جدول إدواردز للتفضيلات الشخصية (EPPS) – Edwards Personal Preference Schedule (EPPS)

مقياس إدواردز للتفضيلات الشخصية (EPPS)

المجال (المجالات) التخصصية الأساسية: علم النفس، القياس النفسي، تقييم الشخصية

1. التعريف الجوهري

يمثل مقياس إدواردز للتفضيلات الشخصية (Edwards Personal Preference Schedule)، المعروف اختصاراً بـ EPPS، أحد الأدوات القياسية الرائدة في مجال تقييم الشخصية، وقد طُوّر بواسطة عالم النفس آلن إل. إدواردز في منتصف الخمسينيات من القرن العشرين. يهدف هذا المقياس بشكل أساسي إلى قياس قوة 15 حاجة نفسية أو دافعاً أساسياً لدى الفرد، وهي الحاجات التي استمدت بشكل مباشر من نظرية الحاجات الشهيرة التي وضعها هنري موراي (Henry Murray). ما يميز مقياس إدواردز ويجعله مهماً تاريخياً ومنهجياً هو اعتماده على صيغة الاختيار القسري (Forced-Choice Format).

تعتبر صيغة الاختيار القسري الميزة المنهجية الأكثر أهمية في مقياس EPPS، حيث تُقدم للمفحوص عبارات مزدوجة (كل زوج يمثل حاجتين مختلفتين) ويُطلب منه اختيار العبارة التي تصف تفضيله الشخصي أو شعوره بشكل أفضل، حتى لو شعر بأن كلتا العبارتين تصفه بدرجة ما أو لا تصفه على الإطلاق. كان الهدف الأساسي من تطبيق هذه المنهجية هو التغلب على مشكلة التحيز الاجتماعي أو الاستحسان الاجتماعي (Social Desirability)، وهي ميل الأفراد إلى تقديم استجابات تعكس صورة إيجابية ومقبولة اجتماعياً بدلاً من التعبير عن تفضيلاتهم الحقيقية. من خلال موازنة العبارات في كل زوج بناءً على قيمة استحسانها الاجتماعي، حاول إدواردز ضمان أن الاختيار يعكس قوة الحاجة الداخلية للفرد بدلاً من رغبته في الظهور بمظهر معين.

يُعد المقياس أداة تقييم داخلية الأفراد (Ipsative)، مما يعني أن النتائج لا تقيس كمية مطلقة من الحاجة لدى الفرد مقارنة بالآخرين (قياس معياري)، بل تقيس القوة النسبية لحاجة معينة مقارنة بالحاجات الأخرى داخل نفس الفرد. هذا الجانب المنهجي له تبعات عميقة على كيفية تفسير النتائج واستخدامها في الأبحاث والتطبيق، خاصة فيما يتعلق بالقيود الإحصائية المرتبطة بالبيانات الداخلية.

2. الأسس النظرية والتطور التاريخي

تأسس مقياس إدواردز بشكل مباشر على نظرية علم الشخصية (Personology) التي طورها هنري موراي في ثلاثينيات القرن العشرين، وهي نظرية تركز على مفهوم الحاجة (Need) كقوة بيولوجية أو نفسية تنظم الإدراك والسلوك بهدف تغيير وضع غير مرضي أو الاحتفاظ بوضع مرضي. حدد موراي قائمة واسعة من الحاجات البشرية، والتي قسّمها إدواردز إلى 15 حاجة أساسية يمكن قياسها بشكل موثوق في سياق اختبار ذاتي التقرير.

ظهر مقياس EPPS لأول مرة في عام 1954، وجاء استجابةً مباشرة للنقد الموجه لأدوات تقييم الشخصية السابقة، مثل بعض أجزاء اختبار مينيسوتا المتعدد الأوجه للشخصية (MMPI)، والتي كانت عرضة بشكل كبير لتأثير الاستحسان الاجتماعي. لاحظ إدواردز أن الأفراد يميلون إلى اختيار العبارات التي تحمل قيمة اجتماعية أعلى، مما يقلل من صدق المقياس. ولحل هذه المشكلة، قام إدواردز بإجراء دراسات دقيقة لتقييم قيمة الاستحسان الاجتماعي لكل عبارة من عبارات المقياس قبل دمجها في الأزواج القسرية.

