المحتويات:
البركة (BRAC)
المجالات التخصصية الرئيسية: التنمية الدولية، الحد من الفقر، الصحة العامة، التعليم، التمويل الأصغر.
1. التعريف الأساسي والمهمة
تُعد منظمة البركة (BRAC)، التي كانت تُعرف في الأصل باسم لجنة بنغلاديش للنهوض الريفي، واحدة من أكبر المنظمات غير الحكومية التنموية في العالم من حيث عدد الموظفين ونطاق البرامج. تأسست المنظمة عام 1972 على يد السير فاضل حسن عابد بعد حرب تحرير بنغلاديش، وبدأت كجهد إغاثي صغير في منطقة سولا. تحولت BRAC سريعًا من الإغاثة قصيرة الأجل إلى نموذج تنموي شامل يهدف إلى معالجة الأسباب الجذرية للفقر والهشاشة الاجتماعية. تتمثل مهمتها الجوهرية في تمكين الناس والمجتمعات التي تعيش في فقر، وتزويدهم بالأدوات اللازمة لتحقيق إمكاناتهم وتحسين ظروف حياتهم بشكل مستدام. هذا التحول من الإغاثة إلى التنمية المتكاملة جعل من BRAC نموذجًا رائدًا في مجال العمل الإنساني العالمي.
تتميز فلسفة BRAC بتبنيها لـالرؤية الشمولية (Holistic Approach) للتنمية، حيث لا تقتصر برامجها على قطاع واحد مثل التمويل الأصغر أو الصحة فحسب، بل تعالج الفقر من زوايا متعددة في وقت واحد. ولهذا السبب، تدير BRAC شبكة معقدة من البرامج التي تشمل التعليم والصحة والزراعة والمشاريع الاجتماعية والتمكين القانوني والاجتماعي. تعتمد المنظمة على مبدأ أن الفقر ليس مجرد نقص في الدخل، بل هو نقص في الوصول إلى الخدمات الأساسية، والمعرفة، والحقوق. وبالتالي، فإنها تسعى لكسر حلقة الفقر عن طريق توفير شبكة أمان اجتماعي واقتصادي متكاملة.
على الرغم من جذورها العميقة في بنغلاديش، حيث لا تزال تعمل على نطاق واسع، فقد توسعت BRAC لتصبح منظمة دولية تعمل في أكثر من عشر دول في آسيا وأفريقيا، مما يعكس نجاح نموذجها القابل للتكرار والتكيف مع سياقات مختلفة. ويُعد استخدامها المبتكر لـالمشاريع الاجتماعية (Social Enterprises) لتوليد الدخل الذي يعيد تمويل برامجها التنموية أمرًا محوريًا في تحقيق استدامتها المؤسسية وتقليل الاعتماد على التبرعات الخارجية، وهو ما يميزها عن العديد من المنظمات غير الحكومية التقليدية.
2. النشأة والتطور التاريخي
تأسست BRAC في عام 1972، في أعقاب الدمار الذي خلفته حرب التحرير في بنغلاديش. بدأت المنظمة ببرنامج إعادة تأهيل وإغاثة في منطقة سولا بشمال شرق البلاد، حيث ركزت في البداية على توفير المأوى والرعاية الصحية الأساسية لأسر اللاجئين العائدين. كان المؤسس، السير فاضل حسن عابد، يدرك سريعًا أن الإغاثة المؤقتة لن تكون كافية، وأن التنمية الحقيقية تتطلب استثمارات طويلة الأجل في قدرات الناس. هذا الإدراك أدى إلى التحول الجذري في منتصف السبعينيات نحو التنمية الريفية المستدامة، مع التركيز على بناء المهارات وتوفير الأدوات الإنتاجية.
