استئصال باطنة الشريان: جسر العبور نحو حياة أكثر أماناً

استئصال باطنة الشريان (Endarterectomy)

Primary Disciplinary Field(s): الجراحة الوعائية، أمراض القلب والأوعية الدموية

1. التعريف الأساسي

استئصال باطنة الشريان هو إجراء جراحي دقيق يهدف إلى إزالة الترسبات التصلبية (اللويحات) أو المواد المتخثرة التي تتراكم داخل جدران الشرايين، مما يؤدي إلى تضييقها أو انسدادها. يعد هذا التدخل علاجًا حاسمًا في حالات تصلب الشرايين المتقدم، حيث يصبح تدفق الدم مقيدًا بشكل كبير، مما يهدد بنقص التروية (الإقفار) للأعضاء الحيوية. يتمحور الإجراء حول الوصول إلى الجزء الداخلي للشريان المتضرر، المعروف باسم باطنة الشريان (Intima)، وإزالة الطبقة المريضة التي تحتوي على اللويحة، مع الحفاظ على سلامة الطبقات الخارجية للشريان وتفادي إلحاق الضرر بالطبقة الوسطى المجاورة السليمة.

تكمن الأهمية الجوهرية لاستئصال باطنة الشريان في استعادة القطر الطبيعي للمجرى الوعائي، مما يسمح بتدفق دم كافٍ وغني بالأكسجين إلى الأنسجة الواقعة أسفل موقع التضيق. يُعتبر هذا الإجراء وقائيًا وعلاجيًا في آن واحد؛ فهو يزيل مصدر الخطر المتمثل في انصمام اللويحات (Embolism) التي قد تنفصل وتنتقل لتسد شرايين أصغر في الدماغ أو الأطراف، كما أنه يعالج الأعراض الناتجة عن نقص التروية المزمن والمتمثلة في العرج المتقطع في الأطراف أو النوبات الإقفارية العابرة في الدماغ. يتطلب نجاح العملية مهارة فائقة من الجراح الوعائي لضمان الإزالة الكاملة للآفة عند المستوى الصحيح من الانفصال دون إحداث تمزق أو تسلخ في بنية الشريان الأساسية، مما قد يؤدي إلى مضاعفات فورية أو آجلة، مثل تكون الخثرة الجديدة أو تضيق الشريان المتكرر.

من الناحية التشريحية، تستهدف عملية استئصال باطنة الشريان الطبقة الداخلية للشريان (البطانة) والطبقة الوسطى المجاورة لها، حيث تتوضع اللويحات التصلبية وتشكل عائقًا ميكانيكيًا أمام سريان الدم. بعد فتح الشريان، يقوم الجراح بتقشير اللويحة بعناية، مبتدئًا ومنتهيًا عند نقاط محددة لضمان ترك سطح داخلي أملس يسمح بتدفق الدم بسلاسة. يتم إغلاق الشريان عادةً إما بخياطته مباشرة أو باستخدام رقعة (Patch) مصنوعة من مادة صناعية أو وريد المريض نفسه، لتقليل خطر تضيق الشريان مرة أخرى (Restenosis) بعد العملية. إن فهم دقيق لبيولوجيا التصلب العصيدي وديناميكا الدم، إلى جانب التقييم التصويري الشامل قبل الجراحة، أمر بالغ الأهمية لتحديد مدى ملاءمة المريض لهذا التدخل الجراحي.

يُعد استئصال باطنة الشريان السباتي (Carotid Endarterectomy) المثال الأبرز والأكثر شيوعًا لهذا الإجراء، وقد أثبت فعاليته السريرية في تقليل خطر السكتة الدماغية في المرضى الذين يعانون من تضيق الشريان السباتي. ومع ذلك، لا يقتصر استخدام هذه التقنية على الشريان السباتي فحسب، بل يتم تطبيقها بنجاح على الشرايين الطرفية مثل الشريان الفخذي والشريان المأبضي، وكذلك الشرايين الحشوية مثل الشريان الكلوي أو المساريقي، كلما كان الانسداد موضعيًا ويمكن الوصول إليه جراحيًا.

