سيكولوجيا الشخصيةعلم النفس الاجتماعي

نظرية القيم الإنسانية الأساسية (الدائرة المعقدة للقيم الإنسانية العالمية) – شالوم إتش. شوارتز

دليل أكاديمي شامل يستعرض نظرية شالوم شوارتز للقيم الإنسانية الأساسية، بنية النموذج الدائري، الأبعاد التحفيزية، وأدوات القياس السيكومتري وتطبيقاتها.

تاريخ النشر

تُمثّل دراسة القيم الإنسانية أحد أكثر الميادين إثارةً للجدل والاهتمام في حقول علم النفس الاجتماعي والأنثروبولوجيا والعلوم السلوكية المعاصرة؛ إذ تشكّل القيم النواة الصلبة التي تُوجّه بوصلة السلوك الإنساني، وتصوغ المعايير التي يُحكم من خلالها على الأفعال والسياسات والأحداث. لعقود طويلة، ظلّ التنظير السيكولوجي للقيم يعاني من التشتت المفاهيمي والافتقار إلى نموذج بنيوي موحد قادر على تفسير كيفية ترابط هذه القيم وتعارضها عبر الثقافات المختلفة، حتى برزت الإسهامات الرائدة لعالم النفس الاجتماعي شالوم شوارتز (Shalom H. Schwartz). قدّم شوارتز إطاراً نظرياً شاملاً ومبتكراً عُرف باسم “نظرية القيم الإنسانية الأساسية” (Theory of Basic Human Values)، والتي أحدثت ثورة معرفية بنقل دراسة القيم من مجرد قوائم معجمية مبعثرة إلى فضاء دائري ديناميكي متكامل (Circumplex Structure).

تنبثق أهمية نظرية شوارتز من قدرتها الفائقة على تقعيد “عالمية” الدوافع الإنسانية؛ حيث تفترض النظرية أن جميع البشر، بغض النظر عن خلفياتهم الجغرافية أو العرقية أو الدينية، يتقاسمون مجموعة متكاملة من القيم الأساسية المستمدة من الاحتياجات البيولوجية والاجتماعية والوجودية لبقاء النوع الإنساني. لا تكمن فرادة النموذج في تحديد هذه القيم فحسب، بل في الكشف عن شبكة العلاقات التحفيزية البنيوية التي تربط بينها، مفسرةً لماذا يؤدي السعي وراء تحقيق قيمة معينة (كالاستقلالية مثلاً) إلى تعزيز قيم متوافقة معها وتثبيط قيم مناقضة لها (كالامتثال والتقليد) في الوقت ذاته.

يسعى هذا البحث الموسّع إلى تقديم قراءة نقدية وتأصيلية معمقة لنظرية شوارتز للقيم الإنسانية العالمية، مستعرضاً مسارها التاريخي منذ القطيعة المعرفية مع النماذج السابقة، ومفككاً الأبعاد الدائرية للقيم الأساسية العشر ثم تفريعاتها المكررة إلى تسع عشرة قيمة. كما يتناول البحث المنهجيات السيكومترية المتقدمة التي صُممت لقياسها، والتمايز الإبستيمولوجي بين مستويات التحليل الفردي والثقافي، وصولاً إلى تطبيقاتها التطبيقية في مجالات السياسة والاقتصاد وحماية البيئة، والآفاق المستقبلية للنموذج في عصر الذكاء الاصطناعي والتحولات العولمية المتسارعة.

1. مقدمة تأصيلية: نشأة نظرية القيم الإنسانية الأساسية لشالوم شوارتز وخلفيتها المعرفية

1.1 السياق التاريخي وتطور أبحاث سيكولوجيا القيم

شهد النصف الثاني من القرن العشرين إرهاصات متواصلة لتقنين مفهوم القيم داخل الحقل السيكولوجي، حيث كانت المحاولة الأكثر بروزاً قبل شوارتز هي تلك التي قادها عالم النفس الأمريكي ميلتون روكيتش عبر “مسح روكيتش للقيم” (Rokeach Value Survey – RVS). قسّم روكيتش القيم إلى فئتين: القيم الغائية (Terminal Values) التي تُمثّل الغايات النهائية للوجود الإنساني، والقيم الوسيلية (Instrumental Values) التي تُمثّل أنماط السلوك المعتمدة لتحقيق تلك الغايات. ومع أن نموذج روكيتش وفّر دفعة تجريبية قوية، إلا أنه عانى من مآزق بنيوية وإبستيمولوجية حادة؛ فقد تعامل مع القيم كعناصر معزولة تُرتّب هرمياً في قائمة خطية دون توضيح الروابط الديناميكية أو الأسس النفسية والتحفيزية التي تحكم العلاقات البينية بين تلك القيم، ناهيك عن اقتصار صلاحيته إلى حد بعيد على العينات الغربية وتحديداً الأمريكية.

تزامن هذا القصور المنهجي مع اتساع الفجوة الإبستيمولوجية بين علم النفس المعرفي والتحفيزي من جهة، وعلم الاجتماع والأنثروبولوجيا الثقافية من جهة أخرى. كان علماء النفس يركزون على العمليات الإدراكية الفردية المجردة من السياق الثقافي، بينما انغمس علماء الاجتماع في وصف الأنماط الثقافية الكلية دون امتلاك أدوات سيكومترية دقيقة لسبر أغوار الدوافع الفردية. ومن هنا، تجلت الحاجة الملحة إلى صياغة نموذج نظري متقدم يردم هذا الصدع، ويؤسس لمفهوم كلياني للقيم قادر على اختبار فرضية “الشمولية الإنسانية العابرة للثقافات” (Cross-Cultural Universality)، مع الحفاظ على الحساسية تجاه التباينات الفردية والمجتمعية في ترتيب الأولويات التحفيزية.

في أواخر الثمانينيات وأوائل التسعينيات من القرن المنصرم، بدأ شالوم شوارتز بالتعاون مع وولفغانغ بيلسكي (Wolfgang Bilsky) مشروعهما الرائد، مستفيدين من منجزات علم النفس التطوري وعلم الاجتماع المقارن. تمثل الهدف في إرساء بنية مفاهيمية لا تكتفي بسرد القيم كسمات شخصية، بل تعرّفها كأهداف تحفيزية مستمرة ومترابطة رياضياً ونفسياً، وهو ما مهّد الطريق لولادة نظرية القيم الإنسانية الأساسية التي تجاوزت القوائم المعجمية الجامدة إلى نموذج هندسي دائري يعكس تعقيدات النفس الإنسانية وتفاعلها مع المحيط الاجتماعي.

1.2 التعريف الإجرائي للقيم وفق تصور شالوم شوارتز

بلور شوارتز تعريفاً إجرائياً دقيقاً ومكثفاً للقيم الإنسانية، مميزاً إياها عن المفاهيم المجاورة كالاتجاهات (Attitudes)، والسمات (Traits)، والأعراف الاجتماعية (Social Norms). حدد شوارتز ست خصائص جوهرية تشترك فيها كافة القيم الإنسانية، وتعمل مجتمعة كمعيار حاسم لتحديد ما يُعد قيمة بالمعنى السيكولوجي الدقيق:

  • الارتباط بالوجدان والانفعال: القيم ليست مجرد أفكار معرفية باردة؛ فعندما تُستثار قيمة معينة أو تُنتهك، تتولد لدى الفرد استجابات انفعالية ووجدانية عميقة (مثل الفخر والشعور بالرضا عند تحقيق الاستقلالية، أو الغضب والاشمئزاز عند انتهاك العدالة والأمان).
  • التعالي على المواقف والسياقات (Trans-situational): بخلاف “الاتجاهات” التي ترتبط بموضوعات أو أشخاص أو مواقف نوعية ومحددة، تتميز القيم بطبيعتها المجردة التي تتجاوز اللحظة والحدث لتشكل موجهاً كلياً عابراً لمختلف المواقف الحياتية (في العمل، الأسرة، والسياسة).
  • الأهداف المرغوبة كغايات ومحركات: تشكّل القيم الأهداف التحفيزية الأساسية التي يسعى الأفراد بوعي أو دون وعي إلى إشباعها وتحقيقها، مما يجعلها القوة الدافعة الكامنة خلف اتخاذ القرارات وتفضيل مسار حركي على آخر.
  • معايير ومقاييس للتقييم: تعمل القيم كأطر مرجعية ومعايير تقييمية باطنية يُحاكم الأفراد من خلالها ذواتهم وسلوكيات الآخرين والسياسات والأحداث، مبررين من خلالها الاختيارات السلوكية المقبولة أو المرفوضة.
  • الترتيب الهرمي للأولويات: لا تتساوى القيم في وزنها النسبي داخل البناء النفسي للفرد؛ بل تنتظم في نسق هرمي يتفاوت من شخص لآخر ومن مجتمع لآخر، مما يحدد أي القيم تحظى بالأسبقية عند حدوث صراع قيمي داخل موقف معين.
  • التوجيه السلوكي المشروط بالأهمية النسبية: لا يؤثر السلوك بقيمة واحدة معزولة، بل بمحصلة التدافع والمفاضلة بين عدة قيم تقع على درجات مختلفة من سلم الأولويات الفردي.

