النسوية البيئية – ecofeminism

النسوية البيئية (Ecofeminism)

Primary Disciplinary Field(s): الفلسفة، النظرية النقدية، الدراسات البيئية، دراسات المرأة

1. التعريف الجوهري

تمثل النسوية البيئية، أو ما يُعرف بالإيكوفيمينيزم، إطارًا نظريًا وحركة اجتماعية ظهرت لربط الروابط المفاهيمية والمنطقية والاجتماعية بين اضطهاد المرأة وتدمير البيئة الطبيعية. ترتكز هذه النظرية على فرضية أساسية مفادها أن النظم الأبوية التي تمارس الهيمنة على النساء هي ذاتها النظم التي تبرر وتنفذ استغلال الموارد الطبيعية والتسبب في الكوارث البيئية. ترى النسوية البيئية أن كلتا الحالتين نتاج لـمنطق الهيمنة المزدوج، حيث يتم تصنيف كل من المرأة والطبيعة على أنهما “الآخر” الأقل قيمة، والمُحدد للاستغلال من قبل الثقافة الذكورية المهيمنة.

لا تكتفي النسوية البيئية بمجرد الإشارة إلى التوازي بين هذين الشكلين من الاضطهاد، بل تسعى إلى الكشف عن الجذور المعرفية المشتركة التي تقوم عليها هذه الممارسات. ففي الفكر الغربي، يتم تقليدياً ربط المرأة بالجسد والانفعال والطبيعة، بينما يُربط الرجل بالعقل والمنطق والثقافة. هذا التقسيم الثنائي (الطبيعة/الثقافة) يؤدي إلى إضفاء الشرعية على سيطرة “الثقافة” (التي يمثلها الذكور) على “الطبيعة” (التي تمثلها النساء والعالم غير البشري). لذلك، فإن الهدف النهائي للنسوية البيئية هو تفكيك هذا الهيكل الفكري والاجتماعي الشامل الذي يرسخ التفوق الذكوري والمركزية البشرية في آن واحد، واستبداله بنموذج أخلاقي قائم على الترابط والرعاية.

تؤكد النظرية أن أي حل فعال للأزمة البيئية العالمية لا يمكن أن يتحقق بمعزل عن تحقيق العدالة الاجتماعية والجندرية. إن محاولات معالجة التدهور البيئي دون تحدي الهياكل الأبوية والرأسمالية التي تدفع هذا التدهور ستكون دائماً قاصرة ومحدودة الأثر. وعليه، فإن العدالة البيئية تصبح مرادفة للعدالة النسوية، مما يستدعي إعادة تقييم جذرية للقيم المجتمعية، بما في ذلك مفاهيم الإنتاج، والاستهلاك، والسلطة، وعلاقة الإنسان بكوكب الأرض.

2. الجذور التاريخية والتطور

ظهر مصطلح “النسوية البيئية” لأول مرة في عام 1974 على يد الكاتبة والناشطة الفرنسية فرانسواز دو بون (Françoise d’Eaubonne) في كتابها النسوية أو الموت (Le Féminisme ou la Mort). جاء هذا الطرح في سياق يجمع بين الموجة الثانية من الحركات النسوية، التي كانت تركز على الهياكل الأبوية، والوعي المتزايد بالأزمة البيئية في السبعينيات. رأت دو بون أن النساء لديهن القدرة على قيادة ثورة بيئية بسبب علاقتهن الخاصة بالطبيعة وقدرتهن على الإنجاب، مما يجعلهن الفئة الأقدر على تحدي الأيديولوجيات التي تهدد الحياة نفسها.

تطورت النظرية بشكل كبير في الولايات المتحدة وأوروبا خلال أواخر السبعينيات والثمانينيات، حيث بدأت تتشكل حركات احتجاجية ربطت بوضوح بين القضايا النسوية والبيئية. ومن الأمثلة البارزة على ذلك احتجاجات النساء في معسكر السلام في جرينهام كومون ببريطانيا، حيث ربطت الناشطات بين خطر الأسلحة النووية (وهو رمز للسيطرة الذكورية التكنولوجية) وتهديد الحياة على الأرض. في هذه المرحلة، بدأ المفكرون مثل ينيسترا كينغ (Ynestra King) وكارن ج. وارن (Karen J. Warren) في صياغة الأطر الفلسفية التي تضفي العمق على هذه الروابط، مؤكدين أن اضطهاد المرأة والطبيعة ليس مجرد تشابه، بل نابع من منطق فلسفي واحد.

