تصميم الإقصاء – exclusion design

التصميم الإقصائي (Exclusion Design)

Primary Disciplinary Field(s): التصميم الحضري، علم الاجتماع، دراسات الإعاقة، تصميم المنتجات.

1. التعريف الجوهري

يمثل مفهوم التصميم الإقصائي (Exclusion Design) إطارًا تحليليًا ونقديًا يصف الممارسات الهندسية والتصميمية التي تؤدي، سواء بشكل مقصود أو نتيجة لعواقب نظامية غير مدروسة، إلى حرمان أو تهميش فئة معينة من المستخدمين من الوصول إلى الفضاءات، المنتجات، أو الخدمات. يختلف هذا المفهوم جوهريًا عن مجرد “التصميم السيئ” أو الفشل في تحقيق الشمولية؛ بل غالبًا ما يتضمن آليات مصممة بفعالية لتحقيق هدف محدد، وهو منع سلوك معين أو استبعاد مجموعة سكانية بعينها. إنه يعكس كيف يمكن للأدوات المادية والرقمية أن تتحول إلى أدوات للتحكم الاجتماعي والفرز الديموغرافي، مما يجسد السلطة في شكل مادي ملموس.

على عكس التصميم الشامل (Inclusive Design) الذي يسعى لضمان أقصى قدر من الاستخدام لأوسع نطاق ممكن من الأفراد، يعمل التصميم الإقصائي على تحديد الحدود والفواصل، وغالبًا ما تكون موجهة ضد الفئات الأكثر ضعفًا في المجتمع، مثل المشردين، كبار السن، الشباب، أو الأشخاص ذوي الإعاقة. يبرز هذا النوع من التصميم في البيئات الحضرية بشكل خاص، حيث تتخذ العناصر المعمارية شكلًا عدائيًا صريحًا يُعرف باسم “الهندسة المعمارية العدائية” (Hostile Architecture)، مثل المقاعد التي تمنع الاستلقاء أو المسامير الموضوعة في المداخل. الهدف الأساسي ليس بالضرورة جماليًا أو وظيفيًا بالمعنى التقليدي، بل هو تنظيم السلوك العام وإدارة استخدام الفضاء بطريقة تخدم مصالح مجموعة مهيمنة أو تحافظ على النظام الاجتماعي المفروض والمفضل لدى السلطات أو الملاك.

إن فهم التصميم الإقصائي يتطلب تجاوز النظرة السطحية للجماليات أو الكفاءة الهندسية للتعمق في الأبعاد الاجتماعية والسياسية للتصميم. فالتصميم ليس محايدًا بطبيعته؛ بل هو تجسيد مادي للسلطة والأيديولوجيا السائدة. عندما يتم بناء مدننا أو تصميم منتجاتنا بطرق تجعل الحياة أكثر صعوبة على المستضعفين، فإن ذلك يعكس قرارًا ضمنيًا أو صريحًا بشأن من يُسمح له بالمشاركة الكاملة في الحياة العامة ومن لا يُسمح له بذلك. هذه القرارات التصميمية لها تأثيرات تراكمية عميقة على العدالة الاجتماعية وإمكانية الوصول إلى الموارد الأساسية، وتعمل على ترسيخ التفاوتات الهيكلية القائمة في المجتمع.

2. الأصل والتطور التاريخي

على الرغم من أن ممارسات التصميم التي تؤدي إلى الإقصاء موجودة منذ فترة طويلة في التاريخ البشري، حيث كانت التحصينات والأسوار تفصل بين الطبقات والمجتمعات، إلا أن بلورة مفهوم التصميم الإقصائي كإطار أكاديمي نقدي بدأت تظهر بقوة في أواخر القرن العشرين وأوائل القرن الحادي والعشرين. ارتبط هذا التطور ارتباطًا وثيقًا بالدراسات المتنامية في مجال حقوق الإنسان، ودراسات الإعاقة، والنقد الموجه نحو عمليات التمدين التي تزيد من التفاوت الاجتماعي. كان التركيز الأولي على الهندسة المعمارية العدائية التي تستهدف المشردين، خاصة في المدن الكبرى في أمريكا الشمالية وأوروبا، حيث بدأت العناصر مثل التقسيمات على مقاعد الحدائق أو الرشاشات الموقوتة تظهر كاستجابات تصميمية لمشاكل اجتماعية معقدة، هدفها الواضح هو إبعاد الفئات غير المرغوبة عن الأنظار العامة.

