سوسيولوجيا الفكرعلم النفس الاجتماعي

سيكولوجية الجماهير – غوستاف لوبون وغابرييل تارد

دراسة أكاديمية شاملة في سيكولوجية الجماهير، تبحث في الأصول النظرية لغوستاف لوبون وغابرييل تارد، وآليات العقل الجمعي والتقليد وتطبيقاتها المعاصرة.

تاريخ النشر

شهدت نهايات القرن التاسع عشر في أوروبا، وفرنسا على وجه الخصوص، تحولاً إبستيمولوجياً وسوسيولوجياً عميقاً في فهم الظاهرة الإنسانية؛ إذ لم يعد الفرد المعزول، المتصف بالعقلانية والرشد الديكارتي، هو الفاعل الأوحد في مسرح التاريخ وصناعة القرار السياسي والاجتماعي. لقد أفرزت التحولات الصناعية المتسارعة، وتصدع البنى التقليدية، وتعاظم المد الديمقراطي والعمالي، كياناً جديداً مهيباً ومثيراً للرعب في آن واحد، تجسد في “الحشد” أو “الجمهور”. هذا الكيان الجديد لم ينظر إليه مفكرو تلك الحقبة بوصفه مجرد حاصل جمع حسابي لأفراده، بل ككائن عضوي ونفسي مستقل بذاته، تنصهر فيه الذوات الواعية لتفسح المجال لطاقة غريزية ولاواعية عارمة قادرة على البناء، والأخطر من ذلك، على التدمير الشامل.

في هذا المناخ الفكري المشتعل بالهواجس النخبوية والاضطرابات السياسية، برز قطبان مؤسسان في سياق تشكيل ما عُرف لاحقاً بـ علم نفس الجماهير: الطبيب والمؤرخ الموسوعي غوستاف لوبون (Gustave Le Bon)، وعالم الاجتماع والقاضي الفلسفي غابرييل تارد (Gabriel Tarde). ورغم انطلاقهما من هاجس معرفي واجتماعي متقارب، يتمثل في تفسير آليات التأثير الجمعي وانقياد الأفراد خارج الأطر العقلانية، فإن رؤيتيهما تباينتا تبايناً جذرياً في تشخيص طبيعة الرابطة الجمعية ومستقبلها؛ فبينما رأى لوبون في الجماهير خطراً داهماً يهدد الحضارة بالردة إلى الهمجية عبر “الحشد المادي المتجانس نفسياً”، قدم تارد رؤية أكثر تركيبية واستشرافية تميز بين “الحشد الغريزي” و”الجمهور الفكري المستنير” المتشكل عبر وسائط الاتصال والرأي العام والمحاكاة التفاعلية.

يقدم هذا البحث دراسة استقصائية تفكيكية مقارنة للمشروعين التأسيسيين لغوستاف لوبون وغابرييل تارد. وسوف نتتبع بالتحليل المعمق الجذور التاريخية والفلسفية لنظريات الحشود، والتشريح البنيوي والميكانيزمات النفسية التي تحكم سلوك الأفراد داخل التجمعات، وصولاً إلى استراتيجيات القيادة وصناعة الهيبة، ونظرية قوانين التقليد والتمايز بين الحشد والرأي العام. كما نسعى إلى تتبع الامتدادات الإبستيمولوجية لهذين المشروعين في مدرسة التحليل النفسي الفرويدية، واستخداماتهما الدعائية في الأنظمة التوتاليتارية وفي صناعة العلاقات العامة الحديثة، ختاماً بإعادة قراءة هذه المفاهيم في ضوء الفضاء الرقمي وشبكات التواصل الاجتماعي المعاصرة.

جدول المحتويات

1. المدخل التأسيسي لسيكولوجية الجماهير وسياقها التاريخي والفكري

1.1 التحولات السوسيولوجية والسياسية في أوروبا أواخر القرن التاسع عشر

لا يمكن استيعاب ولادة سيكولوجية الجماهير كحقل معرفي مستقل بمعزل عن الزلازل البنيوية التي ضربت القارة الأوروبية إبان الثورة الصناعية الثانية. فقد أدى التحضر المتسارع والهجرة الكثيفة من الأرياف إلى المدن الصناعية الكبرى إلى تفكيك شبكات الأمان الاجتماعي التقليدية، كالعائلة الممتدة، والروابط القروية، والنقابات الحرفية الوسيطة. استُبدلت هذه الأطر بتجمعات عمالية مليونية مكتظة داخل فضاءات جغرافية ضيقة ومصانع عملاقة، مما ولد شعوراً حاداً بالاغتراب والهشاشة النفسية، وفي الوقت ذاته، وفر بيئة خصبة لظهور هوية طبقية حاشدة ذات مطالب راديكالية تجاوزت آليات الضبط الاجتماعي القديمة.

تزامن هذا التحول الهيكلي مع الارتدادات السياسية المتلاحقة لـ الثورة الفرنسية وصدمة “كومونة باريس” عام 1871، التي تركت جرحاً نرجسياً غائراً في الوعي الجمعي للنخب البرجوازية والمثقفة في فرنسا. كانت مشاهد الجماهير الثائرة وهي تجتاح الشوارع، وتسقط النظم الملكية والإمبراطورية، وتضرم النار في المباني التاريخية للمدينة، بمثابة برهان ملموس للنخب على أن “حكم الرعاع” بات خطراً وشيكاً يهدد صرح الحضارة الغربية برمته. ومن ثم، لم تكن الكتابات المبكرة حول الجماهير مجرد أبحاث أكاديمية محايدة، بل كانت محاولات نابعة من قلق وجودي يستهدف فهم هذا “الوحش الكاسر” تمهيداً لترويضه والسيطرة عليه.

علاوة على ذلك، كان صعود الديمقراطية التمثيلية وإقرار حق الاقتراع العام للذكور مدعاة لقلق عميق لدى المفكرين المحافظين والليبراليين الكلاسيكيين على حد سواء. فقد أدى دخول الملايين من أفراد الطبقات الشعبية، غير المتعلمة وفق المعايير النخبوية، إلى المعترك الانتخابي إلى تحول مركز الثقل السياسي من الصالونات الفكرية والبرلمانات النخبوية المقيدة إلى الشارع المفتوح والمهرجانات الخطابية. وباتت الحركات الاشتراكية والعمالية الصاعدة تستعرض قوتها عبر الإضرابات الجماهيرية والمسيرات المليونية، مما عمق الشعور بأن أوروبا تقف على شفا مرحلة تاريخية جديدة أطلق عليها لوبون لاحقاً “عصر الجماهير”، حيث أصبحت إرادة الكتلة غير المنضبطة هي الموجه الفعلي لمسارات التاريخ بدلاً من حكمة الفلاسفة واستراتيجيات رجال الدولة التقليديين.

1.2 الجذور الفلسفية والمعرفية المبكرة لدراسة السلوك الجمعي

تأسس الحقل المعرفي لسيكولوجية الجماهير على تقاطع منهجي بين عدة تيارات فلسفية وعلمية برزت في النصف الثاني من القرن التاسع عشر. في مقدمة هذه الروافد، جاءت الفلسفة الوضعية (Positivism) التي أرساها أوغست كونت، والتي رفعت لواء إخضاع الظواهر الإنسانية والاجتماعية لقوانين الرصد التجريبي والملاحظة العلمية الصارمة على غرار العلوم الطبيعية والفيزيائية. هذا الطموح الوضعي دفع الباحثين إلى محاولة صياغة “فيزياء اجتماعية” أو “ميكانيكا نفسية” تفسر حركات الحشود وطرق انتقال الأفكار والمشاعر بين عناصرها بنفس الدقة التي تُفسر بها حركات الجزيئات في السوائل أو انتقال العدوى الوبائية في الأجساد البيولوجية.

من جانب آخر، كان للمدرسة الإيطالية في علم الإجرام دور بارز في تقعيد الملاحظات الإكلينيكية حول السلوك الجمعي العنيف. فقد نشر الباحث الإيطالي سكيبيو سيغيلي (Scipio Sighele) كتابه الرائد «الجمهور المجرم» (La foule criminelle) عام 1891، متأثراً بأطروحات أستاذه تشيزاري لومبروزو حول “المجرم بالفطرة” والانحدار الوراثي البيولوجي. جادل سيغيلي بأن الأفراد، حتى وإن كانوا شرفاء ومسالمين في حياتهم الفردية، يتحولون بمجرد انخراطهم في الحشد إلى كينونة شديدة القابلية للتحريض، حيث تتراجع ملكاتهم العقلية وتستيقظ فيهم نزعات التوحش الكامنة، مما يجعل الحشد كياناً قابلاً لارتكاب أفظع الجرائم بدافع التماهي الجمعي وانعدام الإحساس بالمسؤولية الفردية.

تكامل هذا الإطار الجنائي مع ثورة أبحاث التنويم المغناطيسي والإيحاء النفسي التي قادها أطباء الأعصاب والطب النفسي في فرنسا، لاسيما الطبيب الشهير جان مارتن شاركو في مستشفى “لا سالبتريير” بباريس، ومدرسة “نانسي” بزعامة إيبوليت برنهايم. أثبتت هذه الدراسات السريرية أن الوعي البشري هش وقابل للاختراق، وأنه يمكن عبر تقنيات التنويم والإيحاء اللفظي تعطيل الإرادة العاقلة للمريض وجعله ينفذ أوامر لاواعية بالكامل. هذا الكشف الإبستيمولوجي الخطير نقل التحليل من دراسة “العقل الفردي السيد لذاته” إلى دراسة “اللاوعي المنقاد”، مما أتاح لمفكري علم نفس الجماهير نقل آليات التنويم المغناطيسي الفردي إلى الفضاء الاجتماعي العام، وتفسير انقياد الحشود لقادتها بوصفه حالة من “التنويم المغناطيسي الجمعي المتبادل”.