2. أصل الكلمة والتطور التاريخي

يشتق مصطلح “Endarterectomy” من اللغة اليونانية، حيث يتكون من ثلاثة أجزاء تشرح جوهر الإجراء: “Endo” وتعني “داخل” أو “باطنة”، و”Arter” وتعني “شريان”، و”Ectomy” وتعني “استئصال” أو “إزالة”. وبذلك، يعني المصطلح حرفيًا “استئصال باطنة الشريان”. يعكس هذا التكوين اللغوي الهدف الجراحي المباشر للعملية، وهو إزالة الجزء الداخلي المريض من الجدار الشرياني. على الرغم من أن المحاولات الجراحية لإزالة الخثرات من الشرايين تعود إلى فترات سابقة، فإن التطبيق الحديث والممنهج والناجح لاستئصال اللويحات التصلبية كإجراء روتيني لم يتطور إلا في منتصف القرن العشرين، متزامنًا مع التقدم في تقنيات التخدير الوعائي وتطوير المواد والأدوات الجراحية الدقيقة.

تعود المحاولات الأولى لاستئصال باطنة الشريان إلى ثلاثينيات وأربعينيات القرن الماضي، حيث كان الجراحون يواجهون تحديات كبيرة تتعلق بالتحكم في النزيف وإعادة إغلاق الشريان بنجاح. ولكن الفضل في تطوير التقنية الجراحية المنهجية التي لا تزال تشكل الأساس الحديث للعملية يُنسب إلى الجراح البرتغالي جواو سيد دوس سانتوس (João Cid dos Santos)، الذي أجرى في عام 1947 أول عملية موثقة وناجحة لاستئصال باطنة الشريان في الشريان الفخذي لعلاج انسداد شرياني. أظهر هذا الإنجاز الرائد إمكانية استعادة سريان الدم عن طريق التقشير المباشر للآفة التصلبية بدلاً من اللجوء دائمًا إلى عمليات تحويل المسار الأكثر تعقيدًا.

شهدت الخمسينيات توسعًا في استخدام التقنية، لا سيما مع جهود الجراح الأمريكي مايكل ديباكي (Michael E. DeBakey) وزملاؤه، الذين قاموا بتعميم استخدام استئصال باطنة الشريان وتطبيقه على مناطق تشريحية مختلفة، بما في ذلك الشرايين الحشوية والأبهر. ومع ذلك، كانت اللحظة الأكثر تحولاً هي تطبيق الإجراء على الشريان السباتي في نهاية الخمسينيات، والذي كان يمثل تحديًا كبيرًا بسبب حساسية الدماغ للإقفار. وقد أدت التطورات في تقنيات مراقبة تدفق الدم أثناء تثبيت الشريان، مثل استخدام التحويلات المؤقتة، إلى جعل استئصال باطنة الشريان السباتي آمنًا وفعالًا.

في الثمانينات والتسعينات، أكدت التجارب السريرية الدولية الكبرى، مثل دراسة الشمال الأمريكي لاستئصال باطنة الشريان السباتي (NASCET) والدراسة الأوروبية (ECST)، الدور الحاسم لاستئصال باطنة الشريان السباتي في تقليل خطر السكتة الدماغية في المرضى الذين يعانون من تضيق شديد ومصحوب بأعراض. وقد رسخت نتائج هذه الدراسات مكانة الإجراء كمعيار ذهبي للعلاج، على الرغم من ظهور تقنيات التدخل الوعائي الأقل بضعاً كبدائل تنافسية في العقدين الأخيرين.

3. الآلية والتقنية الجراحية التفصيلية

تبدأ العملية بإعداد المريض وتطبيق التخدير اللازم، والذي يختلف حسب موقع الشريان. في حالة استئصال باطنة الشريان السباتي، غالبًا ما يُفضل التخدير الموضعي الإقليمي في بعض المراكز للسماح بمراقبة وظيفة الدماغ أثناء العملية، بينما قد يُستخدم التخدير العام في حالات الشرايين الطرفية. بعد الوصول الجراحي إلى الشريان المستهدف وعزله تشريحيًا، يتم تطبيق المشابك الوعائية (Vascular Clamps) فوق وتحت منطقة الآفة لوقف تدفق الدم مؤقتًا. هذه الخطوة حاسمة، وتسمى مرحلة الإقفار. في الأوعية الحيوية كالشريان السباتي، قد يتم تركيب أنبوب تحويل مؤقت (Shunt) لضمان استمرار إمداد الدم للأنسجة الحساسة (كالدماغ) أثناء فترة الإقفار.