يُعدّ ظهور مفهوم “الهندسة المعمارية العدائية” كنقطة محورية في تطور هذا المفهوم. فبينما كانت المدن تسعى لتحسين الأمن والنظافة، تحولت بعض ميزات التصميم إلى أدوات عقابية أو رادعة للسلوكيات التي يعتبرها البعض غير لائقة أو مهددة للنظام. هذا التحول من التصميم الذي يهدف إلى الجمالية والوظيفة إلى التصميم الذي يهدف إلى التحكم والسلوك القسري دفع الباحثين في مجالات الجغرافيا النقدية والدراسات الحضرية إلى تحليل الأساس المنطقي وراء هذه الممارسات. وقد وجدوا أن هذه التصاميم غالبًا ما تكون مدفوعة بأيديولوجيات تنظر إلى وجود مجموعات معينة في الأماكن العامة كـ “مشكلة” يجب حلها من خلال البيئة المادية بدلاً من معالجتها بالسياسات الاجتماعية أو الاقتصادية العادلة.

في السياق الأكاديمي، اكتسب المصطلح أهمية خاصة في مقارنته ونقضه لمبادئ التصميم العالمي (Universal Design). فإذا كان التصميم العالمي يسعى لتقليل الحواجز قدر الإمكان وضمان الوصول للجميع، فإن التصميم الإقصائي يمثل القوة المضادة التي تهدف إلى نصب الحواجز لتقييد الوصول، مما يؤدي إلى تضييق نطاق استخدام الفضاء العام. وقد توسع نطاق الدراسة لاحقًا ليشمل التصميم الرقمي والمنتجات التكنولوجية، حيث يمكن للخوارزميات أو واجهات المستخدم أن تستبعد مجموعات معينة (مثل كبار السن الذين يواجهون صعوبة في التكيف مع التحديثات السريعة، أو المجتمعات التي تفتقر إلى الوصول إلى البنية التحتية الرقمية المتقدمة)، مما يعمق الفجوة الرقمية والاجتماعية.

تأثر تطور المفهوم أيضًا بأعمال مفكرين في علم الاجتماع السياسي، مثل ميشيل فوكو، خاصة أفكاره حول السلطة والمعرفة وكيف تتجسد آليات التحكم في الهياكل المادية والمؤسسية. إن فكرة أن البيئة نفسها يمكن أن تكون أداة للضبط الاجتماعي، تعمل كـ “سجن بلا جدران” يحدد من يمكنه التحرك بحرية ومن يجب أن يبقى على الهامش، ساعدت في ترسيخ الأساس النظري لتحليل التصميم الإقصائي كظاهرة بنيوية مرتبطة بالهياكل الاقتصادية والسياسية للمدن الحديثة.

3. الخصائص الرئيسية

يتميز التصميم الإقصائي بعدد من الخصائص المتداخلة التي تساعد في تحديد طبيعته وعمله في البيئات المختلفة. أولاً، غالبًا ما تكون آلياته غير مرئية أو مبررة وظيفيًا. بمعنى أن العنصر الإقصائي قد يبدو للوهلة الأولى وكأنه جزء طبيعي من المشهد الحضري أو المنتج (مثل مقعد مصمم “لراحة الجلوس الفردي” بدلاً من منعه للاستلقاء)، مما يجعل من الصعب على المستخدم العادي تحديد قصده الحقيقي المتمثل في الإقصاء. هذا التخفي هو جزء أساسي من فعالية التصميم الإقصائي، حيث يسمح بتطبيق سياسات التطهير الاجتماعي دون إثارة الكثير من الجدل العام.

ثانيًا، يتميز بالاستهداف الديموغرافي المحدد. نادرًا ما يكون التصميم الإقصائي عشوائيًا؛ بل يتم توجيهه بدقة نحو مجموعات اجتماعية محددة يعتبر وجودها غير مرغوب فيه في سياق معين، وعادة ما تكون هذه المجموعات ذات قوة سياسية واقتصادية منخفضة. وهذا يشمل، على سبيل المثال لا الحصر، تصميم محطات الحافلات بدون مظلات أو مقاعد لمنع تجمع المراهقين، أو استخدام ترددات صوتية عالية (مثل “موسكيتو”) لا يسمعها سوى الشباب بهدف تفريقهم من مناطق معينة. هذا الاستهداف يعزز التمييز الاجتماعي القائم ويزوده بشرعية تصميمية، حيث يتم تبرير الإقصاء على أنه إجراء “وقائي” أو “للحفاظ على النظام”.