2. غوستاف لوبون والأسس النظرية لكتاب «سيكولوجية الجماهير»

2.1 الأطروحة المركزية لمفهوم «العقل الجمعي» والوحدة الذهنية

في عام 1895، نشر الطبيب والمستشرق الفرنسي غوستاف لوبون مؤلفه الأشهر «سيكولوجية الجماهير» (Psychologie des Foules)، الذي مثل نقطة تحول مفصلية في التنظير للحركات الجمعية. صاغ لوبون أطروحته المركزية عبر افتراض وجود ما أسماه “العقل الجمعي” أو “الروح الجمعية” (L’âme collective)، مؤكداً أن الحشد النفسي ليس مجرد تجمع عشوائي للأجساد، بل هو حالة نوعية جديدة تنشأ عندما تجتمع مجموعة من الأفراد تحت تأثير محفزات عاطفية وظروف محددة. بمجرد حدوث هذا التجمع، تتلاشى الشخصية الواعية المستقلة لكل فرد، وتذوب الفروق الفردية في الذكاء، والثقافة، والمكانة الاجتماعية، لتتشكل وحدة عقلية مؤقتة تخضع لقانون سماه لوبون «قانون الوحدة الذهنية للجماهير» (Loi de l’unité mentale des foules).

يفترض هذا القانون أن الحشد يكتسب عقلاً جمعياً موحداً، ولكن هذا العقل لا يمثل متوسط ذكاء الأفراد المكونين له، بل يمثل في الحقيقة أدنى قاسم مشترك للغرائز والانفعالات البدائية. إن العبقري والعالم والفيلسوف، حين ينخرطون في حشد نفسي مشتعل، يفقدون ميزاتهم الفكرية المتفردة ويصبحون عاجزين عن إصدار أحكام منطقية متزنة، حيث تنحط قدراتهم التحليلية إلى مستوى مساوٍ تماماً لمستوى الفرد الأمي أو البدائي. يصف لوبون هذا التحول بأنه انحدار حضاري لحظي؛ فالفرد المعزول قد يكون كائناً متحضراً يصقل نزواته بالعقل، أما داخل الحشد فيتحول إلى كائن غريزي مندفع تقوده الدوافع اللاشعورية المطلقة، ويصبح أسير ردود الأفعال الانفعالية السريعة التي لا تتسامح مع أي تأجيل أو تفكير نقدي.

يترتب على هذا الانصهار الذهني سيادة العواطف المتطرفة والمطلقة؛ فالجماهير لا تعرف الشك أو التردد، بل تنتقل مباشرة وبشكل فوري من الشك الطفيف إلى اليقين الدوغمائي الصارم، ومن النفور العابر إلى الكراهية التدميرية الشاملة. وبما أن التفكير العقلاني المنطقي يتطلب تأملاً هادئاً ومحاكمة عقلية للفرضيات المتناقضة، فإن عقل الحشد يعجز جوهرياً عن استيعاب البراهين المنطقية المعقدة، ويستعيض عنها بسلسلة من الصور الذهنية الحية، والمجازات البلاغية المؤثرة، والترابطات التخيلية السطحية، مما يجعل قيادته وتوجيهه مرهونين بمخاطبة خياله وتأجيج شحناته الوجدانية بدلاً من مخاطبة عقله البرهاني.

2.2 الرواسب الوراثية واللاشعور العرقي عند لوبون

لم يقصر لوبون تفسيره لسلوك الجماهير على العوامل اللحظية المحيطة بالحشد، بل أرجع هذه الاستجابات إلى أسس أنثروبولوجية وبيولوجية غائرة في التاريخ التطوري البشري، متأثراً بنظريات الداروينية الاجتماعية ومفهوم الوراثة الحيوية السائد في عصره. رأى لوبون أن النفس البشرية تتألف من طبقتين: طبقة واعية هشة وسطحية يكتسبها الفرد من خلال التعليم والتربية والمحيط الحضاري، وطبقة سفلية عميقة ولاواعية تمثل إرثاً وراثياً متراكماً عبر آلاف السنين، أطلق عليها “الروح العرقية” أو “الروح القومية” (L’âme de la race). هذه الطبقة اللاشعورية تختزن الغرائز البدائية، والمخاوف القديمة، والميول التدميرية أو البطولية لأسلاف الجنس البشري.

وفقاً لهذا المنظور، فإن التحول إلى حشد يؤدي وظيفياً إلى إزالة المكابح الأخلاقية والقشرة العقلية المكتسبة التي تراكمت عبر قرون من التحضر، مما يفجر ما أسماه لوبون بـ الارتداد التطوري (Atavism). في هذه الحالة الارتدادية، يستيقظ “الإنسان البدائي” الكامن في أعماق كل فرد، وتطفو الرواسب الغريزية على السطح، فيتصرف الجمع بذات النزق، والقسوة، والاندفاع الأعمى، والبطولة الخارقة التي ميزت القبائل البدائية القديمة قبل تشكل الدولة والمؤسسات القانونية العاقلة.

تأسيساً على ذلك، بنى لوبون موقفه المتشكك، بل والرافض، لجدوى التعليم الشكلي والمناهج التربوية في حماية المجتمعات من تقلبات الجماهير؛ إذ رأى أن التعليم يمس فقط الطبقة الواعية العقلانية، بينما تظل الرواسب الوراثية العرقية في مأمن من التغيير الحقيقي. فعندما تنفجر الأزمات الكبرى وتتشكل الحشود، تتهاوى النظريات الأكاديمية والمبادئ الأخلاقية المكتسبة كبيت من قش أمام طوفان الغرائز اللاشعورية العرقية الموروثة. هذا التصور أضفى على رؤية لوبون طابعاً جبرياً وقدرياً، جعل الحشود تبدو وكأنها محكومة بحتميات وراثية غامضة تحدد سلفاً مصائر الأمم وتوجه نزعاتها نحو الاستقرار أو الفوضى.

3. ميكانيزمات التحول النفسي للفرد داخل الحشد عند غوستاف لوبون

3.1 تلاشي المسؤولية والشعور بالقوة المطلقة

يفصل غوستاف لوبون الميكانيزمات السيكولوجية الدقيقة التي تفسر التحول الجذري في سلوك الفرد وشخصيته لحظة انغماره في الكتلة البشرية. أول هذه العوامل الحاسمة هو “تلاشي الشعور بالمسؤولية الشخصية” (Disparition du sentiment de responsabilité)، وهو ما يوازي في الدراسات النفسية والاجتماعية المعاصرة مفهوم فقدان الهوية الفردية (Deindividuation). ففي الحياة اليومية المنفصلة، يخضع سلوك الفرد لمراقبة ذاتية ومجتمعية صارمة يحكمها الخوف من العقاب القانوني، والنبذ الاجتماعي، ووخز الضمير الأخلاقي؛ أما داخل الحشد، فإن الكثافة العددية الهائلة والتخفي تحت ستار الكتل المجهولة يمنحان الفرد شعوراً بالحصانة التامة، حيث تنعدم الهوية الفردية وتذوب في الكيان الجمعي الفضفاض.

يولد هذا الذوبان المجهول وهماً خطيراً بامتلاك “القوة القاهرة المطلقة” (Sentiment de puissance invincible). يرى الفرد نفسه جزءاً من مارد بشري جبار لا يُقهر ولا يمكن إيقافه، مما يتيح له التحرر الكامل من كل الكوابح والعقد النفسية والموانع الأخلاقية التي تكبله في حالته المنفردة. إن هذا الشعور بالقدرة الكلية يغري الفرد بالاستسلام لغرائزه ونزواته الدفينة، والنزوع نحو ارتكاب أفعال تدميرية مروعة، مثل حرق الممتلكات، أو الفتك بالخصوم، أو اقتحام المؤسسات، وهي أفعال يعجز كلياً عن مجرد التفكير فيها حينما يكون وحيداً ومسؤولاً جنائياً وأخلاقياً عن عواقب قراراته.

تتجلى خطورة هذا الميكانيزم في كونه يعيد تشكيل مفهوم “الواجب” داخل الحشد؛ فالضمير الفردي لا يُلغى فحسب، بل يُستبدل بضمير جمعي بدائي يبرر العنف والوحشية بوصفهما فعلاً مقدساً أو تضحية ضرورية من أجل المجموع. تتلاشى هنا كل اعتبارات التعاطف الإنساني الفردي أمام الهيجان الجماعي، مما يفسر السهولة البالغة التي تنقاد بها الحشود لارتكاب المذابح التاريخية بدم بارد، مع يقين مطلق لدى أفرادها بأنهم لا يقومون بجريمة فردية، بل ينفذون حكماً تاريخياً أو إرادة عليا تتجاوز المسؤوليات الفردية الضيقة.

