المحتويات:
هوس السرقة (Kleptomania)
المجالات التخصصية الأساسية: الطب النفسي، علم النفس السريري، علم الجريمة
1. التعريف الجوهري
يُعرَّف هوس السرقة، أو السرقة القهرية، في دليل التشخيص والإحصاء للاضطرابات النفسية (DSM-5) بأنه اضطراب في السيطرة على الاندفاعات (Impulse Control Disorder)، يتميز بالفشل المتكرر في مقاومة دوافع سرقة أشياء ليست ضرورية للاستخدام الشخصي أو لقيمتها المالية. إن السمة الفارقة لهوس السرقة عن السرقة العادية هي أن الفعل ليس مدفوعاً بالحاجة الاقتصادية، أو الانتقام، أو التعبير عن الغضب، بل هو استجابة قهرية لحالة متصاعدة من التوتر الداخلي لا يمكن تخفيفها إلا من خلال إتمام عملية السرقة. هذا الاضطراب نادر نسبياً، ويؤدي إلى ضائقة كبيرة وشعور بالذنب والخزي لدى الفرد المصاب، على الرغم من أنهم يدركون تماماً أن أفعالهم خاطئة وغير عقلانية.
يتمحور هوس السرقة حول دورة سلوكية محددة تبدأ بشعور متزايد ومُلحّ بالتوتر أو الإثارة قبل السرقة مباشرة. هذه الحالة من التوتر لا تهدأ إلا عندما يتم تنفيذ الفعل. وبمجرد الحصول على المسروقات، يشعر الفرد عادةً بلحظة قصيرة من الرضا أو المتعة أو الراحة، تليها سريعاً موجة طاغية من الندم، والخجل، والشعور بالذنب، والخوف من العواقب القانونية. في كثير من الحالات، تكون الأشياء المسروقة ذات قيمة ضئيلة أو معدومة، وكثيراً ما يتم التخلص منها، أو إرجاعها سراً، أو تكديسها دون استخدام. إن هذا التناقض بين الدافع القوي والفائدة المعدومة للمسروقات هو ما يحدد الطبيعة المرضية للاضطراب.
من المهم التفريق بين هوس السرقة والسلوكيات المشابهة الأخرى. فاللصوص الذين يسرقون لتحقيق مكاسب مالية أو كجزء من اضطراب الشخصية المعادية للمجتمع (Antisocial Personality Disorder) لا يعانون عادةً من هذا الشعور بالتوتر المسبق أو الندم اللاحق. السرقة في حالة هوس السرقة هي غاية في حد ذاتها، حيث يكمن الهدف الحقيقي في تخفيف الضيق النفسي الذي يسبق الفعل، وليس في امتلاك الشيء المسروق. ولذلك، يُعد هوس السرقة سلوكاً مُعاندًا للأنا (Ego-Dystonic)، مما يعني أن الفرد يرى السلوك غير مرغوب فيه ويتعارض مع صورته الذاتية وقيمه الأخلاقية، على عكس اللصوص المحترفين الذين قد يرون السرقة سلوكاً متوافقاً مع الأنا (Ego-Syntonic).
2. أصل التسمية والتطور التاريخي
تعود جذور مصطلح هوس السرقة (Kleptomania) إلى اللغة اليونانية، حيث تتكون الكلمة من جزأين: “κλέπτειν” (kleptein)، وتعني “السرقة”، و”μανία” (mania)، وتعني “الجنون” أو “الهوس”. ظهر المفهوم لأول مرة في الأدبيات الطبية الأوروبية في أوائل القرن التاسع عشر، وخاصة ضمن المدرسة الفرنسية للطب النفسي. في تلك الفترة، كانت الاضطرابات النفسية تُصنّف تحت مظلة واسعة تُعرف باسم “جنون الوحدة” أو “الهوس الجزئي” (Monomania)، وهي فكرة تفترض أن الفرد قد يكون عاقلاً في جميع النواحي باستثناء مجال ضيق واحد من السلوك أو الفكر.
