تُمثّل نظرية التهيؤ النفسي (Theory of Psychological Set / Установка) التي صاغها العالم السيكولوجي والفيلسوف الجورجي ديمتري أوزنادزه (Dmitry Uznadze) إحدى أعظم المحاولات الرائدة في تاريخ العلوم النفسية لتجاوز الثنائيات الفلسفية والميثودولوجية التقليدية التي كبّلت الفكر السيكولوجي لعقود طويلة. في زمن انقسم فيه علم النفس بين نزعة سلوكية ميكانيكية تُختزل الكائن الحي في معادلة «مثير-استجابة» وتتجاهل النشاط الداخلي، ونزعة استبطانية أو تحليلية غارقة في الذاتية والافتراضات الميتافيزيقية حول الوعي واللاوعي الغريزي، برزت مدرسة تبليسي السيكولوجية لتقدم نسقاً تجريبياً ونظرياً متكاملاً يُعيد الاعتبار للشخصية بوصفها كلاً لا يتجزأ يتوسط بين المحيط الخارجي والفعل السلوكي الواعي.
يقوم الجوهر الفلسفي والتجريبي لنظرية أوزنادزه على مفهوم «التهيؤ» بوصفه حالة كلية، غير واعية، تسبق أي عملية إدراكية أو حركية أو معرفية محددة. إنه ليس مجرد عنصر فسيولوجي بسيط، ولا هو فكرة عقلية مجردة، بل هو التعبير العضوي-النفسي الشامل عن التقاء «الحاجة الذاتية» للكائن الحي مع «الموقف الموضوعي» المحيط به. من خلال هذا المنظور التأسيسي، استطاع أوزنادزه وفريقه البحثي إخضاع اللاوعي للتجريب المعملي المنضبط، مبرهنين على أن ما يوجه سلوكنا وإدراكنا وأحكامنا ليس المحفزات المباشرة المعزولة، بل الاستعدادات المسبقة التي ترتسم في بنية الذات قبل أن تطفو إلى سطح الوعي والتفكير المنطقي.
تستعرض هذه الدراسة الموسوعية الشاملة نظرية التهيؤ النفسي بجميع أبعادها التاريخية، والمفاهيمية، والتجريبية، والتطبيقية. سنغوص في أعماق المختبر السيكولوجي لمدرسة تبليسي، ونتتبع ديناميات التهيؤ من التشكّل إلى التثبيت والتلاشي، ونستعرض أنماط الشخصية المتباينة بناءً على مرونة وصلابة التهيؤ، وصولاً إلى تطبيقات النظرية في مجالات علم النفس المعرفي، والطب النفسي، والتربية، وسيكولوجيا الاتصال الجماهيري، وعلوم الأعصاب الحديثة التي أعادت اكتشاف أوزنادزه كأحد آباء المعالجة التنبؤية في الدماغ البشري.
- 1. المدخل التاريخي والتأسيسي لنظرية التهيؤ لديمتري أوزنادزه
- 2. المفهوم الجوهري للتهيؤ النفسي وطبيعته الوجودية
- 3. المنهجية التجريبية الكلاسيكية في دراسات أوزنادزه
- 4. ديناميات التهيؤ النفسي: المراحل والمسارات التحولية
- 5. تصنيف أنماط التهيؤ النفسي والفروق الفردية
- 6. مستويات النشاط النفسي وعملية التشيؤ المعرفي
- 7. التهيؤ النفسي في سياق العمليات المعرفية العليا
- 8. المقارنة النقدية لنظرية التهيؤ مع المدارس النفسية الكبرى
- 9. التطبيقات الإكلينيكية والباثولوجية لنظرية التهيؤ
- 10. تطبيقات نظرية التهيؤ في المجالات التربوية والتعليمية
- 11. التهيؤ النفسي في سياق السلوك الاجتماعي وسيكولوجيا الاتصال
- 12. المكانة الراهنة والآفاق المستقبلية لنظرية ديمتري أوزنادزه
- خاتمة شاملة
- References
1. المدخل التاريخي والتأسيسي لنظرية التهيؤ لديمتري أوزنادزه
1.1 السياق التاريخي والمدرسة السيكولوجية الجورجية
في الربع الأول من القرن العشرين، شهدت جورجيا، ولا سيما عاصمتها تبليسي، حراكاً فكرياً وثقافياً استثنائياً توازى مع التحولات السياسية العاصفة التي اجتاحت الإمبراطورية الروسية ثم نشوء الاتحاد السوفيتي. في هذه البوتقة المشتعلة بالأسئلة النهضوية، نشأت مدرسة تبليسي السيكولوجية بوصفها مشروعاً علمياً وطنياً وعالمياً يسعى إلى ترسيخ مكانة جورجيا على خارطة العلوم الإنسانية والتجريبية، مع الحفاظ على استقلالية معرفية نسبية ميزتها عن المدارس السيكولوجية المركزية في موسكو وسانت بطرسبرغ.
لقد أدركت النخبة الأكاديمية الجورجية، بقيادة أوزنادزه، أن العلوم النفسية في العالم تعيش أزمة بنيوية حادة: فالنزعة السلوكية الأمريكية، بريادة جون واطسون، أفرغت الإنسان من عقله وروحه وحولته إلى آلة صماء تستجيب آلياً للمثيرات، في حين غرقت النزعة الاستبطانية الأوروبية في دراسة ذرات الوعي المعزولة، وعجزت مدرسة سيغموند فرويد عن تقديم براهين تجريبية دقيقة لمفهوم اللاوعي القائم على الليبيدو والصراعات البيولوجية المكبوتة. هنا، وفرت البيئة الأكاديمية في تبليسي مناخاً خصباً لصياغة بديل علمي صارم يجمع بين التجريب المخبري المعملي والعمق الفلسفي الشمولي.
كانت المدرسة الجورجية على اتصال وثيق بالتيارات الفلسفية الأوروبية السائدة، وخاصة الفلسفة الألمانية الكلاسيكية وتيارات الظاهراتية (الفينومينولوجيا) وعلم نفس الجشطالت. غير أن باحثي مدرسة تبليسي رفضوا التبعية العمياء لأي تيار؛ وبدلاً من ذلك، عملوا على صياغة نظرية أصيلة ترتكز على الواقع العضوي-الاجتماعي للإنسان، متخذين من مفهوم «التهيؤ» حجر زاوية لبناء صرح سيكولوجي متميز صمد لعقود طويلة أمام التغيرات الأيديولوجية والسياسية.
1.2 السيرة العلمية لديمتري أوزنادزه وتطور مشروعه الفكري
ولد ديمتري نيقولايفيتش أوزنادزه (1886-1950) في قرية ساكارا بجورجيا، وتلقى تعليماً رفيع المستوى قاده إلى كبرى الجامعات الأوروبية. درس الفلسفة وعلم النفس في جامعة لايبتزغ بألمانيا وتتلمذ على يد الأب الروحي لعلم النفس التجريبي فيلهلم فونت، وتأثر تأثراً عميقاً بالمثالية النقدية لإيمانويل كانط وفلسفة الغائية الأحادية لدى غوتفريد لايبنتز، ولا سيما فكرة «الإدراك الصغير غير الواعي» (Petites Perceptions). بعد ذلك، تابع دراساته في جامعة هاله حيث حصل على شهادة الدكتوراه في الفلسفة عام 1909 عن أطروحته حول فلسفة فلاديمير سولوفيوف.
عند عودته إلى وطنه، كرس أوزنادزه طاقته لتأسيس البنية التحتية للتعليم العالي في جورجيا، وكان أحد المؤسسين الرئيسيين لجامعة تبليسي الحكومية عام 1918. وهناك أنشأ أول قسم ومختبر تجريبي لعلم النفس في جورجيا، محولاً إياه إلى خلية عمل بحثية أنتجت آلاف التجارب الدقيقة. لم يكن مسار أوزنادزه مجرد مراقبة للمختبرات، بل كان تحولاً فلسفياً ومنهجياً من دراسة العمليات الحسية والإدراكية البسيطة المعزولة إلى السعي لصياغة نظرية متكاملة تفسر الشخصية الإنسانية وسلوكها في شتى مستوياته.
تدرج مشروع أوزنادزه الفكري عبر مراحل نقدية مكثفة: بدأ بدراسة سيكولوجيا التفكير والإدراك واللغة، مروراً ببحث مفاهيم التصور والأوهام الحسية، ليصل في نهاية ثلاثينيات القرن العشرين إلى بلورة «نظرية التهيؤ النفسي العام». استمر في تطوير هذه النظرية حتى وافته المنية عام 1950، تاركاً إرثاً ضخماً تجسد في كتابه المرجعي الشهير «الأسس النفسية لنظرية التهيؤ» (Psychological Foundations of the Set Theory) الذي نُشر لاحقاً وأحدث صدى عالمياً واسعاً.
1.3 إشكالية الوعي واللاوعي في الفكر السيكولوجي السوفيتي
اتسم المناخ الفكري السوفيتي في بدايات القرن العشرين بصرامة أيديولوجية تحكمت في العلوم الإنسانية والبيولوجية، حيث فرضت المادية الجدلية والماركسية-اللينينية نموذجاً يرى في الوعي انعكاساً للمادة والنشاط الاجتماعي والعمل. ونتيجة لذلك، نُظر إلى مفهوم «اللاوعي» الفرويدي التقليدي بعين الشك والريبة الشديدين، واعتُبر مفهوماً بورجوازياً مثالياً يختزل السلوك البشري في رغبات بيولوجية جنسية مشوهة وغرائز مظلمة تتناقض مع فكرة الإنسان الواعي الصانع لتاريخه ولمجتمعه.