3.2 العدوى النفسية والتأثر بالتلقين المغناطيسي

الميكانيزم الثاني والثالث في منظومة التحول اللوبونية هما «العدوى النفسية» (Contagion mentale) و«القابلية القصوى للإيحاء والتلقين» (Suggestibilité). يقرر لوبون أن العواطف، والأفكار، والانفعالات تسري داخل الحشود البشرية بذات الكيفية التي تنتشر بها الأوبئة الفيروسية داخل التجمعات السكانية. فكل فعل، وكل صرخة، وكل حركة تصدر عن أحد عناصر الحشد تنتقل بصورة فورية وتلقائية وميكانيكية إلى سائر الأفراد المحيطين به، دون أن تمر بأي عملية تقييم عقلي أو تمحيص نقدي.

تفسر هذه العدوى السريعة استجابة الحشود المفاجئة لحالات الهلع والذعر الجماعي (Panic)، حيث تكفي شائعة كاذبة أو صيحة تحذيرية واحدة لإثارة موجة هروب هستيرية عارمة تؤدي إلى دهس المئات وموتهم. ترتبط هذه العدوى بحالة نفسية خاصة تصيب الفرد داخل الجمع، يماثلها لوبون تماماً بحالة “التنويم المغناطيسي”؛ إذ يصبح المنخرط في الحشد كالمشلول الإرادة، مسلوب الوعي النقدي، ومستعداً لتصديق أكثر المزاعم غرابة وسريالية، وتنفيذ أكثر الأوامر تطرفاً دون أدنى تفكير في سلامته الشخصية أو عواقب أفعاله.

تنبع هذه القابلية المفرطة للإيحاء من هيمنة الخيال الجمعي العاجز عن التمييز بين الواقع والوهم؛ فالصورة الذهنية التي يقترحها المحرض أو القائد تفرض نفسها فوراً على أذهان الحشود بوصفها حقيقة واقعة لا تقبل الجدال. وإذا كانت الطبيعة العقلانية تتطلب أدلة وبراهين لتصديق الدعاوى، فإن عقل الحشد يكتفي بالإيحاء البصري والرمزي المشحون بالعاطفة، وسرعان ما يتحول هذا الإيحاء إلى سلوك ميداني متحمس وفوري. ومن هنا، فإن الحشود لا تقاد أبداً بالبراهين الفلسفية أو الاستدلالات العقلية الصورية، بل تُساق عبر التحكم في خيالاتها الجمعية واستثارة قابليتها للإيحاء والتنويم النفسي المنظم.

4. تصنيف الجماهير وخصائص بنيتها النفسية عند لوبون

4.1 التقسيم البنيوي للجماهير: المتجانسة وغير المتجانسة

لم يتعامل غوستاف لوبون مع مفهوم الحشد بوصفه قالباً مصمتاً وواحداً، بل قدم تشريحاً تصنيفياً دقيقاً ميّز فيه بين أنماط مختلفة من التجمعات بناءً على درجة تنظيمها، وتجانسها، ووعيها الداخلي. قسّم لوبون الجماهير في المبتدأ إلى صنفين رئيسيين:

  • الجماهير غير المتجانسة (Foules hétérogènes): وهي التجمعات التي تتكون من أفراد ينتمون إلى خلفيات، وطبقات، ومهن، ومستويات تعليمية متباينة للغاية، لا يجمعهم رابط مهني أو عقائدي دائم. تنقسم هذه الفئة بدورها إلى:
    • جماهير مجهولة الهوية: مثل حشود الشوارع العفوية، والتجمعات الاحتجاجية اللحظية، ومجموعات الشغب؛ حيث يغيب الاسم والهوية الفردية وتتلاشى المسؤولية كلياً.
    • جماهير مسمّاة ذات هوية: مثل هيئات المحلفين في المحاكم، والمجالس النيابية والبرلمانية؛ فرغم احتفاظ أعضائها بأسمائهم ومسؤولياتهم القانونية، فإن آليات التأثير الجمعي وقانون الوحدة الذهنية تظل فاعلة في توجيه قراراتهم وأحكامهم الانفعالية.
  • الجماهير المتجانسة (Foules homogènes): وهي الكيانات التي تجمع أفراداً يتقاسمون روابط بنيوية مشتركة ومستقرة، وتتدرج إلى ثلاثة أشكال أساسية:
    • الطوائف والفرق (Sectes): التي يوحدها رباط عقائدي وديني أو سياسي مشترك (كالفرق الدينية والأحزاب المؤدلجة الصارمة).
    • المراتب والطبقات الاجتماعية (Castes / Classes): كالطبقة العسكرية، أو الكهنوتية، أو العمالية، حيث توحد المنشأ الاجتماعي والاهتمامات الاقتصادية المشتركة سلوك الفرد وتصهر قراراته في مصلحة الجماعة المهنية.
    • الجماعات المهنية والنقابية: التي تستند إلى تماثل النشاط اليومي والمطالب القطاعية.

أكد لوبون أنه كلما انتقلنا من الجماهير غير المتجانسة المجهولة إلى الجماهير المتجانسة المنظمة، ارتفعت درجة الانضباط وتراجع السلوك الفوضوي التدميري اللحظي لصالح سلوك جمعي أكثر رسوخاً واستدامة، غير أن الخصائص الجوهرية لسيكولوجية الجماهير—المتمثلة في التعصب، وضعف المحاكمة النقدية، والخضوع لسلطة القيادة والتأثر بالإيحاءات الجمعية—تظل كامنة ومستعدة للانفجار متى وُجدت الشروط النفسية المحفزة، حتى داخل أروقة البرلمانات وأرفع المؤسسات السياسية نخبوية.

4.2 السمات العاطفية والإدراكية المشتركة للجماهير

رغم التباينات الهيكلية السابقة، حدد لوبون حزمة من السمات السيكولوجية والإدراكية الجوهرية التي تتقاسمها الجماهير البشرية بمختلف تنويعاتها، ويمكن تكثيف هذه السمات في المحاور التالية:

أولاً: التقلب السريع ونفاد الصبر (Mobilité et Impulsivité): تخضع الجماهير كلياً للمثيرات الخارجية، وتنتقل استجاباتها بصورة دراماتيكية من أقصى درجات الحماس إلى قاع اليأس، ومن نوبة الغضب التدميري إلى الاحتفال الصاخب. لا تمتلك الجماهير قدرة على تأجيل إشباع رغباتها؛ فكل ما تطلبه يجب أن يتحقق فوراً وبصورة حاسمة، إذ إن الإحساس بالقوة المطلقة يجعل فكرة “المستحيل” أو “العائق الواقعي” غائبة تماماً عن وعيها اللحظي.

ثانياً: النزعة الدوغمائية والتعصب المطلق (Intolérance et Dictature): لا تقبل الجماهير المناقشة ولا تحتمل الرأي المخالف، وتنظر إلى معتقداتها بوصفها حقائق منزلة لا يأتيها الباطل. إن التسامح مع المخالف يُفسر في عقل الحشد على أنه ضعف وتخاذل، بينما يُفسر التشدد والاستبداد على أنهما علامة القوة واليقين؛ لذلك تخضع الجماهير طواعية للمستبدين ذوي النزعة الجازمة، وتثور بازدراء على الحكام المتسامحين والضعفاء.

ثالثاً: التفكير بالصور والخيال المجازي (Pensée par images): يعجز عقل الحشد عن التفكير المفاهيمي والتجريد المنطقي الصارم، ولا يفكر إلا عبر سلسلة من الصور الذهنية البصرية المتلاحقة والشديدة السطوع. إن حدثاً تافهاً ولكنه معروض بطريقة درامية مؤثرة يترك في نفس الجمهور أثراً أعمق بمئات المرات من مجلدات تحتوي على إحصاءات وحقائق عقلانية دقيقة وموضوعية.

رابعاً: الازدواجية الأخلاقية (Moralité des foules): شدد لوبون على مفارقة مدهشة في الأخلاق الجماهيرية؛ ففي حين يمكن للحشد أن ينحط إلى درك التوحش والهمجية وارتكاب أبشع الجرائم التي يعف عنها الفرد، فإنه في المقابل قادر على السمو الأخلاقي الاستثنائي وإظهار أسمى درجات التضحية، والإيثار، ونكران الذات، والبطولة المطلقة، والاستشهاد في سبيل فكرة أو عقيدة دون انتظار أي مكسب شخصي. إن الجماهير هي التي تضحي بدمائها في الحروب وتبني الصروح الكبرى، مما يجعلها أداة مزدوجة للهدم الشامل أو التضحية الملحمية بحسب طبيعة المحفزات الموجهة إليها.

5. القيادة والكاريزما واستراتيجيات التوجيه الجماهيري لدى لوبون

5.1 سيكولوجية القائد وآليات صناعة الهيبة (Le Prestige)

يحتل مفهوم “القائد” أو “المحرك” (Le Meneur) موقع الصدارة في نظرية غوستاف لوبون لسيكولوجية الجماهير؛ فالجماهير بطبيعتها الفطرية قطيع مطيع لا يمكنه العيش دون سيد، وهي تملك توقاً لاواعياً للخضوع لسلطة حازمة تفرض عليها إرادتها وتحررها من عبء التفكير والاختيار الذاتي. ينفي لوبون أن يكون قادة الجماهير بالضرورة مفكرين عظماء أو فلاسفة عقلانيين؛ بل هم في الغالب “رجال عمل” يمتلكون إيماناً عقائدياً أعمى وهوساً متعصباً بفكرة محددة، مما يمنحهم طاقة إرادية جبارة تؤثر سحرياً على الجماهير المترددة والتائهة.