كان الدافع وراء تطوير EPPS مزدوجاً: أولاً، توفير أداة تقييم تعتمد على إطار نظري راسخ (نظرية موراي)؛ وثانياً، تحسين الخصائص السيكومترية للأداة من خلال تقليل التباين الناتج عن متغيرات الاستجابة غير المتعلقة بالسمة المقاسة. على الرغم من أن المقياس لم يكن الأول الذي يستخدم صيغة الاختيار القسري، إلا أنه كان من أبرز الأمثلة وأكثرها تأثيراً في مجال تقييم الحاجات والدوافع الشخصية، مما ساهم في فتح نقاشات معمقة حول التوازن بين التحكم في التحيز الاجتماعي والحفاظ على استقلالية المقاييس.

3. مكونات المقياس وحاجات موراي الخمسة عشر

يتكون مقياس EPPS في صورته النهائية من 225 بنداً. يتمثل جوهر المقياس في 210 أزواج من العبارات التي تقارن بين جميع الحاجات الخمسة عشر في جميع التوليفات الممكنة. بالإضافة إلى هذه الأزواج الـ 210، يشتمل المقياس على 15 زوجاً مكرراً تستخدم كـ مقياس الاتساق (Consistency Scale) لتقييم مدى تباين استجابات المفحوص، مما يساعد في تحديد ما إذا كان الفرد يجيب بشكل عشوائي أو غير متسق.

تقيس الأزواج الـ 210 القوة النسبية للحاجات الخمسة عشر الأساسية التي استمدت من قائمة موراي. هذه الحاجات، التي تمثل دوافع سلوكية أساسية، هي:

  • الإنجاز (Achievement): الرغبة في النجاح، التفوق على الذات، والتغلب على العقبات.
  • الخضوع/الطاعة (Deference): إطاعة الآخرين، العمل بما يتوافق مع توقعاتهم، واتباع القواعد.
  • النظام (Order): التخطيط، التنظيم، الحفاظ على النظافة والدقة.
  • الاستعراض/الإظهار (Exhibition): الرغبة في لفت الانتباه، أن يكون محط الأنظار، وإثارة الآخرين.
  • الاستقلال الذاتي (Autonomy): مقاومة النفوذ، الاستقلال عن الواجبات، والحرية في اتخاذ القرارات.
  • الارتباط/المصاحبة (Affiliation): تكوين صداقات، قضاء الوقت مع الآخرين، والحفاظ على علاقات ودية.
  • الاستبطان (Intraception): تحليل المشاعر والدوافع، وفهم الآخرين.
  • التوسل/المساندة (Succorance): البحث عن التعاطف والدعم والمساعدة من الآخرين.
  • السيطرة/الهيمنة (Dominance): التأثير على الآخرين، قيادة المجموعات، والإشراف على سلوك الآخرين.
  • التقليل من الذات/التواضع (Abasement): الشعور بالذنب، قبول اللوم، والبحث عن العقاب.
  • الرعاية/التنشئة (Nurturance): مساعدة الآخرين، العطف عليهم، وتلبية احتياجاتهم.
  • التغيير (Change): البحث عن الجديد، تجربة أشياء مختلفة، وتجنب الروتين.
  • التحمل/المثابرة (Endurance): العمل الجاد، إكمال المهام، والاستمرار في العمل رغم الصعوبات.
  • المغايرة/الجنس الآخر (Heterosexuality): الانخراط في أنشطة جنسية أو تكوين علاقات مع الجنس الآخر.
  • العدوان (Aggression): الهجوم على الآخرين، السخرية منهم، وإظهار الغضب.