في ثلاثينيات القرن التاسع عشر، بدأ الأطباء، مثل إسحاق راي (Isaac Ray) في الولايات المتحدة، في دراسة السلوكيات التي تبدو إجرامية ولكنها تنبع من دوافع مرضية داخلية لا يمكن السيطرة عليها، مشيرين إليها باسم “الجنون الأخلاقي”. تم إدراج هوس السرقة كفئة فرعية تصف الأشخاص الذين يرتكبون السرقة دون دافع عقلاني أو اقتصادي واضح. كان الهدف من هذا التصنيف هو التمييز بين الإجرام الناتج عن سوء النية وبين السلوكيات الإجرامية الناتجة عن مرض عقلي، مما أثار جدلاً كبيراً حول المسؤولية الجنائية لهؤلاء الأفراد.
شهد التطور الحديث للاضطراب تحولاً نحو فهمه ضمن سياق اضطرابات السيطرة على الاندفاعات بدلاً من كونه شكلاً من أشكال الجنون. تم تضمين هوس السرقة بشكل رسمي في الإصدارات اللاحقة من الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية (DSM)، حيث وُضع في البداية ضمن فئة الاضطرابات غير المصنفة بطريقة أخرى، ثم أصبح جزءاً من مجموعة اضطرابات السيطرة على الاندفاعات غير المصنفة في مكان آخر في DSM-III، وصولاً إلى وضعه الحالي ككيان تشخيصي مستقل نسبياً ضمن هذه الفئة في DSM-5، مما يعكس الاعتراف المتزايد بضرورة فهمه وعلاجه كحالة نفسية محددة.
3. الخصائص السريرية والأعراض
تتركز الأعراض السريرية لهوس السرقة حول سلسلة من المعايير التشخيصية التي يجب أن تتحقق لتأكيد التشخيص وفقاً للدليل الإرشادي DSM-5. أولاً، يجب أن يكون هناك فشل متكرر في مقاومة الدوافع القوية والمُلحة لسرقة أشياء لا يحتاجها الفرد شخصيًا أو ليس لها قيمة مالية كبيرة. ثانياً، يجب أن يتصاعد الشعور بالتوتر أو الإثارة قبل ارتكاب فعل السرقة. هذا التوتر هو السمة المميزة التي تميزه عن السرقة المتعمدة.
ثالثاً، يشعر الفرد باللذة أو الرضا أو التخفيف من التوتر أثناء ارتكاب السرقة أو بعدها مباشرة. هذا الشعور المؤقت بالراحة هو ما يعزز السلوك بشكل سلبي، حيث يتم ربط السرقة بتخفيف الضيق الداخلي. رابعاً، يجب ألا تُعزى السرقة إلى دافع وهمي (مثل الهلوسة أو الضلالات) أو إلى نوبة هوس (كما في الاضطراب ثنائي القطب)، كما يجب استبعادها إذا كانت نتيجة لاضطراب سلوكي أو اضطراب الشخصية المعادية للمجتمع، أو إذا كانت مرتبطة بأسباب مالية بحتة.
بالإضافة إلى هذه المعايير الأساسية، غالباً ما يتسم المصابون بهوس السرقة بالسرية الشديدة والعزلة الاجتماعية بسبب الخجل من سلوكهم. قد يقومون بالتخطيط لعمليات السرقة بشكل مفاجئ وغير مدروس، وعادة ما تتم السرقة بشكل فردي. من الشائع أن يُعاني هؤلاء الأفراد من اضطرابات نفسية مصاحبة (Comorbidities)؛ إذ تشير الدراسات إلى ارتفاع معدلات الاكتئاب، واضطرابات القلق، واضطرابات تعاطي المواد، واضطرابات الأكل، لا سيما اضطراب الشره العصبي (Bulimia Nervosa)، مما يشير إلى وجود خلل عام في آليات تنظيم العواطف والاندفاعات.
4. الأساس النظري والسببي (الإتيولوجيا)
تتعدد النظريات التي تحاول تفسير الأساس السببي لهوس السرقة، وتشمل مقاربات بيولوجية، ونفسية ديناميكية، ومعرفية سلوكية. من الناحية البيولوجية، يُعتقد أن الاضطراب ينطوي على خلل في أنظمة الناقلات العصبية المسؤولة عن تنظيم الاندفاعات والمكافأة. تلعب مستويات السيروتونين دوراً حاسماً في السيطرة على الاندفاعات؛ وقد يؤدي انخفاض مستوياته إلى زيادة السلوكيات الاندفاعية. علاوة على ذلك، يُعتقد أن نظام الدوبامين، المسؤول عن الإحساس بالمكافأة والمتعة، يشارك في تعزيز السلوك القهري، حيث يوفر فعل السرقة دفعة فورية من المكافأة العصبية تخفف التوتر.