السر الأعمق في سلطان القائد على أتباعه يكمن فيما أسماه لوبون «الهيبة» (Le Prestige)، وهي قوة سحرية غير مرئية تمارس نوعاً من الاستلاب المغناطيسي والسيطرة النفسية القاهرة على عقول المحيطين به، وتصيب تفكيرهم النقدي بالشلل التام. قسّم لوبون الهيبة إلى نوعين رئيسيين:

  • الهيبة المكتسبة أو الاصطناعية (Prestige acquis): وهي الهيبة المستمدة من الألقاب، والنسب، والصلات العائلية، والمناصب السياسية، والزي الرسمي، والمظاهر الاحتفالية الفخمة والأبهة السلطوية.
  • الهيبة الشخصية أو الفطرية (Prestige personnel): وهي موهبة نادرة وقوة كاريزمية باطنية يمتلكها بعض الأفراد بالفطرة (كالإسكندر الأكبر، ونابليون بونابرت، وبوذا، ومحمد صلى الله عليه وسلم)، وتجعل الجموع تنقاد لهم انقياداً أعمى بمجرد حضورهم الشخصي، بصرف النظر عن مواقعهم الرسمية.

غير أن لوبون حذر من الهشاشة الجوهرية للهيبة؛ فالهيبة تتغذى على النجاح والاستعراض المستمر وتتآكل بالنقاش والجدال الفكري الحر. إن القائد الذي يُهزم في الميدان أو يتعرض للسخرية العلنية يفقد هيبته فوراً وبلا رجعة، والجماهير التي كانت تسجد له وتعبده بالأمس تتحول في طرفة عين إلى رجمه وإهانة جثته، مؤكدة طبيعتها القاسية التي لا تغفر لمن كان رمزاً لقوتها أن يسقط في مهاوي الضعف البشري.

5.2 تقنيات التأثير والإقناع الجمعي

لكي يتمكن القادة والزعماء من قيادة الجماهير والسيطرة على مقاليد أفكارها وتوجيه سلوكياتها، حدد لوبون ثلاث تقنيات دعائية ونفسية بالغة الفعالية، غدت لاحقاً المبادئ التأسيسية لعلم البروباغندا السياسية والتسويق الحديث:

1. التوكيد البات والقطعي (L’affirmation pure et simple): يجب أن يصاغ الخطاب الموجه للجماهير بعبارات قاطعة، خالية من أي استدلال منطقي، أو تفكير تحليلي، أو مساومات رمادية، أو أدلة برهانية. إن استخدام لغة التوكيد المطلق والتأكيدات الحازمة والخالية من أي شكوك يعفي عقل الحشد من مشقة التفكير ويمنح الفكرة المقترحة سلطة بديهية لا تناقش.

2. التكرار الدائم والمستمر (La répétition): لا يكفي تأكيد الفكرة مرة واحدة، بل يجب تكرارها آلاف المرات بنفس الصياغات والرموز البسيطة والمختزلة. يكمن سر التكرار في أنه يتسلل في نهاية المطاف إلى أعماق اللاشعور الفردي والجمعي ليتحول إلى حقيقة راسخة لا تقبل الجدل؛ إذ ينسى الجمهور قائل الفكرة ومصدرها الأصلي، ويتبناها بوصفها قناعة ذاتية مطلقة نابعة من صميم تفكيره.

3. العدوى والتلقين الرمزي (La contagion): بمجرد أن تتثبت الفكرة المؤكدة والمكررة لدى قلة من الأتباع المتحمسين، فإنها تسري عبر آلية العدوى النفسية إلى سائر الكتلة الجماهيرية لتحدث استجابة سلوكية موحدة ومتزامنة.

وعلاوة على هذا الثلاثي الميكانيكي، شدد لوبون على الأهمية الاستثنائية للغة والكلمات الرنانة والشعارات الغامضة ذات الشحنات العاطفية العالية؛ فكلمات مثل “الحرية”، “العدالة”، “الوطن”، “الأمة”، تمتلك قوى سحرية غامضة تحرك المشاعر وتفجر الطاقات دون الحاجة إلى تحديد معانيها بدقة، بل إن غموضها المفاهيمي هو سر قوتها التأثيرية، حيث يملأ كل فرد هذا الفراغ الدلالي بأوهامه ورغباته اللاشعورية الخاصة. ومن ثم، فإن الزعيم الناجح هو صانع أوهام بامتياز، فالجماهير لا تطلب الحقائق الواقعية الصادمة بل تبحث عن الأساطير المريحة، ومن يستطيع تزويدها بالأوهام يصبح سيداً لها، ومن يحاول تبديد أوهامها يصبح ضحيتها الأولى.

6. غابرييل تارد ونظرية «قوانين التقليد» في علم النفس الاجتماعي

6.1 الركائز الأساسية لنظرية التقليد والمماثلة السلوكية

في مقابل المقاربة البيولوجية والوراثية التي تبناها غوستاف لوبون، قدم عالم الاجتماع والقاضي والفيلسوف الفرنسي غابرييل تارد (Gabriel Tarde) نموذجاً سوسيولوجياً ونفسياً مغايراً تماماً، جسده في كتابه التأسيسي «قوانين التقليد» (Les Lois de l’imitation) الصادر عام 1890. انطلق تارد من فرضية إبستيمولوجية راديكالية ترى أن الظاهرة الاجتماعية الجوهرية ليست هي الحشد المادي الهائج أو الضغط البنيوي القهري، بل هي «التقليد» (L’Imitation) والتفاعل النفسي الدقيق المتبادل بين الأفراد. فالرابطة الاجتماعية، في نظر تارد، ليست عقداً عقلانياً مصطنعاً، بل هي تيار متصل من المحاكاة السلوكية والذهنية ينتقل من عقل إلى آخر عبر مسارات لاشعورية دقيقة.

ذهب تارد إلى تشبيه المجتمع البشري بحالة من “التنويم المغناطيسي الذاتي المستمر” أو “السير أثناء النوم التلقائي” (Somnambulisme social)؛ حيث يقضي الفرد الجزء الأكبر من حياته مقتدياً بالآخرين، مكرراً لعاداتهم، متكلماً بلغتهم، ومتبنياً لأفكارهم وأزيائهم دون أي وعي نقدي بآلية هذا التبني. ومن هنا، فإن التشابه والتجانس الاجتماعي ليسا وليدي أصول عرقية أو بيولوجية مشتركة كما توهم لوبون، بل هما نتاج لسريان موجات التقليد والمحاكاة عبر الأجيال والطبقات.

تتأسس نظرية تارد على ثنائية ديالكتيكية حركية تتألف من قطبين أساسيين: «الاختراع» (L’Invention) و«التقليد» (L’Imitation). الاختراع هو الطفرة الفكرية أو التقنية أو السلوكية الفردية التي ينتجها العبقري أو المبتكر المتفرد، في حين يمثل التقليد الآلية الاجتماعية التي تعمم هذا الاختراع وتنشره ليصبح ملكاً للجميع ونمطاً سلوكياً مستقراً. والتاريخ البشري برمته ليس سوى تراكم لهذه الاختراعات الفردية التي تلقفتها الجماهير عبر التقليد المتلاحق، مما يمنح الفردية والمبادرة الحرة مكانة مركزية في تطور الحضارات، على النقيض من الموقف اللوبوني الذي يلغي الفرد داخل طوفان الحشد.

6.2 مسارات وسريان التقليد داخل البنية الاجتماعية

صاغ غابرييل تارد قوانين سوسيولوجية ونفسية محددة ترسم المسارات التي تسلكها موجات التقليد والمحاكاة داخل النسيج المجتمعي، وميز بين نمطين رئيسيين من القوانين: القوانين المنطقية والقوانين غير المنطقية:

أولاً: القوانين المنطقية للتقليد (Lois logiques): وهي التي تحكم تفضيل واختيار المجتمع لاختراع معين استناداً إلى مدى ملاءمته وتوافقه النفعي والمعرفي مع المنظومة الفكرية والتكنولوجية القائمة سلفاً؛ فالمجتمع يميل إلى محاكاة وتقليد الابتكار الذي يحل معضلة قائمة أو ينسجم مع معتقدات العصر الراسخة، ويرفض الابتكارات الصادمة التي تسبق زمنها وتتعارض مع بنيته المعرفية السائدة.

ثانياً: القوانين غير المنطقية للتقليد (Lois extra-logiques): وهي الأكثر عمقاً وتأثيراً في تشكيل السلوك الإنساني الجمعي، وتتفرع إلى قانونين جوهريين:

  • قانون السريان من الداخل إلى الخارج (Du dedans au dehors): يفترض هذا القانون أن الإنسان يحاكي الأفكار، والعقائد، والمشاعر، والرغبات قبل أن يحاكي الأشكال المادية والمظاهر السطحية؛ فالإنسان يتعلم الإيمان الديني أولاً ثم يقلد الطقوس الحركية، ويتبنى الفلسفة السياسية أولاً ثم يقلد أزياء وشعارات الحزب المنتمي إليه.
  • قانون السريان من الأعلى إلى الأدنى (De l’apogée au déclin / Du supérieur à l’inférieur): ينص هذا القانون على أن الطبقات الدنيا في المجتمع تقلد بالضرورة أنماط سلوك، ولغة، وأزياء، واستهلاك النخب والطبقات الأرستقراطية والحاكمة؛ فالنبلاء يبتكرون موضة معينة تميزهم، وسرعان ما تنتقل بالتقليد التدريجي إلى البرجوازية ثم إلى الطبقات الشعبية، وحين تصبح الموضة شائعة ومبتذلة لدى الجميع، تسارع النخب إلى ابتكار موضة جديدة لإعادة إنتاج التمايز، لتنطلق دورة تقليد جديدة لا تنتهي.