في هذا السياق المعقد، واجه أوزنادزه تحدياً إبستمولوجياً كبيراً: كيف يمكن دراسة الحالات والعمليات النفسية غير الواعية دون الوقوع في شراك الغيبية أو التحليل النفسي الفرويدي، وفي الوقت ذاته دون الانجراف نحو السلوكية الرديئة التي تنكر باطن الإنسان كلياً؟ لقد سعى أوزنادزه إلى صياغة مفهوم موضوعي وتجريبي ومادي للعمليات اللاواعية، واعتبر أن اللاوعي ليس مجرد مستودع للرغبات المكبوتة أو الذكريات المنسية، بل هو المستوى الوظيفي الأولي والأساسي للنشاط النفسي السوي.
استطاع أوزنادزه التوفيق ببراعة منقطعة النظير بين متطلبات التجريبية العلمية الصارمة وبين فهم الكينونة الذاتية الشاملة للإنسان. لقد قدّم «التهيؤ» كحالة نفسية غير واعية وموضوعية قابلة للقياس والتحقق التجريبي في المختبر عبر مؤشرات حسية وحركية ملموسة، مما نزع عن اللاوعي طابعه الغيبي وأدرجه ضمن صلب النظريات العلمية المعترف بها في الفضاء الأكاديمي السوفيتي والعالمي على حد سواء.
2. المفهوم الجوهري للتهيؤ النفسي وطبيعته الوجودية
2.1 تعريف التهيؤ كحالة شمولية غير واعية للكائن الحي
يُعرَّف التهيؤ النفسي (Set / Установка) عند أوزنادزه بأنه «حالة كلية وشاملة من الاستعداد والتوجه الداخلي للكائن الحي نحو القيام بنشاط معين استجابة لحاجة محددة في موقف موضوعي معين». التهيؤ إذن ليس مجرد حركة عضلية مسبقة، ولا انفعال عاطفي عابر، ولا فكرة عقلية مجردة، بل هو تعبير عن الكيان النفسي-الجسدي بأكمله وهو يستجمع قواه وينتظم كلياً لمواجهة العالم الخارجي والتفاعل معه قبل أن يدرك الوعي تفاصيل هذا التفاعل.
يؤكد أوزنادزه على الطابع الشمولي (Holistic) للتهيؤ؛ فالإنسان لا يستجيب للمثيرات بأعضاء معزولة كالعين أو اليد فقط، بل تستجيب «الشخصية ككل» (The Person as a Whole). التهيؤ يسبق العمليات المعرفية المنفصلة من إدراك وتذكر وتفكير، ويحدد مسارها وشكلها. إنه يمثل الأساس الباطني الذي تبنى عليه كافة الظواهر النفسية الجزئية؛ فقبل أن أرى شيئاً أو أسمعه أو أحكم عليه، أكون متهيئاً بطريقة معينة تحدد كيف سأراه وكيف سأحكم عليه.
كما يتميز التهيؤ بطبيعته «اللاواعية الفطرية والوظيفية»؛ فالشخص لا يشعر بحالة التهيؤ كفكرة عقلية، ولا يتخذ قراراً إرادياً صريحاً بالدخول فيها. إن التهيؤ يحدث في مستوى سابق للوعي (Pre-conscious / Unconscious Level)، ويتمايز كلياً عن «النية الواعية» (Conscious Intention). النية الواعية هي فكرة تأملية تتطلب صياغة لغوية وتفكيراً منطقياً، أما التهيؤ فهو الاستعداد الوجودي الحيوي الفعلي الذي يجعل تنفيذ تلك النية أو الاستجابة للموقف أمراً ممكناً وسلساً في الواقع العملي.
2.2 التهيؤ بوصفه حلقة وصل بين العضوي والنفسي
ظلت الثنائية الديكارتية الشهيرة التي تفصل فصلاً قاطعاً بين الجوهر الممتد (الجسد) والجوهر المفكر (العقل) تمثل المعضلة الكبرى في تاريخ الفلسفة والطب النفسي. جاءت نظرية أوزنادزه لتقدم حلاً إبستمولوجياً بارعاً لهذه المعضلة من خلال موضعة «التهيؤ» كحلقة وصل وتكامل لا تنفصم بين المستوى الفسيولوجي العضوي والمستوى النفسي الذاتي.
في إطار التهيؤ، لا يوجد جسد ميكانيكي مستقل ولا عقل مجرد يطفو في الفراغ؛ بل هناك كائن عضوي حي متكامل، تندمج فيه الإشارات العصبية، والنشاط الهرموني، والتوتر العضلي مع التوجه النفسي، والدلالة المعنوية، والهدف الحيوي. إن التهيؤ هو الحالة التي يتحول فيها المثير المادي الخارجي إلى معنى سيكولوجي، وتتحول فيها الطاقة البيولوجية الداخلية إلى سلوك هادف ومنظم.
يلعب التهيؤ دوراً مركزياً في تحقيق الاتزان التكيفي (Adaptive Homeostasis) بين الكائن الحي وبيئته المعقدة. فبفضل التهيؤ، لا يحتاج الإنسان إلى إعادة تقييم كل مثير يواجهه من نقطة الصفر في كل لحظة، بل يمتلك جهازاً دينامياً يضبط وظائفه الفسيولوجية والنفسية بصورة مسبقة ومتناغمة، مما يحفظ طاقة الكائن ويضمن سرعة وكفاءة استجابته لتحديات البقاء والتفاعل اليومي.
2.3 البنية التأسيسية لنشوء التهيؤ: جدلية الحاجة والموقف
ينص القانون الأساسي في نظرية ديمتري أوزنادزه على أن التهيؤ النفسي لا ينبثق عشوائياً، بل هو نتاج حتمي لالتقاء وتفاعل متغيرين رئيسيين لا غنى لأحدهما عن الآخر: الحاجة الذاتية (Subjective Need) والموقف الموضوعي (Objective Situation).
- الحاجة الذاتية (Need): تمثل المحرك والدافع الداخلي للكائن الحي. قد تكون هذه الحاجة بيولوجية عضوية أولية (كالجوع، العطش، الحاجة للراحة)، أو نفسية-اجتماعية عليا (كالحاجة للمعرفة، الانتماء، الإنجاز، الجمال). الحاجة وحدها بدون موقف محدد تظل مجرد توتر عام لا شكل له، وتبحث عن مخرج لتحقيق الإشباع.
- الموقف الموضوعي (Situation): يمثل مجمل الشروط والظروف والمثيرات الخارجية المتوفرة في البيئة الواقعية التي يمكن في إطارها تلبية تلك الحاجة أو مواجهتها. الموقف الخارجي بخصائصه المادية والمكانية والزمانية هو الذي يحدد إمكانيات الفعل ومساراته.
عندما تلتقي الحاجة القائمة بموقف يحتوي على الظروف المناسبة لإشباعها، تنقدح شرارة التهيؤ الفعلي بصورة فورية وتلقائية. هذا الالتقاء هو شرط حتمي ولازم؛ فالموقف بمفرده دون وجود حاجة ذاتية تقابله يبقى مثيراً محايداً لا يولد أي تهيؤ ذي دلالة، والحاجة بدون موقف يلائمها تظل طاقة كامنة غير موجهة. إن التهيؤ هو وليد هذه العلاقة الجدلية، حيث تصطبغ شروط الموقف بألوان الحاجة، وتتشكل الحاجة في قوالب الموقف الموضوعي.
3. المنهجية التجريبية الكلاسيكية في دراسات أوزنادزه
3.1 تجارب الكرات اللمسية وأوهام الحجم والوزن
لإثبات وجود التهيؤ كحالة نفسية موضوعية قابلة للقياس، ابتكر أوزنادزه تصميماً تجريبياً عبقرياً أصبح كلاسيكية من كلاسيكيات علم النفس التجريبي، واشتُهر باسم تجارب «أوهام الحجم والوزن اللمسية والحرَكية» (Haptic Illusions).
يقوم التصميم التجريبي على مرحلتين دقيقتين:
- مرحلة التثبيت (Fixation Trials): يُطلب من المفحوص (وهو معصوب العينين عادة) أن يمد يديه معاً، وتوضع في راحة يده اليمنى كرة كبيرة الحجم وخفيفة أو ثقيلة، بينما توضع في راحة يده اليسرى كرة أصغر حجماً منها بكثير. يتكرر هذا الإجراء لعشر أو خمس عشرة مرة متتالية وبشكل منتظم. خلال هذا التكرار، تتشكل في البنية النفسية-الحركية للمفحوص حالة تهيؤ غير واعية تتوقع تلقائياً أن اليد اليمنى تستقبل الحجم الأكبر واليد اليسرى تستقبل الحجم الأصغر.
- مرحلة الاختبار الحرج (Critical / Test Trial): بعد اكتمال التكرارات التثبيتية، يُفاجأ المفحوص في المحاولة اللاحقة بوضع كرتين متساويتين تماماً في الحجم والوزن في كلتا يديه، ويُسأل عن مقارنة الحجم بينهما.
النتيجة المذهلة التي تكررت باطراد هي حدوث ما سماه أوزنادزه «الظاهرة التناقضية أو الانعكاس الوهمي» (Contrast Illusion): يُصر المفحوص السوي بإيقان قاطع على أن الكرتين غير متساويتين؛ فالكرة الموضوعة في اليد التي اعتادت استقبال الحجم الأكبر تبدو له الآن أصغر بكثير من حجمها الحقيقي، بينما تبدو الكرة في اليد الأخرى أكبر بكثير. هذا الوهم الحسي ليس خللاً في الحواس، بل هو البرهان القاطع على أن «التهيؤ المثبت مسبقاً» هو الذي يفرض تفسيره على المعطيات الحسية المباشرة ويشوه إدراك الواقع الموضوعي ليتناسب مع الاستعداد المتشكل.