شهدت التسعينيات تفرعًا للنظرية وظهور انتقادات داخلية دفعت إلى تطوير فروع أكثر تعقيداً. فبينما ركزت النسوية البيئية الثقافية المبكرة على “جوهر” المرأة وارتباطها الفطري بالطبيعة، ظهرت فروع مثل النسوية البيئية الاشتراكية والنسوية البيئية المادية التي ركزت على تحليل القوى الاقتصادية والاجتماعية الملموسة. هذا التطور أدى إلى ابتعاد النظرية عن أي شكل من أشكال الجوهرانية البيولوجية، وبدلاً من ذلك، ركزت على كيفية بناء علاقة المرأة بالطبيعة من خلال العمل والطبقة والاستعمار، لا من خلال البيولوجيا وحدها. هذا التطور ضمن استمرار النسوية البيئية كأداة نقدية حيوية في الدراسات الأكاديمية.

3. المبادئ الأساسية والفروع الرئيسية

تتسم النسوية البيئية بتعدد فروعها واختلاف نقاط تركيزها، لكنها جميعاً تشترك في المبدأ الجوهري المتمثل في رفض ثنائية الهيمنة. يمكن تقسيم النظرية إلى عدة مدارس رئيسية، لكل منها مقاربتها الخاصة لتحليل العلاقة بين الجندر والطبيعة.

  • النسوية البيئية الثقافية (Cultural Ecofeminism): هذا الفرع هو الأقرب إلى الأفكار الأصلية، ويرى أن النساء، بحكم أدوارهن التاريخية أو البيولوجية (مثل الإنجاب والرعاية)، أقرب إلى الطبيعة وأكثر قدرة على فهم وحماية التوازنات البيئية. وغالباً ما يستلهم هذا الفرع من الروحانية الوثنية القديمة التي كانت تعبد آلهة الأرض المؤنثة، ويدعو إلى تبني قيم أنثوية مثل الرعاية والسلام. ورغم أهميتها في إثارة الوعي، إلا أنها تعرضت لانتقادات حادة بسبب الميل إلى الجوهرانية وتثبيت أدوار جندرية تقليدية.
  • النسوية البيئية المادية/الاشتراكية (Materialist/Socialist Ecofeminism): يرفض هذا الفرع التركيز على الجوهر البيولوجي، ويوجه تحليله نحو الهياكل الاقتصادية والاجتماعية. يرى الاشتراكيون البيئيون، مثل فاندانا شيفا وماريا ميس، أن الرأسمالية والنظام الأبوي يتضافران لـاستغلال عمل المرأة (خاصة في الجنوب العالمي) واستنزاف الموارد الطبيعية. إن اضطهاد المرأة والطبيعة هنا يُفهم على أنه نتيجة لآليات إنتاج وتراكم قائمة على التملك والسيطرة.
  • النسوية البيئية الروحية (Spiritual Ecofeminism): يركز هذا الفرع على الجوانب الأخلاقية والروحية، ويسعى إلى إحياء العلاقة المقدسة بين البشر والأرض. يدعو إلى تغيير جذري في الوعي، والابتعاد عن الرؤية المادية للعالم، وتبني منظور شمولي يرى الطبيعة ككيان حي يستحق الاحترام والتبجيل.

على الرغم من اختلافات هذه الفروع، فإنها جميعاً تتفق على أن التحرر الحقيقي يتطلب تحرير الأرض والمجتمع من النماذج الهرمية القائمة على السيطرة، واستبدالها بنماذج قائمة على التعاون والترابط.

4. مفهوم الهيمنة المزدوجة

يُعد مفهوم الهيمنة المزدوجة (Dual Domination) حجر الزاوية في التحليل النسوي البيئي. وتوضح كارن ج. وارن أن القوة الدافعة وراء اضطهاد المرأة وتدمير البيئة هي منطق الهيمنة (The Logic of Domination) ذاته. هذا المنطق يتأسس على أربعة محاور مترابطة: القيمة الثنائية، والمركزية البشرية، والمركزية الذكورية، وشرعنة التبعية.

تفترض الهيمنة المزدوجة أن المجتمعات الأبوية تستخدم نفس الإطار المفاهيمي لترتيب التسلسل الهرمي للمجموعات. أولاً، يتم إنشاء ثنائيات متعارضة (مثل العقل/الجسد، الثقافة/الطبيعة). ثانياً، يتم تقييم أحد طرفي الثنائية (الذكور، العقل، الثقافة) بأنه متفوق، بينما يتم تصنيف الطرف الآخر (النساء، الجسد، الطبيعة) بأنه أدنى. ثالثاً، يتم استخدام هذه القيمة المتدنية لتبرير الاستغلال والسيطرة. فعلى سبيل المثال، يوصف جسد المرأة بأنه “أرض” يجب “غزوها” أو “تنميتها”، بينما توصف الطبيعة نفسها بأنها “عذراء” أو “برية” تنتظر أن “تروض” و”تُسيطر” عليها التكنولوجيا الذكورية.

