المحتويات:
العملية التأسيسية (Establishing Operation)
Primary Disciplinary Field(s): تحليل السلوك التطبيقي (Applied Behavior Analysis)؛ السلوكية التجريبية
1. التعريف الجوهري
تُعد العملية التأسيسية (EO)، والتي تندرج تحت المظلة الأوسع لمصطلح العمليات التحفيزية (Motivating Operations)، مفهومًا محوريًا في علم تحليل السلوك التطبيقي (ABA). وهي تشير إلى أي متغير بيئي أو تدخلي يغير، بشكل مؤقت، من فعالية مثير معين كمعزز أو كمنفر، ويغير بالتالي من تكرار السلوكيات التي كانت تُعزز أو تُثبط بواسطة ذلك المثير. بعبارة أخرى، تعمل العملية التأسيسية على وظيفتين أساسيتين: تغيير قيمة النتيجة (سواء كانت مكافأة أو عقابًا) وتغيير احتمالية حدوث السلوكيات المرتبطة بتلك النتيجة. هذا المفهوم ضروري لفهم لماذا يتصرف الكائن الحي بالطريقة التي يتصرف بها في لحظة معينة، حتى لو كانت الظروف السابقة للتعزيز ثابتة نسبيًا. إنها تمثل عاملًا ديناميكيًا يفسر التقلبات في الدافعية والاستجابة.
على سبيل المثال، إذا كان الطعام معززًا قويًا، فإن حرمان الكائن الحي من الطعام (وهو عملية تأسيسية) سيزيد من قيمة الطعام كمعزز، وفي الوقت نفسه، سيزيد من احتمالية قيام الكائن الحي بالسلوكيات التي أدت في الماضي إلى الحصول على الطعام (مثل طلب الطعام أو البحث عنه). وقد تم تطوير هذا المفهوم لملء فجوة في التحليل السلوكي التقليدي الذي كان يركز بشكل أساسي على العلاقة بين المثير التمييزي (SD) والاستجابة والنتيجة (النموذج الثلاثي A-B-C)، دون إيلاء اهتمام كافٍ للعوامل الداخلية أو البيئية التي تؤثر على مدى جاذبية المعززات نفسها. ولذلك، تُعد العملية التأسيسية، في جوهرها، محددًا للسلوكيات الإجرائية (Operant Behaviors)، حيث تصف العلاقة الوظيفية بين المتغيرات البيئية والتغيرات في الدافعية والاستجابة.
2. أصل المصطلح والتطور التاريخي
على الرغم من أن العلماء السلوكيين الأوائل، بما في ذلك ب. ف. سكينر (B. F. Skinner)، قد أشاروا إلى تأثيرات الحرمان والإشباع على السلوك في كتاباتهم، إلا أن المصطلح الرسمي “العملية التأسيسية” (Establishing Operation) قد تم صياغته وتأصيله بشكل منهجي من قبل الباحث جاك مايكل (Jack Michael) في عام 1982. كان الهدف من طرح مايكل هو توفير مصطلح وظيفي يصف بوضوح الآليات التي تؤثر على السلوك بطرق تتجاوز مجرد الإشارة إلى التوافر (كما يفعل المثير التمييزي)، والتركيز بدلاً من ذلك على العوامل التي تغير من الفعالية الوظيفية للمعززات. هذا التطور كان حاسمًا لتمكين المحللين السلوكيين من التعامل مع حالات الدافعية المعقدة.
في وقت لاحق، قام مايكل وزملاؤه بتوسيع هذا المفهوم ليشمل حالات أخرى غير الحرمان والإشباع، والتي قد تزيد أو تقلل من قيمة المعززات. وفي عام 2003، تم استبدال مصطلح “العملية التأسيسية” بالمصطلح الأعم والأشمل العملية التحفيزية (Motivating Operation – MO) في الطبعة الثانية من كتاب “التحليل السلوكي” لـ كوبر وهيرون وهوارد. ويشمل مصطلح العمليات التحفيزية كلاً من العمليات التأسيسية (التي تزيد القيمة أو الدافعية، وتعرف بـ MO-EO) والعمليات المُثبِّطة (Abolishing Operations – AO) (التي تقلل القيمة أو الدافعية). ومع ذلك، لا يزال مصطلح “العملية التأسيسية” يُستخدم بشكل شائع للإشارة إلى الجانب الذي يزيد من الدافعية أو قيمة المعزز، ويُنظر إليه أحيانًا كمرادف لوظيفة زيادة القيمة ضمن فئة العمليات التحفيزية.