3.2 تعميم المنهج على المجالات الحسية البصرية والسمعية
لم يكتفِ ديمتري أوزنادزه بالمجال اللمسي-الحركي، بل وسّع مروحة أبحاثه لتشمل كافة القنوات الحسية، مبرهناً على أن التهيؤ هو قانون سيكولوجي عام لا يقتصر على حاسة بعينها بل يمثل نشاطاً مركزياً شاملاً للدماغ والشخصية.
في المجال البصري، صمم أوزنادزه تجارب باستخدام أجهزة التاكيستوسكوب (Tachistoscope) لعرض دوائر مضيئة أو خطوط مستقيمة على شاشة مظلمة لجزء من الثانية. في مرحلة التثبيت، تُعرض دائرة كبيرة على اليمين ودائرة صغيرة على اليسار لعدة مرات، وفي المحاولة الحرجة تُعرض دائرتان متطابقتان تماماً في القطر. أظهرت النتائج تطابقاً تاماً مع تجارب اللمس؛ حيث أدرك المفحوصون الدائرة اليمنى المتطابقة على أنها أصغر بكثير من نظيرتها اليسرى (وهم التناقض البصري)، أو في بعض الحالات النادرة أدركوها كأكبر (وهم الاستيعاب أو التشابه).
وفي المجال السمعي، طُبقت التجربة من خلال إسماع المفحوص نبرات صوتية متباينة الشدة والتردد في كلتا الأذنين عبر سماعات دقيقة. وعند تقديم نغمتين متساويتين في الشدة في محاولة الاختبار، كان المفحوصون يدركون صوتاً أعلى من الآخر وفقاً لنفس ديناميات التهيؤ المثبت. أثبتت هذه التجارب المتسقة أن التهيؤ لا ينشأ في المستقبلات الحسية الطرفية (كالعين أو الأذن أو الجلد)، بل ينبع من «مركز النشاط النفسي الكلي»، مما أكد أطروحة أوزنادزه حول الطبيعة المركزية والشمولية للاستعداد النفسي.
3.3 بروتوكولات القياس ومعايير تثبيت التهيؤ مخبرياً
تميزت مدرسة تبليسي بصرامة بالغة في تدوين وضبط البروتوكولات التجريبية، مما أتاح لها تحويل مفهوم مجرد كالتهيؤ إلى موضوع علمي دقيق يخضع للحساب الرياضي والمعايير الإحصائية المقارنة.
تضمنت بروتوكولات أوزنادزه معايير دقيقة تشمل:
- عدد المحاولات التثبيتية اللازمة: تباين عدد المحاولات التجريبية بين 5 إلى 30 محاولة لمعرفة الحد الأدنى الحرج اللازم لتوليد تهيؤ مستقر وقابل للقياس لدى مختلف الأفراد.
- الزمن الفاصل بين المثير والاستجابة (Reaction Time): استخدام الميقاتيات الزمنية الدقيقة لقياس سرعة إدراك المفحوص وإجابته في المحاولات الحرجة، مما عكس الصراع الباطني وسرعة معالجة التناقض الحسي.
- تلاشي التهيؤ وعدد محاولات الإطفاء: بعد المحاولة الحرجة الأولى، كان الباحثون يستمرون في تقديم المثيرات المتساوية لمعرفة كم محاولة يحتاجها المفحوص لكي «ينطفئ» الوهم لديه ويدرك التساوي الحقيقي للكرات أو الدوائر، وهو مؤشر سيكولوجي حاسم لقياس مرونة الجهاز النفسي.
- الضبط التجريبي الصارم: عزل كافة المشتتات البيئية مثل درجات الإضاءة، والضوضاء، ودرجة حرارة الغرفة، والسيطرة على الإشارات اللفظية وغير اللفظية للمُجَرِّب، لضمان أن المتغير المستقل الوحيد هو خبرة التكرار السابقة.
4. ديناميات التهيؤ النفسي: المراحل والمسارات التحولية
4.1 مرحلة التهيؤ الأولي التمهيدي
عندما يواجه الكائن الحي موقفاً جديداً كلياً أو مثيراً طارئاً لم يألفه من قبل، يدخل الجهاز النفسي في ما أسماه أوزنادزه «مرحلة التهيؤ الأولي» (Primary / Diffuse Set). تتسم هذه المرحلة بالسيولة، وعدم الاستقرار، والتشتت النسبي، حيث يكون التهيؤ عاماً وخاماً وغير متمايز بدقة، إذ تبحث الشخصية عن النمط الاستجابي الأنسب للتفاعل مع هذا المعطى الجديد.
في هذه اللحظات التمهيدية الأولى، يتأرجح الاستعداد الداخلي بين عدة احتمالات تكيفية؛ فالطاقة النفسية تكون في حالة استنفار واستكشاف، والمثيرات الخارجية لم ترتسم بعد في مسار سلوكي محدد. هذه السيولة ضرورية للغاية من الناحية التطورية والوظيفية، لأنها تمنح الكائن الحي مساحة من المرونة لتفحص الموقف وعدم التورط في ردود فعل متسرعة قد تكون غير مواتية لشروط البيئة الواقعية.
تتحول هذه الحالة تدريجياً مع استمرار تدفق المعلومات الحسية وتكرار التفاعل مع الموقف؛ حيث تبدأ الخطوط العريضة للاستجابة في التبلور، وينتقل الكائن الحي من التفاعل العفوي المضطرب إلى تشكيل نموذج مبدئي للتعامل مع الموقف، ممهداً الطريق للمرحلة الديناميكية التالية وهي مرحلة التثبيت والترسيخ.
4.2 مرحلة تثبيت التهيؤ وخصائص ترسيخه
تُمثّل مرحلة التثبيت (Set Fixation) الانتقال الجوهري من حالة السيولة الأولية إلى حالة الاستقرار والرسوخ البنيوي. تنشأ هذه المرحلة بفعل تكرار الموقف وتكرار نمط إشباع الحاجة فيه، مما يؤدي إلى انطباع التهيؤ في العمق النفسي وتصلبه ليصبح قالباً توجيهياً جاهزاً للعمل الفوري.
يتميز التهيؤ المثبت بعدة خصائص سيكولوجية فريدة:
- المقاومة والثبات: يكتسب التهيؤ مناعة عالية ضد المشتتات الهامشية؛ حيث يعمل كمرشح (Filter) يُهمل المثيرات غير ذات الصلة ويركز حصرياً على المؤشرات التي تدعم النمط المستقر.
- الأوتوماتيكية والاقتصاد: يعمل التهيؤ المثبت بأقل قدر ممكن من الطاقة النفسية والفسيولوجية، مما يحول الاستجابة إلى فعل شبه آلي يحرر الوعي للتركيز على مهام أخرى أكثر تعقيداً.
- القوة التنبؤية: يصبح التهيؤ بمثابة «فرضية مسبقة» يفرضها الكائن على الواقع الخارجي؛ فهو لا ينتظر رؤية الواقع كما هو، بل يستبق إدراكه بناءً على الخبرة المتراكمة في مرحلة التثبيت.
4.3 مرحلة التلاشي أو الانطفاء والتكيف مع المتغيرات
مهما بلغت درجة ثبات التهيؤ ورسوخه، فإنه لا يظل ثابتاً إلى الأبد إذا طرأ تغير جوهري ودائم على شروط الموقف الموضوعي. هنا تبرز مرحلة التلاشي والانطفاء (Extinction / De-fixation)، وهي العملية الحيوية التي يتفكك بموجبها التهيؤ القديم ويفسح المجال لتشكل تهيؤ جديد يتوافق مع الواقع التجريبي المستجد.
عندما تُعرض المثيرات المتساوية بشكل متكرر في تجارب أوزنادزه، يبدأ وهم التناقض في التراجع التدريجي؛ يمر المفحوص بمرحلة من «عدم اليقين والشك الإدراكي»، حيث يبدأ في ملاحظة أن الفارق الذي كان يراه جلياً بين الكرتين بدأ يتقلص، وصولاً إلى اللحظة الفارقة التي يعلن فيها أن الكرتين متساويتان تماماً. تسمى هذه السرعة في الانتقال من الوهم إلى الإدراك المطابق للواقع «بسرعة إخماد التهيؤ».
تُعد هذه المرحلة المعيار الأساسي لتقييم الكفاءة التكيفية للشخصية؛ فالأفراد الأسوياء صحياً ونفسياً يمتلكون أجهزة نفسية قادرة على التخلي عن التهيؤات السابقة بسلاسة بمجرد أن تثبت التجربة عدم صلاحيتها، في حين يعاني ذوو الاضطرابات النفسية أو العصبية من عجز حاد في تفكيك التهيؤات المنقضية، مما يوقعهم في فخ الجمود والانفصال عن الواقع.
5. تصنيف أنماط التهيؤ النفسي والفروق الفردية
5.1 التهيؤ المرن مقابل التهيؤ الصلب أو الجامد
قادت التجارب المعملية المكثفة التي أجراها أوزنادزه وطلابه في معهد علم النفس بتبليسي إلى اكتشاف تباينات فردية عميقة في خصائص التهيؤ، مما أتاح وضع تصنيف سيكولوجي رائد للشخصية يرتكز على المعايير الديناميكية للاستعداد الباطني. وجاء في مقدمة هذه التصنيفات التمييز الجوهري بين التهيؤ المرن (Plastic Set) والتهيؤ الصلب أو الجامد (Rigid Set).