تتفاعل التيارات التقليدية المختلفة داخل المجتمع في حركة تدافع مستمرة؛ فعندما يلتقي تياران تقليديان متناقضان (كفكرتين سياسيتين أو تقليعتين اجتماعيتين متعارضتين)، يحدث ما أسماه تارد “الصراع المنطقي الداخلي” أو “المبارزة المنطقية” (Duel logique)، مما يجبر الأفراد على المقارنة والترجيح، وهذا الصدام بالذات هو الذي يولد شرارة الاختراعات الجديدة، ليتحول الصراع الفكري إلى قوة دافعة للتطور الاجتماعي المستمر.

7. التمايز الجوهري بين «الجمهور الفيزيائي» و«الرأي العام» عند تارد

7.1 من عصر الحشود إلى عصر الجمهور: أطروحة «الرأي والجمهور» (1901)

في عام 1901، أصدر غابرييل تارد كتابه الاستشرافي الفارق «الرأي والجمهور» (L’Opinion et la foule)، ليقدم فيه مراجعة نقدية وتصحيحية جذرية للأطروحات التي روّج لها غوستاف لوبون ومدرسة علم الإجرام الإيطالية. جادل تارد بأن النصف الثاني من القرن التاسع عشر لا يمثل “عصر الجماهير” كما زعم لوبون، بل هو في الحقيقة بوابة الدخول إلى «عصر الجمهور» (L’ère du public)، معتبراً أن الخلط المفاهيمي بين “الحشد” و”الجمهور” هو الخطيئة الكبرى التي وقع فيها معاصروه من علماء النفس والاجتماع.

أقام تارد تمايزاً بنيوياً وإبستيمولوجياً دقيقاً بين المفهومين:

  • الحشد (La Foule): هو تجمع بشري مادي، وفيزيائي، وموضعي، محصور داخل حيز مكاني محدد (شارع، ساحة، مسرح)، يعتمد تأثيره المتبادل على الاحتكاك الجسدي المباشر والتواصل الحسي السمعي والبصري الفوري. وهو كيان محدود العدد نسبياً، تغلب عليه الغرائزية والانفعالية اللحظية، وتستبد به ردود الأفعال العنيفة والبدائية.
  • الجمهور (Le Public): هو جماعة معنوية وفكرية خالصة، تتألف من أفراد مشتتين جغرافياً في بيوتهم ومدنهم، لا يوجد بينهم أي احتكاك فيزيائي أو تجاور جسدي، ولكن يجمعهم رابط نفسي وتواصل فكري متزامن عبر وسائط الاتصال، وفي مقدمتها الصحافة المكتوبة في عصره.

أكد تارد أن ولادة “الجمهور” كانت مستحيلة لولا الاختراعات التكنولوجية الحديثة: الطباعة السريعة، وتوسع شبكات السكك الحديدية، وظهور التلغراف والصحافة اليومية الجماهيرية. فهذه الوسائط أتاحت لمئات الآلاف من القراء المتباعدين أن يقرؤوا في نفس اللحظة الصباحية نفس الأخبار والافتتاحيات والتحليلات السياسية، وأن يشعروا بوعي داخلي بأن آلافاً غيرهم يشاركونهم نفس الانفعال والتأمل الذهني في تلك اللحظة بالذات، مما خلق نوعاً من “التنويم المغناطيسي عن بُعد” والتوحد الفكري غير المادي.

ومن أهم مميزات الفرد داخل “الجمهور” بالمقارنة مع “الحشد”، هو أن الفرد داخل الحشد المادي عاجز عن الانتماء لأكثر من حشد في نفس الوقت؛ فحضوره الجسدي يقيده. أما في عصر الجمهور، فيستطيع الفرد المعاصر أن ينتمي في آن واحد إلى عدة “جماهير” فكرية ودينية وفنية وسياسية دون أي تناقض، فيقرأ جرائد مختلفة ويتفاعل مع قضايا متباينة، مما يحرر وعيه من سطوة الانغلاق والتعصب الأعمى الذي يفرضه الحشد الفيزيائي الواحد، ويمنحه مساحة أوسع للتفكير النقدي والمقارنة العقلانية.

7.2 ديناميات تشكل الرأي العام والمحادثة الاجتماعية

في إطار هذا التمايز، فكك غابرييل تارد الكيفية التي يتشكل بها الرأي العام (L’Opinion publique) داخل المجتمعات الحديثة، مقدماً نظرية تواصلية وسوسيولوجية رائدة سبقت نظريات التواصل والإعلام الحديثة بعقود. رأى تارد أن الرأي العام ليس كياناً هلامياً ينبثق من فراغ، بل هو نتاج تفاعل دوري وديناميكي يمر عبر حلقة ثلاثية الأضلاع:

1. الإعلام والصحافة (La Presse): تمثل الصحافة والوسائط الإعلامية الباعث الأول للأفكار والمحفز الأساسي للأجندة المجتمعية؛ فهي التي تقدم الوقائع، وتطرح الأسئلة، وتثير الاهتمامات المشتركة بين الأفراد المشتتين، وتمنحهم لغة ومفاهيم موحدة للتفكير في الشأن العام.

2. المحادثة اليومية العفوية (La Conversation): اعتبر تارد “المحادثة” أعظم قوة غير مرئية في تشكيل الرابطة الاجتماعية وتوجيه الرأي العام. فالأفراد لا يبتلعون مضامين الصحف بسلبية مطلقة، بل ينقلونها فوراً إلى فضاءات التفاعل اليومي: المقاهي، والصالونات، وأماكن العمل، وموائد الطعام العائلية. ومن خلال المحادثات الشفوية وتبادل الآراء والاعتراضات والمماحكات الكلامية، يتم تمحيص أفكار الصحافة، وتعديلها، وصقلها، وإعادة إنتاجها على نطاق أوسع، مما يجعل المحادثة محركاً رئيسياً لسريان التقليد الفكري وتوليد القناعات المشتركة.

3. تشكل الرأي والفعل السياسي (L’Opinion et l’Action): من خلال التراكم المستمر للمحادثات المتشابهة في آلاف المقاهي والمنازل، يتبلور في نهاية المطاف “رأي عام مستقر” يعبر عن إرادة جمعية متماسكة. هذا الرأي العام يمتلك سلطة رقابية وقوة ضغط معنوية تتجاوز بكثير قوة الحشود الفيزيائية العابرة؛ فالرأي العام يوجه السياسات التشريعية، ويسقط الحكومات عبر صناديق الاقتراع، ويحدد المقبول والمرفوض أخلاقياً داخل المجتمع الحديث.

خلص تارد بتفاؤل تاريخي إلى أن تقدم المجتمعات الديمقراطية والتواصلية يترافق حتماً مع تراجع هيمنة الحشود العنيفة لصالح هيمنة الرأي العام التواصلي؛ فبينما يمثل الحشد بقية من بقايا الماضي الغريزي الهمجي للإنسانية، يمثل الجمهور والرأي العام مستقبل المجتمعات المتحضرة القائمة على العقلانية التواصلية، والتبادل الرمزي، وحرية النقاش الفكري.

8. المقارنة النقدية والجدلية المعرفية بين غوستاف لوبون وغابرييل تارد

8.1 نقاط التقاطع والتطابق المنهجي

على الرغم من الخصومة الفكرية والسجالات الحادة التي طبعت علاقة لوبون وتارد في الأوساط الأكاديمية والباريسية أواخر القرن التاسع عشر—والتي وصلت إلى حد تبادل الاتهامات بالسرقة الأدبية والانتحال العلمي لأسبقية تأسيس علم نفس الجماهير والظواهر الإيحائية—فإن القراءة الإبستيمولوجية المتأنية تكشف عن مساحات تقاطع وتطابق منهجي واسعة بين المفكرين:

أولاً: المرجعية النفسية الإيحائية: اتفق المفكران كلياً على أن السلوك الإنساني الجمعي لا يُفسر من خلال النظريات العقلانية الكلاسيكية المستندة إلى المصلحة الفردية الواعية (كأطروحات النفعية الاقتصادية أو نظرية العقد الاجتماعي)؛ بل هو محكوم بقوى نفسية باطنية، وآليات إيحائية تماثل التنويم المغناطيسي، حيث يتراجع العقل الواعي لصالح التلقين والانقياد غير المدرك.

ثانياً: الاستفادة من الطب النفسي الفرنسي: اعتمد كلاهما على مكتشفات مدرسة باريس (شاركو) ومدرسة نانسي (برنهايم ولبيو) في علم النفس المرضي والتنويم العصبي، ونقلا المفاهيم الإكلينيكية (كالعدوى، والوسواس، والاستلاب، والتلقين) من عيادات علاج الهستيريا إلى تشريح البنى والتفاعلات الاجتماعية والسياسية العامة.

ثانياً: الموقف السياسي والطبقي المحافظ: تشارك لوبون وتارد، بنسب متفاوتة، هاجساً نقدياً وخوفاً نخبوياً دفيناً من تنامي الحركات الثورية والعمالية والاشتراكية التي اجتاحت فرنسا في أعقاب هزيمة 1870 وكومونة باريس. كلاهما نظر بحذر وريبة إلى الديمقراطية العددية المحضة والاقتراع العام غير المقيد، واعتبر أن إطلاق طاقات الكتل غير المؤهلة معرفياً يهدد استقرار المجتمعات الحضارية ويفتح الباب أمام الفوضى والاضطراب.

