مجتمعة، بل أظهر تحليل الوسائط الفردية معاملات ارتباط مرتفعة جداً تراوحت بين (+0.80) و(+0.96) عبر كافة الصحف والتلفزيونات المشمولة في المسح.

توجت هذه التجربة الرائدة بنشر الورقة المفصلية الشهيرة بعنوان “وظيفة وضع الأجندة لوسائل الإعلام الجماهيرية” (The Agenda-Setting Function of Mass Media) في مجلة Public Opinion Quarterly عام 1972. دشنت هذه الورقة الإطلاق الرسمي للنظرية كحقيقة إمبريقية موثقة، واضعة حجر الأساس لمئات الدراسات اللاحقة التي أعادت تكرار نفس التصميم المنهجي في بيئات وسياقات سياسية وثقافية شديدة التنوع حول العالم وحققت نتائج مطابقة.

4. المستويات الثلاثة لنظرية وضع الأجندة

4.1 المستوى الأول: وضع أجندة القضايا وبروز الموضوعات

يُمثل المستوى الأول لنظرية وضع الأجندة (First-Level Agenda Setting)، والمعروف بـ “وضع أجندة الموضوعات” (Object Salience)، الإطار التقليدي التأسيسي الذي تمحورت حوله أبحاث العقدين الأولين من ظهور النظرية. ينصب التركيز المعرفي في هذا المستوى على دراسة الكيفية التي تنتقل بها الأهمية النسبية للقضايا والموضوعات العامة من قائمة أولويات وسائل الإعلام إلى العقل الجمعي للجمهور.

تعتمد الآلية التشغيلية لهذا المستوى على التكرار والكثافة الزمنية والمكانية للتغطية؛ حيث يؤدي التركيز المستمر لوسائل الإعلام على قضية محددة (مثل أزمة الطاقة، البطالة، أو الرعاية الصحية) إلى رفع المكانة الإدراكية لتلك القضية في البنية المعرفية للمواطنين (Issue Salience). فكلما زاد حجم التغطية وارتفعت وتيرتها وموضعها في الصدارة الإخبارية، ازداد حجم الانتباه المعرفي الممنوح لها من قبل الأفراد.

يقدم هذا المستوى إجابة واضحة على التساؤل المعرفي والسياسي المحوري: “عن أي القضايا يفكر الجمهور ويتحدث؟” (What to think about). وهنا، يُنظر إلى الموضوع أو القضية كوحدة كلية مصمتة يتم نقل بروزها، دون الخوض في التفاصيل الدقيقة لكيفية تصوير ذلك الموضوع أو تفكيك خصائصه الفرعية وسماته الإدراكية.

4.2 المستوى الثاني: وضع أجندة الخصائص والتأطير المعرفي

مع تطور الأبحاث في أواخر الثمانينيات والتسعينيات، أدرك ماكومبس وزملاؤه أن القضايا والموضوعات ليست مجرد كيانات مجردة مجهولة المعالم، بل هي كتل معقدة تتكون من مجموعة واسعة من الخصائص والأبعاد والسمات الفرعية. من هنا نشأ المستوى الثاني للنظرية والمعروف بـ “وضع أجندة الخصائص” (Attribute Agenda-Setting)، والذي يفترض أن وسائل الإعلام لا تكتفي بنقل بروز القضية ككل، بل تنقل أيضاً بروز سمات وخصائص محددة لتلك القضية أو الشخصية العامة إلى أذهان الجماهير.

ميز الباحثون في هذا المستوى بين بعدين أساسيين للخصائص المنقولة:

  • الخصائص الإدراكية المعرفية (Cognitive Attributes): وتتعلق بالمعلومات والأوصاف الموضوعية، والحلول المقترحة، والأبعاد الفنية والوقائعية للقضية التي تبرزها التغطية الصحفية مع تجاهل أبعاد أخرى موازية.
  • الخصائص الوجدانية العاطفية (Affective Attributes): وتشمل النبرة الانفعالية والنغمات التقويمية (إيجابية، سلبية، أو محايدة) التي تغلف معالجة تلك السمات والصفات، مما يوجه المشاعر الجمعية للجمهور تجاه موضوع التغطية.

يتقاطع هذا المستوى تقاطعاً وثيقاً وجدلياً مع نظرية التأطير الإعلامي (Framing Theory)؛ حيث يتجاوز الإجابة عن سؤال “ماذا يفكر الجمهور بشأنه” لينخرط مباشرة في الإجابة عن: “كيف يفكر الجمهور في تلك القضايا وكيف يراها؟” (How to think about it). فعندما تغطي وسائل الإعلام قضية الهجرة عبر تسليط الضوء الحصري على سمة “التهديد الأمني ومعدلات الجريمة” وتغيب سمة “المساهمة الاقتصادية والتنوع الثقافي”، فإنها تنجح في نقل سمة أمنية محددة لتصبح هي المعيار المعرفي الحاكم لتقييم الجمهور لملف الهجرة برمته.

4.3 المستوى الثالث: وضع أجندة الشبكات والارتباطات الذهنية

شهد العقد الثاني من الألفية الثالثة قفزة نظرية كبرى تمثلت في تدشين المستوى الثالث لنظرية وضع الأجندة، والمعروف بنموذج “الأجندة الشبكية” (Network Agenda Setting Model – NAS)، والذي صاغه ماكومبس بالمشاركة مع الباحث لي قوه (Lei Guo) عام 2012. جاء هذا النموذج لتجاوز النظرة الخطية التقليدية التي كانت تتعامل مع القضايا أو السمات كوحدات معرفية منفصلة ومعزولة تُرتب في قوائم عمودية متتالية.

يقوم نموذج الأجندة الشبكية على استيعاب النظريات المعرفية الحديثة في علم الأعصاب والذكاء الاصطناعي، والتي تفترض أن المعرفة الإنسانية مخزنة في الذاكرة طويلة المدى على هيئة “شبكات عصبية مترابطة من العقد والروابط” (Associative Network Model of Memory). وبناءً على ذلك، يفترض هذا المستوى أن وسائل الإعلام تنقل إلى الجمهور شبكات متكاملة من العلاقات والارتباطات المتزامنة بين قضايا متعددة وسمات متنوعة في آن واحد (Bundles of issues and attributes).

وبالتالي، إذا قامت وسائل الإعلام الإخبارية بالربط المتكرر والمتزامن بين قضية “التغير المناخي” وسمات مثل “الكوارث الاقتصادية”، “الفساد السياسي”، و”الهجرة القسرية”، فإن العقل البشري لا يستقبل هذه المفردات كعناصر مستقلة، بل يستوعب الخريطة الهيكلية للارتباطات المتبادلة بينها ككتلة شبكية واحدة. أثبتت الدراسات التجريبية للمستوى الثالث وجود تطابق إحصائي مذهل بين مصفوفات الشبكات الإعلامية والشبكات العقلية الجمعية، مما يمنح وسائل الإعلام القدرة على إعادة تشكيل البنية الهيكلية المعقدة للمنظومة الفكرية لدى الجماهير.