إن استخدام لغة متشابهة، حيث يُشار إلى الآلات الصناعية على أنها “فعالة” بينما تُعتبر الطبيعة “غير فعالة” إذا لم تُستغل، يرسخ الاعتقاد بأن تدمير البيئة هو أمر “طبيعي” ومبرر ضمن سياق التقدم. لذلك، ترى النسوية البيئية أن تحدي هذا المنطق يتطلب إعادة تقييم أخلاقية شاملة لا تفصل بين القضايا الإنسانية والقضايا البيئية. فمن خلال تفكيك الهياكل التي تبرر اضطهاد النساء (كأشخاص أدنى)، يتم في الوقت نفسه تفكيك الهياكل التي تبرر استغلال الطبيعة (كشيء غير عاقل وعديم القيمة الأخلاقية).

5. التطبيقات العملية والنماذج

لم تقتصر النسوية البيئية على كونها إطارًا نظريًا، بل شكلت الأساس الفكري للعديد من الحركات والتدخلات البيئية العالمية، خاصة في الجنوب العالمي، حيث غالباً ما تكون النساء هن الأكثر تضرراً من التدهور البيئي وتغير المناخ.

من أبرز الأمثلة التاريخية لحركة مستلهمة من الفكر النسوي البيئي هي حركة شيبكو (Chipko Movement) في الهند خلال السبعينيات. في هذه الحركة، قامت نساء القرى باحتضان الأشجار لمنع شركات قطع الأخشاب التجارية من تدمير غابات الهيمالايا. كانت استراتيجية شيبكو تعكس فهماً عميقاً للروابط بين الحفاظ على الغابات وسبل عيشهن وكرامتهن. قادت هذه الحركة نساء مثل غورا ديفي، وأثبتت أن حماية البيئة ليست قضية ترفيهية، بل قضية بقاء مرتبطة بالطبقة والجندر. وقد ألهمت هذه الحركة لاحقاً الناشطة فاندانا شيفا لتطوير إطارها النسوي البيئي المادي الذي يركز على مقاومة الشركات الكبرى.

في العصر الحديث، يلعب الفكر النسوي البيئي دوراً محورياً في دعم حركات العدالة البيئية التي تقودها نساء السكان الأصليين حول العالم، خاصة في مقاومة مشاريع استخراج الموارد (مثل التعدين، وخطوط الأنابيب، والتنقيب عن النفط) التي تهدد أراضيهن ومواردهن المائية. ترى هؤلاء الناشطات أن استخراج الموارد هو شكل حديث من أشكال الاستعمار الذي يستهدف الأرض (الطبيعة) والأجساد (النساء). تتخذ هذه التطبيقات منحى عملياً من خلال الدعوة إلى حلول محلية ومستدامة تعتمد على المعرفة التقليدية التي غالباً ما تتجاهلها النماذج التنموية المركزية.

6. النقد والجدل الأكاديمي

على الرغم من تأثيرها الكبير، واجهت النسوية البيئية انتقادات أكاديمية وسياسية حادة، لا سيما فيما يتعلق بالجوهرانية وتجاهل التنوع.

يُعد النقد الموجه إلى الجوهرانية (Essentialism) هو الأكثر شيوعاً. يجادل النقاد بأن الفروع الثقافية للنسوية البيئية، التي تربط المرأة بـ”جوهرها” الطبيعي أو البيولوجي (مثل الأمومة)، تخاطر بتعزيز الصور النمطية الجندرية التي تسعى الحركة النسوية بشكل عام إلى تفكيكها. فربط النساء بالطبيعة قد يرسخ فكرة أن دورهن الأساسي هو الرعاية وليس القيادة السياسية أو الاقتصادية، مما يعيد النساء إلى الفضاء الخاص بدلاً من إدماجهن بشكل كامل في الفضاء العام.

كما واجهت النسوية البيئية انتقادات من النسوية ما بعد الكولونيالية والنسوية المتقاطعة. يرى النقاد (مثل إنديرا نايار) أن النسوية البيئية المبكرة فشلت في إدماج متغيرات العرق والطبقة والاستعمار بشكل كافٍ. ويشيرون إلى أن تجربة المرأة البيئية في الجنوب العالمي، التي تعاني من الفقر والاستعمار الجديد، تختلف جذرياً عن تجربة المرأة البيئية في الشمال العالمي. هذه الانتقادات دفعت إلى ظهور مفهوم البيئية المتقاطعة (Intersectional Environmentalism)، الذي يصر على أن الاضطهاد لا يحدث في عزلة، وأن الأزمة البيئية يجب أن تُحل من خلال عدسة تدرك تفاعل الجندر والعرق والطبقة.

بالإضافة إلى ذلك، يرى البعض أن الطرح النسوي البيئي يميل إلى الرومانسية المفرطة للطبيعة والحلول التقليدية، وقد يفتقر إلى التحليل الاقتصادي والسياسي اللازم لمواجهة القوى العالمية المهيمنة. ويرى هؤلاء النقاد ضرورة تبني مقاربات أكثر واقعية وتكنولوجية لمواجهة تحديات مثل تغير المناخ، بدلاً من الاعتماد الكلي على التحولات الأخلاقية والروحانية.

7. القراءة الإضافية