رابعاً: الإيمان بأولوية العامل النفسي في التاريخ: رفض لوبون وتارد معاً الحتمية الاقتصادية الماركسية التي تختزل حركة التاريخ البشري في صراع الطبقات والتحولات المادية لوسائل الإنتاج، مؤكدين أن الأفكار، والعقائد، والمشاعر الجمعية، والأوهام النفسية، والرغبات اللاشعورية هي المحركات الفعلية الكبرى التي شيدت الحضارات وغيرت مسارات التاريخ وصنعت مصائر الأمم.

8.2 أوجه التباين والاختلاف الجذري

تتجاوز التباينات بين غوستاف لوبون وغابرييل تارد مجرد الاختلاف في التفاصيل، لتمس الأسس الفلسفية والأنثروبولوجية التي ينطلق منها كل مشروع، ويمكن إبراز الفوارق البنيوية بينهما في الجدول المفاهيمي الآتي:

المحور الإبستيمولوجي نموذج غوستاف لوبون (Gustave Le Bon) نموذج غابرييل تارد (Gabriel Tarde)
وحدة التحليل المركزية الحشد الفيزيائي (La Foule): التجمع المادي المباشر، المتجانس نفسياً، والمحصور في فضاء مكاني محدد. الجمهور المعنوي (Le Public): الكيان الفكري المشتت جغرافياً والمتصل عبر وسائط الإعلام والرأي العام.
الأساس التفسيري للرابطة بيولوجي – وراثي: اللاشعور العرقي، الارتداد النكوصي نحو الغرائز البدائية، والقوانين الفيزيولوجية. سوسيولوجي – تفاعلي: قوانين التقليد والمحاكاة بين الأفراد، والتفاعل النفسي عبر المحادثة والإعلام.
موقع الفرد واستقلاليته إلغاء تام للفرد: الفرد يذوب كلياً في عقل الحشد ويفقد رشده ووعيه الأخلاقي والتحليلي. مركزية الفرد المبتكر: الفرد هو منبع “الاختراع”، والجمهور يتيح الانتماء لعدة دوائر فكرية دون سحق الأنا.
طبيعة القيادة والتأثير استبدادية كاريزمية: القائد منوم مغناطيسي يمارس “الهيبة” ويفرض السمع والطاعة عبر الإيحاء القاطع. إشعاع ابتكاري وأنموذج: القائد هو مبتكر يتم تقليد أفكاره ومحاكاتها طواعية عبر السريان الاجتماعي.
الرؤية المستقبلية للحضارة تشاؤم حضاري حاد: سيادة الجماهير تعني انحدار الحضارة إلى الفوضى والهمجية والتحلل الحتمي. تفاؤل عقلاني تواصلي: تطور وسائل الاتصال والرأي العام يؤدي إلى مجتمعات أكثر وعياً واستنارة.

يوضح هذا التمايز أن لوبون صاغ نظرية في “انحطاط الوعي” داخل التجمعات الغريزية المغلقة، في حين صاغ تارد نظرية في “انتشار المعرفة وتداولها” عبر الشبكات الاجتماعية المفتوحة، مما جعل مشروع تارد أكثر مرونة وقابلية للاستثمار في دراسات الاتصال والشبكات الحديثة.

9. الامتدادات النظرية: تأثير لوبون وتارد على سيغموند فرويد والتحليل النفسي

9.1 قراءة فرويد لكتاب لوبون في «علم نفس الجماهير وتحليل الأنا» (1921)

مثّل كتاب غوستاف لوبون «سيكولوجية الجماهير» المنطلق الأساسي الذي بنى عليه مؤسس التحليل النفسي سيغموند فرويد (Sigmund Freud) دراسته السوسيولوجية البارزة «علم نفس الجماهير وتحليل الأنا» (Massenpsychologie und Ich-Analyse) الصادرة عام 1921. في الفصول الأولى من هذا العمل، خصص فرويد صفحات مطولة للإشادة بالوصف الظاهراتي (الفينومينولوجي) الدقيق والبراعة الأدبية التي رسم بها لوبون ملامح التحول النفسي للأفراد داخل الحشود وتراجع كفاءاتهم العقلية وهيمنة النزعات اللاشعورية عليهم.

غير أن فرويد، بعد هذا الثناء المنهجي، وجه نقداً إبستيمولوجياً صارماً للوبون لكونه توقف عند مستوى “الوصف الخارجي” دون أن يقدم تفسيراً سببياً عميقاً للظاهرة. تساءل فرويد: ما هي القوة السحرية التي تجمع الأفراد في حشد متماسك وتصهر إراداتهم في عقل جمعي واحد؟ واعتبر أن مفهوم “الإيحاء” (Suggestion) الذي لجأ إليه لوبون وشاركو ليس سوى “ستار لغوي” يفسر الشيء بذاته دون كشف آلياته الباطنية.

هنا أدخل فرويد مفهومه المركزي: «الليبيدو» (Libido)، أي الطاقة النفسية العاطفية الغريزية ذات الطبيعة العشقية؛ مؤكداً أن الرابطة التي توحد عناصر الحشد هي بالأساس رابطة حب (حب libidinal) موجهة نحو هدفين متزامنين:

  • الرابطة العاطفية الأفقية: وهي رابطة المحبة والتماثل الوجداني التي تجمع أفراد الحشد بعضهم ببعض، حيث يرى كل عضو في الآخرين انعكاساً لنفسه ولمشاعره.
  • الرابطة العاطفية الرأسية: وهي الأكثر خطورة وأهمية، وتتمثل في الارتباط العشقي المشترك والتثبيت الليبيدي نحو شخصية القائد أو الزعيم.

فسر فرويد سلطان القائد عبر ميكانيزم «التماهي» (Identification) و«تنصيب القائد بديلاً عن الأنا الأعلى» (Ersatz für das Ich-Ideal)؛ فالفرد داخل الحشد يتنازل طواعية عن منظومته القيمية وأناه الأعلى النقدي (الضمير الفردي)، ويضع صورة الزعيم المطلق مكانه. وبما أن ضمير الجميع أصبح مجسداً في شخص القائد الخارجي، فإن إرادة القائد تصبح هي القانون الأخلاقي الأوحد، مما يفسر زوال الشعور بالذنب لدى أفراد الحشد عند ارتكابهم أفظع الجرائم بأمر من الزعيم؛ إذ لم يعد لديهم “أنا أعلى” داخلي يوبخهم، بل أصبح القائد هو مصدر الشرعية الأخلاقية المطلقة لكل أفعالهم.

9.2 إعادة صياغة مفاهيم تارد في التحليل النفسي الاجتماعي

لم تكن أطروحات غابرييل تارد غائبة عن أفق التحليل النفسي الفرويدي، وإن كانت مناقشتها قد اتخذت مساراً غير مباشر عبر إعادة صياغة مفاهيم التقليد والمحاكاة والتنويم الاجتماعي في إطار ديناميات الجهاز النفسي الفردي والجمعي. ففي حين رأى تارد في التقليد آلية اجتماعية قائمة بذاتها، حلل فرويد “المحاكاة” بوصفها نتاجاً لآلية التماهي الدفاعية التي يلجأ إليها الأنا لتجنب القلق والشعور بالعزلة والنبذ داخل الجماعة.

طبق فرويد هذه الرؤية على دراسة ما أسماه «الجماعات الاصطناعية المنظمة والمستدامة»، وتحديداً مؤسستي الجيش والكنيسة. بين فرويد أن تماسك هذه التنظيمات الجماهيرية الضخمة لا يستند إلى القوة المادية أو القوانين الجافة وحدها، بل يقوم على وهم نفسي لاواعٍ مشترك يرسخه التقليد والمحاكاة المنظمة: وهو وهم أن القائد العام للجيش (أو المسيح في الكنيسة) يحب جميع الأفراد بالقدر نفسه وبالتساوي التام.

هذا الوهم الليبيدي المشترك يمنع الجماعة من التفكك ويوجه عدوانيتها الفطرية نحو “الخارج” (الأعداء، الكفار، الخصوم السياسيين). كما حلل التحليل النفسي ظاهرة «الهلع والذعر الجمعي» (Panik)، مبيناً أنها تحدث تحديداً عندما تنهار الثقة في القائد أو ينقطع الرباط الليبيدي به، فبمجرد أن يُعتقد أن القائد قد تخلى عن أتباعه أو عجز عن حمايتهم، تنفصم الروابط العاطفية الأفقية بين الأفراد فوراً، وينهار التقليد التضامني ليتحول كل فرد إلى ذئب يبحث عن خلاصه الفردي على حساب سحق الآخرين، مما يؤكد صحة ما رآه تارد وفرويد من أن الرابطة الاجتماعية هشة للغاية ومحكومة بتوازنات نفسية ولاواعية معقدة.

10. التوظيف السياسي والدعائي لنظريات الجماهير في القرن العشرين

10.1 استلهام الأنظمة التوتاليتارية لأطروحات سيكولوجية الجماهير

شهد القرن العشرون التطبيق العملي والمأساوي الأكثر تطرفاً لأطروحات غوستاف لوبون حول الجماهير وقادتها؛ إذ تحولت رؤاه النظرية إلى دليل تشغيلي وإرشادي استندت إليه الأنظمة الشمولية والفاشية في صياغة استراتيجيات السيطرة التامة على المجتمعات. اعترف كل من بينيتو موسوليني في إيطاليا وأدولف هتلر في ألمانيا بقراءتهما العميقة لكتاب «سيكولوجية الجماهير»، واقتبسا منه تقنيات الخطابة والهيمنة الشعبية.