5. الآليات والعمليات النفسية المعرفية للتأثير

5.1 نظرية سهولة الاسترجاع المعرفي وتنشيط الذاكرة

تعتمد نظرية وضع الأجندة في تفسير آليات تأثيرها الدقيقة على أدبيات علم النفس المعرفي، وتحديداً مفهوم “الاستثارة المعرفية والتمهيد الذهني” (Cognitive Priming) ومبدأ “سهولة الوصول والإتاحة للمعلومة” (Accessibility Principle). يفترض هذا المبدأ أن الذاكرة البشرية لا تمسح كافة المعلومات المتراكمة عبر السنين لاتخاذ حكم سياسي أو اجتماعي في لحظة معينة، بل تعتمد على المعلومات الأكثر حضوراً ونشاطاً في الذاكرة العاملة قصيرة المدى لحظة الاستدعاء.

تؤدي التغذية الإخبارية اليومية المكثفة لقضية ما إلى إبقاء العقد العصبية المرتبطة بتلك القضية في حالة استثارة وتنشيط دائم (Top of Mind). ونتيجة لذلك، يقل الجهد الذهني المطلوب لاستحضارها مقارنة بالموضوعات الأخرى الغائبة عن التغطية، مما يجعلها المرجع المعرفي التلقائي الذي يطفو فوراً على سطح الوعي عند سؤال الفرد عن رأيه في الشأن العام أو تقييمه للمشهد السياسي المحيط به.

يتحول البروز الإعلامي عبر هذه الآلية المعرفية السريعة إلى محدد تلقائي لعمليات التفكير؛ حيث يتعامل العقل البشري مع وفرة الرسائل الإعلامية حول موضوع ما كدليل غير مباشر على أهميته الموضوعية في العالم الخارجي، وهو ما يُعرف في علم النفس بـ “الاستدلال بالتوافر” (Availability Heuristic)، حيث يُقاس ثقل الحدث بمدى سهولة تذكر أمثلة عليه من الذاكرة القريبة المستمدة من الشاشات والصحف.

5.2 نموذج المعالجة المزدوجة وتقييم المعلومات

تتقاطع آليات وضع الأجندة بعمق مع نماذج المعالجة المعرفية المزدوجة للمعلومات، وأبرزها نموذج احتمالية التفصيل (Elaboration Likelihood Model – ELM) الذي طوره ريتشارد بيتي وجون كاسيوبو. يقدم هذا النموذج إطاراً لفهم كيفية تعامل الأفراد ذوي القدرات والدافعيات المتفاوتة مع الرسائل الإخبارية المعقدة.

بالنسبة للأفراد الذين يتبعون المسار السطحي أو الفرعي (Peripheral Route) في معالجة الأخبار—وهم يمثلون الشريحة الأوسع من الجمهور العام الذي لا يمتلك وقتاً كافياً أو دافعاً تخصصياً لتمحيص السياسات الاقتصادية والتشريعية المعقدة—تتحول أجندة وسائل الإعلام إلى معيار استدلالي حدسي جاهز (Heuristic Cue) يُغني عن التفكير النقدي المرهق؛ حيث يفترض هؤلاء تلقائياً أن القضايا التي تتصدر الأخبار هي حتماً القضايا الأكثر حساسية للمجتمع.

يمتد هذا التأثير ليعيد ضبط المعايير التي يُحاكم ويُقيّم الجمهور على أساسها أداء القيادات والمؤسسات السياسية؛ فإذا فرضت وسائل الإعلام ملف “التضخم وغلاء الأسعار” كقضية مهيمنة على التغطية، فإن الجمهور سيقوم بتقييم الرئيس أو الحكومة بناءً على أدائها في هذا الملف تحديداً متجاهلاً النجاحات المحققة في ملفات أخرى مثل السياسة الخارجية أو خفض معدلات الجريمة؛ لأن ملف التضخم هو المعيار المنشط إدراكياً لحظة التقييم.

5.3 الإدراك الجمعي وظاهرة الإجماع المتخيل

يتجاوز تأثير وضع الأجندة الإدراك الفردي الخاص ليصل إلى مستوى إعادة صياغة البيئة النفسية الجمعية والمناخ العام للرأي؛ حيث تسهم التغطية الإخبارية الموحدة والمتزامنة عبر المنصات الإعلامية الكبرى في خلق إحساس نفسي عميق لدى الأفراد بـ “الإجماع المتخيل” (Perceived Social Consensus). يشعر المتلقي بأن القضية التي يشاهدها تتكرر يومياً لا تحظى باهتمامه الفردي فحسب، بل تحظى بالضرورة باهتمام ومتابعة كافة أفراد المجتمع من حوله.

يولد هذا الشعور الجمعي رابطاً سيكولوجياً قوياً يمنح القضية المعروضة شرعية اجتماعية ونقاشية فورية داخل المجال العام، مما يفرضها كمحور إجباري للأحاديث اليومية في بيئات العمل والمجالس الأسرية. وبالمقابل، تشعر الجماهير بالحرج أو العزلة المعرفية إذا انخرطت في مناقشة موضوعات حيوية لكنها غائبة تماماً عن شاشات الأخبار، في تقاطع واضح مع آليات “لولب الصمت” المعرفي.

يعمل التكرار الإعلامي المطرد والتثبيت المتطابق عبر شبكات التلفزة والصحف على تقليل مساحة الشك المعرفي لدى الجمهور العام؛ فالإجماع الإعلامي الظاهري على إبراز أزمة معينة يُنظر إليه نفسياً كبرهان قاطع على وجود خطر مجتمعي وشيك يتطلب الاستنفار والتفاعل، مما يقود إلى توجيه الطاقة الانفعالية والوجدانية للأمة بأسرها نحو أهداف ومسارات محددة مسبقاً في غرف التحرير.

6. مفهوم الحاجة إلى التوجيه والمتغيرات الوسيطة

6.1 بنية مفهوم الحاجة إلى التوجيه (Need for Orientation)

يُمثل مفهوم “الحاجة إلى التوجيه” (Need for Orientation – NFO)، الذي طوره ماكومبس وديفيد ويفر، المتغير النفسي المركزي المفسر للاختلافات الفردية في مدى قابلية الأفراد للتأثر بوضع الأجندة الإعلامية. يفترض هذا المفهوم أن الإنسان كائن معرفي يسعى دائماً للتأقلم مع بيئته وتقليل الفوضى الإدراكية الناتجة عن تدفق الأحداث من حوله، لكن هذه الرغبة ليست متطابقة لدى الجميع، بل تتحدد عبر التفاعل الرياضي بين عنصرين جوهريين:

  1. الأهمية الذاتية والارتباط الشخصي (Relevance): وهو مدى إدراك الفرد بأن القضية المطروحة تمس حياته اليومية، أمنه، مستقبله المهني، أو منظومته القيمية بصورة مباشرة. إذا كانت القضية غير ذات صلة بالمطلق بالفرد، تنعدم الحاجة للتوجيه.
  2. درجة عدم التيقن والغموض (Uncertainty): وهو مدى افتقار الفرد للمعلومات والخبرات الكافية التي تمكنه من فهم القضية أو اتخاذ موقف حاسم تجاهها. إذا كان الفرد يمتلك معلومات كاملة وموقفاً راسخاً ونهائياً، يقل مستوى عدم التيقن لديه.