يتميز أصحاب التهيؤ المرن بقدرة فائقة على إعادة التكيف السريع مع أي تغير في معطيات البيئة. يظهر هذا النمط مخبرياً في سرعة تشكل التهيؤ عند الحاجة، ولكن الأهم من ذلك، سرعة انطفائه وتلاشيه بمجرد ظهور المثيرات المتساوية؛ حيث لا يحتاج الفرد المرن سوى لمحاولات قليلة جداً لإدراك الواقع الموضوعي والتخلص من الوهم. سلوكياً، ينعكس هذا النمط في شخصية منفتحة، مبدعة، تتقبل المستجدات بسهولة، وتمتلك مهارات استثنائية في حل المشكلات ومواجهة الأزمات المفاجئة.
في المقابل، يتسم أصحاب التهيؤ الصلب بمقاومة عنيدة للتغيير وتشبث مفرط بالقوالب الاستجابية القديمة. في المختبر، يظل المفحوص الصلب يرى الكرات المتساوية غير متساوية لعشرات المحاولات المتتالية، عاجزاً عن التحرر من سطوة مرحلة التثبيت. ينعكس ذلك على صعيد السلوك الحياتي في التصلب العقائدي، والانزعاج من التغيير، والنزوع نحو الروتين، والجمود في العلاقات الإنسانية والمهنية.
5.2 التهيؤ الثابت مقابل التهيؤ المتغير والمضطرب
البُعد الثاني في تصنيف أنماط التهيؤ يتعلق بدرجة الاستقرار والتماسك الداخلي للمنظومة النفسية، ويقسم الأفراد إلى فئتي: التهيؤ الثابت المستقر (Static / Stable Set) والتهيؤ المتغير أو المضطرب اللابيلي (Labile / Variable Set).
يتصف التهيؤ الثابت بالقدرة على الاحتفاظ بالتوجه الاستجابي تحت وطأة الظروف المجهدة والمشتتات البيئية؛ فالشخص الذي يمتلك تهيؤاً ثابتاً لا يفقد بوصلته التكيفية إذا تعرض لضغوط مفاجئة أو محفزات هامشية، بل يظل مساره السلوكي متماسكاً ومتسقاً مع الهدف العام. يعكس هذا النمط شخصية قوية الإرادة، متزنة انفعالياً، وقادرة على التركيز الطويل والإنجاز المستدام في البيئات المعقدة.
أما التهيؤ المتغير أو اللابيلي، فيتسم بهشاشة بنيوية مفرطة وضعف في الحفاظ على النمط التشغيلي؛ حيث يتأرجح المفحوص في تجارب أوزنادزه بين وهم التناقض ووهم الاستيعاب وحالة التطابق في محاولات متتالية وبشكل عشوائي وفوضوي. يعبر هذا النمط عن شخصية متقلبة المزاج، سهلة الاستثارة والتشتت، تجد صعوبة بالغة في بلورة اتجاهات مستقرة نحو المواقف والأشخاص، وتفتقر إلى الاتساق السلوكي في حياتها اليومية.
5.3 الفروق الفردية في سرعة التشكل والاندثار
أثبتت أبحاث المدرسة الجورجية أن ديناميات التهيؤ تتأثر بمصفوفة معقدة من العوامل البيولوجية، والعصبية، والتطورية، التي تخلق طيفاً واسعاً من الفروق الفردية بين البشر:
- الأساس العصبي الفيزيولوجي: يرتبط التباين في عتبات التهيؤ بخصائص الجهاز العصبي المركزي، مثل قوة العمليات العصبية والتوازن بين عمليتي الاستثارة (Excitation) والتثبيط (Inhibition) التي كان يدرسها إيفان بافلوف، مما يجعل التهيؤ مؤشراً دقيقاً على النمط العصبي للفرد.
- المرحلة العمرية والنمو: يتشكل التهيؤ لدى الأطفال الصغار بسرعة كبيرة وبشكل كلي وعاطفي، لكنه يتسم بالصلابة وصعوبة التلاشي لعدم نضج آليات الكبح في الفص الجبهي، بينما يكتسب البالغون مرونة أعلى في التبديل، ليعود التهيؤ إلى التصلب مجدداً في مراحل الشيخوخة المتقدمة نتيجة التراجع في المرونة العصبية.
- التدريب والخبرة والممارسة: تؤدي الخبرة الطويلة والتعليم المتنوع إلى إكساب الفرد قدرة عليا على التبديل السريع وتوليد «تهيؤات فوقية» (Meta-sets) واعية ومرنة تمكنه من تفكيك الأوهام الإدراكية بكفاءة متزايدة.
6. مستويات النشاط النفسي وعملية التشيؤ المعرفي
6.1 المستوى الحسي-الحركي المباشر والتهيؤ التلقائي
قسّم ديمتري أوزنادزه النشاط النفسي الإنساني إلى مستويين متمايزين وظيفياً يتفاعلان جدلياً باستمرار: المستوى الأول هو مستوى السلوك التلقائي المباشر (Sensori-motor Level)، والمستوى الثاني هو مستوى النشاط العقلي الواعي (Objectification Level).
في المستوى الحسي-الحركي المباشر، تسير حياة الإنسان وسلوكه اليومي بانسيابية وتلقائية مذهلة دون الحاجة إلى التفكير التأملي المستمر؛ فعندما نمشي في طريق مألوف، أو نقود سيارة، أو نتناول الطعام، أو نتحدث بلغتنا الأم، تُدار كافة هذه الحركات والقرارات اللحظية عبر «تهيؤات نفسية تلقائية مثبتة». يتطابق التهيؤ هنا مع الموقف تطابقاً تاماً، وتتدفق الاستجابة مباشرة من تفاعل الحاجة مع معطيات البيئة دون أي وساطة من التفكير النظري المعقد.
يؤدي هذا المستوى وظيفة بيولوجية واقتصادية هائلة الأهمية؛ فهو يحمي الدماغ البشري من الاحتراق والإنهاك المعرفي (Cognitive Overload). فلو كان على الإنسان أن يتخذ قراراً واعياً ومفكراً فيه حيال كل خطوة يخطوها أو كل حركة يؤديها بيده، لعجز تماماً عن مواصلة الحياة والقيام بأي نشاط إبداعي أو فكري مركب.
6.2 مفهوم التشيؤ بوصفه انقطاعاً للتهيؤ الآلي
يُعد مفهوم «التشيؤ» (Objectification / Объективация) أحد أعمق وأبرز الابتكارات النظرية التي قدمها أوزنادزه للفلسفة المعرفية وعلم النفس. فما هو التشيؤ؟ وكيف ينبثق الوعي الإنساني من بين ثنايا السلوك التلقائي؟
يحدث التشيؤ حصرياً عندما يتعرض مسار السلوك التلقائي في المستوى الأول إلى «عائق أو صعوبة مفاجئة» (Hitch / Obstacle) تجعل التهيؤ الآلي الراهن عاجزاً عن إكمال مهمته التكيفية. تخيل أنك تمشي في طريقك المعتاد ثم تجد فجأة هوة سحيقة قطعت الطريق، أو أنك تكتب بقلمك وفجأة يجف الحبر؛ في هذه اللحظة بالذات، ينقطع التدفق التلقائي للسلوك، ويتوقف التهيؤ الآلي عن العمل.
هنا تنبثق عملية التشيؤ: يتحول الموضوع الخارجي أو العائق فجأة من مجرد وسيلة غير مفكر فيها إلى «موضوع مستقل للتأمل والوعي» (Object of Cognition). ينفصل الإنسان ذهنياً عن الموقف المباشر، ويتراجع خطوة إلى الوراء ليتأمل العائق، ويسأل نفسه بوعي: «ما هذا؟ ولماذا توقف الفعل؟ وكيف يمكن تجاوز هذه العقبة؟». إن التشيؤ إذن هو الفعل المعرفي التأسيسي الذي يولد منه التفكير المنطقي، والإدراك الواعي، والنشاط العلمي برمته.
6.3 التفاعل الجدلي بين السلوك الإرادي والتهيؤ اللاواعي
لا تتوقف العلاقة بين مستويي النشاط النفسي عند حد تحول التهيؤ المأزوم إلى وعي وتشيؤ، بل تستمر في حركة دائرية جدلية لا نهائية تصنع مجمل الثقافة والمهارة الإنسانية.
عندما يتدخل الوعي عبر عملية التشيؤ، يقوم العقل بتحليل المشكلة، وتوليد الفرضيات، واتخاذ قرار إرادي واعٍ بحل المشكلة (مثلاً: ابتكار أداة جديدة لتجاوز الهوة، أو تغيير مسار الحركة). بمجرد أن يُتخذ القرار الواعي وتتكرر ممارسته بنجاح، يبدأ هذا السلوك الإرادي الجديد في «الهبوط التدريجي» نحو المستوى السفلي، متحوّلاً بدوره إلى تهيؤ نفسي لاواعٍ ومثبت.
خير مثال على هذا التفاعل الجدلي هو عملية تعلم مهارة جديدة، كعزف البيانو أو قيادة الطائرة: في البداية، تكون كل حركة موضوعاً للتشيؤ والتركيز الواعي المرهق والمصحوب بالأخطاء؛ ومع الممارسة والتدريب، تتحول تلك القرارات الواعية إلى منظومة متكاملة من التهيؤات الآلية فائقة الدقة والسرعة، مما يفرغ الوعي مجدداً للارتقاء نحو مستويات أرفع من الإبداع والتعبير الفني المجرد. هذه الوحدة الديناميكية بين الإرادة الواعية والتهيؤ الباطني هي سر التطور اللامحدود للقدرات الإنسانية.