شهدت الثمانينيات توسعًا هائلاً في برامج BRAC، لاسيما في مجال الصحة العامة. وكان البرنامج الأكثر شهرة هو نشر المعرفة حول العلاج بالإمهاء الفموي (Oral Rehydration Therapy – ORT) على نطاق وطني واسع. استخدمت BRAC استراتيجيات مبتكرة للوصول إلى كل منزل تقريبًا في بنغلاديش لتعليم الأمهات كيفية صنع محلول الملح والسكر المنقذ للحياة. وقد ساهم هذا البرنامج بشكل كبير في خفض معدلات وفيات الرضع والأطفال الناتجة عن الإسهال في البلاد، مما أثبت قدرة BRAC على تنفيذ التدخلات الصحية المعقدة على نطاق غير مسبوق.
خلال التسعينيات وبداية الألفية الجديدة، عززت BRAC مكانتها كقوة اقتصادية وتنموية من خلال إطلاق وتوسيع برامج التمويل الأصغر والمشاريع الاجتماعية. لم يكن التمويل الأصغر مجرد إقراض، بل كان مرتبطًا بالتدريب على ريادة الأعمال وتكوين المجموعات النسائية لضمان التمكين الاجتماعي والاقتصادي المتكامل. كما بدأت المنظمة في تأسيس مدارس غير نظامية استهدفت الأطفال غير الملتحقين بالمدارس الحكومية، مما أدى إلى بناء نظام تعليمي موازٍ يتميز بالمرونة والجودة، وتأكيدًا على دورها كمؤسسة تعالج الإخفاقات الهيكلية للدولة في تقديم الخدمات الأساسية.
3. المبادئ الأساسية والنموذج المتكامل
يرتكز نموذج BRAC على عدة مبادئ محورية، أبرزها الشمولية، والتمكين، والاستدامة المالية. فالشمولية تعني أن BRAC لا تقدم حلاً واحدًا، بل حزمة متكاملة من الخدمات تتناسب مع المستويات المتعددة للفقر. على سبيل المثال، يركز برنامج التخرج (Graduation Programme)، وهو أحد أشهر ابتكاراتها، على الوصول إلى أفقر الفقراء (Ultra-Poor) الذين لا يستطيعون حتى الاستفادة من قروض التمويل الأصغر، ويزودهم بأصول إنتاجية، وتدريب، ورعاية صحية، وإعانة استهلاكية مؤقتة لمساعدتهم على “التخرج” من الفقر المدقع إلى مستوى يمكنهم فيه المشاركة في برامج التنمية الأوسع.
يُعد مبدأ التمكين أحد الركائز الأساسية. لا ترى BRAC المستفيدين مجرد متلقين للمساعدة، بل شركاء وفاعلين في عملية التنمية. يتم ذلك من خلال تشجيع المشاركة المجتمعية، وخاصة تمكين النساء. فالنساء هن المستهدف الرئيسي لبرامج التمويل الأصغر والتعليم والصحة، حيث يُنظر إليهن كعامل تغيير رئيسي في الأسرة والمجتمع. يهدف التمكين إلى بناء الثقة الذاتية والوعي بالحقوق، مما يسمح للمستفيدين بالمطالبة بظروف حياة أفضل والمشاركة في صنع القرار على المستوى المحلي.
أما الاستدامة المؤسسية والمالية، فتتحقق عبر شبكة واسعة من المشاريع الاجتماعية. تدير BRAC مجموعة متنوعة من الأعمال التجارية، مثل مزارع الألبان، ومحلات البيع بالتجزئة، وشركات الطباعة، التي تدر أرباحًا كبيرة. هذه الأرباح لا تُوزع على المساهمين، بل تُعاد استثمارها بالكامل في تمويل البرامج التنموية للمنظمة. هذا النموذج يقلل من اعتماد BRAC على المانحين التقليديين ويضمن مرونة وقدرة على التخطيط طويل الأجل، مما يجعلها مؤسسة تنموية ذاتية الدعم إلى حد كبير.