تنتج عن تقاطع هذين العنصرين مصفوفة تفاعلية ثلاثية المستويات تحدد حساسية الفرد للتأثير الإعلامي:

  • حاجة منخفضة للتوجيه: عندما تكون الأهمية الشخصية للقضية منخفضة للغاية، وبالتالي يكون التأثير الإعلامي في أدنى مستوياته.
  • حاجة متوسطة للتوجيه: عندما تكون الأهمية الشخصية مرتفعة ولكن مستوى عدم التيقن منخفض جداً لوجود معلومات سابقة ومواقف حزبية قطعية، مما يولد تأثيراً محدوداً.
  • حاجة مرتفعة للتوجيه: عندما تلتقي الأهمية الشخصية القصوى مع درجة غموض وعدم تيقن عالية جداً؛ وهنا يكون الفرد في أعلى درجات الاستجابة والانفتاح الإدراكي لأجندة وسائل الإعلام لترشده إلى ما يجب أن يركز عليه ويهتم به.

6.2 المتغيرات النفسية والديموغرافية المعدلة للتأثير

لا تعمل نظرية وضع الأجندة في فراغ اجتماعي أو بيئة معزولة، بل تتأثر بمصفوفة معقدة من المتغيرات الوسيطة والمعدلة (Moderating Variables) التي قد تكبح جماح التأثير الإعلامي أو تضاعف من قوته. يأتي في مقدمة هذه المتغيرات طبيعة القضية ذاتها، حيث يميز الباحثون بين نوعين من القضايا:

  • القضايا غير الملموسة أو البعيدة (Unobtrusive Issues): وهي الموضوعات التي لا يمتلك الجمهور خبرة حسية ومعايشة شخصية مباشرة لها، مثل: أزمات الدبلوماسية الدولية، استكشاف الفضاء، أو السياسات النقدية والبنكية المعقدة. في هذه القضايا، يصل تأثير وسائل الإعلام إلى ذروته القصوى؛ لأن الإعلام يمثل المصدر الوحيد والحصري للمعلومات وبناء الصور الذهنية.
  • القضايا الملموسة والمعايشة (Obtrusive Issues): وهي المشكلات التي يختبرها الأفراد يومياً بحواسهم وجيوبهم، مثل: أسعار الوقود، غلاء فواتير الكهرباء، وأزمات المواصلات المحلية. في هذا النمط، يتراجع التأثير المطلق للإعلام؛ نظراً لامتلاك المتلقي لمرجعية واقعية مباشرة تقيه التوجيه الإخباري المصطنع.

كما تلعب المتغيرات الديموغرافية والمعرفية دوراً حاسماً؛ فالوعي السياسي المرتفع والمستوى التعليمي العالي قد يعملان كحائط صد نقدي يفحص أطر التغطية ويقاوم الإبراز السطحي، أو قد يؤديان إلى العكس تماماً بزيادة استهلاك الأخبار والتعرض للأجندة. في حين يمثل الانتماء الحزبي العقائدي الصلب مرشحاً إدراكياً عنيداً يرفض استيعاب أولويات المؤسسات الإعلامية المناوئة له سياسياً.

6.3 علاقة الارتباط بالوسيلة ومستويات التعرض

تتوقف قوة انتقال الأجندة بصورة جوهرية على طبيعة الدوافع الكامنة وراء استهلاك المحتوى الإعلامي، والوسيط التكنولوجي المستخدم لنقل الرسالة. تظهر الأدبيات تفاوتاً حاداً بين نمطين من الاستهلاك الاتصالي: “التعرض النفعي النشط” (Instrumental Exposure) الذي يبحث فيه المتلقي عن الأخبار والمعرفة بدافع إدراكي واعٍ، و”التعرض العرضي السلبي” (Incidental Exposure) الذي يصطدم فيه المستخدم بالأخبار دون تخطيط مسبق أثناء تصفح الترفيه أو السير في الأماكن العامة.

يبرز متغير “الثقة في المؤسسة الإعلامية” (Media Credibility) كشرط معرفي وسيط بالغ الأهمية لقبول الأجندة المنقولة؛ فالأفراد الذين يصنفون وسيلة إعلامية معينة كمنصة مهنية وموثوقة يظهرون تطابقاً شبه كامل وسريعاً مع سلم أولوياتها الإخبارية، بينما يلجأ الأفراد المتشككون في نوايا الوسيلة إلى رفض أجندتها واعتبار تركيزها على قضايا بعينها نوعاً من الدعاية والتضليل الممنهج.

علاوة على ذلك، كشفت الدراسات المقارنة عن تباينات نوعية في التأثير الإدراكي تفرضها طبيعة الوسيط ذاته؛ فالصحافة المقروءة تمتلك قدرة فائقة على ترسيخ الفهم العميق وتثبيت المستوى الثاني (أجندة الخصائص) نظراً لحاجة القراءة إلى معالجة معرفية هادئة وتفصيلية، في حين يمتلك التلفزيون والوسائط المرئية قدرة طاغية على حسم المستوى الأول والتمهيد الانفعالي السريع؛ بفضل التأثير الدرامي للصور الحية التي تفرض البروز الفوري للقضايا دون عناء ذهني.

7. صناعة الأجندة وديناميكيات بناء الأولويات (Agenda-Building)

7.1 من يحدد أجندة وسائل الإعلام؟ مصادر التأثير الداخلي والخارجي

قاد التوسع النظري لماكومبس وشو إلى طرح السؤال الإبستمولوجي والسياسي الحتمي المعاكس: إذا كانت وسائل الإعلام تحدد أجندة الرأي العام، فمن الذي يحدد ويبني أجندة وسائل الإعلام ذاتها؟ أدى هذا التساؤل إلى ولادة حقل بحثي فرعي خصب يُعرف بـ “بناء الأجندة” (Agenda-Building Process)، والذي يدرس القوى والمصادر التي تتصارع وتتكامل خلف الكواليس لتحديد ما يُطبع ويُبث يومياً في غرف الأخبار.