7. التهيؤ النفسي في سياق العمليات المعرفية العليا
7.1 تأثير التهيؤ على الإدراك الحسي وتشويه المدركات
أحدثت نظرية التهيؤ ثورة في فهم الإدراك الحسي (Perception)؛ حيث نسفت التصور الكلاسيكي الساذج الذي يرى في الإدراك مجرد «مرآة فوتوغرافية سلبية» تعكس العالم الخارجي كما هو. لقد برهن أوزنادزه وتلاميذه على أن الإدراك هو عملية بنائية وتأويلية نشطة، تتوسطها بالكامل الحالة الداخلية واستعدادات الذات المدرِكة.
إن التهيؤ يعمل كقوة موجهة ومؤطرة تنتقي ما نراه وما نسمعه؛ فهو يسلط الضوء على تفاصيل معينة تتوافق مع توقعه الداخلي، في حين يطمس ويهمّش تفاصيل أخرى قد تكون شديدة الوضوح موضوعياً ولكنها غير متوافقة مع التهيؤ القائم. من هنا، فإن الأوهام الإدراكية (Perceptual Illusions) ليست «عيوباً» أو نقائص في أعضاء الحس، بل هي في الحقيقة الأدلة والبراهين الساطعة على حيوية ونشاط التهيؤ المركزي الذي يفرض فرضيته التفسيرية على المادة الحسية الخام.
عندما يكون الشخص متهيئاً لتوقع الخطر في غابة مظلمة، فإن أي حركة لغصن شجرة بسيط ستُدرك فوراً وبشكل لا يرقى إليه الشك على أنها حيوان مفترس؛ هذا التشوه الحسي لم ينبع من العين، بل من التهيؤ الشامل للذات الخائفة التي أعادت بناء المثير الموضوعي ليتطابق مع استعدادها النفسي المسبق.
7.2 دور التهيؤ في توجيه مسارات الانتباه والذاكرة
يمتد سلطان التهيؤ النفسي بعمق إلى وظيفتي الانتباه (Attention) والذاكرة (Memory)، مشكلاً المحدد القبلي لكيفية معالجة وتخزين واسترجاع المعلومات في المنظومة المعرفية البشرية.
فيما يخص الانتباه، يعمل التهيؤ كآلية توجيه انتقائية فائقة الدقة؛ فهو الذي يحدد «البؤرة الانتباهية» ويوجه التركيز نحو مثيرات محددة دون غيرها، متجاهلاً ملايين المثيرات المحيطة عبر كبحها تحت حسياً. في تجارب الانتباه السمعي المزدوج، يستطيع الفرد متابعة محادثة معينة في غرفة مليئة بالضجيج بفضل التهيؤ السمعي المسبق لنبرة وصوت المتحدث، وهو ما يُعرف في علم النفس المعاصر بظاهرة «حفل الكوكتيل» (Cocktail Party Effect).
أما في فضاء الذاكرة، فإن التهيؤ يتحكم في عمليتي الترميز (Encoding) والاسترجاع (Retrieval): فالأحداث والمعلومات التي تتوافق مع التهيؤات القائمة للفرد تُرمَّز وتُخزن في الذاكرة طويلة المدى بسهولة وسرعة فائقة مقارنة بالمعلومات المحايدة أو المتناقضة مع التهيؤ. وعند التذكر، يوجه التهيؤ الراهن مسارات البحث في المستودع التذكاري، ميسراً استدعاء الذكريات المتسقة انفعالياً ومعرفياً مع الحالة الباطنية الحالية للشخص، وهو الأساس التفسيري لظاهرة «الذاكرة المعتمدة على الحالة المزاجية» في السيكولوجيا الحديثة.
7.3 التهيؤ وحل المشكلات والتفكير الإبداعي
في ميدان التفكير وحل المشكلات (Problem Solving)، يلعب التهيؤ دوراً مزدوجاً بالغ الحساسية والتعقيد؛ فهو من جهة يمثل أداة الكفاءة التي تقود إلى الحلول السريعة، ومن جهة أخرى قد يتحول إلى أكبر عائق أمام الإبداع والابتكار.
عندما يواجه الفرد مشكلة معينة، ينشأ لديه فوراً تهيؤ ذهني لحلها بالأساليب التي ثبت نجاحها في تجاربه السابقة. إذا كانت المشكلة نمطية، ينجح التهيؤ في توفير الوقت والجهد؛ لكن إذا كانت المشكلة جديدة كلياً وتتطلب حلاً غير تقليدي، فإن التهيؤ السابق يتحول إلى ما يُعرف في علم النفس بـ «الجمود الوظيفي» (Functional Fixedness) أو «الصلابة الذهنية» (Mental Set)؛ حيث يعمى المفكر عن رؤية الحل البسيط والمبتكر لأنه يصر على إخضاع المشكلة لقوالب تهيؤه المتصلب، كما أثبتت تجارب كارل دونكر الكلاسيكية وتجارب لوكينز (Luchins Water Jar Problems).
من هنا، فإن جوهر التفكير الإبداعي (Creative Thinking) يكمن تحديداً في القدرة على «كسر التهيؤ القديم» (Breaking the Set) وتحقيق عملية التشيؤ الواعي للأنماط المعتادة؛ حيث يقوم المبدع بإعادة هيكلة المشكلة من زاوية معرفية جديدة ومغايرة كلياً، متحرراً من قيود الاستعدادات التلقائية ومفسحاً المجال لتوليد حلول ابتكارية وأصيلة.
8. المقارنة النقدية لنظرية التهيؤ مع المدارس النفسية الكبرى
8.1 نظرية أوزنادزه مقابل التحليل النفسي الفرويدي
رغم أن كلتا النظريتين أولت اهتماماً استثنائياً لدراسة النشاط النفسي غير الواعي، إلا أن الهوة المعرفية والفلسفية بين نظرية التهيؤ لأوزنادزه والتحليل النفسي لسيغموند فرويد تبدو شاسعة وجوهرية عند التدقيق العلمي الرصين.
يمكن تلخيص أوجه التمايز الجوهري بين المدرستين في الجدول والتحليل التالي:
- طبيعة اللاوعي: اللاوعي عند فرويد هو مستودع مظلم للمكبوتات الغريزية، والصدمات الطفولية، والنزعات الجنسية والعدوانية (الليبيدو والهو) التي تتصارع أبدياً مع الأنا والأنا الأعلى. بينما اللاوعي عند أوزنادزه هو «لاوعي وظيفي وتكيفي وبنائي»؛ إنه مستوى نظامي وسوي من النشاط النفسي يهدف إلى تأمين التفاعل الفعال والمنظم بين الكائن الحي وبيئته، دون أي حتمية غريزية أو طابع مرضي أصيل.
- آلية العمل والنشوء: ينشأ اللاوعي الفرويدي عبر الكبت (Repression) والصراع الدفاعي، في حين ينشأ التهيؤ لدى أوزنادزه بشكل طبيعي وتلقائي بمجرد التقاء الحاجة السوية بالموقف الموضوعي، ليعمل كمنظم استباقي لكافة أشكال السلوك السليم والمرضي على السواء.
- المنهجية العلمية: اعتمد التحليل النفسي على الاستبطان العيادي، والتأويل الرمزي للأحلام، والتداعي الحر، وهي أدوات تعوزها الدقة والضبط المعملي المقارن. أما أوزنادزه، فقد نقل دراسة اللاوعي إلى المختبر التجريبي المنضبط، وجعله خاضعاً للقياس الفيزيقي والزمني عبر أوهام الحجم والوزن ومعايير التثبيت الإحصائية.
8.2 التهيؤ وعلاقته بنظرية النشاط لدى ليونتيف وفيغوتسكي
شهد الفضاء السيكولوجي السوفيتي حواراً فلسفياً وعلمياً محتدماً بين مدرسة تبليسي (أوزنادزه) من جهة، ومدرسة موسكو الثقافية-التاريخية ونظرية النشاط بريادة ليف فيغوتسكي وأليكسي ليونتيف من جهة أخرى.
تركز الخلاف التاريخي حول سؤال الأسبقية والمركزية في بناء النفس البشرية: رأى ليونتيف في «النشاط الخارجي الموضوعي» (Activity / Деятельность) القائم على العمل والأدوات الاجتماعية المنطلق الأساسي الذي تتشكل منه كافة العمليات النفسية الداخلية عبر عملية الاستبطان (Internalization). في المقابل، جادل أوزنادزه بأن أي نشاط خارجي لا يمكن أن ينطلق أصلاً في فراغ دون وجود «تهيؤ نفسي باطني كلي» يسبقه ويوجهه؛ فالكائن الحي لا يتفاعل مع الموضوعات إلا إذا كان يمتلك استعداداً كلياً يدمج حاجته مع شروط ذلك الموقف.
ورغم هذه السجالات الحادة، أفضت المقاربات المعاصرة إلى إدراك عميق للتكامل البنيوي بين المدرستين؛ فالتهيؤ يمثل الأساس الاستباقي الداخلي الذي يوجه بنية النشاط والعمليات والعمليات الفرعية عند ليونتيف، بينما يوفر النشاط الاجتماعي-الثقافي عند فيغوتسكي السياق والمحتوى الذي تتشكل وتتثبت فيه التهيؤات الإنسانية الراقية، مما يجعل النظريتين وجهين لعملة سيكولوجية واحدة تُعلي من شأن الفاعلية الإنسانية.