أما النظريات السيكوديناميكية، التي تعود جذورها إلى التحليل النفسي، فترى أن هوس السرقة قد يكون تعبيراً رمزياً عن صراعات داخلية غير محلولة. قد يمثل الشيء المسروق رمزاً لشيء مفقود في حياة الفرد، مثل الحب، أو الرعاية، أو الاهتمام. يمكن تفسير الفعل كآلية دفاعية أو كشكل من أشكال التعويض عن الإحساس بالنقص أو الحرمان العاطفي الذي يعود إلى تجارب الطفولة المبكرة. يرى بعض المنظرين أن السرقة قد تكون محاولة لا واعية لجذب الانتباه أو ربما عقاب الذات من خلال المخاطرة بالتعرض للعواقب القانونية.
من منظور العلاج السلوكي المعرفي (CBT)، يُنظر إلى هوس السرقة على أنه سلوك مكتسب ومُعزّز. يبدأ الأمر عندما يجد الفرد أن السرقة تخفف بشكل فعال حالة التوتر السابقة (التعزيز السلبي). ومع تكرار هذه الدورة، يتم ترسيخ الرابط بين الاندفاع والفعل والراحة. النماذج المعرفية تركز على الأفكار المشوهة التي تبرر أو تيسر الفعل، مثل “أنا أستحق هذا” أو “لن يتم القبض عليّ”. يصبح الهدف العلاجي هنا هو كسر هذا النمط السلوكي المعزز، واستبدال الاستجابة الاندفاعية بآليات تأقلم أكثر تكيّفاً.
5. المقاربات العلاجية
يتطلب علاج هوس السرقة مقاربة متعددة الأوجه تشمل عادةً التدخلات الدوائية والنفسية. يعتبر العلاج السلوكي المعرفي (CBT) هو حجر الزاوية في العلاج النفسي، ويهدف إلى تحديد الأفكار الاندفاعية التي تسبق السرقة واستبدال السلوك القهري بآليات تأقلم صحية. وتشمل التقنيات المحددة المستخدمة في العلاج المعرفي السلوكي ما يلي:
- التوعية السرية (Covert Sensitization): حيث يتخيل المريض نفسه وهو يسرق، ثم يتخيل عواقب سلبية ومروعة (مثل القبض عليه، أو الشعور بالخزي الشديد)، مما يقلل من جاذبية الفعل.
- العلاج بالنفور (Aversion Therapy): ربط الدافع للسرقة بمحفز غير سار.
- إزالة الحساسية المنهجية (Systematic Desensitization): تعريض المريض تدريجياً للمواقف التي تثير لديه الرغبة في السرقة، مع تعليمه تقنيات الاسترخاء للسيطرة على التوتر المصاحب.
فيما يخص التدخلات الدوائية، لا يوجد دواء معتمد خصيصاً لعلاج هوس السرقة، لكن الأدوية التي تؤثر على تنظيم الاندفاعات والمزاج تُظهر نتائج واعدة. تُستخدم مثبطات استرداد السيروتونين الانتقائية (SSRIs)، مثل فلوكستين وسيرترالين، بشكل شائع نظراً لدورها في تحسين السيطرة على الاندفاعات وعلاج الاضطرابات المصاحبة مثل الاكتئاب والقلق. كما يمكن استخدام مثبتات المزاج، وفي بعض الحالات النادرة، قد يُستخدم مضاد الأفيونيات (Opioid Antagonists) مثل النالتريكسون، الذي يعمل على تقليل المتعة والشعور بالمكافأة المرتبطين بالفعل القهري، وبالتالي كسر حلقة التعزيز.
نظراً للطبيعة السرية والمخجلة للاضطراب، يجب أن يتضمن العلاج دعماً اجتماعياً وتثقيفاً للمحيطين بالفرد. غالباً ما يكون الأشخاص المصابون بهوس السرقة قد عانوا لسنوات من العزلة والخوف من الكشف. وبالتالي، فإن توفير بيئة علاجية آمنة وغير قضائية أمر بالغ الأهمية لضمان التزام المريض بالعلاج. يساعد العلاج الجماعي في كسر هذه العزلة ويسمح للأفراد بتبادل الخبرات واستراتيجيات التأقلم.