1.3 المتطلبات الوجودية الثلاثة المنشئة للقيم الإنسانية

تنطلق نظرية شوارتز من افتراض أنثروبولوجي تطوري يرى أن القيم لم تنشأ اعتباطاً، بل هي استجابات معرفية وترميزات رمزية لثلاثة متطلبات وجودية كونية وحتمية لا غنى عنها لأي تجمع بشري لضمان استمراره وبقائه. تُمثّل هذه المتطلبات الثلاثة المنبع الحقيقي لجميع الدوافع البشرية المنظمة قيمياً:

أولاً، الاحتياجات البيولوجية للفرد ككائن حي (Biological Needs of the Organism): يحتاج الكائن البشري من أجل البقاء إلى إشباع غرائزه الفسيولوجية الأساسية من تغذية، وراحة، وتجنب للألم، وإحساس بالمتعة، وتفريغ للطاقة الحيوية. تترجم هذه المتطلبات البيولوجية المباشرة نفسياً في صورة قيم تحفيزية عليا مثل “مذهب اللذة” (Hedonism) و”الأمان الشخصي” (Personal Security).

ثانياً، متطلبات التفاعل والتنسيق الاجتماعي السلس والفعال (Requisites of Coordinated Social Interaction): لا يمكن للبشر العيش فرادى، والبقاء الجمعي يفرض تفاعلات يومية معقدة بين الأفراد. يتطلب هذا التنسيق ضبط النزعات الأنانية الفردية، وتأسيس معايير مشتركة للتواصل والتعاون، وتجنب الصدامات المدمرة. تنبثق عن هذا المطلب الوجودي قيم تضمن التماسك الاجتماعي، مثل “الامتثال” (Conformity)، و”التقليد” (Tradition)، و”الإحسان” (Benevolence).

ثالثاً، مطالب رفاهية الجماعة وبقائها واستقرارها المؤسسي (Survival and Welfare Needs of Groups): تحتاج الجماعات الإنسانية والمؤسسات الاجتماعية إلى حماية حدودها، وتوزيع الموارد المشتركة بعدالة، وتحفيز الأفراد على المساهمة في الإنتاج، وحماية البيئة الطبيعية الحاضنة لهم. تتبلور هذه المتطلبات الكلية في قيم راقية مثل “الشمولية” (Universalism)، و”الإنجاز” (Achievement)، و”القوة” (Power)، التي تنظم علاقات القوة والإنتاج وتضمن استدامة المجتمع ككل.

2. القيم الإنسانية الأساسية العشر: التحليل المفاهيمي والخصائص التحفيزية

2.1 قيم تقرير المصير، التنبيه، ومذهب اللذة

تُمثّل هذه المجموعة الثلاثية من القيم حزمة الدوافع المرتبطة بالاستقلالية الفردية وإشباع الرغبات الحيوية والاستكشافية، وتتميز كل قيمة منها بخصائص سيكولوجية محددة:

تقرير المصير (Self-Direction): يتمثل الهدف التحفيزي الجوهري لهذه القيمة في استقلالية الفكر والعمل؛ أي حرية الفرد في الاختيار والإبداع والاستكشاف ورسم مساراته الشخصية. ترتكز هذه القيمة على الحاجة العضوية إلى التمكن المعرفي والشعور بالفاعلية والتحكم الداخلي (Internal Locus of Control). من مفرداتها السلوكية: الفضول، الإبداع، الحرية، اختيار الأهداف الخاصة، والاستقلال الذاتي.

التنبيه (Stimulation): ينبع الهدف التحفيزي لقيمة التنبيه من الحاجة البيولوجية إلى التجديد ومواجهة التحديات للحفاظ على مستوى أمثل من الاستثارة النفسية والعصبية (Optimal Level of Arousal). يرفض الأفراد الذين تحركهم هذه القيمة الرتابة والروتين الممل، ويبحثون دوماً عن التجارب الحياتية المثيرة، والمغامرة، والجرأة، والمخاطرة المحسوبة أو غير المحسوبة في سبيل كسر الجمود الوجودي.

مذهب اللذة (Hedonism): يُعرّف الهدف التحفيزي لهذه القيمة بالسعي وراء المتعة، والإشباع الحسي والجسدي، والاستمتاع بمباهج الحياة وتجنب المعاناة. تستند هذه القيمة مباشرة إلى المتطلبات الفسيولوجية الأساسية والنزعة الغريزية الفطرية لطلب اللذة والارتياح النفسي والجسدي، وتعد جسراً فريداً بين دوافع الانفتاح ودوافع تعزيز الذات.

2.2 قيم الإنجاز، القوة، والأمان

تركز هذه الحزمة من القيم على التموضع الفردي ضمن الهياكل الاجتماعية، وسعي الفرد لاكتساب المكانة والسيطرة وتأمين الذات والمحيط ضد المخاطر المحتملة:

الإنجاز (Achievement): يتمحور الهدف التحفيزي لقيمة الإنجاز حول تحقيق النجاح الشخصي من خلال إثبات الكفاءة الفردية وفق المعايير الاجتماعية السائدة والمكتسبة ثقافياً. يختلف الإنجاز هنا عن الاستقلال الذاتي في كونه مشروطاً باعتراف البيئة المحيطة وتقييمها للأداء المتفوق. تتضمن مفرداتها: الطموح، الكفاءة، التأثير، والنجاح المعترف به مجتمعياً.

القوة (Power): يتمثل هدفها التحفيزي في اكتساب المكانة الاجتماعية الرفيعة، وتحقيق الهيبة (Prestige)، والسيطرة أو التحكم في الموارد المادية والبشرية. تنبثق قيمة القوة من متطلبات التنسيق الاجتماعي التي تفرز حتماً تراتبيات وسلطة، غير أنها على المستوى الفردي تعبر عن الرغبة في التواجد في قمة الهرم الاجتماعي لضمان السيطرة والحماية الذاتية وتوجيه الآخرين.

الأمان (Security): يتركز هدفها التحفيزي في تحقيق السلامة، والاستقرار، والانسجام لكل من المجتمع، والعلاقات الشخصية، والذات الفردية. تنبع من حاجة الكائن الحي الملحة لتجنب الفوضى والمخاطر المادية والنفسية غير المتوقعة. تشتمل القيمة على شقين متلازمين: أمان فردي (مثل النظافة، السلامة الصحية، والاستقرار المالي) وأمان جمعي (مثل النظام الاجتماعي، الأمن القومي، والولاء للمجتمع).

2.3 قيم الامتثال، التقليد، والإيثار (الإحسان)، والشمولية (العالمية)

تُعنى هذه المنظومة الرباعية بضبط العلاقة مع الآخرين، بدءاً من الجماعات الأولية ووصولاً إلى البشرية جمعاء والبيئة الكونية:

الامتثال (Conformity): يهدف إلى كبح الميول، والدوافع، والتصرفات الفردية التي يُحتمل أن تزعج الآخرين، أو تؤذيهم، أو تنتهك التوقعات والمعايير الاجتماعية الصريحة والضمنية. تنبع هذه القيمة من ضرورة تجنب النزاعات داخل الجماعة والحفاظ على الهدوء التنظيمي، وتتجلى سلوكياً في: الطاعة، والتهذيب، والانضباط الذاتي، واحترام الوالدين وكبار السن.

التقليد (Tradition): يتمثل هدفها التحفيزي في الاحترام، والالتزام، والقبول بالأفكار والأعراف والطقوس التي تفرضها الثقافة المشتركة أو الدين. ورغم تقاربها مع الامتثال في كبح الذات، إلا أن التقليد يمثل استجابة أعمق وأكثر قداسة للرموز التاريخية والعقائدية المتوارثة، معبراً عن الخضوع المطلق لمسلمات الجماعة كرمز للوحدة والبقاء الروحي.

الإحسان أو الإيثار (Benevolence): يركز الهدف التحفيزي للإحسان على الحفاظ على رفاهية وسعادة الأفراد الذين يرتبط معهم الشخص بعلاقات وثيقة وتفاعلات يومية مباشرة (الأسرة، الأصدقاء، وزملاء العمل). تنبثق هذه القيمة من متطلبات التضامن داخل الجماعة الأولية (In-group)، وتتجسد في سمات مثل: الصدق، والمساعدة، والتسامح الشخصي، والولاء، والمحبة الأخوية.

الشمولية أو العالمية (Universalism): تمثل قمة التطور القيمي؛ إذ يتمثل هدفها التحفيزي في الفهم، والتقدير، والتسامح، والحماية لرفاهية جميع بني البشر دون استثناء، فضلاً عن حماية الطبيعة والبيئة الكونية. تتجاوز الشمولية حدود “الجماعة الخاصة” لتشمل الإنسانية برمتها والغلاف الحيوي، متضمنةً مفاهيم: العدالة الاجتماعية، والمساواة، والسلام العالمي، وحماية البيئة، والحكمة الوجودية.

3. النموذج الدائري للقيم (Circumplex Structure): البنية الديناميكية والتكامل والتضاد

3.1 مبدأ الاستمرارية التحفيزية (Motivational Continuum)

يمثل الانتقال من النظر إلى القيم ككيانات مجزأة إلى تبني “البنية الدائرية” (Circumplex Structure) أهم القفزات الإبستيمولوجية في نظرية شوارتز. يرتكز النموذج على مبدأ الاستمرارية التحفيزية؛ وهو المبدأ القائل بأن الفضاء القيمي ليس تقسيماً فئوياً حاداً ومفصولاً بجدران مصمتة، بل هو طيف متصل لا مركزي تنساب فيه الدوافع بسلاسة دون فواصل تعسفية، تماماً كما تتدرج الألوان في الطيف الضوئي المرئي.