4. البرامج الرئيسية ومجالات التدخل
- برنامج التمويل الأصغر (Microfinance): يوفر هذا البرنامج قروضًا صغيرة جدًا (غالبًا للنساء) لبدء أو توسيع مشاريع صغيرة مدرة للدخل. يتميز نموذج BRAC للتمويل الأصغر بأنه مُدمج مع التدريب على محو الأمية المالية وتطوير الأعمال، مما يضمن استخدام القروض بشكل فعال ويعزز القدرة على السداد.
- التعليم: تدير BRAC نظامًا تعليميًا ضخمًا يركز على توفير التعليم الابتدائي غير النظامي للأطفال الذين تسربوا أو لم يلتحقوا بالمدارس الحكومية. تتميز مدارس BRAC ببيئة تعليمية مرنة، واستخدام منهجيات مبتكرة، ومدة إنجاز أقصر، مما يسرع من التحاق الأطفال بالنظام التعليمي الرسمي لاحقًا.
- الصحة والمياه والصرف الصحي (WASH): بالإضافة إلى برامج الإماهة الفموية التاريخية، تركز BRAC على الرعاية الصحية الأولية من خلال شبكة من العاملين الصحيين المجتمعيين المدربين (Shasthya Shebikas). هؤلاء العاملون، ومعظمهم من النساء، يقدمون خدمات وقائية وعلاجية بسيطة عند عتبة منازل المجتمعات الريفية، مما يضمن الوصول إلى الرعاية الصحية في المناطق النائية.
- التمكين القانوني والاجتماعي: يهدف هذا الجانب إلى رفع مستوى الوعي بالحقوق القانونية، وخاصة حقوق النساء والمهمشين. يشمل البرنامج توفير المساعدة القانونية المجانية، وتدريب القادة المحليين على حل النزاعات، والعمل على مكافحة العنف القائم على النوع الاجتماعي.
5. الهيكل التنظيمي والانتشار الدولي
يتميز الهيكل التنظيمي لـ BRAC بالمركزية الاستراتيجية واللامركزية التشغيلية، مما يسمح لها بالعمل على نطاق واسع مع الحفاظ على الكفاءة والقدرة على التكيف المحلي. يقع المقر الرئيسي للمنظمة في دكا، بنغلاديش، حيث يتم اتخاذ القرارات الاستراتيجية الكبرى وتطوير النماذج البرامجية. ومع ذلك، يتم تفويض التنفيذ اليومي والقرارات التكيفية إلى المكاتب الميدانية الإقليمية والمحلية، مما يضمن أن البرامج تلبي الاحتياجات المحددة للمجتمعات المختلفة داخل بنغلاديش.
يُعد الانتشار الدولي لـ BRAC شهادة على إمكانية تكرار نموذجها التنموي في بيئات ثقافية واقتصادية متباينة. بدأت BRAC التوسع الدولي في أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، حيث نقلت خبرتها من بنغلاديش إلى دول في آسيا (مثل أفغانستان وسريلانكا) وأفريقيا (مثل أوغندا وتنزانيا وسيراليون وليبيريا). لا يقتصر دور BRAC في هذه الدول على مجرد تقديم التمويل، بل يشمل بناء قدرات المؤسسات المحلية وتكييف برامجها الناجحة، مثل التمويل الأصغر وبرنامج التخرج، لتناسب الظروف المحلية.
على عكس العديد من المنظمات الغربية، غالبًا ما يُنظر إلى BRAC على أنها نموذج “الجنوب للجنوب”، حيث تقوم منظمة من دولة نامية بنقل المعرفة والحلول إلى دول نامية أخرى. هذا المنظور يمنحها مصداقية أكبر ويسهل قبولها في المجتمعات المضيفة. إن حجم BRAC يضعها في مصاف الكيانات الاقتصادية الكبرى؛ ففي بنغلاديش وحدها، توظف عشرات الآلاف من الأشخاص وتخدم ملايين المستفيدين، مما يجعلها جزءًا لا يتجزأ من البنية التحتية الاجتماعية والاقتصادية للبلاد.