أدرك هتلر ووزير دعايته يوزيف غوبلز بدقة بديهيات لوبون حول الطبيعة الأنثوية والانفعالية للجماهير، وأنها تخضع للصور والشعارات المؤكدة وتكره الجدال المنطقي. وتجلى هذا الاستثمار في ابتكار «المهرجانات الحزبية الهائلة» (مثل مؤتمرات نورمبرغ النازية)، التي صُممت كمسارح تنويمية متكاملة توظف الظلام والأنوار الكاشفة، والغابات من الرايات الحمراء الموشحة برمز الصليب المعقوف، والإيقاعات العسكرية الصارمة والخطابات الهستيرية الهادرة. كل هذه العناصر كانت تستهدف إلغاء فردية المواطن وصهره في “الجسد القومي الموحد” (Volksgemeinschaft)، حيث يتحول الفرد إلى ترس صغير فاقد للإرادة داخل الآلة التوتاليتارية الكبرى.

علاوة على ذلك، وظفت هذه الأنظمة ببراعة قاعدة لوبون حول حاجة الجماهير إلى التبسيط المطلق واستعداء طرف خارجي لتوحيد صفوفها؛ فصُنعت صورة “العدو المشترك” (المتجسد في اليهود، أو البرجوازية، أو القوى الاستعمارية)، وصُبت كل الغرائز العدوانية للكتلة الحاشدة ضد هذا الكبش الفداء، مما أتاح للأنظمة الشمولية توجيه طاقة العنف الجمعي لتنفيذ مشاريع التطهير العرقي، والقمع الداخلي، والحروب التوسعية تحت غطاء التضحية المقدسة من أجل الأمة.

10.2 إدوارد برنيز وتأسيس العلاقات العامة والبروباغندا الحديثة

إذا كانت الأنظمة التوتاليتارية قد وظفت سيكولوجية الجماهير لخدمة الاستبداد السياسي، فإن الرأسمالية الغربية الحديثة والأنظمة الديمقراطية وظفتها بطريقة لا تقل خبثاً وعمقاً في تشكيل السلوك الاستهلاكي وهندسة الرضا الديمقراطي. قاد هذا التحول إدوارد برنيز (Edward Bernays)، ابن أخت سيغموند فرويد ومؤسس حقل “العلاقات العامة” الحديثة في الولايات المتحدة، من خلال مؤلفاته البارزة مثل «تبلور الرأي العام» (1923) وكتابه الشهير «البروباغندا» (Propaganda) الصادر عام 1928.

دمج برنيز أطروحات لوبون حول اللاوعي الجمعي وسلطة الإيحاء مع نظريات خاله فرويد حول الدوافع الليبيدية والرغبات المكبوتة، مستفيداً في الوقت ذاته من أطروحة غابرييل تارد حول “قوانين التقليد” وسلطة “قادة الرأي”. صاغ برنيز مبدأه الشهير «هندسة الموافقة» (The Engineering of Consent)، معلناً أن النخب الاقتصادية والسياسية قادرة—بل من واجبها في نظره—على التحكم غير المرئي في عقول الجماهير ورغباتها دون أن تشعر الجماهير بأنها مقادة ومسيرة.

تجسد ذلك في تحويل “المواطن الواعي” إلى “مستهلك مدفوع بالرغبة”؛ ففي حملته الشهيرة لصالح شركات التبغ لترويج تدخين السجائر بين النساء في عشرينيات القرن العشرين، لم يناقش برنيز الفوائد العقلانية للمنتج، بل صمم حدثاً استعراضياً في شوارع نيويورك أطلق فيه على السجائر اسم “مشاعل الحرية” (Torches of Freedom)، موظفاً رمزية تحرر المرأة وحقها في المساواة مع الرجل لربط تدخين السيجارة لاواعياً بالشعور بالقوة والاستقلال. واستثمر برنيز قانون تارد في التقليد “من الأعلى إلى الأدنى” عبر الاستعانة بالأطباء المشهورين، ونجوم السينما، والشخصيات المرموقة لتبني منتجات وأفكار معينة، مدركاً أن الجماهير ستسارع إلى محاكاتهم استجابة لغريزة التقليد الجمعي غير الواعي.

11. الانتقادات الإبستيمولوجية والمنهجية الموجهة لنظريات لوبون وتارد

11.1 النقد السوسيولوجي والسياسي لأطروحات غوستاف لوبون

على الرغم من الانتشار الواسع والشهرة الطاغية التي حظي بها كتاب «سيكولوجية الجماهير» لغوستاف لوبون، فإنه تعرض لموجات متلاحقة من النقد الإبستيمولوجي والمنهجي الصارم من قبل كبار علماء الاجتماع والمؤرخين والمنظرين السياسيين المعاصرين، ويمكن تلخيص أبرز هذه المآخذ في النقاط التالية:

أولاً: الانحياز الأيديولوجي والأرستقراطي: اتُهم لوبون بأنه لم يكتب بحثاً علمياً موضوعياً، بل صاغ “مانيفستو سياسي” يعبر عن ذعر النخب البورجوازية والرجعية الفرنسية من صعود الطبقة العاملة والديمقراطية وحقوق النساء. لقد صور لوبون الجماهير الشعبية باستعارات تحقيرية مستمرة (مشبهة بالحيوانات، والنساء، والمتوحشين، والأطفال)، مما يكشف عن خلفية شوفينية مسبقة تبطن احتقاراً بنيوياً لكل حراك جماهيري ديمقراطي يسعى للتغيير والعدالة الاجتماعية.

ثانياً: غياب المنهجية التجريبية الصارمة: افتقرت أطروحات لوبون إلى المعايير الإمبريقية الرصينة؛ فكتابه يخلو من أي دراسات إحصائية دقيقة، أو مقابلات ميدانية، أو تجارب منضبطة، واعتمد كلياً على الملاحظات الانطباعية السطحية، والتعميمات الأدبية الفضفاضة، والروايات التاريخية المنتقاة بعناية لدعم فرضياته المسبقة حول همجية الجماهير وعنفها.

ثالثاً: إغفال العقلانية الاحتجاجية والمحددات البنيوية: وجه المؤرخون الاجتماعيون ونقاد علم الاجتماع الاحتجاجي (مثل تشارلز تيلي، وجورج روديه، وإي. بي. طومسون) ضربة قاصمة لفرضية “جنون الحشود” اللوبونية؛ حيث أثبتت الدراسات التاريخية الميدانية للثورات والاحتجاجات أن الجماهير الثائرة لا تتصرف بدافع الهستيريا العمياء، بل تمتلك “عقلانية أخلاقية واقتصادية” واضحة؛ فأهدافها وأفعالها (كاستهداف مخازن الحبوب المحتكرة، أو المؤسسات القمعية) كانت استجابات موجهة ومنتخبة تعبر عن مظالم هيكلية واضحة ومطالب سياسية محددة، وليست تفجيراً عشوائياً لغرائز همجية وراثية كما زعم لوبون.

11.2 المراجعات السوسيولوجية الحديثة لنظرية التقليد عند تارد

واجه مشروع غابرييل تارد بدوره تحديات ومراجعات نقدية حادة، لاسيما في سياق معركته الأكاديمية التاريخية ضد مؤسس المدرسة السوسيولوجية الفرنسية إميل دوركايم (Émile Durkheim)، الذي رأى في أطروحات تارد رِدة نفسية وتراجعاً عن تأسيس علم اجتماع علمي مستقل:

1. الاختزال النفسي الفردي: انتقد دوركايم بشدة اختزال تارد للظواهر الاجتماعية الكلية في مجرد “تفاعلات وتقليدات بين أفراد” (Psychologism)، مؤكداً أن “الظاهرة الاجتماعية يجب أن تُفسر بظاهرة اجتماعية أخرى تفوق إرادة الأفراد”، وأن المجتمع يمتلك بنية موضوعية، ومؤسسات قهرية (كالقوانين واللغة والدين) تمارس إكراهاً خارجياً لا يمكن اختزاله في المحاكاة الإرادية أو النفسية البسيطة.

2. إغفال علاقات القوة والصراع الطبقي: بالغت نظرية التقليد في إضفاء طابع انسيابي وهادئ على التطور الاجتماعي؛ حيث تجاهلت هياكل الهيمنة، وصراعات المصالح المادية والطبقية، والتحيزات المؤسسية، فالعلاقة بين الطبقات العليا والدنيا ليست مجرد علاقة “قدوة ومحاكاة”، بل هي علاقة صراع معقد تحكمها موازين القوة وتوزيع الثروة.

3. صعوبة الضبط التجريبي: ظلت “قوانين التقليد” عند تارد في كثير من جوانبها تعميمات فلسفية واسعة يصعب قياسها كمياً أو اختبارها إمبريقياً في سياقات اجتماعية متداخلة ومتعددة المتغيرات.

ومع ذلك، شهدت العقود الأخيرة إعادة اعتبار مذهلة ومفاجئة لمشروع غابرييل تارد، لاسيما مع صعود سوسيولوجيا الشبكات، ونظرية “الفاعل-الشبكة” (Actor-Network Theory) التي قادها المفكر الفرنسي الراحل برونو لاتور (Bruno Latour)، حيث اعتبر لاتور أن تارد كان سابقاً لعصره بقرن كامل، وأن مفهومه للروابط المتناهية الصغر، وسريان المعلومات والابتكارات عبر الشبكات الأفقية، يمثل الإطار الأنسب لفهم العالم المعاصر القائم على الترابط الشبكي وتدفق البيانات اللامركزي.