في هذا الطيف الدائري، تتشارك القيم المتجاورة مكانياً في العديد من الخصائص والأهداف التحفيزية المشتركة؛ فعلى سبيل المثال، تتجاور قيمتا “القوة” و”الإنجاز” لأنهما تشتركان في التركيز على التميز الاجتماعي والفاعلية الذاتية. وبالمثل، تتجاور قيمتا “الامتثال” و”الأمان” لاشتراكهما في الرغبة في تفادي الاضطراب والحفاظ على الاستقرار. هذا التداخل الحدودي يقلل من التنافر المعرفي (Cognitive Dissonance) لدى الفرد عند تبنيه قيماً متجاورة؛ إذ يستطيع تفعيلها معاً في نمط سلوكي منسجم يحقق أهدافه الوجودية دون صراع داخلي عميق.

إن الرؤية الاستمرارية تمنح الباحثين مرونة سيكومترية عالية؛ حيث تتيح إمكانية دمج قيم متجاورة في قطاعات أوسع، أو إعادة تقسيم القيمة الواحدة إلى مستويات فرعية مجهرية أدق (كما حدث لاحقاً في النظرية المكررة)، دون الإخلال بالنظام البنيوي الدائري للعلاقات التحفيزية الذي يحكم المنظومة برمتها.

3.2 علاقات التوافق والتعارض التحفيزي (Compatibility and Conflict)

تخضع البنية الدائرية لمنطق هندسي وديناميكي صارم يقوم على ركيزتين متلازمتين: التوافق (Compatibility) والتعارض (Conflict). تحدد المسافة الزاوية بين أي قيمتين على محيط الدائرة درجة التقارب أو التنافر بين دوافعهما النفسية؛ فكلما اقتربت القيمتان زاد التوافق السلوكي بينهما، وكلما تباعدتا وصولاً إلى التقابل القطري (180 درجة) نشأ صراع نفسي وسلوكي حتمي يتطلب من الفرد الموازنة والمفاضلة.

يتجلى التعارض التحفيزي بأوضح صوره في المحاور المتقابلة قطرياً على الدائرة؛ فالسعي المتزامن لتحقيق قيمة “تقرير المصير” (التي تتطلب التحرر والشك والتجريب) يتعارض جذرياً في الموقف الواحد مع السعي لتحقيق قيمة “الامتثال” أو “التقليد” (التي تتطلب الخضوع والانصياع للمعايير المفروضة مسبقاً). وبالمثل، فإن السعي المحموم وراء “القوة” ومراكمة الموارد الخاصة على حساب الآخرين يصطدم مباشرة مع متطلبات “الإحسان” و”الشمولية” التي تستدعي التضحية بالمكاسب الفردية لصالح العدالة ورفاهية المجموع.

عندما يوضع الفرد في مواقف حياتية تجبره على الاختيار بين قيمتين متضادتين، تلجأ النفس البشرية إلى آليات دفاعية وتبريرية لتقليل التوتر الناشئ عن الصراع القيمي، كإعادة صياغة الموقف أو استدعاء تبريرات عقلانية تعطي الأولوية للقيمة الأعلى في سلمه القيمي، مما يبرز الدور التوجيهي الحاسم للترتيب الهرمي الفردي للقيم في إدارة التناقضات السلوكية الحتمية.

4. الأبعاد التحفيزية ثنائية القطب من الرتبة الأعلى (Higher-Order Dimensions)

4.1 محور الانفتاح على التغيير مقابل المحافظة (Openness to Change vs. Conservation)

يختزل النموذج الدائري القيم العشر الأساسية في بعدين مفاهيميين رئيسيين متعامدين وثنائيي القطب من الرتبة الأعلى (Higher-Order Dimensions). يمثل البعد الأول محور الانفتاح على التغيير في مواجهة المحافظة، وهو المحور الذي يعالج التحدي الإنساني المتعلق بكيفية استجابة الفرد للمستجدات والحرية الفكرية مقابل التمسك بالنظام واليقين.

يجمع قطب الانفتاح على التغيير (Openness to Change) كلاً من قيم: “تقرير المصير” و”التنبيه”، ومعهما جانب من “مذهب اللذة”. يحفز هذا القطب الإنسان على متابعة أفكاره ومشاعره وتطلعاته الذاتية المستقلة، وتقبل المجهول، وتبني الأنماط السلوكية المبتكرة، والاستعداد لتحمل مخاطر التجربة الإنسانية المفتوحة. في المقابل، يضم قطب المحافظة (Conservation) قيم: “الأمان”، و”الامتثال”، و”التقليد”، وهي القيم التي تدفع الفرد نحو كبح الدوافع الذاتية التخريبية، والحفاظ على التقاليد الموروثة، والتشبث بالقواعد الصارمة لحماية الذات والمجتمع من تهديدات الفوضى واللايقين.

ينعكس هذا الصراع المحوري سلوكياً في كافة الممارسات الاجتماعية والسياسية؛ فالأفراد والمجتمعات التي تُعلي من شأن الانفتاح على التغيير تميل إلى احتضان الابتكار العلمي، والتنوع الثقافي، والتحرر الاجتماعي، بينما تميل الأطراف المنحازة إلى المحافظة نحو تفضيل الهويات الصلبة، والامتثال الصارم للضوابط المجتمعية، وتوجيه السياسات نحو الأمن الوقائي والحفاظ على الاستقرار الراهن.

4.2 محور تعزيز الذات مقابل تجاوز الذات (Self-Enhancement vs. Self-Transcendence)

يتعامد المحور الثاني مع المحور السابق ليعالج المسألة الأخلاقية والاجتماعية الكبرى: هل يوجه الفرد طاقاته التحفيزية لخدمة مصالحه الفردية وتفوقه الشخصي، أم يكرسها لخدمة الآخرين والاتصال بالكل الأعظم؟ يُعرف هذا البعد بمحور تعزيز الذات في مواجهة تجاوز الذات.

يحتضن قطب تعزيز الذات (Self-Enhancement) قيمتي “القوة” و”الإنجاز”، حيث تتمركز الدوافع حول تأكيد الذات، والبحث عن الاعتراف الاجتماعي، واكتساب النفوذ والمكانة والسيطرة على مقدرات الواقع. في الطرف المقابل تماماً، يرتكز قطب تجاوز الذات (Self-Transcendence) على قيمتي “الشمولية” و”الإحسان”، حيث تتسامى الدوافع الإنسانية فوق الرغبات الأنانية الضيقة، لتنشغل بالاهتمام المتجرد بآلام الآخرين، وتقديم العون غير المشروط، والنضال من أجل إرساء العدالة والمساواة الكونية وصون الطبيعة كإرث مشترك للبشرية.

تجدر الإشارة إلى الموقع الإبستيمولوجي والتحفيزي الفريد لقيمة مذهب اللذة (Hedonism)؛ إذ تشترك هذه القيمة بخصائص تحفيزية تجمع بين بعدين في آنٍ واحد؛ فهي تتشارك مع قطب الانفتاح على التغيير في التركيز على إثارة الذات والمشاعر الإيجابية الذاتية، وتتقاطع في الوقت ذاته مع قطب تعزيز الذات في تمحورها حول الإشباع الشخصي للفرد، مما يجعلها تحتل موقعاً برزخياً فريداً على محيط الدائرة يربط بين هذين البعدين الكبيرين.

5. النظرية المكررة للقيم الإنسانية (The Refined Theory of 19 Values)

5.1 مبررات إعادة تقسيم وتدقيق المنظومة القيمية الأصلية

مع اتساع رقعة الأبحاث الإمبيريقية وتراكم البيانات الضخمة من مئات العينات عبر مختلف قارات العالم، لاحظ شالوم شوارتز ومعاونوه (لا سيما في دراستهم المفصلية المنشورة عام 2012) أن النموذج الأصلي المكون من 10 قيم، على الرغم من دقته الكلية وثباته النظري، يدمج في بعض قطاعاته مضامين تحفيزية متباينة تستحق التمايز السيكومتري لزيادة القوة التفسيرية والتنبؤية بالسلوك البشري.

كانت بعض القيم الأصلية العريضة، مثل “الشمولية” و”الأمان” و”تقرير المصير”، تنطوي على أوجه تحفيزية ذات توجهات تطبيقية متمايزة؛ فالأمان الموجه لحماية الذات الفردية يختلف في ديناميكياته وآثاره عن الأمان الجمعي الموجه لاستقرار الدولة أو النظام الاجتماعي. كما أن الاهتمام بالعدالة الاجتماعية للبشر يختلف سيكولوجياً عن الاهتمام بحماية النظام البيئي الطبيعي، على الرغم من اجتماعهما تحت مظلة الشمولية الكبرى.

من هنا، نشأت الحاجة إلى صياغة “النظرية المكررة للقيم الإنسانية” (The Refined Theory of Basic Values)، والتي هدفت إلى تقديم تقسيم أدق للمنظومة القيمية يرفع عددها من 10 قيم عريضة إلى 19 قيمة محددة بدقة بالغة، مع الحفاظ الكامل والمطلق على الفلسفة البنيوية للدائرة المتصلة والأبعاد التحفيزية ثنائية القطب.