6. الأهمية والتأثير الاجتماعي والقانوني
على الرغم من أن هوس السرقة يُعتبر اضطراباً نادراً نسبياً (يُقدر انتشاره بأقل من 0.6% من عموم السكان)، فإن تأثيره على حياة الفرد والمجتمع كبير. على المستوى الشخصي، يؤدي الاضطراب إلى مستويات عالية من الضيق النفسي، والشعور بالخزي، وتدمير العلاقات، وتدهور الأداء الوظيفي أو الأكاديمي. إن الخوف المستمر من الكشف والاعتقال يضع عبئاً نفسياً ثقيلاً على المصابين وأسرهم.
أما على المستوى القانوني والاجتماعي، فيثير هوس السرقة جدلاً معقداً حول مفهوم المسؤولية الجنائية. يواجه النظام القانوني تحدياً في التفريق بين اللص العادي الذي يسرق بنية إجرامية واعية، وبين المصاب بهوس السرقة الذي يرتكب الفعل تحت وطأة دافع مرضي لا يقاوم. في بعض الأنظمة القضائية، يمكن استخدام التشخيص كدفاع مخفف، على أساس أن الشخص لم يكن يمتلك القصد الجنائي (Mens Rea) الكامل لارتكاب الجريمة. ومع ذلك، فإن إثبات أن السرقة كانت قهرية وليست مدفوعة بالربح أمر صعب للغاية ويتطلب تقييماً نفسياً دقيقاً.
تؤدي التغطية الإعلامية للقضايا التي يُثار فيها دفاع هوس السرقة إلى تشويه فهم الجمهور للاضطراب. ففي كثير من الأحيان، يُنظر إليه على أنه ذريعة تُستخدم من قبل الأفراد الأثرياء لتجنب العقاب القانوني، خاصة وأن قيمة المسروقات قد تكون ضئيلة جداً. هذا التصور العام يقلل من خطورة الاضطراب كحالة صحية عقلية حقيقية، ويزيد من وصمة العار التي يواجهها الأفراد الذين يسعون للحصول على المساعدة.
7. الجدل والانتقادات
يواجه مفهوم هوس السرقة العديد من الانتقادات والجدل في الأوساط الأكاديمية والسريرية. أحد الانتقادات الرئيسية يتعلق بخطر “تضخيم الأمراض” (Medicalization)؛ حيث يرى البعض أن تصنيف السرقة القهرية كاضطراب نفسي قد يؤدي إلى تبرير السلوك الإجرامي العادي أو السلوكيات الاندفاعية الأخرى التي لا ترقى إلى مستوى المرض النفسي. يجادل النقاد بأن معظم حالات السرقة البسيطة في المتاجر (Shoplifting) لا تُعزى إلى دافع قهري، ولكن إلى ضعف في الحكم أو فرصة سانحة للربح.
هناك جدل أيضاً حول التوزيع الديموغرافي للاضطراب. تاريخياً، كان يُشخص هوس السرقة بشكل أكثر شيوعاً لدى النساء، مما دفع البعض إلى التساؤل عما إذا كان هذا التشخيص يعكس تحيزاً جندرياً أو اجتماعياً، حيث قد يُنظر إلى سرقة الذكور على أنها جريمة نفعية، بينما يُنظر إلى سرقة الإناث على أنها ناتجة عن “جنون” أو ضعف عاطفي. ومع ذلك، تشير الدراسات السريرية الحديثة إلى أن التشخيص قد يكون أكثر توازناً بين الجنسين في العينات الإكلينيكية المتخصصة.
كما يواجه التشخيص تحديات منهجية، نظراً لأن المصابين نادراً ما يلتمسون العلاج طواعية، بل غالباً ما يتم إحالتهم بعد القبض عليهم. هذا التحيّز في العينة (Sampling Bias) يجعل من الصعب تحديد معدل الانتشار الحقيقي والخصائص السريرية النموذجية للاضطراب في عموم السكان. بالإضافة إلى ذلك، فإن الطبيعة الذاتية للأعراض (الشعور بالتوتر قبل الفعل) تجعل التحقق من التشخيص أمراً معقداً، خاصة في السياقات القانونية حيث قد يكون هناك حافز للمتهمين لادعاء القهر.