تلي ذلك خطوة بضع الشريان (Arteriotomy)، حيث يُجرى شق طولي دقيق في جدار الشريان فوق اللويحة التصلبية. يقوم الجراح بعد ذلك بتحديد مستوى الانفصال الدقيق بين الطبقة الداخلية المريضة (البطانة واللويحة) والطبقة الوسطى السليمة (العضلية). تعتبر عملية التقشير أو الكشط (Stripping) هي جوهر الإجراء، حيث يستخدم الجراح أدوات متخصصة، مثل الملاعق الوعائية، لـ تقشير اللويحة بالكامل ككتلة واحدة، ممتدة من نقطة البداية إلى النهاية البعيدة للآفة. يجب توخي أقصى درجات الحذر لضمان إزالة كاملة للآفة دون ترك شظايا فضفاضة قد تتحول إلى صمات، ودون إحداث تمزق في جدار الشريان السليم.

بعد الإزالة الناجحة، يتم فحص السطح الداخلي للشريان المتبقي للتأكد من خلوه من أي بقايا أو عيوب. إذا كانت حافة التقشير بعيدة (Distal endpoint) غير مستوية، قد يقوم الجراح بتثبيتها جراحيًا لمنع تكون تسلخ أو رفرفة (Flap) قد تسبب انسدادًا لاحقًا. ثم يتم غسل الشريان جيدًا بمحلول الهيبارين المالح لمنع تكون الخثرات. الخطوة الأخيرة هي إغلاق الشريان، وغالبًا ما يتم ذلك باستخدام رقعة ترقيع (Patch Angioplasty) لزيادة قطر الشريان عند نقطة الخياطة، مما يقلل من احتمالية التضيق المتكرر. قد تكون الرقعة من مادة صناعية (مثل الداكرون أو البوليتترافلوروإيثيلين) أو بيولوجية (مثل الوريد الصافن أو التامور البقري).

عند اكتمال الإغلاق، تتم إزالة المشابك الوعائية تدريجيًا. تتم مراقبة موقع الجراحة بدقة للتحقق من سلامة خط الخياطة وعدم وجود نزيف أو تسرب دموي. يعد ضمان تدفق الدم الجيد والسلس عبر المنطقة التي تم علاجها هدفًا أساسيًا، ويتطلب ذلك عادةً استخدام مراقبة الموجات فوق الصوتية الدوبلرية أثناء العملية أو بعدها مباشرة لتأكيد النجاح الفني للإجراء.

4. أنواع استئصال باطنة الشريان تبعاً للموقع

تتنوع تطبيقات استئصال باطنة الشريان بشكل كبير بناءً على الموقع التشريحي للشريان المتضرر، ولكل نوع اعتباراته الجراحية الخاصة ومخاطره. النوع الأكثر شهرة هو استئصال باطنة الشريان السباتي (Carotid Endarterectomy – CEA)، والذي يُجرى في الرقبة لعلاج تضيق الشريان السباتي الأصلي والسباتي الباطن. هذا الإجراء هو الأكثر شيوعًا وله أعلى مستوى من الأدلة التي تدعم فعاليته في الوقاية من السكتة الدماغية. يتطلب هذا النوع مهارة خاصة لحماية الأعصاب القحفية القريبة، مثل العصب المبهم والعصب تحت اللساني.

النوع الثاني الأكثر شيوعًا هو استئصال باطنة الشريان الطرفي، والذي يُجرى عادةً في الأطراف السفلية، خاصة في الشريان الفخذي المشترك أو الشريان الفخذي السطحي، لعلاج مرض الشريان المحيطي. يهدف هذا الإجراء إلى استعادة التروية الدموية الكافية للساق والقدم لتخفيف آلام العرج المتقطع أو، في حالات الإقفار الحرج، لإنقاذ الطرف من البتر. يُفضل استئصال باطنة الشريان في هذا السياق عندما تكون الآفة قصيرة وموضعية، بينما تُستخدم جراحة التحويل للآفات الطويلة المنتشرة.