3. الخصائص الرئيسية: الوظائف المزدوجة
تتميز العملية التأسيسية بوظيفتين أساسيتين ومستقلتين ولكنهما متلازمتان، يجب فهمهما لتطبيق المفهوم بشكل صحيح في الممارسة السريرية والبحثية. هذه الوظائف هي التي تمنح العملية التأسيسية قوتها التفسيرية والتدخلية في تغيير السلوك:
أ. التأثير المُغيِّر للقيمة (Value-Altering Effect)
هذه الوظيفة هي الأساس الذي تقوم عليه العملية التأسيسية. وهي تشير إلى التغيير المؤقت الذي تحدثه العملية التأسيسية في فعالية مثير أو حدث ما كمعزز أو كمنفر. فعندما يتم “تأسيس” عملية ما، فإنها إما تزيد من جاذبية النتيجة المرجوة (مثل جعل الطعام أكثر قيمة عندما يكون الفرد جائعًا) أو تزيد من كراهية النتيجة غير المرغوب فيها (مثل جعل درجة الحرارة المرتفعة أكثر إزعاجًا). وهذا التأثير لا يرتبط بالضرورة بزيادة أو نقصان السلوك نفسه، بل يتعلق فقط بالتغير في أهمية النتيجة المحتملة. هذا التغير مؤقت وديناميكي، ويعكس حالة الكائن الحي اللحظية وعلاقته بالبيئة، مما يفسر سبب اختلاف استجابة الفرد لنفس المعزز في أوقات مختلفة.
ب. التأثير المُغيِّر للسلوك (Behavior-Altering Effect)
بمجرد أن يتم تغيير قيمة المعزز أو المنفر (التأثير المُغيِّر للقيمة)، يتبع ذلك التغيير المُغيِّر للسلوك. يشير هذا التأثير إلى زيادة أو نقصان مؤقت في تكرار أو شدة أو مدة جميع السلوكيات التي تم تعزيزها أو تثبيطها سابقًا بواسطة ذلك المثير. على سبيل المثال، إذا زادت قيمة الحصول على الماء (بسبب العطش)، فإن السلوكيات التي أدت تاريخيًا إلى الحصول على الماء (مثل فتح الصنبور، أو طلب الماء) ستزداد احتمالية حدوثها بشكل فوري. ومن المهم التأكيد على أن هذا التغيير في السلوك هو تغيير “إجرائي” (Evocative) أو “تثبيطي” (Abative)، وليس تعلمًا جديدًا؛ أي أنه يؤثر على معدل حدوث ما يعرفه الكائن الحي بالفعل، وليس على اكتساب مهارات جديدة.
4. أنواع العمليات التأسيسية
يتم تصنيف العمليات التأسيسية ضمن فئة العمليات التحفيزية (MOs) بناءً على ما إذا كانت تتطلب تاريخ تعلم سابقًا لتكون فعالة. هذا التصنيف يساعد في تحديد مصدر الدافعية، سواء كان بيولوجيًا فطريًا أو مكتسبًا شرطيًا:
- العمليات التأسيسية غير الشرطية (Unconditioned Establishing Operations – UEOs): وهي العمليات التي لا تتطلب خبرة تعلم سابقة لتغيير قيمة المعززات والسلوكيات. ترتبط هذه العمليات بالاحتياجات البيولوجية الأساسية اللازمة لبقاء النوع. الأمثلة الشائعة تشمل الحرمان من الطعام أو الماء، أو التعرض لدرجة حرارة قصوى، أو النوم، أو الحاجة إلى النشاط الجنسي. الحرمان من الماء (UEO) يزيد من قيمة الماء كمعزز ويزيد من سلوكيات طلب الماء بشكل طبيعي وفطري.
- العمليات التأسيسية الشرطية (Conditioned Establishing Operations – CEOs): وهي العمليات التي تكتسب قدرتها على تغيير قيمة المعززات والسلوكيات من خلال تاريخ التعلم والاقتران مع العمليات التأسيسية الأخرى أو المعززات. أي أنها مثيرات محايدة أصبحت، من خلال الاقتران، قادرة على تغيير الدافعية.