5.2 التقسيمات الفرعية للقيم الأساسية وتوزيعها المفصل

قامت النظرية المكررة بتفكيك القيم الكلاسيكية إلى مكوناتها الفرعية على النحو التالي:

  • تقرير المصير (Self-Direction): انشطرت إلى قيمتين هما: استقلال الفكر (Self-Direction: Thought) المعنية بحرية صياغة الأفكار والآراء الخاصة، واستقلال الفعل (Self-Direction: Action) المعنية بحرية الممارسة واختيار الأنشطة العملية والتصرف.
  • التنبيه (Stimulation): ظلت قيمة مركزية تعبر عن البحث عن الإثارة والحماس والتجديد في الحياة اليومية.
  • مذهب اللذة (Hedonism): حافظت على تعريفها كقيمة تركز على المتعة والارتياح الحسي وتدليل الذات.
  • الإنجاز (Achievement): بقيت مركزة على النجاح الشخصي استناداً إلى مقاييس الأداء والكفاءة الاجتماعية.
  • القوة (Power): تم التمييز بوضوح بين: الهيمنة على الموارد (Power: Resources) وتتمثل في التحكم في المقدرات المالية والمادية، والسيطرة على الأفراد (Power: Dominance) وتتمثل في فرض النفوذ والتحكم في سلوك الآخرين وسلطة اتخاذ القرار.
  • المكانة والوجهة (Face): أُضيفت كقيمة صريحة ومستقلة تقع بين القوة والأمان، وتركز على الحفاظ على الصورة العامة للفرد وتجنب الإهانة أو فقدان الاحترام والمكانة في عيون الآخرين.
  • الأمان (Security): تفككت إلى: أمان شخصي (Security: Personal) ويشمل سلامة الفرد المادية والجسدية المباشرة، وأمان مجتمعي (Security: Societal) ويشمل استقرار المجتمع ككل وحفظ النظام العام وتماسك الدولة.
  • الامتثال (Conformity): انشطرت إلى: الامتثال للقواعد (Conformity: Rules) المتمثل في الالتزام بالقوانين والتشريعات الرسمية، والامتثال في العلاقات الشخصية (Conformity: Interpersonal) المتمثل في تجنب إيذاء أو إزعاج الأشخاص المحيطين في التفاعلات المباشرة.
  • التقليد (Tradition): استمرت كقيمة تحافظ على الممارسات الدينية والثقافية والعادات الموروثة.
  • التواضع (Humility): صيغت كقيمة مستقلة تقع بجوار التقليد والامتثال، وتعبر عن إدراك الفرد لمحدوديته وتفادي الغرور ووضع الذات في موضع متواضع بالنسبة للآخرين وللكون.
  • الإحسان (Benevolence): تم التمايز داخلها بين: الاعتمادية والموثوقية (Benevolence: Dependability) أي أن يكون الفرد سنداً حقيقياً وموثوقاً لأعضاء جماعته، والرعاية (Benevolence: Caring) المتمثلة في تقديم العون الفعلي والدعم النفسي والمادي لرفاه المقربين.
  • الشمولية (Universalism): انشطرت إلى ثلاثة أبعاد بالغة الدقة: الشمولية – الاهتمام بالآخرين (Universalism: Concern) وتركز على الالتزام بالعدالة والمساواة وحماية الضعفاء، والشمولية – التسامح (Universalism: Tolerance) وتركز على قبول وفهم من يختلفون في الأفكار أو المعتقدات أو أساليب الحياة، والشمولية – الطبيعة (Universalism: Nature) وتركز على حماية البيئة والتناغم مع الكائنات الحية والمحيط الحيوي.

5.3 المقارنة البنيوية بين النموذج الكلاسيكي (10 قيم) والمكرر (19 قيمة)

أثبتت الفحوصات الإمبيريقية باستخدام التحليل العاملي التوكيدي (Confirmatory Factor Analysis) والنمذجة بالمعادلات البنائية (SEM) أن النموذج المكرر يتمتع بمزايا بنيوية فائقة مقارنة بالنموذج الكلاسيكي العشري. لا يلغي النموذج المكرر سابقه، بل يمثل ترقية مجهرية (Fine-grained Tuning) تتيح التنبؤ بسلوكيات نوعية لم يكن النموذج العشري قادراً على رصد تبايناتها المعقدة.

تجلت الفائدة البنيوية للنموذج المكرر في مجالات العلوم السياسية والاجتماعية؛ حيث أظهرت الدراسات مثلاً أن التنبؤ بالانخراط في العمل التطوعي البيئي يرتبط تحديداً وبشكل شبه حصري بقيمة “الشمولية – الطبيعة”، بينما قد لا يتأثر بقيمة “الشمولية – التسامح”. كذلك، فإن المواقف المتشددة تجاه المهاجرين ترتبط ارتباطاً وثيقاً بـ “الأمان المجتمعي” و”الامتثال للقواعد”، وليس بالضرورة بـ “الأمان الشخصي” أو “الامتثال الشخصي”.

يضمن هذا التمايز المتقدم للباحثين دقة تحليلية غير مسبوقة، مجنباً إياهم الوقوع في فخ التعميمات الفضفاضة، ومقدماً خريطة معرفية تصف بدقة متناهية كيف تتوزع الدوافع البشرية عبر 19 محطة تحفيزية تلتئم في نسق دائري متصل وشديد الاتساق عبر الثقافات الإنسانية جمعاء.

6. أدوات القياس السيكومتري لنظرية القيم الأساسية

6.1 استبيان مسح شوارتز للقيم (Schwartz Value Survey – SVS)

يعد استبيان مسح شوارتز للقيم (SVS) الأداة الإمبيريقية الأولى والأكثر أصالة التي طُوّرت لاختبار النموذج النظري عالمياً. يتألف المقياس من 56 إلى 57 بنداً قيمياً مصاغاً بطريقة تجريدية عالية؛ حيث يُقدَّم كل بند كاسم مجرد (مثل: الحرية، المساواة، النظام الاجتماعي) متبوعاً بعبارة توضيحية موجزة بين قوسين لتحديد المعنى الإجرائي للكلمة (مثال: “الحرية [حرية التفكير والعمل]”).

يطلب المقياس من المفحوص تقييم كل بند كـ “مبدأ موجه في حياتي” باستخدام مقياس استجابة ليكرت فريد وغير متماثل يتألف من 9 درجات تبدأ من (-1) إلى (7):

  • (-1): تعني أن القيمة “مخالفة تماماً لمبادئي ومرفوضة”.
  • (0): تعني أن القيمة “غير مهمة على الإطلاق”.
  • (3): تعني أن القيمة “مهمة”.
  • (6): تعني أن القيمة “مهمة جداً”.
  • (7): تعني أن القيمة “ذات أهمية قصوى ومطلقة” (يُوصى بعدم منح هذه الدرجة إلا لقيمتين أو ثلاث على الأكثر لضمان التمايز الهرمي).

على الرغم من النجاح الأكاديمي الساحق لمقياس SVS والبيانات الهائلة التي وفّرها من أكثر من 60 دولة، إلا أنه واجه تحديات منهجية ارتبطت باعتماده على التفكير التجريدي والقدرات اللغوية المتقدمة؛ الأمر الذي جعله أداة مثالية للعينات الجامعية والمتعلمين تعليماً عالياً، ولكنه شكل عائقاً عند تطبيقه على فئات السكان الأقل تعليماً، أو في المجتمعات النامية، أو مع الفئات العمرية الصغيرة كالأطفال واليافعين.

6.2 استبيان الصور الشخصية للقيم (Portrait Values Questionnaire – PVQ)

لتجاوز العقبات المعرفية واللغوية في مقياس SVS، ابتكر شوارتز وفريقه أداة قياس بديلة وأكثر مرونة وعفوية أُطلق عليها “استبيان الصور الشخصية للقيم” (Portrait Values Questionnaire – PVQ). تعتمد هذه الأداة على منهج القياس غير المباشر عبر تقديم “بورتريهات” أو أوصاف لسيناريوهات شخصية قصيرة تصف أهداف وتطلعات أشخاص خياليين، ثم يُطلب من المستجيب تحديد مدى تشابه هذا الشخص الموصوف معه شخصياً.

تتضمن كل فقرة جملتين تركزان على أهداف الشخص ورغباته (مثال: “التفكير في أفكار جديدة والإبداع أمر بالغ الأهمية بالنسبة له. هو يحب أن يفعل الأشياء بطريقته الأصلية الخاصة”). ويجيب المفحوص عبر مقياس سداسي يمتد من (1 = لا يشبهني على الإطلاق) إلى (6 = يشبهني تماماً). يُحوّل هذا النهج انتباه المستجيب من محاكمة ذاته وتقييمها التجريدي المباشر، إلى المقارنة الإدراكية مع شخص آخر، مما يقلل بشكل ملحوظ من الرغبة في الظهور بمظهر اجتماعي مرغوب (Social Desirability Bias).

تعددت نسخ المقياس المعتمدة لتلائم مختلف الاحتياجات البحثية والمسوح الدولية الكبرى، ومن أبرزها:

  • مقياس PVQ-40: النسخة الكلاسيكية الموسعة المخصصة لقياس القيم العشر الأساسية للأفراد والبالغين من مختلف المستويات التعليمية.
  • مقياس PVQ-21: النسخة المختصرة التي تم دمجها في “المسح الاجتماعي الأوروبي” (European Social Survey – ESS) وتُجرى دورياً كل سنتين في عشرات الدول.
  • مقياس PVQ-57: الأداة السيكومترية الحديثة والمفصلة المصممة خصيصاً لقياس واستخراج الدرجات الخاصة بالقيم التسع عشرة للنموذج المكرر.