تشمل الأنواع الأقل شيوعًا ولكنها ذات أهمية سريرية كبيرة استئصال باطنة الشريان الكلوي (Renal Endarterectomy)، الذي يُجرى لتصحيح تضيق الشريان الكلوي الذي يسبب ارتفاع ضغط الدم الثانوي أو خللاً في وظائف الكلى. هذا الإجراء معقد ويتطلب غالبًا الوصول إلى الشريان الأبهر البطني. كما يُجرى استئصال باطنة الشريان المساريقي (Mesenteric Endarterectomy) لعلاج الإقفار المعوي المزمن الناتج عن تضيق الشرايين المساريقية العليا أو السفلية، وهو ما يمثل تحديًا جراحيًا نظرًا لخطورة نقص تروية الأمعاء.

في حالات نادرة ومعقدة، قد يتم إجراء استئصال باطنة الشريان في الشريان الأبهر نفسه (Aortic Endarterectomy)، خاصة في منطقة تفرع الشرايين الحرقفية. تتطلب كل عملية من هذه العمليات تخطيطًا دقيقًا باستخدام تقنيات تصوير متقدمة، مثل التصوير المقطعي المحوسب ثلاثي الأبعاد، لتقييم مدى امتداد الآفة وعلاقتها بالهياكل التشريحية المحيطة بها، لضمان أعلى مستويات الأمان والفعالية.

5. الدواعي السريرية ومعايير الاختيار

تُعد الدواعي الرئيسية لاستئصال باطنة الشريان هي وجود تضيق كبير وذي دلالة سريرية ناتج عن التصلب العصيدي، والذي لا يمكن التحكم فيه بشكل كافٍ من خلال العلاج الدوائي وحده. في حالة الشريان السباتي، يُشار إلى الإجراء للمرضى الذين يعانون من أعراض (مثل السكتة الدماغية العابرة أو السكتة الدماغية الخفيفة) ولديهم تضيق يتراوح بين 50% إلى 99%، حيث أظهرت التجارب السريرية انخفاضًا كبيرًا في خطر السكتة الدماغية المتكررة بعد الجراحة. أما بالنسبة للمرضى الذين لا تظهر عليهم أعراض، يُوصى بالتدخل الجراحي عادةً إذا كان التضيق شديدًا جدًا (70% إلى 99%) وكان خطر المضاعفات المحيطة بالعملية منخفضًا (أقل من 3%)، مع توقع حياة للمريض يزيد عن خمس سنوات.

فيما يتعلق بمرض الشريان المحيطي في الأطراف السفلية، يُشار إلى استئصال باطنة الشريان غالبًا عندما يعاني المريض من إقفار طرفي حرج (Critical Limb Ischemia)، وهو ما يشمل آلامًا شديدة أثناء الراحة، أو تقرحات جلدية غير قابلة للشفاء، أو نخرًا (غرغرينا) يهدد بفقدان الطرف. إذا كانت الآفة قصيرة ومناسبة للاستئصال، يتم تفضيل استئصال باطنة الشريان لاستعادة التدفق المباشر للدم. كما قد يُنظر في الإجراء للمرضى الذين يعانون من عرج متقطع شديد يؤثر بشكل كبير على جودة حياتهم ويفشل في الاستجابة للعلاج الطبي المكثف.

تتطلب معايير الاختيار تقييمًا دقيقًا للمخاطر مقابل الفوائد. يجب أن يكون المريض قادرًا على تحمل التخدير والجراحة. لذلك، فإن المرضى الذين يعانون من قصور قلبي غير مستقر، أو احتشاء عضلة قلبية حديث، أو مرض رئوي مزمن شديد، قد يكونون مرشحين ذوي مخاطر عالية. في هذه الحالات، قد يتم تفضيل البدائل الأقل بضعًا (مثل الدعامات) أو يتم تأجيل الجراحة لحين استقرار حالة المريض. يضمن التقييم الشامل للقلب والأوعية الدموية قبل الجراحة، بما في ذلك تخطيط صدى القلب واختبارات الإجهاد، تقليل المخاطر القلبية الوعائية المحيطة بالعملية.

تعتمد ملاءمة الإجراء أيضًا على خصائص اللويحة نفسها. اللويحات غير المستقرة أو المتقرحة، التي تزيد من خطر الانصمام، تُعد مؤشرًا قويًا للتدخل الجراحي، حتى لو كانت درجة التضيق أقل من عتبة الـ 70% في بعض الظروف السريرية المعينة. يجب أن يتم اتخاذ القرار بالتشاور بين الجراح الوعائي وطبيب الأعصاب أو طبيب القلب، استنادًا إلى أحدث الإرشادات السريرية الدولية.