8.3 التقاطعات مع علم النفس المعرفي المعاصر ومفهوم التحضير
مع اندلاع الثورة المعرفية (Cognitive Revolution) في النصف الثاني من القرن العشرين، عاد الفكر السيكولوجي الغربي ليعيد صياغة واكتشاف المفاهيم المركزية التي أسس لها أوزنادزه قبل عقود، ولكن بمصطلحات لغوية ونماذج حاسوبية جديدة.
يتجلى التقاطع الأول في مفهوم المخططات العقلية (Schemas) لدى بياجيه وبارتليت ونيسر؛ فالمخطط المعرفي هو بنية موجهة سابقة على استيعاب المعلومات، تماماً كما هو التهيؤ لدى أوزنادزه. أما التقاطع الأكثر سطوعاً فيظهر في تجارب التحضير الذهني (Priming) في علم النفس المعرفي والاجتماعي المعاصر؛ حيث يُثبت الباحثون يومياً أن تعريض الفرد لمثير غير واعٍ (كلمة أو صورة أو فكرة) يخلق لديه حالة «تحضير وتجهيز» (Set / Priming) توجه وتسهل استجابته للمثيرات اللاحقة وتتحكم في أحكامه المعرفية.
بل إن أحدث نماذج علوم الأعصاب الإدراكية، والمعروفة بنظرية المعالجة التنبؤية (Predictive Processing) والدماغ التنبؤي لأندي كلارك وكارل فريستون، تتطابق بشكل مذهل مع جوهر نظرية التهيؤ؛ حيث يُنظر إلى الدماغ كـ «محرك تنبؤ» لا يتلقى المعلومات السلبية، بل يفرض باستمرار تهيؤات وفرضيات استباقية من القمة إلى القاعدة (Top-Down Predictions) ليطابقها مع المدخلات الحسية القادمة من القاعدة إلى القمة (Bottom-Up Sensory Inputs).
9. التطبيقات الإكلينيكية والباثولوجية لنظرية التهيؤ
9.1 اختلالات ديناميات التهيؤ في الفصام والاكتئاب
فتحت نظرية التهيؤ آفاقاً تشخيصية وعلاجية ثورية في ميدان الطب النفسي والباثولوجيا السيكولوجية؛ حيث أثبتت الأبحاث الإكلينيكية لمدرسة أوزنادزه أن الاضطرابات النفسية الكبرى ترتبط باختلالات نوعية في ديناميات تشكّل وتثبيت وتلاشي التهيؤ.
في حالة مرضى الفصام (Schizophrenia)، كشفت التجارب المعملية عن نوعين رئيسيين من اضطراب التهيؤ:
- التفكك والصلابة المتناقضة: يعاني مريض الفصام إما من عجز حاد عن تثبيت أي تهيؤ مستقر (حيث تتشظى الاستجابات وتتغير عشوائياً نتيجة تشتت الانتباه والدافعية)، أو على العكس تماماً، يقع في حالة من «الجمود التثبيتي المفرط والصلابة المرضية»، حيث يستمر في رؤية وهم التناقض لمئات المحاولات دون أي قدرة على التبديل الإدراكي، مما يعكس الانفصال التام لجهازه النفسي عن معطيات الواقع الموضوعي الخارجي.
أما في اضطرابات الاكتئاب الجسيم (Major Depression)، فتتسم الديناميات بهيمنة «تهيؤ سلبي كلي وثابت ومقاوم للإطفاء». يكون المريض متهيئاً مسبقاً لرؤية العالم والنفس والمستقبل من منظور العجز والعدمية والذنب؛ هذا التهيؤ الباطني الراسخ يجعله يفسر أي حدث إيجابي في حياته تفسيراً مشوهاً ليتوافق مع استعداده الاكتئابي، مما يعيق عملية التشيؤ الصحيحة ويسلبه الطاقة للقيام بأي سلوك تكيفي فعال.
9.2 مظاهر التهيؤ في الاضطرابات العصابية والقلق
تتجلى اضطرابات ديناميات التهيؤ بوضوح شديد في طيف الاضطرابات العصابية والقلق المرضي، كاشفة عن الآليات السيكولوجية الدقيقة التي تكمن وراء الأعراض السلوكية والانفعالية المنهكة.
في اضطرابات القلق العام والهلع، يعاني الجهاز النفسي من «فرط التحسس والتشكل فائق السرعة للتهيؤات التهديدية». يمتلك مريض القلق تهيؤاً دائماً للاستجابة لأي مثير غامض على أنه خطر وشيك؛ هذا التهيؤ يضبط أجهزته الفسيولوجية (معدل ضربات القلب، التنفس، إفراز الأدرينالين) في حالة استنفار مستمر دون وجود مبرر موضوعي، مما يؤدي إلى نوبات الهلع واستنزاف الطاقة النفسية.
وفي الرهاب النوعي (Phobias) واضطراب الوسواس القهري (OCD)، نجد نموذجاً فاقعاً لـ «التهيؤ التجنبي المتصلب»: ينشأ لدى مريض الوسواس تهيؤ قطعي بأن عدم تكرار فعل معين (كالغسيل أو العد والتحقق) سيؤدي إلى كارثة محققة؛ هذا التهيؤ يكتسب ثباتاً هائلاً ومقاومة شرسة للانطفاء التلقائي، وتتحول الطقوس القهرية إلى محاولات مستميتة لخفض التوتر الناجم عن ضغط التهيؤ الراسخ، مما يحرم الفرد من التمتع بالمرونة السلوكية والإدراكية السوية.
9.3 التوظيف العلاجي وإعادة التأهيل النفسي القائم على تعديل التهيؤ
انطلاقاً من الفهم العميق لديناميات التهيؤ، طورت المدرسة الجورجية بالتعاون مع المعالجين النفسيين استراتيجيات علاجية رائدة تهدف إلى «تفكيك التهيؤات المرضية وإعادة بناء تهيؤات تكيفية مرنة»، وهي مقاربات تتماهى وتتكامل بقوة مع أحدث تقنيات العلاج المعرفي السلوكي (CBT).
ترتكز هذه الاستراتيجيات العلاجية على الخطوات الإكلينيكية التالية:
- إحداث التشيؤ العلاجي (Therapeutic Objectification): مساعدة المريض على إيقاف التدفق الآلي لسلوكه وأفكاره المرضية، وتحويل معتقداته ومخاوفه التلقائية اللاواعية إلى «موضوع للتأمل والنقد الواعي» عبر الحوار السقراطي والملاحظة الذاتية المنضبطة.
- التعريض التدريجي وتفكيك التثبيت (Extinction through Exposure): وضع المريض في مواقف تجريبية آمنة ومضبوطة تعارض توقعات تهيئه المرضي بشكل متكرر؛ هذا التعريض المنهجي يؤدي تدريجياً إلى «إطفاء التهيؤ القديم» وإثبات عدم مطابقته لشروط الواقع الفعلي.
- غرس وتثبيت التهيؤات البديلة: تدريب المريض عبر الممارسة السلوكية والتخيل الموجه على استجابات معرفية وحركية جديدة، وتكرارها حتى تصل إلى مرحلة التثبيت وتصبح جزءاً من الاستعداد التلقائي اليومي لشخصيته.
- استخدام مقاييس التهيؤ كأداة تشخيصية فارقة: توظيف أجهزة تجارب التهيؤ اللمسي والبصري كأدوات مخبرية موضوعية لتقييم كفاءة الجهاز العصبي، ومتابعة التحسن الإكلينيكي ومرونة التحول المعرفي لدى المرضى أثناء مراحل العلاج والتأهيل.
10. تطبيقات نظرية التهيؤ في المجالات التربوية والتعليمية
10.1 بناء التهيؤ الإيجابي للتعلم والاستيعاب الصفي
يُمثّل الميدان التربوي والتعليمي أحد أخصب المجالات لتطبيق مبادئ نظرية التهيؤ النفسي؛ حيث أثبتت الدراسات التربوية المستندة إلى مدرسة أوزنادزه أن كفاءة العملية التعليمية لا تتوقف فقط على ذكاء الطالب أو جودة المنهج، بل تعتمد بالدرجة الأولى على «الحالة التهيؤية المسبقة» التي يدخل بها الطالب إلى الموقف التعليمي.
إن إلقاء المعرفة التلقينية في عقول طلاب غير متهيئين نفسياً يشبه بذر البذور في أرض صلبة غير محروثة؛ لذلك فإن الخطوة التعليمية الأكثر أهمية وح حسماً هي «التهيئة الذهنية التمهيدية (Mental Set Induction)». يتطلب ذلك من المعلم استثارة الفضول المعرفي وربط المادة الدراسية بالحاجات الذاتية الأصيلة للطلاب (كالحاجة للاكتشاف أو النجاح)، مما يخلق حالة استنفار واستعداد كلي يجعل الجهاز الإدراكي للطالب في أعلى درجات الانفتاح والاستيعاب الفوري للمفاهيم الجديدة.
كما يلعب التهيؤ الإيجابي دوراً حاسماً في سرعة تثبيت الحقائق والمهارات الدراسية في الذاكرة طويلة المدى؛ فالطالب الذي يمتلك تهيؤاً قائماً على حب الاستطلاع والثقة بالنفس يستوعب العلاقات الرياضية والقواعد اللغوية المعقدة بأقل جهد وبأعلى درجات الدقة والرسوخ، مقارنة بطالب يدخل الفصل بتهيؤ سلبي محكوم بالخوف من الفشل أو الملل الإحباطي.
10.2 معالجة التهيؤات المعرفية الخاطئة والتعلم النمطي
يواجه المعلمون في مختلف المراحل الدراسية تحدياً معرفياً كبيراً يتمثل في «المفاهيم القبلية الخاطئة والتهيؤات المعرفية الجامدة» (Misconceptions & Rigid Sets) التي يحملها الطلاب عن الظواهر الطبيعية أو الاجتماعية قبل دخولهم إلى الفصل الدراسي، والتي تقاوم التغيير بشراسة شبيهة بمقاومة أوهام الحجم في تجارب أوزنادزه.