6. الإنجازات والأثر التنموي
لا يمكن المبالغة في تقدير الأثر التنموي الذي أحدثته BRAC، خاصة في بنغلاديش. فقد ساهمت برامجها المتعددة الأوجه في تحقيق تحسينات كبيرة في مؤشرات التنمية البشرية الوطنية. على سبيل المثال، أظهر برنامج التخرج، بعد تطبيقه وتجربته في عدة دول، قدرة مثبتة على إخراج أفقر الأسر من الفقر المدقع بشكل مستدام، وهو ما جذب اهتمام البنك الدولي والعديد من الحكومات التي تبنت هذا النموذج.
في مجال الصحة، كان لجهود BRAC دور حاسم في خفض معدلات وفيات الأطفال من خلال برامج التلقيح والرعاية الصحية الأولية. وفي مجال التعليم، أسست BRAC أكثر من 65,000 مدرسة غير نظامية، مما ساعد الملايين من الأطفال، وخاصة الفتيات، على الحصول على التعليم الأساسي. إن التركيز على تمكين المرأة هو إنجاز بحد ذاته، حيث أن جعل النساء محورًا للتمويل والتدريب لم يحسن وضعهن الاقتصادي فحسب، بل زاد أيضًا من مشاركتهن السياسية والاجتماعية في القرى.
كما أن نموذج المشاريع الاجتماعية يمثل إنجازًا ماليًا فريدًا. من خلال توليد دخل كبير، أثبتت BRAC أن التنمية يمكن أن تكون مستدامة ماليًا ولا تعتمد بشكل كامل على التقلبات في تمويل المانحين. هذا الدمج بين الدافع الاجتماعي والكفاءة التجارية هو ما جعل العديد من المؤسسات الأكاديمية والمالية، بما في ذلك مؤسسة بيل وميليندا جيتس، تشيد بفعالية BRAC وكفاءتها التشغيلية. وتُعتبر BRAC مثالاً عالميًا على كيفية استخدام رأس المال الاجتماعي والمالي لتحقيق تحول اجتماعي واسع النطاق.
7. الانتقادات والتحديات
على الرغم من نجاحها الهائل، واجهت BRAC، شأنها شأن أي منظمة عملاقة، نصيبها من الانتقادات والتحديات. من أبرز هذه الانتقادات ما يتعلق ببرنامج التمويل الأصغر. ففي حين أن القروض المقدمة ساعدت ملايين الأفراد، فقد أثيرت تساؤلات حول معدلات الفائدة المطبقة، والتي، على الرغم من أنها غالبًا ما تكون أقل من أسعار السوق غير الرسمية، إلا أنها لا تزال مرتفعة بما يكفي لإثارة مخاوف بشأن إمكانية إغراق المقترضين الأكثر ضعفًا في الديون، خاصة في حالات الفشل الاقتصادي الفردي أو الكوارث الطبيعية.
كما يواجه نموذج BRAC تحديات تتعلق بـقابلية التوسع مقابل العمق. فمع اتساع نطاق عملياتها لتشمل ملايين المستفيدين في دول متعددة، يصبح من الصعب الحفاظ على نفس مستوى الجودة والاهتمام الفردي الذي كان يميز برامجها في المراحل المبكرة. هناك دائمًا توتر بين الحاجة إلى إدارة مؤسسة عملاقة بكفاءة تجارية والالتزام بتقديم خدمات تنموية مصممة خصيصًا للفئات الأكثر تهميشًا.
التحدي الآخر يتعلق بالاستمرارية والقيادة بعد وفاة المؤسس، السير فاضل حسن عابد، في عام 2019. كان عابد يمثل القوة الدافعة والعبقرية الاستراتيجية وراء BRAC. يتطلب الحفاظ على الابتكار والنزاهة والكفاءة التشغيلية للمنظمة بعد غياب مؤسسها عملية انتقال قوية ومحكمة للقيادة لضمان أن تبقى BRAC وفية لمهمتها الأساسية وتستمر في التكيف مع التحديات التنموية الجديدة، مثل التغير المناخي والرقمنة.