6.3 معالجة التحيزات الإحصائية ومشاكل القياس (Centering/Ipsatization)

تفرض طبيعة قياس القيم تحديات إحصائية وسيكومترية معقدة؛ أبرزها ما يعرف بـ “نزعة الاستجابة الإيجابية” (Response Tendency / Acquiescence Bias)؛ حيث يميل بعض الأفراد أو الثقافات إلى تقييم جميع القيم بدرجات مرتفعة جداً بدافع الإيجابية المطلقة، بينما يميل آخرون إلى التحفظ ومنح درجات متوسطة أو منخفضة لجميع البنود بغض النظر عن محتواها.

لمعالجة هذا التشويه الإحصائي الذي قد يقود إلى ارتباطات إيجابية زائفة بين قيم متناقضة قطرياً، شدد شوارتز على ضرورة إجراء عملية معالجة إحصائية تسمى “توسيط الدرجات حول المتوسط الفردي العام” (Centering / Mean-Centering / MRAT). تتم هذه العملية من خلال حساب متوسط الدرجات التي منحها كل مستجيب لكافة بنود الاستبيان مجتمعة (Mean Response across All Items – MRAT)، ومن ثم طرح هذا المتوسط الفردي من درجة كل قيمة على حدة. تُحوّل هذه العملية الدرجات الخام المطلقة إلى درجات نسبية تمثل الأولويات القيمية النسبية داخل البناء النفسي للفرد، وتكشف بوضوح البنية التنافسية الحقيقية بين الدوافع المتصارعة.

إلى جانب التوسيط الإحصائي، تعتمد دراسات شوارتز بشكل مكثف على منهجيات التحليل التوافقي التعددي (Multidimensional Scaling – MDS). يقوم تحليل MDS بتمثيل مصفوفة الارتباطات بين القيم كنقاط في فضاء هندسي ثنائي الأبعاد؛ بحيث تعكس المسافات الإقليدية بين النقاط درجة التقارب التحفيزي بين القيم، وهو الاختبار الإمبيريقي الصارم الذي أثبت عبر آلاف العينات صحة الترتيب الدائري التتابعي للقيم الإنسانية وتوافقها مع التوقعات النظرية للنموذج.

7. التمييز الإبستيمولوجي بين مستوى قيم الأفراد ومستوى قيم الثقافات

7.1 نظرية التوجهات القيمة الثقافية لشالوم شوارتز (Cultural Value Orientations)

من أبرز الإسهامات الإبستيمولوجية والمنهجية التي رسخها شوارتز في دراسات العلوم الاجتماعية المقارنة، تفريقه القاطع بين دراسة القيم على المستوى الفردي (Individual Level) ودراستها على المستوى المجتمعي/الثقافي (Cultural Level). حذر شوارتز من الوقوع في مأزق “مغالطة التعميم البيئي” (Ecological Fallacy)؛ وهي المغالطة الناشئة عن افتراض أن العلاقات والارتباطات الإحصائية المكتشفة بين المتغيرات على مستوى الثقافات الكلية تنطبق بالضرورة على الأفراد داخل تلك الثقافات، أو العكس بالعكس.

على المستوى الفردي، تعبر القيم عن “أهداف تحفيزية شخصية” متموضعة داخل الجهاز النفسي للإنسان، وتُوجه سلوكه واختياراته الفردية. أما على المستوى الثقافي، فإن الثقافة تمثل متغيراً سياقياً وتجريدياً فوق-فردي (Supra-individual)؛ إنها تمثل الحلول المعيارية والمؤسسية المشتركة التي تواجه بها المجتمعات التحديات الأساسية لتنظيم النشاط البشري وإدارة الموارد وتنظيم العلاقات بين المؤسسات والمواطنين.

لذلك، صاغ شوارتز نظرية مستقلة وموازية لتحليل القيم الثقافية، تضم أبعاداً مفاهيمية مغايرة تماماً لأبعاد القيم الفردية، وإن كانت تتكامل معها في إطار فهم الظاهرة الإنسانية في كليتها المعقدة.

7.2 الأبعاد الثقافية السبعة لنظرية شوارتز القومية

حدد شوارتز ثلاثة تحديات مجتمعية رئيسية تواجه كل المجتمعات الإنسانية، وصاغ في مواجهتها سبعة أبعاد قيمية ثقافية تتوزع في أقطاب متقابلة عبر ثلاثة محاور كبرى:

المحور الأول: الاستقلالية مقابل الاندماج (Autonomy vs. Embeddedness): يعالج طبيعة العلاقة بين الفرد والجماعة. في ثقافات الاندماج المجتمعي (Embeddedness)، يُنظر إلى الفرد كجزء لا يتجزأ من الكل الاجتماعي، وتتمحور القيم الثقافية حول التضامن الجماعي، والحفاظ على التقاليد، والامتثال للنظام الاجتماعي المفروض، وتجنب زعزعة استقرار الجماعة. في المقابل، ترى ثقافات الاستقلالية (Autonomy) الفرد ككيان مستقل ومتمتع بالحرية في التعبير عن سماته؛ وتنقسم إلى: استقلالية فكرية (Intellectual Autonomy) تشجع الإبداع والفضول الفكري، واستقلالية وجدانية (Affective Autonomy) تشجع التجارب الإيجابية والمتعة والمغامرة الشخصية.

المحور الثاني: المساواتية مقابل الهرمية (Egalitarianism vs. Hierarchy): يعالج التحدي المتعلق بكيفية ضمان السلوك المسؤول وتوزيع الأدوار والموارد. في ثقافات المساواتية (Egalitarianism)، يُربّى الأفراد على اعتبار الآخرين متساوين أخلاقياً، ويتم تحفيز التعاون الطوعي والاهتمام برفاهية الجميع والالتزام بالعدالة الاجتماعية والصدق والمسؤولية المشتركة. أما في ثقافات الهرمية (Hierarchy)، فيعتمد النظام الاجتماعي على توزيع غير متكافئ للسلطة والأدوار والموارد، وتُشرعن الفروق الطبقية والتراتبية، ويُفرض الامتثال للأوامر الصادرة من قمة الهرم لضمان انضباط المجتمع.

المحور الثالث: الانسجام مقابل التمكن والسيطرة (Harmony vs. Mastery): يعالج كيفية إدارة وتوجيه العلاقات مع البيئة الاجتماعية والطبيعية. تؤكد ثقافات الانسجام (Harmony) على قبول العالم كما هو، والتكيف الهادئ معه، وحماية البيئة الطبيعية، وتجنب استغلال الموارد أو التغيير العنيف للواقع. بينما تؤكد ثقافات التمكن والسيطرة (Mastery) على تشجيع الأفراد والجماعات على السيطرة الحازمة على البيئة المادية والاجتماعية، وتغيير العالم لخدمة الأهداف الجمعية، وتمجيد الإنجاز التنافسي، والجرأة، والتقدم التكنولوجي المستمر.

8. عالمية النموذج والتباينات التطورية والديموغرافية

8.1 الأدلة الأمبريقية على الشمولية العابرة للثقافات (Cross-Cultural Universality)

تعد نظرية شوارتز للقيم واحدة من أكثر النظريات السيكولوجية التي خضعت لاختبارات إمبيريقية واسعة النطاق في تاريخ العلوم الإنسانية؛ إذ جرى اختبار النموذج في أكثر من 82 دولة تمثل أكثر من 90% من سكان الكوكب، وشملت العينات طيفاً واسعاً من التنوع الجغرافي والديني والاقتصادي (من المجتمعات الصناعية المتقدمة إلى المجتمعات الزراعية والقبلية النائية).

أكدت نتائج هذه المسوح العالمية المتطابقة إلى حد بعيد ظاهرتين بنيويتين أساسيتين:

  • عالمية البنية الدائرية: أثبتت التحليلات المكانية متعددة الأبعاد (MDS) أن الترتيب الحلقي للقيم والتعارض بين محوري (الانفتاح مقابل المحافظة) و(تعزيز الذات مقابل تجاوز الذات) يظهر بانتظام مذهل في كافة الثقافات الإنسانية تقريباً، مما يؤكد أن الدوافع البشرية تنتظم وفق منطق نفسي ووجودي عالمي مشترك.
  • الاتساق الهرمي الإنساني العام: كشفت المقارنات العالمية عن وجود إجماع كوني مدهش حول الترتيب الهرمي الأساسي لأولويات القيم عبر معظم المجتمعات البشرية؛ حيث تحتل قيم “الإحسان”، و”تقرير المصير”، و”الشمولية” دائماً المراتب العليا في سلم الأولويات الفردية عالمياً (نظراً لأهميتها القصوى في بقاء العلاقات الاجتماعية والإبداع الإنساني)، بينما تتراجع قيم “التقاليد”، و”القوة” باستمرار إلى المراتب الدنيا في السلم الهرمي العام، لأن السعي المفرط وراء النفوذ أو الجمود التقليدي يهدد السلم الاجتماعي والتطور التكيفي للفرد.

ومع ذلك، يبرز التمايز الثقافي في “الوزن النسبي” الدقيق لكل قيمة وفقاً لمستويات التنمية الاقتصادية ومؤشرات الأمان الوجودي؛ فالمجتمعات التي تعاني من الفقر والتهديدات الأمنية تميل كلياً إلى إعطاء أولوية قصوى لقيم “المحافظة” و”الأمان”، بينما تقفز قيم “الانفتاح” و”تقرير المصير” و”الشمولية” إلى الصدارة في المجتمعات ذات الرفاهية المرتفعة ومستويات التعليم المتقدمة ومظلات الحماية الاجتماعية الشاملة.