للتغلب على هذا الجمود، وضعت البيداغوجيا المستندة إلى نظرية التهيؤ استراتيجية «إحداث التناقض المعرفي والتشيؤ الصفي»:
- يقوم المعلم بتصميم تجارب أو طرح أسئلة محورية تُبرز بوضوح التناقض الفاضح بين تهيؤ الطالب المسبق وبين النتائج التجريبية الواقعية أمام عينيه.
- هذا التناقض يؤدي فوراً إلى كبح التهيؤ التلقائي وإجبار الطالب على الانتقال إلى مستوى «التشيؤ والتفكير الواعي»، حيث يتأمل خطأ قالبه القديم ويبدأ في البحث الإرادي عن نموذج تفسيري أكثر دقة وعلمية.
- تعزيز المرونة العقلية من خلال تنويع سياقات حل المشكلات، وتجنب التدريب النمطي الأحادي الذي يكرس الجمود الفكري، وتشجيع الطلاب على ابتكار طرق متعددة ومتباينة للوصول إلى الحل ذاته.
10.3 دور المعلم والبيئة المدرسية في تشكيل اتجاهات الطلاب
تمتد مسؤولية المنظومة التربوية إلى ما هو أبعد من تلقين المعارف المعزولة؛ إذ تضطلع بمهمة كبرى تتمثل في «هندسة التهيؤات القيمية والاتجاهات الأكاديمية الشاملة» التي ترافق الفرد طوال مسيرته الحياتية.
إن المعلم يمارس دوراً خطيراً وغير واعٍ في تشكيل هذه التهيؤات من خلال لغة الجسد، ونبرة الصوت، والرسائل الضمنية، والتوقعات التي يبثها في البيئة الصفية، وهو ما يتطابق مع ما يُعرف في السيكولوجيا التربوية بـ «أثر بجماليون» (Pygmalion Effect). فعندما يحمل المعلم تهيؤاً باطنياً بأن طلابه أذكياء وقادرون على الإنجاز، ينعكس هذا التهيؤ تلقائياً في سلوكه التدريسي وتفاعله اليومي، مما يولد لدى الطلاب بالتبعية تهيؤاً نفسياً إيجابياً ومستداماً نحو ذواتهم الأكاديمية ونحو حب المعرفة.
علاوة على ذلك، يتطلب التصميم البيئي والمناهجي للمدارس مراعاة الفروق الفردية في سرعة تشكل وتلاشي التهيؤات؛ فالبيئات المدرسية التفاعلية الغنية بالأنشطة الاستكشافية تتيح للأطفال ذوي التهيؤات الصلبة فرصة التدريب على المرونة والانفتاح، وتحمي الأطفال ذوي التهيؤات اللابيلية من التشتت والاضطراب عبر توفير بيئة تعليمية واضحة البنية ومحفزة للثبات والاتزان.
11. التهيؤ النفسي في سياق السلوك الاجتماعي وسيكولوجيا الاتصال
11.1 التهيؤ الاجتماعي وتشكيل الاتجاهات والقوالب النمطية
يُمثّل التهيؤ الاجتماعي (Social Set) الركيزة السيكولوجية التأسيسية التي تُبنى عليها مجمل الظواهر في علم النفس الاجتماعي وسيكولوجيا الجماهير؛ إذ لا يمكن فهم كيفية تفاعل الأفراد داخل الجماعات دون فك شفرة الاستعدادات الجمعية غير الواعية المترسخة في الوجدان المشترك.
تُعد الصور والقوالب النمطية (Stereotypes) والأحكام المسبقة (Prejudices) تجسيداً كلاسيكياً لـ «التهيؤات الاجتماعية المثبتة شديدة الصلابة». عندما ينشأ الفرد في ثقافة أو بيئة تشحن وعيه بصور نمطية مسبقة عن جماعة عرقية أو دينية أو طبقية معينة، يتشكل لديه تهيؤ نفسي اجتماعي لاواعٍ يوجه إدراكه لكافة تصرفات أفراد تلك الجماعة. يصبح هذا التهيؤ قيداً حديدياً يشوه الواقع الاجتماعي؛ فأي تصرف إيجابي يصدر عن فرد من تلك الجماعة يُفسر على أنه استثناء نادر أو خداع مقصود، بينما يُعتبر أي تصرف سلبي برهاناً ساطعاً يؤكد صحة التهيؤ المسبق الراسخ.
كما يلعب التهيؤ الجمعي دور المحرك الخفي لـ «سلوك الحشود وتصرفات التجمعات البشرية»؛ حيث تسري في التجمعات الجماهيرية تهيؤات عاطفية وحركية مشتركة فائقة السيولة والسرعة عبر آليات العدوى النفسية، مما يجعل الجماهير متهيئة للاستجابة المباشرة لنداءات محددة والاندفاع نحو أفعال اندفاعية جماعية يصعب على أي فرد بمفرده القيام بها في ظروفه المعتادة.
11.2 التهيؤ والتفاعل بين الثقافات وسوء الفهم التواصلي
في عصر العولمة والتقارب بين الحضارات، تبرز إشكالية «صراع التهيؤات الثقافية» كأحد أكبر معوقات التواصل الإنساني الفعال، مسببة فجوات عميقة من سوء الفهم والتوتر بين الشعوب والمجتمعات المختلفة.
يحمل كل إنسان داخل بنيته النفسية ما يمكن تسميته بـ «التهيؤ الثقافي الضمني» (Implicit Cultural Set)، وهو منظومة متوارثة وغير واعية من التوقعات المعيارية حول لغة الجسد، والمسافة المكانية بين المتحدثين، ونبرات الصوت، ومفاهيم الوقت والشرف والواجب. عندما يلتقي شخصان من خلفيتين ثقافيتين مختلفتين، يحدث ما يسمى بـ «الاصطدام التهيؤي» (Set Collision):
- تُفسر الإشارات اللفظية وغير اللفظية للمتحدث من خلال «المرشح التهيؤي» الخاص بثقافة المتلقي لا ثقافة المتحدث الأصلية.
- الصمت في المحادثة، على سبيل المثال، قد يكون متهيئاً له في بعض الثقافات الشرقية (كاليابان) بوصفه علامة احترام وحكمة وتأمل، بينما يُدرك في التهيؤ الغربي السائد كعلامة حرج أو جهل أو برود عاطفي.
- يؤدي هذا التعارض التلقائي إلى نشوء «تهيؤ دفاعي غير واعٍ» يشحن الموقف بمشاعر القلق والريبة والنفور المتبادل.
من هنا، تكمن أهمية التدريب على «الكفاءة التواصلية بين الثقافات» في مساعدة الأفراد على تشيؤ (Objectifying) تهيؤاتهم الثقافية الذاتية، وإدراك نسبيتها، وتطوير تهيؤ فوقي يتسم بالمرونة والانفتاح وتوقع التباين، مما يمهد لبناء حوار حضاري راقٍ ومثمر.
11.3 عمليات الإقناع والخطاب الإعلامي وهندسة التهيؤ الجماهيري
في عالم الإعلام الحديث، والتسويق الرقمي، والحروب النفسية، لم تعد المعركة تدور حول تقديم المعلومات والحقائق المجردة، بل أصبحت تركز بصورة استراتيجية على «هندسة وزراعة التهيؤات المسبقة في عقول الجماهير» (Engineering of Mass Sets).
توظف الحملات الإعلامية والسياسية تقنيات مدروسة تستند تماماً إلى قوانين التثبيت والتكرار التي كشفها ديمتري أوزنادزه في مختبره:
- التكرار التثبيتي المكثف (Repetition & Framing): ضخ مصطلحات وإطارات إخبارية وصور بصرية متطابقة عبر منصات متعددة وبشكل مستمر؛ هذا التكرار يعمل على تثبيت تهيؤ جمعي لاواعٍ يجعل الجمهور يفسر أي حدث سياسي أو اقتصادي لاحق وفق الرؤية المصممة سلفاً دون أي جهد نقدي.
- التهيؤ العاطفي وتوجيه الاستهلاك: تعتمد الحملات الإعلانية على استثارة حاجات نفسية عميقة (كالحاجة للمكانة، الجاذبية، الأمان) وربطها الفوري بالمنتج التجاري في موقف بصري جذاب، مما يولد تهيؤاً استهلاكياً تلقائياً يدفع المتسوق لشراء المنتج دون تفكير منطقي في جدواه الاقتصادية أو مواصفاته الفنية.
- آليات المقاومة والتحصين النقدي: لا يمكن للمتلقي كسر هيمنة هذه التهيؤات الإعلامية الموجهة إلا من خلال «تفعيل التشيؤ الواعي والتفكير النقدي المستقل»؛ حيث يتعلم الفرد التوقف عن الاستجابة التلقائية، وتفكيك بنية الخطاب الإعلامي، وفحص الدوافع والمصالح الخفية التي تسعى لبرمجة استعداده وسلوكه.
12. المكانة الراهنة والآفاق المستقبلية لنظرية ديمتري أوزنادزه
12.1 التفسيرات النيورولوجية المعاصرة لآليات التهيؤ النفسي
مع التطور المذهل لتقنيات تصوير الدماغ بالرنين المغناطيسي الوظيفي (fMRI)، والتخطيط الدماغي فائق الدقة (EEG/MEG)، وعلم الأعصاب الحسابي (Computational Neuroscience)، شهدت العقود الأخيرة عودة قوية واهتماماً علمياً بالغاً بإعادة فحص وتأصيل فرضيات أوزنادزه على المستوى النيوروبيولوجي الدقيق.