6. التقييم قبل الجراحة والإدارة الدوائية

يعد التقييم قبل الجراحة عملية متعددة المراحل لضمان تحسين الحالة الصحية للمريض قبل التدخل الجراحي. يتم التركيز بشكل خاص على التحكم الأمثل في ارتفاع ضغط الدم، حيث أن التذبذب في ضغط الدم أثناء الجراحة وبعدها يمكن أن يزيد بشكل كبير من خطر السكتة الدماغية أو النزيف. يتم أيضًا تقييم وظيفة الكلى والكبد، ومستويات الجلوكوز في الدم لدى مرضى السكري، والتحكم في مستويات الدهون والكوليسترول باستخدام الستاتينات، والتي يجب أن تستمر حتى يوم الجراحة.

تشمل الفحوصات التصويرية الروتينية الموجات فوق الصوتية الدوبلرية لتقييم سرعات التدفق ودرجة التضيق. يُستكمل هذا التصوير عادةً بالتصوير المقطعي المحوسب الوعائي (CTA) أو التصوير بالرنين المغناطيسي الوعائي (MRA)، لتوفير خريطة تشريحية ثلاثية الأبعاد مفصلة للآفة، وتحديد مدى تكلسها أو امتدادها داخل الشريان، وتقييم حالة الأوعية الدموية البعيدة. هذا التفصيل ضروري للجراح لتخطيط التقنية الجراحية المناسبة، بما في ذلك الحاجة إلى ترقيع أو تحويل مسار مؤقت.

فيما يتعلق بالإدارة الدوائية، يتم إعطاء الأدوية المضادة للصفائح الدموية، وأبرزها الأسبرين، بشكل روتيني قبل العملية (ما لم يكن هناك مانع طبي) لتقليل خطر تكون الخثرات. في حالات معينة، قد يصف الأطباء أدوية أخرى مضادة للصفائح الدموية مثل كلوبيدوغريل. إن الحفاظ على العلاج الدوائي الأمثل للقلب والأوعية الدموية قبل العملية وخلال فترة ما بعد الجراحة أمر بالغ الأهمية لتقليل المخاطر الشاملة المتعلقة بنظام الأوعية الدموية بأكمله، وليس فقط الشريان الذي تم علاجه.

تستمر الإدارة بعد العملية بالتركيز على مراقبة ضغط الدم، حيث أن ارتفاعه قد يؤدي إلى نزيف في الرقبة، في حين أن انخفاضه قد يسبب نقصًا في تروية الدماغ. يتم إبقاء المريض في وحدة المراقبة المركزة لفترة قصيرة، وتستمر الأدوية المضادة للصفائح الدموية مدى الحياة في معظم الحالات. تشمل الرعاية طويلة الأمد المتابعة الدورية بالموجات فوق الصوتية الدوبلرية (كل 6-12 شهرًا في البداية) للكشف المبكر عن أي تضيق متكرر (Restenosis) قد يتطلب إعادة تقييم أو تدخلاً إضافيًا.

7. المخاطر والمضاعفات والنتائج طويلة الأمد

على الرغم من التحسينات المستمرة في التقنيات الجراحية، يظل استئصال باطنة الشريان عملية تحمل مخاطر كبيرة، خاصة في الفئة السكانية المسنة والمرضى الذين يعانون من اعتلالات صحية متعددة. المخاطر الأكثر إثارة للقلق هي المضاعفات الوشيكة (Periprocedural) المتعلقة بالجهاز العصبي المركزي، مثل السكتة الدماغية، التي قد تحدث نتيجة لانصمام اللويحات أو الخثرات أثناء تثبيت الشريان أو إعادة تدفق الدم. يعد معدل السكتة الدماغية الوشيكة مؤشر جودة حاسم للمراكز الجراحية.

في حالة استئصال باطنة الشريان السباتي، تشمل المضاعفات الخاصة بالجراحة تلف الأعصاب القحفية، مما قد يؤدي إلى شلل مؤقت أو دائم في الحبل الصوتي (بسبب إصابة العصب الحنجري الراجع)، أو ضعف في الكتف، أو مشكلات في البلع. كما يمكن أن يحدث نزيف دموي في موقع الجراحة، مما قد يؤدي إلى تكون ورم دموي يضغط على مجرى الهواء ويتطلب تدخلاً طارئًا. بالإضافة إلى ذلك، قد يؤدي التلاعب بالجيب السباتي إلى تقلبات شديدة في ضغط الدم ومعدل ضربات القلب.