8.2 العوامل الديموغرافية والنمائية وتأثيرها على أولويات القيم

ترتبط الأولويات القيمية بروابط بنيوية وثيقة مع المتغيرات الديموغرافية والنمائية الكبرى للأفراد، وهي ارتباطات تتسق تماماً مع المنطق التحفيزي للنظرية:

العمر والنمو النفسي: يُظهر مسار الحياة الإنسانية تحولات قيمية منتظمة؛ فمع تقدم الإنسان في العمر، يميل إلى إعطاء أهمية متزايدة لقيم “المحافظة” (الأمان، الامتثال، والتقليد) وقيم “تجاوز الذات” (الإحسان)، في حين تتراجع لديه أولويات “الانفتاح على التغيير” (التنبيه وتقرير المصير) و”مذهب اللذة”. يُعزى هذا التحول التطوري إلى التغير في الأدوار الاجتماعية، وتزايد المسؤوليات الأسرية والمجتمعية، وتراجع الطاقة الجسدية، والرغبة في الحفاظ على المكتسبات والاستقرار الوجودي بدلاً من المغامرة والمخاطرة.

النوع الاجتماعي (الفروق بين الجنسين): تكشف الدراسات الإمبيريقية المستمرة عبر مختلف الثقافات عن فروق دقيقة وثابتة إحصائياً؛ فالنساء يملن إلى منح درجات أعلى نسبياً لقيم “الإحسان” و”الشمولية” (تجاوز الذات) و”الأمان”، بينما يُبدي الرجال اهتماماً أعلى نسبياً بقيم “القوة” و”الإنجاز” و”تقرير المصير” و”التنبيه”. تُفسر هذه الفروق بتضافر العوامل التطورية المرتبطة بأدوار الرعاية التاريخية مع آليات التنشئة الاجتماعية والأدوار الجندرية التي تفرضها المجتمعات على كل من الجنسين.

التعليم والدخل ومستوى الأمان الاقتصادي: يلعب التعليم العالي والأمان الاقتصادي دوراً تحررياً حاسماً في صياغة الأولويات القيمية؛ إذ يرتبط ارتفاع مستوى التعليم بزيادة ملحوظة في قيم “تقرير المصير” و”الشمولية” والانفتاح على الآراء الجديدة، في مقابل انخفاض حاد في قيم “الامتثال” و”التقليد”. كما يحرر الأمان الاقتصادي الأفراد من الخوف الوجودي، دافعاً إياهم للانتقال من قيم البقاء والأمان المادي إلى قيم التعبير عن الذات والتطور الشخصي والاهتمام بالقضايا الإنسانية والبيئية الكبرى.

9. الآليات النفسية لترجمة القيم إلى سلوكيات ومواقف واقعية

9.1 تفعيل القيم والانتباه الإدراكي للمواقف الموجهة

لا تؤثر القيم على السلوك الإنساني بصورة ميكانيكية مباشرة، بل تمر بسلسلة معقدة من العمليات المعرفية والوجدانية الوسيطة. تبدأ هذه الآلية السيكولوجية بعملية التفعيل المعرفي (Value Activation)؛ فالقيم تظل مستقرة في الذاكرة طويلة المدى كأطر مرجعية كامنة حتى تُستثار بواسطة منبهات سياقية أو بيئية محددة ترتبط بالأهداف التحفيزية لتلك القيمة.

بمجرد تفعيل القيمة، فإنها تعمل بمثابة “مرشح إدراكي” (Perceptual Filter) وموجه للانتباه؛ إذ توجه تركيز الفرد نحو الجوانب والمثيرات المرتبطة بتلك القيمة في الموقف الحياتي، محددةً كيفية تفسير الموقف وإدراكه كفرصة يجب اغتنامها أو كتهديد يجب تجنبه. على سبيل المثال، فإن الفرد الذي تحتل قيمة “الشمولية” رأس أولوياته سينتبه فوراً وبحساسية بالغة لمظاهر الظلم أو التمييز في بيئة عمله، بينما قد لا يلحظ ذلك شخص تحركه قيم “القوة” أو “الأمان الشخصي” بالدرجة ذاتها.

تتجلى هذه السلسلة في نماذج سلوكية متقدمة مثل “نموذج القيمة-المعتقد-المعيار” (Value-Belief-Norm Theory – VBN)؛ حيث تؤثر القيم الأساسية أولاً في تشكيل المعتقدات العامة حول العالم، وتخلق هذه المعتقدات وعياً بنتائج الأفعال وشعوراً بالمسؤولية، مما يؤدي بدوره إلى تفعيل “معايير شخصية” داخلية وشعور بالواجب الأخلاقي الذي يترجم أخيراً إلى سلوك فعلي ومحدد.

9.2 التفاعل بين القيم الفردية والمعايير الظرفية الضاغطة

يتوقف انتقال القيمة من النية النفسية إلى السلوك الواقعي على التفاعل الديناميكي مع السياق المحيط، وهو ما يفسره مفهوم “قوة الموقف” (Situational Strength) في علم النفس الاجتماعي. في “المواقف القوية” (Strong Situations) التي تتسم بوجود قوانين صارمة، وأعراف اجتماعية واضحة، وعقوبات رادعة أو مكافآت مباشرة، يتقلص تأثير القيم الشخصية إلى أدنى حد لصالح الامتثال لضغوط الموقف الخارجي.

في المقابل، يتسع التأثير التوجيهي للقيم الشخصية في “المواقف الضعيفة” (Weak Situations) أو الغامضة؛ وهي المواقف التي تفتقر إلى إرشادات سلوكية محددة وتمنح الفرد حرية واسعة في الاختيار وتقرير المصير. هنا تصبح الأولويات القيمية الذاتية هي المحرك الأساسي والحاسم لترجيح مسار سلوكي دون غيره.

علاوة على ذلك، يلعب الارتباط بـ الهوية الذاتية والمشاعر الأخلاقية دور المعزز الحاسم للسلوك القيمي؛ فعندما يربط الفرد هويته وتقديره لذاته بتحقيق قيمة معينة (كقيمة الإحسان أو الاستقلالية)، فإن الامتثال لتلك القيمة يُولد مشاعر الفخر والرضا الداخلي، بينما يُشعل انتهاكها مشاعر الذنب وتأنيب الضمير، مما يجعل التناغم السلوكي-القيمي عملية صيانة ذاتية للتكامل النفسي والشخصي للفرد.

10. التطبيقات العملية لنظرية شوارتز في العلوم السلوكية والاجتماعية

10.1 التطبيقات في علم النفس السياسي والسلوك الانتخابي

أحدثت نظرية شوارتز نقلة نوعية في علم النفس السياسي من خلال تقديم تفسير سيكولوجي عميق للدوافع الكامنة وراء التوجهات الأيديولوجية والسلوكيات الانتخابية وصعود التيارات السياسية المختلفة. أظهرت الأبحاث المستفيضة في عشرات الدول الديمقراطية وجود ارتباطات متسقة للغاية بين المحاور القيمية الكبرى والانقسام الأيديولوجي بين اليمين واليسار السياسي:

  • الأيديولوجيا اليمينية والمحافظة: ترتبط ارتباطاً وثيقاً بقيم قطب “المحافظة” (الأمان، الامتثال، والتقليد)؛ حيث يميل الناخبون المحافظون إلى تفضيل الاستقرار الاجتماعي، والنظام والقانون الصارم، والتمسك بالتقاليد الوطنية والدينية، وتفضيل السياسات الدفاعية والأمنية المشددة، إلى جانب تفضيل قيم “القوة” و”الإنجاز” في المجال الاقتصادي (دعم الرأسمالية التنافسية والحرية الفردية في مراكمة الثروة).
  • الأيديولوجيا اليسارية والليبرالية: ترتبط بقوة بقطبي “الانفتاح على التغيير” (تقرير المصير) و”تجاوز الذات” (الشمولية والإحسان)؛ حيث يميل الناخبون المنتمون لهذا التيار إلى الدفاع عن الحريات الفردية، وحقوق الأقليات، والمساواة الجندرية، والعدالة الاجتماعية وإعادة توزيع الثروة، وتبني سياسات منفتحة تجاه الهجرة وحماية اللاجئين والنشاط البيئي.

تتيح النظرية أيضاً فهم أسباب الاستقطاب السياسي المعاصر؛ فالصراعات السياسية ليست مجرد خلافات حول برامج مادية أو أرقام اقتصادية، بل هي “حروب قيمية” وجودية (Culture Wars)؛ حيث يشعر أصحاب قيم الأمان المجتمعي بالتهديد الوجودي لهويتهم من السياسات الليبرالية المنفتحة، بينما يرى أصحاب قيم الشمولية في السياسات الحمائية والقومية انتهاكاً صارخاً لحقوق الإنسان الكونية.

10.2 السلوك التنظيمي والقيادة وإدارة الموارد البشرية

وجدت نظرية القيم الأساسية تطبيقات بالغة الأهمية في مجال السلوك التنظيمي وإدارة الموارد البشرية، وتحديداً في دراسات “الملاءمة بين قيم الفرد وقيم المنظمة” (Person-Organization Fit – P-O Fit). تشير الأدبيات إلى أنه كلما كان هناك تطابق وانسجام بين الأولويات القيمية للموظف والثقافة القيمية السائدة في المؤسسة، ارتفعت معدلات الرضا الوظيفي، والالتزام التنظيمي، والأداء الإبداعي، وتراجعت معدلات الاحتراق النفسي ودوران العمل (Turnover).