يتم تسجيل الاستجابات عن طريق عد المرات التي يختار فيها المفحوص عبارة مرتبطة بحاجة معينة، مما يوفر في النهاية درجة خام لكل من هذه الحاجات الخمسة عشر، بالإضافة إلى درجة الاتساق.

4. المنهجية وطريقة التطبيق

تعتمد منهجية مقياس EPPS على مقارنة كل حاجة بجميع الحاجات الأربعة عشر الأخرى، مما ينتج عنه 105 أزواج فريدة، تضاف إليها الأزواج المكررة. تتطلب الإجابة على المقياس عادةً من 40 إلى 50 دقيقة. يتميز التطبيق بكونه بسيطاً نسبياً، حيث يُطلب من المفحوص ببساطة وضع علامة على العبارة الأكثر تفضيلاً في كل زوج.

تكمن القوة المنهجية لمقياس EPPS في طريقة بناء الأزواج. قبل وضع المقياس النهائي، قام إدواردز بقياس قيمة الاستحسان الاجتماعي لكل عبارة بشكل منفصل. في كل زوج قسري، يتم مطابقة عبارتين لهما تقريباً نفس القيمة المتوسطة للاستحسان الاجتماعي. على سبيل المثال، قد يتم وضع عبارة “أحب أن أكون قائداً لمجموعة” (التي قد تكون ذات استحسان اجتماعي عالٍ) مقابل عبارة أخرى ذات استحسان اجتماعي مماثل، مثل “أحب أن أنهي المهام الصعبة التي أبدؤها”. يضمن هذا التوازن أن قرار المفحوص لا يعتمد على ما هو “جيد” اجتماعياً، بل على القوة الفعلية للدافع الداخلي.

ومع ذلك، فإن طبيعة القياس الداخلية (Ipsative Measurement) هي نقطة محورية في التفسير. عندما يرتفع مقياس معين، يجب بالضرورة أن ينخفض مقياس آخر، لأن الدرجات تعكس توزيعاً داخلياً للطاقة الدافعية للفرد. هذا يعني أنه لا يمكن القول إن شخصاً ما لديه “درجة عالية” من الحاجة إلى الإنجاز مقارنة بالشخص العادي، بل يمكن القول إن الحاجة إلى الإنجاز لديه أقوى نسبياً من حاجته إلى السيطرة أو الرعاية، على سبيل المثال. هذه الخاصية تجعل مقارنة الدرجات بين الأفراد أمراً معقداً، وتحد من استخدام الأساليب الإحصائية التقليدية التي تتطلب استقلال المتغيرات.

5. الخصائص السيكومترية والموثوقية

حظي مقياس EPPS باهتمام كبير من حيث خصائصه السيكومترية، خاصة فيما يتعلق بجهود إدواردز للتحكم في التحيز. أظهرت الأبحاث أن المقياس يتمتع بمستويات مقبولة من الموثوقية (Reliability)، بما في ذلك الاتساق الداخلي (Internal Consistency) و إعادة الاختبار (Test-Retest Reliability)، على الرغم من تباين هذه القيم بين الحاجات المختلفة.

فيما يخص الصدق (Validity)، كانت الجهود مركزة على صدق البناء وصدق المحك. نجح إدواردز في إظهار أن ارتباط درجات EPPS بـ مقياس الاستحسان الاجتماعي (SDS) كان أقل بكثير مما لوحظ في مقاييس شخصية أخرى تستخدم صيغة الاستجابة الحرة، مما يؤكد فعالية آلية الاختيار القسري في تقليل تأثير الاستحسان الاجتماعي. ومع ذلك، أثيرت تساؤلات حول صدق البناء، خاصة فيما يتعلق بمدى استقلال الحاجات الخمسة عشر عن بعضها البعض.