ثالثًا، يعتمد التصميم الإقصائي على استغلال مبادئ التصميم الناجح لتحقيق هدف سلبي. على سبيل المثال، قد يتم استخدام مواد متينة وسهلة التنظيف (وهي مبادئ تصميم جيدة في سياق آخر) ولكن يتم تطبيقها بطريقة تجعل الفضاء غير مريح أو معاديًا للاستخدام المطول أو للاسترخاء. كما أن هناك خاصية التأثير التراكمي؛ ففي حين أن عنصرًا إقصائيًا واحدًا قد لا يكون له تأثير كبير، فإن تراكم العديد من هذه العناصر في مدينة بأكملها يخلق بيئة معادية بشكل منهجي وممنهج للمجموعات المهمشة، مما يجعل حركتهم وإقامتهم في الأماكن العامة عبئًا دائمًا.

لفهم هذه الخصائص بشكل أوضح، يمكن تلخيص المكونات الرئيسية للتصميم الإقصائي التي تظهر في التحليل النقدي:

  • التصميم العدائي المادي: استخدام العناصر المعمارية (مثل المسامير، الأسطح المائلة، التقسيمات المعدنية) لمنع الاستخدام غير المصرح به للفضاء العام، مثل النوم أو التزلج، وتحويل الفضاءات العامة إلى فضاءات “عبور” فقط.
  • التصميم الإجرائي/الرقمي: وضع حواجز غير مادية في الأنظمة والخدمات، مثل النماذج المعقدة التي تتطلب مستوى عاليًا من المعرفة التقنية أو اللغوية، أو الخوارزميات التي تهمش الوصول إلى القروض أو الخدمات بناءً على الموقع الجغرافي أو الدخل.
  • الإقصاء بواسطة الإغفال: الفشل المتعمد أو المنهجي في توفير المرافق الضرورية (مثل عدم توفير مصاعد، أو دورات مياه عامة، أو منحدرات) في الأماكن العامة، مما يستبعد الأشخاص ذوي الإعاقة جسديًا والفقراء من الاستفادة الكاملة من البنية التحتية للمدينة.

4. التجليات والأمثلة التطبيقية

يتجسد التصميم الإقصائي في مجموعة واسعة من السياقات، تتجاوز بكثير مجرد الهندسة المعمارية لتشمل التكنولوجيا والسياسات العامة. في البيئة الحضرية، المثال الأكثر شهرة هو الهندسة المعمارية المضادة للمشردين. يشمل هذا تركيب مسامير فولاذية صغيرة على الأسطح الأفقية حيث قد يحاول شخص أن ينام، أو تصميم مقاعد حدائق ذات مساند ذراع وسطية بارزة تمنع الاستلقاء، أو تركيب رشاشات مياه تعمل بشكل عشوائي في الليل لمنع التخييم. هذه التصاميم لا تحل مشكلة التشرد، بل تنقلها ببساطة إلى منطقة أخرى، مما يجعل حياة المشردين أكثر صعوبة وأقل كرامة، وتهدف في جوهرها إلى تطهير الفضاء العام من وجودهم المرئي.

في المجال الرقمي، تظهر أمثلة التصميم الإقصائي في كيفية تصميم واجهات المستخدم والتحقق من الهوية. على سبيل المثال، قد تكون أنظمة CAPTCHA التي تطلب التعرف على الصور معقدة للغاية بالنسبة للمستخدمين ذوي الإعاقات البصرية أو الإدراكية، مما يمنعهم من الوصول إلى خدمات حيوية مثل التسجيل الحكومي أو الخدمات المصرفية. وبالمثل، فإن بعض الخدمات الحكومية أو المالية التي تتطلب استخدام تطبيقات حديثة جدًا أو هواتف ذكية متطورة تستبعد تلقائيًا فئات كبار السن أو الأفراد ذوي الدخل المنخفض الذين لا يستطيعون تحمل تكلفة هذه التقنيات، وهذا يخلق ما يُعرف بـ “الفجوة الرقمية التصميمية” التي تؤدي إلى حرمان اقتصادي.

