الصمم: كسر خرافة البكم في مجتمع الإشارة

أصم أبكم (Deaf-mute)

المجالات التخصصية الرئيسية: تاريخ الإعاقة، علم السمعيات، الدراسات اللغوية والثقافية للصم.

1. التعريف الجوهري

يشير مصطلح “أصم أبكم” (Deaf-mute) تاريخياً إلى شخص يعاني من فقدان حاسة السمع الكلي أو الشديد (الصمم)، ويُفترض تبعاً لذلك أنه غير قادر على إنتاج الكلام الصوتي (البكم). لقد كان هذا المصطلح شائع الاستخدام على نطاق واسع في السياقات الطبية والقانونية والاجتماعية من القرن السابع عشر حتى منتصف القرن العشرين، معبراً عن تصور سائد كان يربط ارتباطاً مباشراً وضرورياً بين القدرة على السمع والقدرة على النطق. كانت الفرضية الكامنة وراء هذا المصطلح هي أن الفرد الذي لم يسمع اللغة المنطوقة أبداً لن يتمكن بالتالي من تقليدها أو تعلمها، مما يجعله “أبكم” بالضرورة.

ومع ذلك، من الضروري التأكيد على أن هذا المصطلح قد أصبح الآن قديماً، ومرفوضاً إلى حد كبير، ويعتبر مسيئاً ضمن مجتمعات الصم الحديثة والدوائر الأكاديمية المتخصصة في دراسات الإعاقة. يرجع الرفض الأساسي إلى أن الجزء الثاني من المصطلح، وهو “أبكم” (mute)، غير دقيق إطلاقاً، حيث أن غالبية الأشخاص الصم يمتلكون الحبال الصوتية والقدرة الفسيولوجية على إصدار الأصوات، لكنهم يعتمدون على لغة الإشارة كوسيلة أساسية للتواصل، أو يستخدمون الكتابة، أو يتحدثون عبر وسائل أخرى. وبالتالي، فإنهم ليسوا “بكماً” بمعنى عجزهم المطلق عن التواصل، بل لديهم طريقة تواصل غير صوتية.

إن التحول في فهم الصمم من حالة عجز فردي (عجز عن السمع والنطق) إلى كونها جزءاً من ثقافة لغوية مميزة (الثقافة الصم) هو ما أدى إلى التخلي عن هذا المصطلح. التعريف المعاصر يشدد على استخدام مصطلح “أصم” أو “شخص أصم” لوصف الفرد، مع الاعتراف التام بقدرته على التواصل عبر لغته الطبيعية وهي لغة الإشارة، مما يلغي تماماً الحاجة إلى صفة “أبكم” التي تعكس جهلاً تاريخياً بطبيعة التواصل البشري.

2. الاشتقاق والتطور التاريخي للمصطلح

تعود جذور مصطلح “أصم أبكم” إلى اللغة اللاتينية، حيث كانت كلمة surdus تعني “أصم” و mutus تعني “أبكم” أو “صامت”. وقد انتقل هذا الربط إلى اللغات الأوروبية الحديثة (Deaf-mute في الإنجليزية، Sourds-muets في الفرنسية) وظل سائداً لقرون عديدة، متأثراً بالآراء الأرسطية القديمة التي ربطت النطق بالعقل والسمع بالقدرة على التعلم. كان الاعتقاد السائد، خاصة قبل تطور أساليب تعليم الصم في القرنين السابع عشر والثامن عشر، هو أن الصمم يمثل حاجزاً لا يمكن اختراقه أمام اكتساب اللغة، وبالتالي أمام الاندماج الاجتماعي والروحي.

في العصور الوسطى وعصر النهضة، كان يُنظر إلى الأشخاص الصم البكم على أنهم غير قادرين على الفهم العقلي أو الدخول في العقود القانونية، وفي بعض الأحيان كان يُحرمون من حق الميراث أو الشهادة في المحاكم. هذا التقييد القانوني كان مبنياً بشكل مباشر على الافتراض الخاطئ بأن غياب الكلام الصوتي يعني غياب الفكر المنظم. لقد رسخ هذا المصطلح في الهياكل القانونية والتعليمية، مما أثر بشكل عميق على طريقة معاملة المجتمع لهذه الفئة.