تتعدد مصادر التأثير وتتشابك في شبكة معقدة من التفاعلات:

  • المصادر الرسمية والنخبوية: المؤتمرات الصحفية للرئاسة، البيانات والتقارير الوزارية الرسمية، والخرجات الإعلامية للبرلمانيين؛ حيث توفر هذه المصادر النخبوية ما يسمى بـ “الإعانات المعلوماتية” (Information Subsidies) المجانية التي تقلل تكلفة إنتاج الأخبار على المؤسسات الصحفية.
  • أجندة ما بين الوسائل (Intermedia Agenda-Setting): ويقصد بها التأثير المتبادل بين المؤسسات الإخبارية ذاتها؛ حيث تقود الصحافة المرجعية النخبوية العالمية (مثل The New York Times, The Washington Post, Reuters) مسار التغطية الإخبارية، وتقوم آلاف الصحف والقنوات المحلية الأصغر بإعادة إنتاج وترديد نفس الأولويات المحددة في تلك المنصات المركزية دون ابتكار.
  • حراس البوابة والمعايير المهنية (Gatekeepers): وتتمثل في المنظومة الفكرية، والقيم الإخبارية، والانحيازات الثقافية والمهنية لكبار المحررين ورؤساء مجالس الإدارات الذين يقررون مصير كل قصة إخبارية وفق معايير الجدة، والصراع، والغرابة، وملاءمة سياسة التحرير.

7.2 العلاقات العامة الاستراتيجية وإدارة الأجندة المؤسسية

تلعب صناعة العلاقات العامة الاستراتيجية والاتصال المؤسسي الحديث دوراً محورياً في هندسة وبناء الأجندة الإعلامية عبر توظيف تقنيات متقدمة لإدارة وتوجيه الانتباه العام؛ حيث لم تعد الشركات العملاقة ومجموعات الضغط والمنظمات غير الحكومية تنتظر وقوع الأحداث، بل تعمل على ابتكار وهندسة “الأحداث المصطنعة وشبه الوقائع” (Pseudo-Events)—كإطلاق تقارير بحثية ممولة، وتنظيم مؤتمرات علمية ضخمة، وحملات استعراضية—لإجبار وسائل الإعلام على التقاطها وتغطيتها كقضايا رئيسية.

في أوقات الأزمات والفضائح المؤسسية، تستخدم دوائر العلاقات العامة تقنيات “إزاحة الأجندة” (Agenda Diversion) وتشتيت الانتباه؛ وذلك عبر إغراق الفضاء الإعلامي بقضايا ثانوية، أو تفجير ملفات مثيرة جديدة، أو تسريب معلومات متفرقة للصحافة الاستقصائية لإبعاد التركيز الإخباري والرقابي عن لب الأزمة الحقيقية.

كما ساهمت العلاقات العامة الرقمية المعاصرة في تزويد غرف الأخبار المرهقة اقتصادياً بـ “حزم إخبارية رقمية جاهزة” (Digital Press Kits) ومقاطع فيديو عالية الجودة، مما يجعل تمرير القضايا المدفوعة مؤسسياً إلى صدارة الأجندة الإخبارية أمراً ميسوراً يتطابق مع رغبة وسائل الإعلام في ملء الفراغ الإخباري على مدار 24 ساعة بأقل تكلفة إنتاجية ممكنة.

7.3 المحددات الاقتصادية والسياسية لأجندة المؤسسات الإعلامية

تخضع الأجندة الإخبارية لقيود بنيوية واقتصادية وسياسية بالغة القسوة تعيد تشكيل أولوياتها بما يخدم مصالح النخب الاقتصادية والسياسية الحاكمة؛ فالإعلام التجاري المعتمد كلياً على عائدات الإعلانات ونسب المشاهدة يجد نفسه مدفوعاً نحو تفضيل قضايا الإثارة، الفضائح، الجريمة، والترفيه الاستهلاكي على حساب القضايا السياسية الجادة والمعقدة التي تتطلب تركيزاً معرفياً طويلاً قد ينفر المعلنين والجماهير العريضة.

كما تفرض ملكية وسائل الإعلام والتركز الاحتكاري للمؤسسات الصحفية في أيدي كارتيلات مالية عملاقة خطوطاً حمراء صارمة تمنع إدراج قضايا معينة في الأجندة؛ مثل التهرب الضريبي للشركات الكبرى، أو انتهاكات حقوق العمال، أو الأضرار البيئية للاستثمارات الصناعية الكبرى التابعة للشركات الأم المالكة للمؤسسة الإخبارية.

يضاف إلى ذلك القيود والتشريعات القانونية والضغوط السياسية التي تمارسها الحكومات؛ والتي تتراوح بين استخدام قوانين الأمن القومي لحجب ملفات حساسة عن الأجندة، أو منح مزايا ضريبية وتسهيلات لوجستية للمؤسسات التي تتماشى أجندتها التحريرية مع التوجهات الاستراتيجية للدولة، مما يفرغ الاستقلالية التحريرية من مضمونها الحقيقي.

8. التفاعل الثلاثي: أجندة الإعلام، الرأي العام، والسياسات العامة

8.1 نموذج التدفق الدائري للأجندات الثلاث

لا تتوقف ديناميكية صناعة القرار عند مجرد انتقال القضايا من وسائل الإعلام إلى عقول المواطنين، بل تتسع لتشمل تفاعلاً تكاملياً ودائرياً معقداً بين ثلاثة فضاءات كبرى تمثل ركائز المجتمع الديمقراطي:

  • الأجندة الإعلامية (Media Agenda): وتتألف من حزمة القضايا والموضوعات التي تحظى بالصدارة والمساحات البارزة في الصحافة والتلفزيون والمنصات الرقمية.
  • الأجندة العامة (Public Agenda): وتضم القضايا التي تشغل اهتمام المواطنين العاديين، ويتحدثون عنها في بيئاتهم الاجتماعية، وتظهر كأولويات قصوى في استطلاعات الرأي العام.
  • أجندة السياسات العامة (Policy Agenda): وتتضمن مشاريع القوانين، والتشريعات البرلمانية، والموازنات الحكومية، والقرارات التنفيذية التي يناقشها ويعتمدها صانعو القرار السياسي.

يشكل هذا الثالوث حلقة مغلقة وديناميكية من التأثير والتأثر المتبادل؛ حيث يؤدي بروز القضية إعلامياً إلى استثارة الرأي العام، مما يخلق ضغطاً شعبياً وانتخابياً يجبر صانعي السياسات على التحرك، وتوليد قرارات وتشريعات جديدة تعود بدورها لتغذي الأجندة الإعلامية وتطلق دورة إخبارية جديدة من التحليل والمتابعة.

8.2 انتقال الأولويات من الإعلام والرأي العام إلى طاولة التشريع

يمثل انتقال الأولويات من الفضاء الرمزي للإعلام والرأي العام إلى طاولة الصياغة التشريعية والسياساتية جوهر العملية الديمقراطية. فعندما تتبنى وسائل الإعلام تغطية استقصائية مكثفة ومستمرة لملف مهمل (مثل الفساد في قطاع الرعاية الصحية أو أزمة تلوث المياه)، وتنجح في تحويله إلى أولوية عليا في استطلاعات الرأي العام، يتعرض السياسيون لتهديد مباشر بفقدان مقاعدهم الانتخابية إذا التزموا الصمت.