كما يمكن أن يتخذ التصميم الإقصائي شكل التصميم الأمني المُبالغ فيه. ففي العديد من الأحياء السكنية الراقية، يتم استخدام حواجز مادية معقدة وأنظمة مراقبة مكثفة لا تهدف فقط إلى حماية السكان، بل إلى إرسال رسالة واضحة للغرباء بأنهم غير مرحب بهم وأن المنطقة مخصصة حصريًا لمستوى اجتماعي معين. هذه التصاميم تخلق “جيوب” اجتماعية مصممة للفصل، حيث يتم تضييق نطاق الوصول إلى الفضاءات العامة بشكل صارم، مما يؤدي إلى تفتيت النسيج الاجتماعي للمدينة وتعزيز الانعزال الطبقي.

أحد الأمثلة الأقل وضوحًا ولكنه قوي الأثر هو تصميم نظم النقل العام. عندما تكون محطات المترو أو الحافلات غير مجهزة بمصاعد أو منحدرات كافية، فإنها تستبعد بشكل فعال المستخدمين للكراسي المتحركة أو الآباء الذين يستخدمون عربات الأطفال. هذا الإغفال المتعمد في التخطيط والبناء هو شكل من أشكال التصميم الإقصائي الذي يحد من الحركة والمشاركة الاقتصادية والاجتماعية لجزء كبير من السكان، مما يعيق تكافؤ الفرص ويقلل من قدرة هذه الفئات على الوصول إلى التعليم أو العمل.

5. نقد الأخلاقيات وحقوق الإنسان

يثير التصميم الإقصائي قضايا أخلاقية عميقة تتعلق بالعدالة الاجتماعية والمساواة في الوصول إلى الفضاء العام. من منظور أخلاقي، يتعارض هذا النوع من التصميم بشكل مباشر مع مفهوم المدينة العادلة (Just City) التي تضمن لجميع مواطنيها الحق في استخدام الفضاءات والموارد المشتركة بأمان وكرامة. عندما يتم استخدام التصميم لإجبار مجموعة معينة على التخلي عن حقها في الراحة أو الأمان في الأماكن العامة، فإنه يشكل انتهاكًا غير مباشر للكرامة الإنسانية الأساسية، ويؤكد على أن قيمة فئات معينة من المجتمع أدنى من قيمة الممتلكات أو النظام المفروض.

علاوة على ذلك، يتقاطع التصميم الإقصائي بشكل مباشر مع الإطار القانوني لحقوق الإنسان، خاصة تلك المتعلقة بـ اتفاقية الأمم المتحدة لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، التي تشدد على ضرورة إزالة الحواجز البيئية والمادية لضمان المشاركة الكاملة. حتى لو لم يكن التصميم الإقصائي موجهًا ضد الإعاقة بشكل مباشر، فإن آلياته غالبًا ما تؤدي إلى نتائج تمييزية. فالتصميم الذي يهدف إلى منع التشرد، على سبيل المثال، قد يزيد أيضًا من صعوبة وصول الأشخاص الذين يستخدمون أدوات مساعدة طبية إلى الأسطح أو الأماكن التي أصبحت مائلة أو غير مستوية عمدًا.

يشير النقاد إلى أن تبرير التصميم الإقصائي غالبًا ما يتم تحت ستار “النظام” و “الأمن” و “الحفاظ على الممتلكات”، وهي مبررات تعمل كغطاء لإخفاء دوافع التطهير الاجتماعي والتنظيم الطبقي. إن استخدام التصميم لحل مشاكل اجتماعية معقدة (مثل التشرد أو الجريمة البسيطة) بدلاً من الاستثمار في الحلول الاجتماعية (مثل الإسكان الميسور التكلفة أو البرامج المجتمعية الشاملة) يمثل فشلًا أخلاقيًا في التعامل مع الأسباب الجذرية للتهميش. وبذلك، يتحول التصميم من أداة لتحسين الحياة إلى أداة لإنفاذ الانقسامات الطبقية والاجتماعية والحفاظ على الامتيازات لفئة دون غيرها.

6. العلاقة بالتصميم الشامل والتصميم العالمي

يُفهم التصميم الإقصائي بشكل أفضل من خلال مقارنته بمفاهيم التصميم الأكثر إيجابية، وهي التصميم الشامل و التصميم العالمي. يمثل التصميم الإقصائي قطبًا مضادًا لهما، حيث يعمل على عكس أهدافهما بشكل منهجي. يهدف التصميم العالمي (Universal Design)، الذي طوره المهندس المعماري رون ميس، إلى خلق بيئات ومنتجات قابلة للاستخدام من قبل جميع الناس، بأقصى قدر ممكن، دون الحاجة إلى تكييف أو تصميم متخصص. يعتمد هذا المنهج على سبعة مبادئ أساسية تركز على الإنصاف والمرونة وسهولة الاستخدام والفهم البسيط.