مع ظهور أولى المدارس المنهجية لتعليم الصم في أوروبا، على يد شخصيات مثل الأب دي ليبي (L’Épée) في فرنسا، بدأ الاعتراف التدريجي بأن الصمم لا يعني البكم. أثبتت هذه المدارس أن الأشخاص الصم يمكنهم اكتساب لغة كاملة ومعقدة (لغة الإشارة)، وبالتالي فهم قادرون على التفكير والتعبير المعقد. رغم هذا الاعتراف التعليمي المبكر، استمر استخدام المصطلح القديم في السجلات الرسمية واللغة العامية بسبب رسوخ التصور التاريخي.

3. الخصائص السريرية والاجتماعية

من الناحية السريرية، يشير الصمم إلى ضعف شديد أو كلي في القدرة على معالجة المعلومات السمعية، مما يستلزم عادةً الاعتماد على القنوات البصرية أو اللمسية للتواصل. أما مصطلح “أبكم” الذي ارتبط به، فهو لا يعكس حالة فسيولوجية حقيقية بل نتيجة غير مباشرة: فالشخص الذي لم يسمع أصوات الكلام أبداً يواجه تحديات هائلة في محاكاة تلك الأصوات، مما يؤدي إلى عدم تطور الكلام الصوتي الطبيعي.

أما من الناحية الاجتماعية، فقد أثر هذا المصطلح سلباً على الهوية الذاتية للأفراد. لقد فرضت صفة “أبكم” وصمة اجتماعية إضافية، مفادها أن هؤلاء الأفراد يفتقرون ليس فقط إلى السمع، بل إلى القدرة الأساسية على التعبير الإنساني. هذا التصور أدى تاريخياً إلى عزلهم، وإلى ممارسات تعليمية قمعية ركزت بشكل مفرط على إجبارهم على إنتاج الكلام الصوتي (الشفوية القسرية) على حساب تنمية لغتهم البصرية الطبيعية (لغة الإشارة).

على عكس الاعتقاد الشائع الذي عززه مصطلح “أصم أبكم”، فإن الأشخاص الصم ليسوا صامتين. فهم يستخدمون لغة الإشارة، التي تعتبر لغة طبيعية كاملة وغنية، تمتلك قواعد نحوية وصرفية خاصة بها. كما أنهم يتواصلون أحياناً باستخدام النطق المتبقي لديهم، أو يطورون أساليب قراءة الشفاه، أو يعتمدون على التكنولوجيا المساعدة مثل زراعة القوقعة الصناعية. إن الفشل في الاعتراف بلغة الإشارة كوسيلة تواصل شرعية هو جوهر المشكلة التي يمثلها هذا المصطلح القديم.

4. التحول في التسمية: من “أصم أبكم” إلى “أصم”

شهد النصف الثاني من القرن العشرين تحولاً جذرياً في المصطلحات المستخدمة لوصف الأشخاص الذين يعانون من الصمم، مدفوعاً بشكل أساسي بنشاط مجتمع الصم نفسه وبتقدم البحث اللغوي. كان العامل الرئيسي في هذا التحول هو الإثبات الأكاديمي بأن لغات الإشارة (مثل لغة الإشارة الأمريكية ASL أو لغة الإشارة العربية) هي لغات طبيعية وليست مجرد إيماءات مبسطة. وقد نشر اللغوي ويليام ستوكو أبحاثاً رائدة في ستينيات القرن الماضي أدت إلى تغيير نظرة الأكاديميين إلى لغة الإشارة.

أصبح مصطلح “أصم” (Deaf) هو المصطلح القياسي والمفضل. يتم استخدامه عادةً مع التمييز بين الصمم بحرف D صغير (d-deaf)، الذي يشير إلى الحالة السريرية لفقدان السمع، والصمم بحرف D كبير (Deaf)، الذي يشير إلى الهوية الثقافية والانتماء إلى مجتمع يستخدم لغة الإشارة. هذا التمييز يعكس أن الصمم ليس مجرد إعاقة سمعية، بل هو أيضاً أساس لهوية ثقافية ولغوية قوية.