على المدى الطويل، يعد تضيق الشريان المتكرر (Restenosis) هو التحدي الرئيسي، حيث يمكن أن تعاود الآفة التكون في موقع العملية الجراحية. يحدث هذا التضيق عادةً بسبب فرط تنسج باطنة الشريان (Neointimal Hyperplasia) استجابة للإصابة الجراحية. إذا كان التضيق المتكرر شديدًا وأصبح مصحوبًا بأعراض، فقد يتطلب ذلك تدخلاً ثانويًا، إما جراحيًا آخر أو عن طريق تركيب دعامة.

ومع ذلك، فإن التوقعات طويلة الأمد للمرضى الذين يخضعون لاستئصال باطنة الشريان بنجاح تكون إيجابية للغاية. لقد أثبت الإجراء فعاليته العالية في منع السكتات الدماغية الإقفارية المستقبلية في المرضى المؤهلين. يعتمد نجاح الإجراء على المدى الطويل بشكل كبير على التزام المريض بالتدابير الوقائية الثانوية، بما في ذلك التحكم الصارم في ضغط الدم والدهون، والإقلاع التام عن التدخين، والذي يعتبر عامل الخطر الأقوى لتفاقم تصلب الشرايين.

8. النقاشات والتنافس مع البدائل الوعائية

على الرغم من وضع استئصال باطنة الشريان كمعيار ذهبي، خاصة في علاج تضيق الشريان السباتي، فإن هناك نقاشًا مستمرًا ومنافسة قوية من الإجراءات الوعائية الأقل بضعاً. المنافس الأبرز هو تركيب الدعامات في الشريان السباتي (Carotid Artery Stenting – CAS). تتضمن الدعامات إدخال سلك شبكي عبر قسطرة لتوسيع الشريان، وهي أقل توغلاً ولا تتطلب شقًا جراحيًا كبيرًا.

أظهرت التجارب السريرية الكبرى (مثل CREST وACT I) أن استئصال باطنة الشريان يتفوق بشكل عام على الدعامات في تقليل معدل السكتة الدماغية المحيطة بالعملية لدى المرضى الأكبر سنًا (فوق 70 عامًا)، في حين أن الدعامات قد تكون مفضلة للمرضى الأصغر سنًا أو أولئك الذين يعانون من مخاطر جراحية عالية (مثل تضيق الشريان السباتي المرتفع جدًا أو التعرض السابق للعلاج الإشعاعي في الرقبة). يظل النقاش قائمًا حول الإجراء الأفضل للمرضى غير المصحوبين بأعراض، ولكن استئصال باطنة الشريان لا يزال يُعتبر أكثر متانة من حيث الحفاظ على الشريان مفتوحًا على المدى الطويل.

في علاج مرض الشريان المحيطي، تتنافس جراحة استئصال باطنة الشريان مع جراحة تحويل المسار الوعائي (Bypass Surgery)، والتي يتم فيها إنشاء مسار بديل للدم حول الانسداد. يُفضل استئصال باطنة الشريان للآفات القصيرة الموضعية لأنه يحافظ على الشريان الأصلي ولا يتطلب استخدام مواد تحويلية إضافية، مما يوفر نتائج ممتازة في مواقع مثل الشريان الفخذي المشترك. أما الانسدادات الطويلة والمنتشرة، فإنها تتطلب عادةً التحويل الوعائي.

كما تتزايد أهمية التقنيات داخل الأوعية الدموية (Endovascular Techniques) الأخرى، مثل رأب الأوعية بالبالون والليزر، كبدائل في الشرايين الطرفية. يعتمد القرار النهائي بين استئصال باطنة الشريان، والدعامات، والتحويل الوعائي على تقييم شامل لـ تشريح الآفة، والخبرة الجراحية المتوفرة، وحالة المريض العامة وقدرته على تحمل الجراحة المفتوحة. يظل استئصال باطنة الشريان ضروريًا في الحالات التي تفشل فيها الإجراءات الوعائية أو تكون الآفة كبيرة جدًا ومعقدة بحيث لا يمكن علاجها بالدعامات.

Further Reading