يستجيب المشرعون والبرلمانات لهذا الضغط المتصاعد عبر آليات سريعة وملموسة؛ تشمل عقد جلسات استماع طارئة، وتشكيل لجان تقصي حقائق برلمانية، واستدعاء الوزراء المعنيين للتحقيق التلفزيوني العلني كاستجابة فورية للأزمة الإخبارية لامتصاص الغضب الشعبي.

يتقاطع هذا المسار الإجرائي بعمق مع نظرية نوافذ السياسات (Policy Windows) التي صاغها عالم السياسة جون كينجدون (John Kingdon)؛ حيث تنجح وسائل الإعلام عبر وضع الأجندة في فتح “نافذة سياساتية” حرجة تجمع بين ثلاثة مسارات مستقلة: مسار المشكلة (بروز الأزمة إعلامياً)، ومسار الحلول والسياسات الجاهزة، والمسار السياسي (الضغط الانتخابي)، مما يتيح تمرير قوانين وإصلاحات جذرية كانت مجمدة لسنوات في الأدراج المغلقة.

8.3 تأثير النخب السياسية المعاكس في تشكيل الأجندة الإعلامية

لا يقف السياسيون وصناع القرار في موقع المتلقي السلبي لضغوط الإعلام والرأي العام، بل يمتلكون ترسانة هائلة من الأدوات الاستراتيجية التي تمكنهم من ممارسة تأثير عكسي فعال لفرض جداول أعمالهم الخاصة على وسائل الإعلام وتوجيه اهتمام الجماهير بعيداً عن أخطائهم وإخفاقاتهم.

توظف السلطة التنفيذية تقنيات “إدارة الأخبار” المتقدمة عبر الخطابات الرئاسية للأمة، والمؤتمرات الصحفية المفاجئة في أوقات الذروة، وإعلانات المبادرات الوطنية الضخمة؛ حيث تفرض هذه الأنشطة الرسمية نفسها على رأس النشرات الإخبارية كأحداث لا يمكن لغرف التحرير تجاهلها، مما يعيد توجيه النقاش العام نحو الإنجازات الحكومية المفترضة.

كما يعتمد صانعو القرار على استراتيجية “التسريب الانتقائي للمعلومات والوثائق السرية” (Strategic Leaks) لصحفيين محددين وموثوقين، بهدف اختبار ردود فعل الرأي العام تجاه سياسات مستقبلية مثيرة للجدل، أو استخدام تكتيكات “الإغراق الإخباري الموجه” لإزاحة قضايا الفساد والفضائح الإدارية عبر تفجير أزمات سياسية أو دبلوماسية بديلة تهيمن على دورة الأخبار وتستنزف الطاقة الاستيعابية للفضاء العام.

9. نظرية وضع الأجندة في العصر الرقمي وشبكات التواصل

9.1 تفكك الأجندة المركزية وظاهرة الشظايا الإعلامية (Fragmentation)

أحدث الانفجار التكنولوجي للإنترنت ومنصات التواصل الاجتماعي زلزالاً معرفياً في بنية المشهد الاتصالي، مما فرض تحديات جذرية على الفرضيات الكلاسيكية لنظرية وضع الأجندة؛ إذ شهد العالم انهياراً تدريجياً لنموذج “الأجندة الوطنية الموحدة” التي كانت تفرضها شبكات البث التلفزيوني والصحف القومية المركزية، مفسحة المجال لظاهرة “الشظايا والتفتت الإعلامي” (Audience Fragmentation).

أصبح بمقدور كل فرد تصميم واستهلاك “أجندة شخصية مخصصة” تماماً تتوافق مع اهتماماته الفردية وميوله النفسية والأيديولوجية المعزولة. وقد ساهم ذلك في بروز ظاهرتي غرف الصدى (Echo Chambers) وفقاعات الترشيح (Filter Bubbles)، حيث ينغلق المستخدمون داخل بيئات رقمية تعيد تدوير نفس الآراء والاهتمامات دون أي احتكاك بالأولويات الوطنية المشتركة.

أدى هذا التشظي الإدراكي إلى تآكل الإجماع العام حول القضايا الوجودية الكبرى (مثل الأزمات الاقتصادية والصحية والتغير المناخي)، وحل محلها استقطاب حاد حول “قضايا الهوية والحروب الثقافية الفئوية”، مما أعاق قدرة المجتمع على إنتاج حوار ديمقراطي متماسك وموحد حول أولويات المستقبل.

9.2 وضع الأجندة العكسي (Reverse Agenda-Setting)

كسرت البيئة الاتصالية التشاركية لشبكات التواصل الاجتماعي احتكار المؤسسات الإعلامية التقليدية لتدفق الأخبار، مدشنة نموذجاً ثورياً يُعرف بـ “وضع الأجندة العكسي” (Reverse Agenda-Setting) أو الترتيب التصاعدي للأولويات من القاعدة إلى القمة (Bottom-Up Agenda Setting). أصبح بإمكان المستخدمين العاديين، والنشطاء، والمجموعات المهمشة خلق قضايا وإبرازها دون انتظار إذن من حراس البوابة التقليديين.

تتجلى هذه الآلية عبر قدرة الحملات الرقمية، واستخدام الوسوم (Hashtags)، وإنتاج مقاطع الفيديو العفوية المؤثرة على تصعيد قضايا محلية مغمورة ودفعها لتصبح موضوعات رائجة عالمياً (Trending Topics). تضطر غرف الأخبار والصحف الكبرى تحت ضغط التفاعل الرقمي الجارف إلى التقاط هذه القضايا المتداولة شعبياً وإعادة إدماجها في نشراتها الرسمية لتغطيتها بصفتها خبراً رئيسياً، وهو ما يعكس انعكاساً كاملاً لاتجاه التدفق الكلاسيكي للأجندة.

برزت حركة “صحافة المواطن” والاحتجاجات الرقمية العالمية كفاعل استراتيجي يعيد ترتيب الأولويات الإخبارية الدولية؛ فقد أثبتت حركات حقوقية واحتجاجية كبرى قدرتها على فرض قضايا العدالة العرقية ومناهضة الفساد على قمة الأجندة الإعلامية والسياسية الدولية انطلاقاً من مقاطع مصورة التقطتها هواتف ذكية لمواطنين عاديين.

9.3 الخوارزميات والذكاء الاصطناعي كحراس بوابة جدد

انتقلت وظيفة حراسة البوابة وتحديد الأولويات في العصر الرقمي من المحررين والصحفيين المحترفين إلى معادلات برمجية معقدة تتمثل في خوارزميات التوصية والذكاء الاصطناعي التي تحكم منصات التواصل ومحركات البحث (مثل خوارزميات TikTok, X, Facebook, Google). تعمل هذه الخوارزميات وفق منطق تجاري بحت يستهدف تعظيم “معدلات المشاركة والتفاعل والانتباه” (Engagement Maximization)، مما يدفعها لتصعيد المحتوى الأكثر إثارة للغضب، والاستقطاب، والدهشة على حساب القضايا الهادئة ذات الأهمية التنموية الموضوعية.