أكدت الأبحاث النيورولوجية الحديثة أن التهيؤ النفسي ليس مفهوماً سيكولوجياً مجرداً، بل هو نشاط عصبي منظم تشارك فيه شبكات عصبية واسعة النطاق في الدماغ البشري:
- قشرة الفص الجبهي (Prefrontal Cortex): تؤدي دور المايسترو في إدارة وتوجيه التهيؤات العليا، وضبط المرونة المعرفية، وكبح التهيؤات غير الملائمة، وتنسيق عملية «التشيؤ» عندما يواجه الكائن صعوبة غير متوقعة.
- العقد القاعدية والمهاد (Basal Ganglia & Thalamus): تمثل المحرك المركزي المسؤول عن تثبيت الأنماط السلوكية والحركية وتخزين التهيؤات التلقائية الآلية، مما يتيح تنفيذ الاستجابات بكفاءة واقتصاد عصبي هائل.
- الشبكة البارزة والشبكة الافتراضية (Salience & Default Mode Networks): تتحكم في الانتقال الديناميكي بين مستوى السلوك التلقائي الحسي-الحركي المباشر وبين مستوى التأمل العقلي الواعي والتشيؤ المعرفي.
هذا التوافق الرائع بين الاكتشافات العصبية المعاصرة والنموذج النظري الذي صاغه أوزنادزه قبل قرابة قرن كامل يعكس العمق العلمي الاستثنائي والعبقرية الاستشرافية لمدرسة تبليسي السيكولوجية.
12.2 التقييم النقدي والتحديات المنهجية للنظرية
رغم العبقرية الفذة لنظرية التهيؤ والقيمة العلمية الهائلة التي قدمتها، فإنها واجهت – كغيرها من النظريات الكبرى – جملة من الانتقادات المنهجية والمناقشات الإبستمولوجية الحادة من قِبل الباحثين المعاصرين ومؤرخي العلوم السيكولوجية.
تتمحور أبرز التحديات والانتقادات النقدية حول النقاط التالية:
- إشكالية التعميم الإمبريالي للمفهوم: يرى بعض النقاد أن أوزنادزه وسّع مفهوم «التهيؤ» لدرجة مفرطة جعلته يفسر كل شيء في الحياة النفسية؛ وعندما يصبح المفهوم قادراً على تفسير كل ظاهرة سيكولوجية بلا استثناء، فإنه يفقد جزءاً من دقته التمييزية وتحديده الإجرائي الصارم، ويقترب من الوقوع في فخ التعميم الفضفاض.
- صعوبة القياس المباشر للحالات الذاتية العليا: بينما نجحت تجارب أوزنادزه نجاحاً باهراً في قياس التهيؤ الحسي-الحركي البسيط عبر أوهام الوزن والحجم، واجهت المدرسة صعوبات منهجية معقدة في قياس التهيؤات الفكرية والجمالية والاجتماعية المجردة في المختبر دون الاعتماد على مؤشرات وسيطة غير مباشرة أو تقارير لفظية ذاتية.
- الردود والمصداقية التجريبية: دافع أنصار المدرسة الجورجية بقوة عن النظرية، موضحين أن التهيؤ ليس مفهوماً مغلقاً بل هو إطار بارادايمي مفتوح يربط مستويات النشاط النفسي المختلفة، وأن الإنجازات المتلاحقة في القياس النيوروفسيولوجي وسيكولوجيا الإدراك المعاصرة قدمت البراهين الموضوعية الدقيقة التي سدت تلك الفجوات المنهجية التاريخية.
12.3 إرث أوزنادزه وأثره الخالد في تاريخ الفكر السيكولوجي
يحتل ديمتري أوزنادزه اليوم مكانة راسخة في البانثيون العالمي لكبار رواد العلوم السيكولوجية والإنسانية؛ حيث يتجاوز إرثه حدود وطنه جورجيا ليغذي الفكر الإنساني العالمي بنموذج فريد وعميق يرفض التشييء الميكانيكي للإنسان ويعيد الاعتبار لوحدة الجسد والعقل والروح.
إن مساهمة أوزنادزه الكبرى تتجلى في بنائه لعلم نفس شمولي متكامل استطاع الجمع بين صرامة التجريب المخبري المعملي والعمق الفلسفي الوجودي الرصين، ممهداً الطريق لظهور علم النفس الإنساني وعلم النفس المعرفي البيئي والظاهراتية التجريبية. وتتجدد أفكاره اليوم في أروقة الجامعات ومراكز الأبحاث العالمية الكبرى، حيث يُعاد قراءة نصوصه بوصفها نبراساً يهدي الباحثين في ميادين متعددة.
ولعل أكثر الآفاق المستقبلية إثارة لنظرية التهيؤ تتجسد اليوم في ميدان الذكاء الاصطناعي (Artificial Intelligence)، وتصميم الأنظمة الروبوتية المستقلة التكيفية (Adaptive Autonomous Systems)؛ حيث يسعى علماء الحوسبة العصبية إلى تزويد الروبوتات وخوارزميات التعلم العميق بـ «تهيؤات اصطناعية مسبقة» تمكنها من التكيف التلقائي مع البيئات المتغيرة، والانتقال الذاتي إلى معالجة العوائق غير المتوقعة، محاكين بذلك العبقرية الحيوية للتهيؤ الإنساني التي فكك شفراتها ديمتري أوزنادزه وأهداها لتاريخ العلم والمعرفة البشرية.
خاتمة شاملة
في ختام هذا التطواف المعرفي الشامل، يتضح بجلاء أن نظرية التهيؤ النفسي لديمتري أوزنادزه لا تمثل مجرد فصل تاريخي عابر في كتب السيكولوجيا الكلاسيكية، بل هي صرح فلسفي وتجريبي شامخ يقدم إجابات عميقة عن أصعب الأسئلة الوجودية والمعرفية التي واجهت الإنسان: كيف نتفاعل مع العالم؟ كيف ندرك الواقع؟ وما الذي يحرك سلوكنا قبل أن يدركه عقلنا الواعي؟
لقد استطاع أوزنادزه بمشروعه العلمي الفريد أن يحقق المعادلة المستحيلة: تفكيك ألغاز اللاوعي ونقله من ظلمات التخمين والتأويل الغيبي إلى أنوار المختبر التجريبي والقياس العلمي الصارم، مع الحفاظ على كرامة الشخصية الإنسانية وشموليتها بوصفها كلاً حياً لا يقبل التفتيت أو الاختزال الميكانيكي. من جدلية الحاجة والموقف، مروراً بأوهام الحجم والوزن ومراحل التثبيت والاندثار، وصولاً إلى فلسفة التشيؤ والانتقال العبقري نحو الوعي الخلاق، تبرهن نظرية التهيؤ على أن الإنسان كائن استباقي، يصنع معناه ويتأهب لواقعه بكل ذرة من كيانه النفسي والجسدي.
إن استعادة فكر ديمتري أوزنادزه اليوم، وإعادة قراءته على ضوء فتوحات علوم الأعصاب، والذكاء الاصطناعي، والعلوم المعرفية المعاصرة، ليست مجرد وفاء لعبقرية هذا العالم الجورجي الفذ، بل هي ضرورة معرفية ملحة لتطوير علوم إنسانية حديثة قادرة على فهم الإنسان المعاصر في كل تعقيداته، وبناء مجتمعات تربوية، وعلاجية، وتواصلية ترتكز على المرونة، والانفتاح، والفاعلية الحرة في عالم دائم التغير والتحول.
References
- Asmolov, A. G. (1986). The principles of psychological analysis in the theory of activity and Dmitry Uznadze’s set theory. Soviet Psychology, 25(1), 84–102. https://doi.org/10.2753/RPO1061-0405250184
- Clark, A. (2013). Whatever next? Predictive brains, situated agents, and the future of cognitive science. Behavioral and Brain Sciences, 36(3), 181–204. https://doi.org/10.1017/S0140525X12000477
- Friston, K. (2010). The free-energy principle: A unified brain theory?. Nature Reviews Neuroscience, 11(2), 127–138. https://doi.org/10.1038/nrn2787
- Luchins, A. S. (1942). Mechanization in problem solving: The effect of Einstellung. Psychological Monographs, 54(6), i–95. https://doi.org/10.1037/h0093502
- Natadze, R. G. (1969). Fifty years of psychology in Georgia. Soviet Psychology, 7(3), 3–17. https://doi.org/10.2753/RPO1061-040507033
- Nadirashvili, S. A. (1985). The set theory of D. N. Uznadze and modern cognitive psychology. Matsne: Series of Philosophy and Psychology, 2, 45–62.
- Prangishvili, A. S. (1967). The concept of set in Soviet psychology in the light of the research of the Georgian psychological school. In B. B. Wolman (Ed.), The Historical Roots of Contemporary Psychology (pp. 301–326). Harper & Row.
- Uznadze, D. N. (1961). Экспериментальные основы психологии установки [Experimental foundations of the psychology of set]. Publishing House of the Academy of Sciences of the Georgian SSR.
- Uznadze, D. N. (1966). The Psychology of Set (B. Haigh, Trans.). Consultants Bureau / Springer Science+Business Media. https://doi.org/10.1007/978-1-4684-1719-7
- Vygotsky, L. S. (1978). Mind in society: The development of higher psychological processes (M. Cole, V. John-Steiner, S. Scribner, & E. Souberman, Eds.). Harvard University Press. https://doi.org/10.2307/j.ctvjf9vz4