12. سيكولوجية الجماهير في الفضاء الرقمي والشبكات الافتراضية المعاصرة

12.1 الحشود السيبرانية وظاهرة الاستقطاب والعدوى الشعورية الرقمية

في الألفية الثالثة، ومع انفجار ثورة الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي (مثل منصة إكس/تويتر سابقاً، وفيسبوك، وتيك توك)، استعادت أطروحات غوستاف لوبون راهنيتها المفاهيمية بصورة غير مسبوقة، ولكن ضمن بيئة جديدة تماماً: «الحشود السيبرانية الافتراضية» (Digital / Cyber Crowds). فعلى الرغم من غياب التجمع الجسدي المادي، فإن البنية التفاعلية للمنصات الرقمية وفرت نفس الشروط النفسية التي حللها لوبون لنشوء “الوحدة الذهنية” وتلاشي الحس النقدي الفردي.

تتجلى هذه الاستعادة في المظاهر السلوكية التالية داخل الفضاء الرقمي:

  • التخفي والعدوانية وانعدام المسؤولية: تتيح الحسابات المجهولة والأسماء المستعارة على وسائل التواصل للأفراد شعوراً بالحصانة التامة وزوال الخوف من الرقابة والعقاب، مما يفجر مستويات مروعة من خطاب الكراهية، والتنمر، والعدوانية اللفظية غير المسبوقة، تماماً كما تفعل الكثافة العددية في حشود الشوارع.
  • ثقافة الإلغاء والمحاكمات الجماهيرية (Cancel Culture): تمارس الجماهير الرقمية نفس الدوغمائية والتعصب اللوبوني؛ إذ تكفي تغريدة أو مقطع فيديو مجتزأ لإثارة موجة غضب جمعي عارم (Digital Mobbing) تؤدي إلى ملاحقة المستهدف، والتشهير به، وتدمير حياته المهنية والاجتماعية في غضون ساعات دون أي محاكمة عادلة أو تمحيص للأدلة.
  • الخوارزميات كمضخمات للعدوى النفسية: صُممت خوارزميات منصات التواصل الاجتماعي لتعظيم معدلات التفاعل والانتشار، وقد أثبتت الدراسات المعرفية أن المحتوى المشحون بالغضب الأخلاقي والمشاعر السلبية هو الأكثر مشاركة وانتشاراً؛ مما يعني أن المنصات الرقمية تعمل كمحركات لتوليد وتضخيم “العدوى الشعورية الفيروسية” بسرعة فائقة.
  • غرف الصدى والفقاعات المعرفية (Echo Chambers): تؤدي خوارزميات التفضيل إلى عزل المستخدمين داخل فقاعات فكرية متجانسة لا يرون فيها إلا ما يوافق قناعاتهم، مما يرسخ الوحدة الذهنية الدوغمائية ويقضي على أي إمكانية للشك الفلسفي أو التفكير النقدي المتزن.

12.2 تحقق نبوءة تارد: الفضاء الشبكي وقوانين المحاكاة الفيروسية

إذا كان لوبون يفسر “الجانب المظلم” والانفعالي للغضب الرقمي، فإن غابرييل تارد هو المنظر بلا منازع لطبيعة البنية التواصلية والحركية للإنترنت؛ إذ يبدو الفضاء الرقمي المعاصر وكأنه التحقق الحرفي والتكنولوجي لنبوءته حول “عصر الجمهور” وشبكات المحاكاة والتقليد الأفقية العابرة للجغرافيا والحدود القومية.

تتجسد تاردية الفضاء الشبكي في ديناميات متعددة، من أبرزها:

1. الميمات والترندات كمحاكاة تاردية خالصة: تمثل الميمات الرقمية (Internet Memes) وظاهرة مقاطع الفيديو الفيروسية والتحديات الرائجة (Trends) التطبيق الأوضح لـ “قوانين التقليد”؛ حيث يطلق فرد مجهول ابتكاراً أو قالباً بصرياً معيناً (الاختراع)، ليتلقفه ملايين المستخدمين حول العالم ويعيدوا إنتاجه، وتقليده، وتعديله، ومشاركته بصورة فورية، ليعبر الميم عن حالة ذهنية مشتركة ورأي جمعي مكثف ينتشر بسرعة الضوء عبر الشبكة.

2. المؤثرون كقادة رأي شبكيين (Influencers): يجسد “المؤثر” المعاصر مفهوم تارد لقائد الرأي الذي يمارس الهيبة والإيحاء من خلال تقديم نمط حياة، أو أفكار، أو استهلاكات معينة، فيسارع متابعوه المشتتون في مختلف القارات إلى محاكاته في الأزياء، وطريقة الحديث، والمواقف السياسية والاستهلاكية، محققين قانون السريان “من الأعلى إلى الأدنى” في نسخته الرقمية الجديدة.

3. آفاق الذكاء الاصطناعي والتزييف العميق: في عصر الذكاء الاصطناعي التوليدي وتقنيات التزييف العميق (Deepfakes)، تدخل سيكولوجية الجماهير مرحلة فائقة التعقيد والخطورة؛ حيث بات بالإمكان هندسة الرأي العام، وتوليد صور وفيديوهات كاذبة شديدة الواقعية والتأثير البصري، وتوجيه جيوش من الذباب الإلكتروني والروبوتات البرمجية (Bots) لبث الإيحاءات، وتوجيه المحادثات اليومية، والتلاعب بالخيالات الجمعية على نطاق كوكبي شامل.

يضعنا هذا الواقع الرقمي الجديد في قلب التركيب الجدلي بين لوبون وتارد: فنحن نعيش في فضاء هو في ظاهره “جمهور تارد شبكي متصل ومفتوح”، ولكنه في آليات تفاعله واستقطاباته وانفعالاته ينقلب في كثير من اللحظات إلى “حشد لوبوني افتراضي هائج ومتحفز”، مما يجعل العودة إلى فحص ونقد أصول هذين المشروعين التأسيسيين ضرورة ملحة لفهم التحديات الوجودية التي تواجه العقل والديمقراطية والإنسانية في العصر الرقمي.

خاتمة: التركيب المعرفي ومستقبل سيكولوجية الجماهير

في ختام هذه القراءة الاستقصائية المعمقة في التراث التأسيسي لسيكولوجية الجماهير، يتضح لنا بجلاء أن مشروعي غوستاف لوبون وغابرييل تارد لا يمثلان نسقين متناقضين بالكلية بقدر ما يمثلان وجهين متكاملين لعملة سوسيولوجية ونفسية واحدة حاولت فك لغز الوجود الجمعي البشري في مهب الحداثة. لقد استشعر كلاهما، بحدس فكري ثاقب، أن الإنسان الحديث ليس ذلك الكائن العقلاني المستقل الذي حلم به فلاسفة الأنوار، بل هو كائن علائقي، هش، مشحون بالرواسب اللاواعية، وشديد التأثر بمحيطه الاجتماعي والرمزي.

قدم لوبون التشريح الإكلينيكي للحظات الانفجار والانفعال الجمعي، راسماً بدقة ملامح الحشد المادي وسلطة الهيبة والتوكيد في شل التفكير النقدي، وهي رؤى لا تزال تقدم تفسيرات نافذة لظواهر الفاشيات الجديدة، والتعصب الكروي، والهستيريا الجماهيرية في الشوارع والمنصات. وفي المقابل، ارتقى تارد بالتحليل إلى أفق سوسيولوجي وتواصلي رحب، مستشرفاً قبل الأوان عصر الجماهير المشتتة، والشبكات الإعلامية، وتدفقات الرأي العام، وقوانين المحاكاة الفيروسية التي تحكم عالمنا الرقمي اليوم.

إن إعادة قراءة هذين المفكرين في مطلع القرن الحادي والعشرين تكتسب راهنية مضاعفة؛ ففي ظل الهيمنة المتعاظمة لخوارزميات التواصل الاجتماعي، وتصاعد موجات الشعبوية السياسية حول العالم، وانفجار فقاعات التضليل والاستقطاب الأيديولوجي، تبدو البشرية بحاجة ملحة إلى استدعاء هذه الأدوات المفاهيمية لنقد أوهام الحشود، وتفكيك آليات هندسة الرضا والتوجيه الخفي، سعياً وراء إعادة تأسيس فضاء عمومي ديمقراطي حقيقي ينتصر للوعي النقدي الفردي دون أن يتنكر لحقيقة الانتماء الجمعي المشترك.

المراجع والمصادر (References)

اقتباس هذا المقال

looti, M. (2026, أغسطس 27). سيكولوجية الجماهير – غوستاف لوبون وغابرييل تارد. عرب سايكلوجي. https://arabpsychology.com/theories/crowd-psychology-gustave-le-bon-gabriel-tarde/
looti, Mohammed. “سيكولوجية الجماهير – غوستاف لوبون وغابرييل تارد.” عرب سايكلوجي, 27 أغسطس 2026, https://arabpsychology.com/theories/crowd-psychology-gustave-le-bon-gabriel-tarde/.
looti, Mohammed. “سيكولوجية الجماهير – غوستاف لوبون وغابرييل تارد.” عرب سايكلوجي. أغسطس 27, 2026. https://arabpsychology.com/theories/crowd-psychology-gustave-le-bon-gabriel-tarde/.