ترافق هذا التحول مع تصاعد أدوار “الجيوش الإلكترونية”، والروبوتات البرمجية الموجهة (Bots)، واللجان الرقمية الممولة التي تستخدم تقنيات التلاعب بالخوارزميات وهندسة التفاعل المصطنع لتضخيم قضايا زائفة وإجبار المنصات على تصنيفها كقضايا رائجة، مما يضلل الرأي العام وصناع القرار حول حقيقة الاهتمامات الشعبية الفعلية.

يفرض هذا الواقع الرقمي الديناميكي فائق السرعة تحديات منهجية معقدة على باحثي الاتصال؛ حيث تتبدل الأجندة الرقمية وتتلاشى وتصعد خلال ساعات ودقائق معدودة، مما يجعل أدوات القياس المسحي الكلاسيكية عاجزة عن التقاط التحولات المتسارعة في بروز القضايا وتأثيراتها الإدراكية دون اللجوء لأدوات التنقيب الحسابي الآلي اللحظي.

10. المناهج البحثية والأدوات الإمبريقية لقياس وضع الأجندة

10.1 تصاميم البحوث الطولية والمسحية في دراسات الأجندة

تطورت الترسانة المنهجية لبحوث وضع الأجندة عبر العقود لضمان أعلى درجات الدقة الإمبريقية وإثبات العلاقات السببية المعقدة؛ فتحولت الدراسات من الاعتماد الحصري على المسوح المقطعية المتزامنة (Cross-Sectional Surveys) إلى التوسع في استخدام “التصاميم الطولية المتكررة” (Longitudinal Panel Studies) التي تتابع نفس العينة من المبحوثين عبر فترات زمنية متباعدة وممتدة.

تتيح الدراسات الطولية للباحثين حلاً حاسماً لإشكالية “الفجوة الزمنية المثلى” (Optimal Time-Lag) اللازمة لانتقال تأثير البروز من شاشات الإعلام إلى العقل الجمعي للأفراد؛ حيث أثبتت الدراسات الإمبريقية أن تأثير وضع الأجندة لا يحدث بين عشية وضحاها، بل يتطلب نافذة زمنية تتراوح عادة بين أسبوعين إلى ثمانية أسابيع في وسائل الإعلام التقليدية لتسجيل أعلى مستويات التطابق الإدراكي، بينما تتقلص هذه الفجوة في البيئات الرقمية إلى أيام معدودة.

كما تمكن المسوحات المقطعية المتقاطعة المتعددة عبر سلاسل زمنية منتظمة الباحثين من تتبع صعود وهبوط منحنيات الاهتمام الجماهيري بالقضايا في توافق دقيق مع صعود وهبوط كثافة التغطيات الصحفية، مما يقدم براهين إحصائية قاطعة تدعم فرضية التراكم المعرفي.

10.2 التحليل الإحصائي المتقدم ونمذجة المعادلات البنائية

تجاوزت التحليلات الإحصائية المعاصرة لنظرية وضع الأجندة معاملات الارتباط الخطية البسيطة (مثل ارتباط بيرسون وسبيرمان)، متبنية أدوات نمذجة متقدمة تهدف إلى ضبط كافة المتغيرات المربكة واختبار التوجيه السببي الفعلي بدقة متناهية. يأتي في صدارة هذه الأدوات تطبيق “تحليلات السلاسل الزمنية” (Time-Series Analysis) واختبار “سببية جرانجر” (Granger Causality Test) لتحديد المسار الاتجاهي القاطع: هل التغطية الإخبارية في الزمن ($t-1$) هي التي تتنبأ باهتمام الجمهور في الزمن ($t$)، أم أن العكس هو الصحيح؟

كما يُستخدم “تحليل المسار” (Path Analysis) ونمذجة المعادلات البنائية (Structural Equation Modeling – SEM) لرسم العلاقات التفاعلية المتشابكة بين المتغيرات المستقلة والوسيطة والتابعة في مصفوفة واحدة متكاملة؛ مما يسمح بقياس الأثر الصافي لبروز القضايا بعد عزل تأثيرات المتغيرات الديموغرافية، ومستويات التعليم، والانتماءات الحزبية، والحاجة إلى التوجيه.

وفي إطار قياس المستوى الثالث للنظرية، يوظف الباحثون أدوات تحليل الشبكات الاجتماعية والشبكات المعرفية (Social and Semantic Network Analysis – SNA)؛ لحساب معاملات التطابق البنيوي بين شبكات العلاقات بين القضايا في النصوص الإخبارية وشبكات التداعيات في الذاكرة البشرية باستخدام مقاييس الكثافة، والمركزية، والترابط الشبكي المتقدم (مثل Quadratic Assignment Procedure – QAP).

10.3 أساليب التنقيب الحاسوبي في البيانات الضخمة والنصوص الإخبارية

فرضت الثورة الرقمية وتدفق البيانات الضخمة (Big Data) انتقالاً نوعياً في تحليل المحتوى من الترميز اليدوي البشري المحدود إلى استخدام تقنيات التنقيب الحاسوبي المتقدم ومعالجة اللغات الطبيعية (Natural Language Processing – NLP) والتعلم الآلي؛ حيث بات بإمكان الباحثين تحليل ملايين المقالات الإخبارية، والمنشورات، والتغريدات في فترات زمنية قياسية وبأعلى مستويات الدقة.

تُطبق خوارزميات “نمذجة المواضيع الآلية” (Topic Modeling)—مثل خوارزمية تخصيص دريكليه الكامن (LDA)—لاستخراج الأجندات الموضوعية الخفية في آلاف المنصات الإخبارية تلقائياً ورصد أنماط تطورها عبر الزمن وتحديد الموضوعات ذات السيادة والبروز الكثيف، دون الوقوع في أخطاء التحيز أو الإرهاق البشري للمحللين التقليديين.

وفي المستوى الثاني المتعلق بالخصائص الوجدانية، تُستخدم تقنيات “تحليل المشاعر الآلي” (Automated Sentiment Analysis) لاستكشاف النغمات العاطفية (الإيجابية، السلبية، الغاضبة، أو المحايدة) المرافقة لتغطية القضايا والشخصيات السياسية، وربط تلك النغمات الإخبارية بالتغيرات المزاجية والانفعالية للجمهور المستخرجة عبر خوارزميات تحليل المنشورات في الفضاء الرقمي في الوقت الفعلي.

11. الانتقادات الأكاديمية والحدود الإبستمولوجية للنظرية

11.1 معضلة السببية والارتباط الإحصائي

واجهت نظرية وضع الأجندة منذ صدور دراستها التأسيسية انتقادات منهجية وإبستمولوجية ركزت على معضلة “الخلط المنهجي بين الارتباط الإحصائي والسببية الحتمية” (Correlation vs. Causation)؛ إذ جادل نقاد المدرسة التجريبية الصارمة بأن تسجيل معامل ارتباط مرتفع بين تغطية الصحافة واهتمامات الجمهور لا يثبت بصورة قاطعة أن الإعلام هو الفاعل السببي الوحيد أو الأساسي في تشكيل تلك الاهتمامات.