كما تلقي النظرية ضوءاً كاشفاً على أنماط القيادة الفعالة:

  • القادة الذين يمتلكون أولويات مرتفعة في قيم تجاوز الذات (الإحسان والشمولية) يميلون إلى تبني أسلوب “القيادة الخادمة” (Servant Leadership) أو “القيادة التحويلية” (Transformational Leadership)؛ حيث يركزون على تمكين المرؤوسين، وتطوير مهاراتهم، وبناء بيئة عمل آمنة نفسياً وأخلاقياً، وتحفيز الرؤية المشتركة.
  • القادة الذين تهيمن عليهم قيم تعزيز الذات (القوة والإنجاز) يميلون إلى استخدام أسلوب “القيادة التبادلية” (Transactional Leadership) أو النمط الأوتوقراطي؛ معتمدين على الحوافز المشروطة، والمراقبة اللصيقة، واستخدام السلطة والتراتبية لفرض الإنجاز السريع للمهام.

تسهم هذه التحليلات في تحسين عمليات الاستقطاب والتعيين عبر تصميم اختبارات مطابقة قيمية تضمن وضع الأفراد في الأدوار الوظيفية والبيئات المؤسسية التي تشبع دوافعهم العميقة وتزيد من إنتاجيتهم وشعورهم بالانتماء المؤسسي.

10.3 سلوك المستهلك والتسويق والدراسات البيئية

في عالم الأعمال والتسويق الحديث، تجاوزت دراسات سلوك المستهلك التقسيمات الديموغرافية التقليدية (كالعمر والدخل والموقع الجغرافي) نحو “التقسيم القيمي والنفسي للأسواق” (Psychographic Value Segmentation). يشتري المستهلكون المنتجات والخدمات ليس فقط لمنفعتها الوظيفية المباشرة، بل لكونها رموزاً تعبر عن هوياتهم وقيمهم التحفيزية:

  • استهلاك الرفاهية والرموز الاجتماعية: يستجيب المستهلكون المحركون بقيم “القوة” و”الإنجاز” و”المكانة” للحملات التسويقية التي تبرز الحصرية، والتميز الطبقي، والتفوق، والعلامات التجارية الفاخرة التي تعكس الهيبة والنفوذ.
  • الاستهلاك المستدام والمواقف البيئية: يُظهر الأفراد ذوو الأولويات العالية في قيم “الشمولية – الطبيعة” التزاماً راسخاً بشراء المنتجات الصديقة للبيئة (Green Consumerism)، والمنتجات ذات التجارة العادلة (Fair Trade)، وتجنب الشركات المتورطة في انتهاكات بيئية أو عمالية، والاستعداد لدفع أسعار أعلى في سبيل دعم التنمية المستدامة.
  • استهلاك المغامرة والتقنية: ينجذب أصحاب قيم “التنبيه” و”تقرير المصير” و”مذهب اللذة” سريعاً نحو المنتجات التقنية المبتكرة، وسياحة المغامرات، والخدمات الترفيهية والتجارب الاستثنائية التي تعد بالجدة والإثارة وكسر المألوف.

يساعد فهم هذه الخرائط القيمية مصممي الحملات التسويقية والمنظمات غير الحكومية على صياغة رسائل اتصالية تستهدف الأوتار التحفيزية الحقيقية للجماهير المستهدفة، مما يزيد من فعالية الإقناع وتغيير السلوك المجتمعي والاستهلاكي نحو الأهداف المنشودة.

11. المقارنة النقدية مع النماذج النظرية المجاورة

11.1 مقارنة نموذج شوارتز بنظرية الأبعاد الثقافية لهوفستيد (Geert Hofstede)

تعد المقارنة بين نظرية شالوم شوارتز ونظرية الأبعاد الثقافية للهولندي غيرت هوفستيد (Geert Hofstede) المحور الأبرز في دراسات الثقافة المقارنة. ورغم أن كلا النموذجين يهدف إلى رسم خرائط للثقافات الإنسانية، إلا أن هناك فروقاً إبستيمولوجية ومنهجية عميقة بينهما:

من الناحية المنهجية، استندت بيانات هوفستيد الأصلية إلى مسح موظفي شركة صناعية واحدة متعددة الجنسيات (شركة IBM) بين عامي 1967 و1973، مما أثار انتقادات حادة حول مدى تمثيل هذه العينة للثقافات الوطنية الشاملة. في المقابل، بنى شوارتز نموذجه على عينات ممثلة ومتنوعة شملت المعلمين في المدارس الابتدائية والثانوية (باعتبارهم ناقلين للثقافة) وطلاب الجامعات في أكثر من 80 دولة، محققاً تنوعاً منهجياً وتحديثاً زمنياً متواصلاً ومضبوطاً سيكومترياً.

أما من الناحية النظرية والبنيوية، فقد استنبط هوفستيد أبعاده (مثل: مسافة السلطة، الفردية/الجماعية، تجنب اللايقين، والذكورة/الأنوثة) عبر تحليلات إحصائية تجريبية لاحقة لجمع البيانات (Ex-post)، بينما صاغ شوارتز أبعاده الثقافية انطلاقاً من أسس نظرية قبلية (A-priori) تتناول المتطلبات الوجودية لبقاء المجتمعات. يوضح الجدول التالي المقارنة البنيوية بين الأبعاد المتقاطعة في كلا النموذجين:

  • الفردية/الجماعية (هوفستيد) مقابل الاستقلالية/الاندماج (شوارتز): يدمج هوفستيد كافة مظاهر الجماعية في بعد خطي واحد، بينما يفصل شوارتز ببراعة بين “الاستقلالية الفكرية” و”الاستقلالية الوجدانية” في مواجهة “الاندماج”، موضحاً أن المجتمعات قد تسمح بحرية الفكر مع تقييد حرية السلوك، أو العكس.
  • مسافة السلطة (هوفستيد) مقابل الهرمية/المساواتية (شوارتز): يركز بعد شوارتز على الفلسفة الأخلاقية والاجتماعية التي تبرر التفاوت في السلطة أو ترفضه، متجاوزاً مجرد قياس مشاعر التقبل السلبي للسلطة لدى المرؤوسين.
  • الذكورة/الأنوثة (هوفستيد) مقابل التمكن/الانسجام (شوارتز): تجاوز شوارتز التسميات الجندرية الإشكالية في نموذج هوفستيد، مقدماً مفهوماً أدق يركز على سعي الثقافة للسيطرة الفاعلة على البيئة (Mastery) مقابل التناغم والتكيف المستدام معها (Harmony).

11.2 العلاقة التبادلية بين القيم الإنسانية وسمات الشخصية الكبرى (Big Five)

سعت دراسات علم النفس الحديثة إلى ترسيم الحدود الفاصلة والتفاعلية بين “القيم الإنسانية الأساسية” و”سمات الشخصية” المحددة وفق نموذج العوامل الخمسة الكبرى (Big Five Personality Traits: الانفتاح على الخبرة، الضمير الحي/اليقظة، الانبساطية، الوفاق، والعصابية/الاستقرار الانفعالي).

يكمن الفرق الجوهري والإبستيمولوجي في أن سمات الشخصية تمثل استعدادات بيولوجية ووراثية وسلوكية نمطية تصف “كيف يتصرف الشخص بالفعل” (تلقائية سلوكية وظيفية)، بينما تمثل القيم الإنسانية معتقدات وأهدافاً معرفية وتحفيزية مكتسبة اجتماعياً تصف “ما الذي يراه الشخص مرغوباً ومفضلاً ومهماً في الحياة” (توجيه غائي معياري). ومع ذلك، أظهرت الدراسات التوفيقية وجود شبكة من الترابطات الإحصائية والنفسية ذات الدلالة العالية بين النموذجين:

  • سمة الانفتاح على الخبرة (Openness to Experience): ترتبط ارتباطاً إيجابياً وثيقاً بقيم الانفتاح على التغيير (تقرير المصير والتنبيه) وقيم الشمولية، وترتبط سلبياً بقيم المحافظة (التقليد والامتثال).
  • سمة الوفاق (Agreeableness): تتقاطع بقوة مع قيم تجاوز الذات (الإحسان والشمولية) وقيم التواضع والامتثال، بينما تظهر علاقة عكسية حادة مع قيم تعزيز الذات (القوة والتنافسية).
  • سمة اليقظة والضمير الحي (Conscientiousness): ترتبط إيجابياً بقيم الأمان والامتثال والإنجاز، حيث تشترك هذه الأنماط في الرغبة في الانضباط الذاتي والامتثال للواجبات وتحقيق الكفاءة المنظمة.
  • سمة الانبساطية (Extraversion): تترابط إيجابياً مع قيم التنبيه، ومذهب اللذة، والقوة، نتيجة للنزعة المشتركة نحو البحث عن المكافآت الاجتماعية والإثارة الخارجية.

تثبت التحليلات التنبؤية أن إضافة القيم الإنسانية إلى جانب سمات الشخصية في النماذج الإحصائية يرفع بشكل جوهري من القدرة على تفسير التباين في السلوك البشري والمواقف الاجتماعية؛ مما يؤكد أن دراسة الشخصية تظل ناقصة ما لم تأخذ في الحسبان الغايات القيمية التي توجه بوصلة تلك السمات وتوظفها في العالم الواقعي.