ويندرج تحت العمليات التأسيسية الشرطية ثلاثة أنواع فرعية مهمة تشرح آليات التعلم الاجتماعي والمعقد، وتوفر أدوات تحليلية دقيقة لفهم السلوكيات البشرية المعقدة:
- العمليات التأسيسية الانعكاسية (Reflexive CEOs – CEO-R): وهي المثيرات التي تسبق وتنبئ بظهور موقف سيئ أو غير سار، مما يزيد من قيمة الهروب أو التجنب من ذلك الموقف. مثال: رؤية تعبير غاضب على وجه المدير (CEO-R) تجعل تجنب التفاعل معه معززًا قويًا.
- العمليات التأسيسية الانتقالية (Transitive CEOs – CEO-T): تجعل شيئًا آخر ضروريًا لإكمال مهمة أو الوصول إلى معزز. مثال: وجود صندوق مغلق (EO) يجعل قيمة الحصول على المفتاح (الذي يفتح الصندوق) عالية جدًا. إنها تخلق حالة “ينقصني شيء”.
- العمليات التأسيسية السردية (Surrogate CEOs – CEO-S): تكتسب خصائصها التحفيزية من خلال الاقتران بمثير غير شرطي. مثال: إذا كان وجود الأب دائمًا مقترنًا بوجبات الطعام (UEO)، فإن رؤية الأب قد تصبح CEO-S تزيد من دافعية طلب الطعام، حتى لو لم يكن الفرد جائعًا بيولوجيًا في تلك اللحظة.
5. التمييز عن المثيرات التمييزية (SD)
يُعد التمييز بين العملية التأسيسية (EO) والمثير التمييزي (SD) أمرًا بالغ الأهمية في تحليل السلوك التطبيقي. كلاهما يعمل كمحفز يسبق السلوك، لكن وظائفهما مختلفة جذريًا، حيث تؤثر العملية التأسيسية على الدافعية بينما يؤثر المثير التمييزي على التوافر:
- العملية التأسيسية (EO): تغير من مدى رغبة الكائن الحي في الحصول على المعزز. تؤثر على قيمة النتيجة نفسها. (مثال: الجوع الشديد يزيد من قيمة الطعام كمعزز).
- المثير التمييزي (SD): يشير إلى توافر معزز معين. يخبر الكائن الحي بأن الاستجابة (السلوك) ستؤدي إلى النتيجة المرجوة الآن. (مثال: رؤية لافتة “مفتوح” تخبرك أن الطعام متاح).
يمكن تلخيص العلاقة بينهما بالقول إن العملية التأسيسية تخلق الدافعية (الحاجة)، والمثير التمييزي يحدد الفرصة. إذا كانت العملية التأسيسية غائبة (أي أن الفرد مشبع)، فإن وجود المثير التمييزي (SD) سيكون غير فعال في إثارة السلوك. وبالتالي، يمكن القول إن العملية التأسيسية “تزيد من احتمالية أن يكون السلوك فعالًا”، بينما المثير التمييزي “يشير إلى الظروف التي يكون فيها السلوك فعالًا بالفعل”.
6. الأهمية والتأثير في تحليل السلوك التطبيقي
لقد أحدث إدخال مفهوم العمليات التأسيسية ثورة في ممارسة تحليل السلوك التطبيقي (ABA)، وخاصة في العمل مع الأفراد ذوي الإعاقات التنموية، وتحديداً اضطراب طيف التوحد. قبل هذا المفهوم، كان العديد من التدخلات السلوكية تفشل في تحقيق التعميم أو الاستدامة لأنها لم تعالج الدافعية الأساسية للفرد، وكان التركيز مفرطًا على المعززات الخارجية دون فهم لكيفية تغيير قيمتها.