يطرح هذا الانتقاد فرضية بديلة مفادها أن وسائل الإعلام الإخبارية لا تصنع الأولويات، بل تعمل كمرآة ذكية تعكس ببساطة ما يشغل بال المجتمع والجمهور بالفعل نتيجة لتطورات وظروف بيئية واقعية ملموسة، وأن الصحفيين بحسهم المهني يلتقطون نبض الشارع ويعيدون بثه لجذب القراء دون ممارسة دور تأسيسي موجه للاهتمامات.

علاوة على ذلك، يبرز التحدي المتمثل في صعوبة عزل “التأثيرات الواقعية المباشرة للأحداث” (Real-World Indicators) عن التغطية الإعلامية؛ فعندما يرتفع التضخم الاقتصادي أو ترتفع معدلات البطالة بصورة كارثية، فإن اهتمام الجمهور بهذه الأزمات ينبع من معاناته الحياتية اليومية الملموسة وليس بالضرورة من كثرة قراءة المقالات الاقتصادية، مما يجعل حسم المسار السببي أمراً بالغ التعقيد المنهجي.

11.2 تداخل المفاهيم مع نظريات التأطير والغرس الثقافي

أثارت التوسعات النظرية المتتالية لنظرية وضع الأجندة—وتحديداً بعد تدشين المستوى الثاني المتعلق بالخصائص—جدلاً أكاديمياً صاخباً حول استقلالية النظرية وحدودها المفاهيمية؛ حيث انتقد منظرون بارزون، وفي مقدمتهم روبرت إنتمن (Robert Entman)، محاولات ماكومبس لدمج نظرية التأطير (Framing Theory) ونظرية التمهيد (Priming Theory) تحت مظلة وضع الأجندة كفروع تابعة لها.

يرى نقاد هذا التوسع الإمبريالي للنظرية أن مفهوم التأطير يمتلك جذوراً سوسيولوجية وسيميائية أعمق بكثير من مجرد “نقل سمات بارزة”، إذ يتعلق التأطير ببناء الأطر التفسيرية، وتحديد المسؤوليات الأخلاقية والسببية وتقديم الحلول، وهي عمليات تتجاوز المنطق البسيط لبروز العناصر الإدراكية.

كما يبرز تداخل بنيوي بين مفهوم البروز التراكمي في وضع الأجندة ونظرية الغرس الثقافي (Cultivation Theory) لجورج جربنر؛ حيث يتقاطع المفهومان في دراسة التأثير طويل المدى للصور والرسائل المتكررة في بناء النظرة الكلية للعالم، مما يفرض حاجة ماسة لتدقيق الحدود المفاهيمية لمنع تمييع النظرية وتحويلها إلى مقولة فضفاضة عاجزة عن التمييز الدقيق بين مستويات التأثير المعرفي المتعددة.

11.3 تحديات الانطباق في السياقات غير الديمقراطية

واجهت النظرية مآزق تفسيرية بارزة عند محاولة تطبيق فرضياتها خارج المجتمعات الغربية الليبرالية؛ إذ بنيت النظرية في الأصل داخل سياق سياسي وإعلامي أمريكي تعددي يتمتع فيه الجمهور بحرية الاختيار وتتنافس فيه مؤسسات إخبارية متعددة، بينما تختلف هذه الديناميكيات جذرياً في ظل النظم السلطوية والتوتاليتارية التي تخضع فيها وسائل الإعلام للرقابة الحكومية التامة والتوجيه الأحادي الصارم.

في البيئات التسلطية، يطور الجمهور عبر الزمن ما يُعرف سيكولوجياً بـ “آليات المقاومة والتحصين الإدراكي والنفور المعرفي” تجاه الأجندة الرسمية المفروضة؛ حيث يدرك المواطنون الطابع الدعائي والبروباغاندي لتلك الأخبار، مما يولد ردود أفعال عكسية تتمثل في رفض وتجاهل القضايا التي تروج لها الدولة وتصنيفها كمحاولات للتعمية وتزييف الوعي.

ونتيجة لذلك، يلجأ الجمهور في المجتمعات المغلقة إلى “أجندات موازية وبديلة” يستقيها من الشائعات الشفهية، والشبكات الاجتماعية السرية، والقنوات المعارضة العابرة للحدود، مما يجعل انتقال الأجندة من الإعلام الرسمي إلى الجمهور عملية متعثرة تفشل في تحقيق التطابق الإحصائي المنشود الذي رصدته دراسات المجتمعات الديمقراطية.

12. الآفاق المستقبلية وتطبيقات النظرية في علم النفس الإعلامي

12.1 التكامل مع النماذج العصبية والمعرفية المتقدمة

ينفتح مستقبل بحوث وضع الأجندة على آفاق واعدة عبر الاندماج العضوي مع حقول العلوم العصبية المعرفية وعلم النفس العصبي الإعلامي (Media Neuropolitics)؛ حيث يتجاوز الباحثون الاعتماد الحصري على استمارات الاستبيان التقليدية التي قد تخضع لتحيزات الإجابة الواعية للمبحوثين، متوجهين نحو استخدام أدوات القياس الفسيولوجي والعصبي المباشر.

توظف الدراسات المعاصرة تقنيات “تتبع حركة العين” (Eye-Tracking) لتحديد الأنماط الدقيقة لتوزيع الانتباه البصري والتركيز الإدراكي على واجهات المنصات الرقمية الإخبارية، بالإضافة إلى استخدام “التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي” (fMRI) لرصد المناطق الدماغية المسؤولة عن تنشيط الذاكرة والانفعال العاطفي لحظة التعرض للقضايا والسمات الإخبارية ذات البروز العالي.

تساعد هذه المقاربات البيولوجية-المعرفية في فهم أعمق لكيفية عمل “التمهيد الوجداني السريع” (Affective Priming) في تشكيل القرارات الانتخابية الفورية، وتفكيك الآليات العصبية التي تدمج وضع الأجندة بالتحيزات المعرفية الراسخة؛ مثل الانحياز التأكيدي واستدلالات التقييم التلقائي في أجزاء من الثانية.

12.2 تطبيقات النظرية في الحملات الصحية والبيئية والمجتمعية

تحولت نظرية وضع الأجندة إلى أداة تخطيطية تطبيقية بالغة الأهمية في هندسة الحملات الاتصالية وتوجيه السلوك الاجتماعي في قطاعات الصحة العامة والبيئة؛ إذ تستخدم الهيئات الصحية العالمية الاستراتيجيات التراكمية لوضع الأجندة لرفع المكانة الإدراكية لقضايا الأوبئة، والأمراض المزمنة، وبرامج التطعيم الشامل عبر ضمان استمرار تدفقها في صدارة التغطيات الإعلامية لتحفيز تبني السلوكيات الوقائية المجتمعية.