في المقابل، يهدف التصميم الإقصائي، سواء عن قصد أو عن طريق الإهمال المنهجي، إلى تقليل نطاق المستخدمين المسموح به أو المرغوب فيه. فبينما يبني التصميم العالمي الجسور لتمكين الوصول المتساوي وتسهيل الحياة على الفئات المتنوعة، يقوم التصميم الإقصائي ببناء حواجز لمنع مجموعات معينة من الوصول أو البقاء. على سبيل المثال، إذا كان التصميم العالمي يطالب بتركيب منحدرات ومصاعد لضمان وصول الكراسي المتحركة (الشمول)، فإن التصميم الإقصائي قد يختار عمدًا وضع حواجز في مسارات محددة لمنع وصول المتزلجين أو المشردين، أو تصميم أبواب ثقيلة يصعب على كبار السن أو الأطفال فتحها.

إن النقد الموجه للتصميم الإقصائي هو في جوهره دعوة إلى تبني منظور أخلاقي للتصميم يضع رفاهية الإنسان والعدالة الاجتماعية في صميم العملية الإبداعية. التصميم الشامل لا يركز فقط على الوظيفة، بل على النتائج الاجتماعية، ويدرك أن استبعاد أي مجموعة من استخدام الفضاء العام يقلل من قيمة ذلك الفضاء وقيمة المجتمع ككل. ولذلك، فإن دراسة التصميم الإقصائي ضرورية ليس فقط لتحديد المشكلة وتوثيق أشكالها، بل لتوجيه المصممين نحو تبني ممارسات أكثر مسؤولية اجتماعيًا تلتزم بمبادئ الإنصاف والشمولية كمتطلبات أساسية للتصميم الجيد والمستدام.

7. الجدل والانتقادات

يواجه التصميم الإقصائي جدلًا واسعًا، لا سيما فيما يتعلق بالمبررات التي تقدمها السلطات المحلية والشركات لاستخدامه. غالبًا ما يُقدم المبرر على أنه ضرورة عملية وليست أيديولوجية، حيث يزعم المدافعون أن هذه التدابير ضرورية للحفاظ على النظام الاقتصادي والاجتماعي. تشمل هذه المبررات الحجج المتعلقة بالأمن العام (منع الأنشطة الإجرامية أو التجمعات غير المرغوب فيها التي قد تُفهم على أنها تهديد)، والصيانة والتكلفة (تقليل الحاجة إلى تنظيف الفضاءات التي قد يستخدمها المشردون للإقامة الطويلة)، وإدارة المساحات (الحفاظ على المظهر الجمالي أو قيمة العقارات في المناطق التجارية والسكنية الفاخرة).

مع ذلك، يرفض النقاد هذه المبررات باعتبارها مجرد “تبريرات خبيثة” (Malign Justifications) تهدف إلى تجميل التمييز المنهجي. يشيرون إلى أن التركيز على التصميم الإقصائي هو في الواقع عملية تسييس للفضاء. بدلاً من معالجة المشاكل الاجتماعية بطرق إنسانية ومستدامة، يتم تفويض حل هذه المشاكل إلى كائنات جامدة – قطعة من المعدن أو تصميم مقعد – مما يعفي الحكومة أو المؤسسة من مسؤوليتها الاجتماعية والأخلاقية تجاه مواطنيها الأكثر ضعفاً. هذا التحول ينزع الطابع الإنساني عن الفئات المستهدفة، حيث يتم النظر إليهم كعناصر مادية يجب إزالتها بدلاً من مواطنين لديهم حقوق أساسية.

ويشمل النقد أيضًا فعالية هذه التصاميم على المدى الطويل. ففي كثير من الحالات، لا تؤدي الهندسة المعمارية العدائية إلى حل المشكلة، بل تدفع السلوك غير المرغوب فيه إلى مناطق أقل وضوحًا أو أكثر خطورة، مما يزيد من تهميش الأفراد المستهدفين ويجعلهم أكثر عرضة للخطر. على سبيل المثال، منع المشردين من النوم في الأماكن العامة لا يجعلهم يختفون، بل يجبرهم على البحث عن أماكن أكثر عزلة وخطورة، مما يفاقم الأزمة الإنسانية بدلاً من احتوائها. لذلك، يُنظر إلى التصميم الإقصائي على أنه حل سطحي وغير فعال يخدم المصالح الخاصة على حساب الصالح العام والعدالة الحضرية.

Further Reading