أظهرت التحليلات العاملية (Factor Analyses) أن الحاجات ليست دائماً مستقلة كما كان متوقعاً نظرياً، حيث تميل بعض الحاجات إلى التجمع معاً (مثل الارتباط والرعاية). هذا التداخل قد يكون جزئياً ناتجاً عن الطبيعة الداخلية للقياس، حيث يؤدي ارتفاع درجة ما إلى سحب درجة أخرى بالضرورة. كما أن الاعتماد على نظرية موراي يعني أن الصدق يعتمد بشكل كبير على مدى قبول الإطار النظري الأساسي لتلك النظرية.

6. التطبيقات والاستخدامات العملية

يجد مقياس إدواردز للتفضيلات الشخصية استخداماً واسعاً في مجالات متعددة، أبرزها التوجيه والإرشاد المهني و الاستشارات الشخصية و البحث الأكاديمي.

في مجال التوجيه المهني، يساعد المقياس الأفراد على فهم دوافعهم الجوهرية (ما الذي يدفعهم للعمل أو النجاح) ومقارنة ملفهم الشخصي للحاجات بملفات الحاجات النموذجية المرتبطة بمهن معينة. على سبيل المثال، قد يشير ارتفاع في حاجتي الإنجاز والتحمل وانخفاض في حاجة الرعاية إلى التوافق مع مهن تتطلب العمل الفردي والمثابرة العالية. بينما يشير ارتفاع حاجة الارتباط والرعاية إلى التوافق مع المهن الخدمية أو الإنسانية.

في الأوساط الأكاديمية والبحثية، يُستخدم المقياس لدراسة العلاقة بين دوافع الحاجات والسلوكيات المختلفة، مثل الأداء الأكاديمي، الرضا الوظيفي، وأنماط القيادة. كما تم استخدامه في دراسات مقارنة بين الثقافات لفهم الاختلافات في أولويات الحاجات بين مجموعات سكانية مختلفة. ورغم ظهور مقاييس أحدث، يظل EPPS أداة مرجعية مهمة في دراسة نظرية الحاجات لموراي.

7. الانتقادات والقيود

على الرغم من أهميته التاريخية وجهوده المنهجية، واجه مقياس EPPS عدداً من الانتقادات الجوهرية التي حدت من انتشاره وتطبيقه في العقود الأخيرة.

أبرز هذه الانتقادات تتعلق بـ الطبيعة الداخلية للقياس (Ipsative Nature). حيث يرى النقاد أن البيانات الداخلية لا تسمح بإجراء مقارنات بين الأفراد بشكل صحيح، وتؤدي إلى علاقات ارتباط سالبة مصطنعة بين المقاييس. على سبيل المثال، إذا كان الفرد يختار باستمرار عبارات الإنجاز، فإن فرصة اختياره لعبارات السيطرة تقل بشكل منهجي، بغض النظر عما إذا كان لديه دافع قوي للسيطرة في المطلق. هذا يجعل استخدام المقياس في عمليات الاختيار (حيث تتطلب المقارنة بين المرشحين) أمراً صعباً ومحفوفاً بالمخاطر.

كما شكك النقاد في مدى نجاح آلية الاختيار القسري في القضاء التام على التحيز الاجتماعي. على الرغم من أن إدواردز وازن بين العبارات بناءً على متوسط قيم الاستحسان الاجتماعي، فإن هذا المتوسط قد لا ينطبق على كل فرد على حدة. بالإضافة إلى ذلك، لا يزال بإمكان المفحوصين تزوير استجاباتهم إذا كانوا يعرفون أي الحاجات تعتبر مرغوبة اجتماعياً في سياق معين، مما يؤدي إلى ما يُعرف بـ التزييف الناجح (Successful Faking).

وأخيراً، أشارت بعض الدراسات إلى وجود تداخل كبير بين بعض مقاييس الحاجات، مما يثير تساؤلات حول التمييز المفاهيمي بينها، خاصة عند استخدام التحليل العاملي. كما أن معايير (Norms) المقياس أصبحت قديمة نسبياً في العديد من الإصدارات، مما يقلل من دقة مقارنة الدرجات الفردية بالسكان المعاصرين.

8. قراءات إضافية