وفي مجال الاتصال البيئي، تمثل النظرية المحرك الأساسي لإدارة “الأجندة المناخية العالمية”؛ حيث يسعى النشطاء والعلماء إلى نقل قضايا الاحتباس الحراري وتدهور التنوع البيولوجي من قضايا علمية تجريدية بعيدة إلى قضايا إلحاح وطني ودولي تتصدر سلم أولويات الرأي العام والساسة لدفع الالتزام باتفاقيات خفض الانبعاثات الكربونية.

كما توظف الأجهزة الاستراتيجية مفاهيم المستوى الثاني والثالث في تصميم حملات اتصالية متقدمة لمكافحة المعلومات المضللة، عبر إعادة ربط المفاهيم المغلوطة بسمات تثقيفية موثوقة في الوعي الجمعي، وتعديل أولويات النقاش المجتمعي بعيداً عن خطابات الكراهية والانقسام الفئوي.

12.3 نحو نموذج اتصالي هجين ومستدام للأجندة العالمية

يقف حقل الاتصال اليوم على أعتاب صياغة نماذج نظرية هجينة وشاملة قادرة على مواكبة البيئات الاتصالية الفائقة التطور؛ مثل عوالم الميتافيرس، والواقع الممتد (XR)، وأنظمة الذكاء الاصطناعي التوليدي، حيث لن تقتصر الأجندة الإخبارية على النصوص والشاشات المسطحة، بل ستتحول إلى بيئات حسية غامرة تحيط بالمستخدم وتعيد تشكيل إدراكه المكاني والواقعي بالكامل.

يفرض هذا التحول تساؤلات أخلاقية وفلسفية ملحة حول ضرورة “أنسنة الخوارزميات” وتصميم أطر حوكمة رقمية تضمن العدالة في توزيع الانتباه العالمي، وتمنع احتكار النظم الخوارزمية الخاصة لصياغة أولويات البشرية، وتضمن بقاء القضايا الإنسانية العادلة والمهمشة على أجندة الضمير الإنساني المشترك.

إن استدامة الإرث الفكري لماكسويل ماكومبس ودونالد شو تكمن في المرونة التفسيرية الفائقة لنظريتهما؛ فالنظرية لم تكن قط مجرد رصد للحملات الانتخابية لعام 1968، بل هي كشف معرفي رائد لطبيعة العلاقة التفاعلية الأبدية بين مصادر المعلومات، وإدراك العقل البشري، وبناء الواقع الاجتماعي والسياسي للحضارة الإنسانية عبر مختلف العصور والوسائط التكنولوجية.

خاتمة

جسدت نظرية وضع الأجندة لماكسويل ماكومبس ودونالد شو نقلة نوعية كبرى في فهمنا للعملية الاتصالية؛ حيث نجحت على مدار أكثر من نصف قرن في تفكيك العلاقات المعقدة بين الرسالة الإعلامية والإدراك الإنساني والرأي العام وصناعة السياسات. ومن خلال انطلاقها من فرضية معرفية رصينة تؤكد قدرة وسائل الإعلام على ترتيب سلم أولويات القضايا العامة، شيدت النظرية صرحاً علمياً تجريبياً تطور بثبات من مستوى بروز الموضوعات الأولي إلى تفاصيل أجندة الخصائص والتأطير المعرفي، ووصولاً إلى النموذج الشبكي المعقد الذي يحاكي البنية العصبية للذاكرة البشرية.

وعلى الرغم من التحولات التكنولوجية العاصفة التي اجتاحت المشهد الاتصالي في عصر شبكات التواصل الاجتماعي والذكاء الاصطناعي وتفتت الجمهور، أثبتت النظرية مرونة إبستمولوجية وقدرة على تجديد أدواتها ومفاهيمها لاستيعاب ديناميكيات وضع الأجندة العكسي وحراسة البوابة الخوارزمية. إن البصيرة المركزية التي أرساها ماكومبس وشو تظل اليوم أكثر راهنية وإلحاحاً من أي وقت مضى: إن من يمتلك القدرة على هندسة انتباه المجتمعات وتوجيه تركيزها الإدراكي نحو قضايا محددة، يمتلك في النهاية المفتاح الحقيقي لتشكيل وعي العالم وصياغة مسار مستقبله التاريخي والسياسي.

References

  • Cohen, B. C. (1963). The press and foreign policy. Princeton University Press.
  • Entman, R. M. (1993). Framing: Toward clarification of a fractured paradigm. Journal of Communication, 43(4), 51–58. https://doi.org/10.1111/j.1460-2466.1993.tb01304.x
  • Guo, L., & McCombs, M. (Eds.). (2015). The power of information networks: New directions for agenda setting. Routledge. https://doi.org/10.4324/9781315714776
  • Kingdon, J. W. (1984). Agendas, alternatives, and public policies. Little, Brown and Company.
  • Klapper, J. T. (1960). The effects of mass communication. Free Press.
  • Lippmann, W. (1922). Public opinion. Harcourt, Brace and Company.
  • McCombs, M. E. (2014). Setting the agenda: The news media and public opinion (2nd ed.). Polity Press.
  • McCombs, M. E., & Shaw, D. L. (1972). The agenda-setting function of mass media. Public Opinion Quarterly, 36(2), 176–187. https://doi.org/10.1086/267990
  • McCombs, M. E., Shaw, D. L., & Weaver, D. H. (1997). Communication and democracy: Exploring the intellectual frontiers in agenda-setting theory. Lawrence Erlbaum Associates.
  • Petty, R. E., & Cacioppo, J. T. (1986). The Elaboration Likelihood Model of persuasion. Advances in Experimental Social Psychology, 19, 123–205. https://doi.org/10.1016/S0065-2601(08)60214-2
  • Shaw, D. L., & McCombs, M. E. (1977). The emergence of American political issues: The agenda-setting function of the press. West Publishing Company.
  • Weaver, D. H. (1980). Audience need for orientation and media effects. Communication Research, 7(3), 361–373. https://doi.org/10.1177/009365028000700305

اقتباس هذا المقال

looti, M. (2026, أغسطس 27). نظرية وضع الأجندة – ماكسويل ماكومبس ودونالد شو. عرب سايكلوجي. https://arabpsychology.com/theories/agenda-setting-theory-mccombs-shaw/
looti, Mohammed. “نظرية وضع الأجندة – ماكسويل ماكومبس ودونالد شو.” عرب سايكلوجي, 27 أغسطس 2026, https://arabpsychology.com/theories/agenda-setting-theory-mccombs-shaw/.
looti, Mohammed. “نظرية وضع الأجندة – ماكسويل ماكومبس ودونالد شو.” عرب سايكلوجي. أغسطس 27, 2026. https://arabpsychology.com/theories/agenda-setting-theory-mccombs-shaw/.