تسمح العمليات التأسيسية للمحللين السلوكيين بفهم سبب حدوث سلوكيات التحدي (مثل العدوان أو إيذاء الذات). فبدلاً من التركيز فقط على ما يحدث بعد السلوك (النتيجة)، فإنها تدفع المحلل للبحث عن المتغيرات البيئية التي تزيد من قيمة هذا المعزز السلبي أو الإيجابي. إن تحديد العملية التأسيسية يمثل خطوة حاسمة في التحليل الوظيفي للسلوك، حيث يكشف عن الظروف التي تجعل النتيجة (مثل الهروب أو الانتباه) مرغوبة بشدة. هذا الفهم يؤدي إلى تدخلات أكثر أخلاقية وفعالية، تركز على تعديل البيئة لتقليل الحاجة إلى السلوكيات غير المرغوبة.
7. التطبيقات العملية وإدارة السلوك
يُستخدم مفهوم العمليات التأسيسية بشكل مكثف في تصميم التدخلات السلوكية الفعالة، حيث يركز التطبيق على هندسة الدافعية لتحسين نتائج التعلم وتقليل سلوكيات التحدي. تتيح هذه الاستراتيجية للممارسين بناء بيئات تعليمية وسلوكية أكثر استجابة لاحتياجات الفرد ودوافعه اللحظية:
- التحليل الوظيفي للسلوك (Functional Analysis): يتم التلاعب بالعمليات التأسيسية بشكل منهجي لتحديد وظيفة السلوك. على سبيل المثال، يتم إدخال الحرمان من الانتباه (EO) لمعرفة ما إذا كان السلوك يزداد، مما يشير إلى أن وظيفة السلوك هي الحصول على الانتباه. وبمجرد تحديد الـ EO، يمكن تصميم خطة التدخل.
- تدريب اللغة (Mand Training): تعتبر العمليات التأسيسية ضرورية لتدريب الطلبات اللفظية (Mands). لا يمكن تدريب الطفل على طلب “ماء” بنجاح إلا عندما يكون العطش (EO) مرتفعًا، مما يضمن أن الطلب يتم تدريبه في سياقه الوظيفي الطبيعي، وبالتالي زيادة احتمالية تعميم المهارة واستدامتها في البيئة الطبيعية.
- استخدام العمليات المُثبِّطة (Abolishing Operations – AO): وهي الجانب المقابل للعمليات التأسيسية، حيث تستخدم لتقليل دافعية الفرد للقيام بسلوكيات غير مرغوب فيها. فإذا كان السلوك العدواني يهدف إلى الهروب من مهمة ما، يمكن تقليل قيمة الهروب (AO) عن طريق توفير فترات راحة متكررة قبل أن يصبح الدافع للهروب قويًا، أو عن طريق جعل المهمة سهلة للغاية أو متوافقة مع تفضيلات الفرد، مما يقلل من دافعية الهروب.
8. النقاشات والانتقادات
على الرغم من الأهمية السائدة لمفهوم العمليات التحفيزية (والتي تشمل العمليات التأسيسية)، فقد واجه المصطلح بعض النقاشات، خاصة فيما يتعلق بحدوده النظرية وتطبيقه العملي. تعود معظم هذه النقاشات إلى التعقيد في تصنيف المتغيرات البيئية التي قد تؤثر على السلوك:
- التعقيد المصطلحي: كان التغيير من “العملية التأسيسية” إلى “العملية التحفيزية” ثم تصنيفها إلى أنواع فرعية (UEOs, CEOs-T, CEOs-R) مصدرًا للارتباك لدى الممارسين الأوائل. يرى البعض أن التمييز بين التأثير المُغيِّر للقيمة والتأثير المُغيِّر للسلوك قد يكون صعبًا في الممارسة العملية، مما يتطلب تدريبًا دقيقًا للمحللين السلوكيين لضمان التطبيق الصحيح.
- الخوف من الداخلية (Mentalism): يجادل بعض النقاد بأن مصطلح الدافعية، حتى لو تم تعريفه بشكل وظيفي كعملية تأسيسية، لا يزال يقترب من التفسيرات الداخلية (Mentalistic explanations) التي كانت السلوكية تحاول تجنبها. ومع ذلك، يدافع مؤيدو المفهوم بأن العمليات التأسيسية تظل وظيفية بالكامل، حيث يتم تحديدها دائمًا من خلال متغير بيئي يمكن قياسه والتلاعب به (مثل فترة الحرمان أو التعرض لمثير شرطي)، مما يحافظ على التزامها بالموضوعية والمنهجية العلمية.