12. التقييم النقدي والآفاق المستقبلية لأبحاث نظرية القيم الأساسية

12.1 الانتقادات المنهجية والنظرية الموجهة للنموذج

على الرغم من المكانة الرفيعة التي تحظى بها نظرية شوارتز، إلا أنها واجهت عدداً من الانتقادات المنهجية والنظرية التي أثارها الباحثون في مجالات السيكولوجيا والأنثروبولوجيا:

أولاً، إشكالية التقرير الذاتي والفجوة بين القيمة والسلوك (Value-Behavior Gap): تعتمد معظم أدوات القياس (SVS وPVQ) على الإفصاح الذاتي الواعي (Self-report)؛ وهو أسلوب يظل عرضة لآليات التبرير الذاتي والنزعة نحو الاستحسان الاجتماعي، فضلاً عن أن التعبير عن أهمية قيمة معينة في الاستبيان لا يترجم تلقائياً إلى التزام سلوكي في الواقع العملي عند وجود كلفة باهظة لتطبيق تلك القيمة.

ثانياً، تحدي قياس القيم اللاشعورية أو الضمنية (Implicit Values): يرى علماء النفس المعرفي أن جانباً كبيراً من المنظومة القيمية يعمل على المستوى اللاشعوري والضمني، دون أن يمتلك الفرد القدرة اللفظية أو الاستبطانية الكاملة للإفصاح عنه بدقة عبر مقاييس الاستجابة الواعية، مما يخلق حاجة لتطوير أدوات قياس ضمنية (مثل اختبارات التداعي الضمني IAT).

ثالثاً، الحدود المفاهيمية في بعض السياقات غير الغربية: على الرغم من إثبات الشمولية الإمبيريقية، يرى بعض نقاد “علم النفس عبر الثقافي” أن المفاهيم التأسيسية للنظرية صيغت في الأصل استناداً إلى المنطق الفلسفي الغربي؛ مما قد يجعلها غير قادرة على استيعاب مفاهيم قيمية شديدة الخصوصية في ثقافات شرقية أو أفريقية وأمريكية أصلية، كقيم “التناغم الكوني الأعمق” أو مفهوم “الأوبونتو” (Ubuntu) الأفريقي بكل أبعاده الروحية التضامنية الفريدة.

12.2 الاتجاهات الحديثة والابتكارات المنهجية في دراسات القيم

تشهد أبحاث القيم الإنسانية اليوم ثورة علمية ومنهجية تواكب التطورات التقنية والمعرفية الكبرى في القرن الحادي والعشرين، متجهة نحو آفاق جديدة ومثيرة:

استخدام التعلم الآلي وتحليل البيانات الضخمة (Machine Learning & Big Data): يتجه الباحثون اليوم إلى استخراج وتتبع الأولويات القيمية للأفراد والمجتمعات في الوقت الحقيقي من خلال تطبيق خوارزميات معالجة اللغات الطبيعية (NLP) والتعلم الآلي على النصوص الرقمية الهائلة المنشورة في منصات التواصل الاجتماعي، والمقالات الصحفية، والخطابات السياسية، والمدونات الرقمية. توفر هذه التقنيات بيانات سلوكية عفوية تتجاوز تحيزات الاستبيانات التقليدية وتسمح بدراسة ديناميكيات التحول القيمي عبر الزمن وبأحجام عينات مليونية.

العلوم العصبية المعرفية للقيم (Cognitive Neuroscience of Values): فتحت تقنيات التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي (fMRI) آفاقاً رائدة لفهم الأسس العصبية البيولوجية للقيم؛ حيث كشفت الدراسات الحديثة عن تنشيط شبكات دماغية نوعية متمايزة عند اتخاذ قرارات تعتمد على قيم مختلفة (كالترابط بين قيم تجاوز الذات وتنشيط القشرة الجبهية الحجاجية والناحية البطنية من الجسم المخطط المسؤولة عن المكافأة الاجتماعية والتعاطف، في مقابل تنشيط مناطق اللوزة الدماغية وشبكات التهديد عند تفعيل قيم الأمان والمحافظة).

التحولات القيمية في عصر الذكاء الاصطناعي والعولمة الرقمية: تفرض التطورات المتسارعة في مجالات الذكاء الاصطناعي التوليدي، وتراجع الخصوصية، والهيمنة الرقمية، أشكالاً جديدة من الأسئلة القيمية: كيف تؤثر خوارزميات التوصية في إعادة هندسة الأولويات القيمية للأجيال الشابة؟ وكيف يمكن برمجة أنظمة الذكاء الاصطناعي ذاتية القيادة والمستقلة لتتوافق مع منظومة القيم الإنسانية الأساسية المشتركة (Human-AI Value Alignment)؟ تمثل هذه التساؤلات ميداناً خصباً يثبت الحيوية المستمرة لنموذج شوارتز وقدرته الدائمة على توفير بوصلة معرفية للإنسانية في مواجهة تحديات المستقبل.

خاتمة

تمثل نظرية القيم الإنسانية الأساسية لشالوم شوارتز صرحاً علمياً وإبستيمولوجياً فريداً في تاريخ العلوم النفسية والاجتماعية؛ حيث نجحت في صهر التراث التحفيزي والمعرفي والأنثروبولوجي داخل بوتقة رياضية وهندسية غاية في الأناقة والتماسك. من خلال البرهنة على أن الدوافع الإنسانية تنتظم في فضاء دائري متصل تحكمه قوانين التوافق والتعارض، استطاعت النظرية تجاوز الشتات المعجمي القديم وتأسيس لغة عالمية مشتركة قادرة على قراءة الروح الإنسانية في شتى تمظهراتها الثقافية.

إن الرؤية الكلية التي تقدمها النظرية تُظهر بجلاء أن البشر، على الرغم من تنوع مظاهرهم وعاداتهم ولغاتهم، يتقاسمون نفس الجوهر التحفيزي الذي يسعى إلى الموازنة المستمرة بين متطلبات تأكيد الذات والاستقلال والانفتاح من جهة، ومقتضيات الانتماء والتضامن والأمان المجتمعي من جهة أخرى. ومع تزايد التحديات الوجودية العالمية المشتركة—من التغير المناخي والحروب إلى طفرات الذكاء الاصطناعي—تظل نظرية القيم لشوارتز أداة لا غنى عنها لبناء جسور التفاهم الإنساني وتصميم سياسات عالمية ومحلية تنطلق من فهم علمي رصين لما يعتبره البشر حقاً جديراً بالاهتمام والاحترام في هذه الحياة.

المراجع

  • Hofstede, G. (2001). Culture’s consequences: Comparing values, behaviors, institutions, and organizations across nations (2nd ed.). Sage Publications. https://doi.org/10.1016/S0005-7967(02)00184-5
  • Rokeach, M. (1973). The nature of human values. Free Press.
  • Schwartz, S. H. (1992). Universals in the content and structure of values: Theoretical advances and empirical tests in 20 countries. Advances in Experimental Social Psychology, 25, 1–65. https://doi.org/10.1016/S0065-2601(08)60281-6
  • Schwartz, S. H. (1994). Are there universal aspects in the structure and contents of human values? Journal of Social Issues, 50(4), 19–45. https://doi.org/10.1111/j.1540-4560.1994.tb01196.x
  • Schwartz, S. H. (2006). A theory of cultural value orientations: Explication and applications. Comparative Sociology, 5(2-3), 137–182. https://doi.org/10.1163/156913306778667357
  • Schwartz, S. H., & Bilsky, W. (1987). Toward a universal psychological structure of human values. Journal of Personality and Social Psychology, 53(3), 550–562. https://doi.org/10.1037/0022-3514.53.3.550
  • Schwartz, S. H., & Bilsky, W. (1990). Toward a theory of the universal content and structure of values: Extensions and cross-cultural replications. Journal of Personality and Social Psychology, 58(5), 878–891. https://doi.org/10.1037/0022-3514.58.5.878
  • Schwartz, S. H., Cieciuch, J., Vecchione, M., Davidov, E., Fischer, R., Beierlein, C., Ramos, A., Verkasalo, M., Lönnqvist, J.-E., Demirutku, K., Dirilen-Gumus, O., & Konty, M. (2012). Refining the theory of basic individual values. Journal of Personality and Social Psychology, 103(4), 663–688. https://doi.org/10.1037/a0029393
  • Schwartz, S. H., Melech, G., Lehmann, A., Burgess, S., Harris, M., & Owens, V. (2001). Extending the cross-cultural validity of the theory of basic human values with a different method of measurement. Journal of Cross-Cultural Psychology, 32(5), 519–542. https://doi.org/10.1177/0022022101032005001
  • Stern, P. C., Dietz, T., Abel, T., Guagnano, G. A., & Kalof, L. (1999). A value-belief-norm theory of support for social movements: The case of environmentalism. Human Ecology Review, 6(2), 81–97.

اقتباس هذا المقال

looti, M. (2026, أغسطس 29). نظرية القيم الإنسانية الأساسية (الدائرة المعقدة للقيم الإنسانية العالمية) – شالوم إتش. شوارتز. عرب سايكلوجي. https://arabpsychology.com/theories/schwartz-theory-of-basic-human-values/
looti, Mohammed. “نظرية القيم الإنسانية الأساسية (الدائرة المعقدة للقيم الإنسانية العالمية) – شالوم إتش. شوارتز.” عرب سايكلوجي, 29 أغسطس 2026, https://arabpsychology.com/theories/schwartz-theory-of-basic-human-values/.
looti, Mohammed. “نظرية القيم الإنسانية الأساسية (الدائرة المعقدة للقيم الإنسانية العالمية) – شالوم إتش. شوارتز.” عرب سايكلوجي. أغسطس 29, 2026. https://arabpsychology.com/theories/schwartz-theory-of-basic-human-values/.