لقد أصبحت المنظمات الدولية، مثل الاتحاد العالمي للصم (WFD) والمنظمات المحلية لحقوق الإعاقة، تدعو صراحة إلى التوقف عن استخدام مصطلح “أصم أبكم”، معتبرة إياه مصطلحاً مهيناً يقلل من شأن قدرات الأفراد على التواصل. ويتم الآن التركيز على اللغة الإيجابية والمحايدة، التي تركز على قدرات الشخص بدلاً من عيوبه المتصورة، بما يتماشى مع نموذج الإعاقة الاجتماعي.

5. الجدل الثقافي ولغة الإشارة

يرتبط الجدل حول مصطلح “أصم أبكم” ارتباطاً وثيقاً بـ “الجدل بين الشفوية والإشارة” الذي هيمن على تعليم الصم لقرون. فالمدافعون عن المنهج الشفوي، وخاصة بعد مؤتمر ميلانو عام 1880، جادلوا بأن الهدف الأسمى لتعليم الصم هو دمجهم في المجتمع السامع عن طريق إجبارهم على استخدام الكلام الصوتي وقراءة الشفاه، وحظروا استخدام لغة الإشارة في الفصول الدراسية. هذه الحركة كانت مدعومة ضمنياً بالتصور الذي يكرسه مصطلح “أبكم”، وهو أن غياب النطق يساوي النقص المعرفي.

في المقابل، يمثل مجتمع الصم الثقافي لغة الإشارة كحجر زاوية لهويته. إن رفض مصطلح “أصم أبكم” هو في الأساس رفض لفرضية أن اللغة يجب أن تكون صوتية. لغة الإشارة ليست مجرد وسيلة تعويض، بل هي لغة بصرية مكانية حية، تسمح بنقل الأفكار المعقدة والشعر والسرد. وقد أدى الاعتراف الأكاديمي بلغات الإشارة إلى زيادة الوعي بأن الصمم هو تنوع بشري وليس نقصاً يجب إصلاحه.

لقد أثر هذا التحول الثقافي بشكل عميق على السياسات التعليمية والاجتماعية. فبدلاً من التركيز على تدريب الأفراد الصم على الكلام (وهو ما قد يكون مرهقاً وغير فعال للكثيرين)، تركز المناهج الحديثة على التمكين اللغوي المبكر من خلال لغة الإشارة، مع دمج التدريب السمعي والكلامي لمن يختارونه أو يستفيدون منه. هذا المنهج المزدوج يحترم الهوية اللغوية للفرد مع توفير أقصى إمكانات التواصل.

6. النقد والاعتراضات

يتمثل النقد الرئيسي الموجه لمصطلح “أصم أبكم” في كونه مصطلحاً متحيزاً لغوياً ومبنياً على مفهوم النقص.

  • عدم الدقة اللغوية: كما ذكرنا سابقاً، لا يوجد دليل على أن غالبية الأشخاص الصم هم “بكَم” فسيولوجياً. إنهم فقط يفتقرون إلى الكلام الصوتي نتيجة لعدم السمع، وليس نتيجة لعيب في جهازهم الصوتي.
  • الوصم الاجتماعي: يحمل المصطلح دلالات تاريخية سلبية تربط الصمم بالتخلف العقلي أو العجز عن الفهم. في العصور القديمة، كان يُنظر إلى البكم على أنه علامة على عدم القدرة على التواصل مع الإله أو المجتمع بشكل كامل، مما عزز عزلة الأفراد.
  • إهمال لغة الإشارة: إن استخدام المصطلح يتجاهل وجود لغة الإشارة كنظام تواصل كامل ومعترف به، ويفترض أن التواصل الصوتي هو الشكل الوحيد الشرعي للغة. هذا الإهمال يعكس نظرة استعمارية لغوية ترفض التنوع اللغوي.

في الختام، يُنظر إلى مصطلح “أصم أبكم” اليوم على أنه مثال على اللغة غير المحايدة للإعاقة. لقد أدى الضغط المستمر من المدافعين عن حقوق الصم إلى التوقف شبه التام عن استخدامه في الكتابات الأكاديمية والتقارير الرسمية، وحل محله مصطلحات تحترم الهوية والقدرة اللغوية للأفراد.

قراءات إضافية