خلل الحركة الرنثي – dyskinetic dysarthria

خلل الحركة العسر الحركي (Dyskinetic Dysarthria)

المجالات التخصصية الأساسية: علم أمراض النطق واللغة، طب الأعصاب، علم الحركة.

التعريف الجوهري والتصنيف

يمثل خلل الحركة العسر الحركي (Dyskinetic Dysarthria) فئة متخصصة ومعقدة ضمن مجموعة اضطرابات عسر النطق (Dysarthria)، والتي تُعرّف بشكل عام على أنها مجموعة من اضطرابات الكلام الناتجة عن خلل عصبي في التحكم العضلي في آلية الكلام. يتميز هذا النوع تحديدًا باضطراب في جودة الصوت وطلاقة النطق نتيجة لخلل في التحكم الحركي اللاإرادي، والذي ينجم عادةً عن إصابة أو خلل وظيفي في العقد القاعدية (Basal Ganglia) أو المسارات العصبية المرتبطة بها. يُصنف خلل الحركة العسر الحركي تقليديًا إلى فئتين رئيسيتين: العسر الحركي المفرط (Hyperkinetic Dysarthria) والعسر الحركي الناقص (Hypokinetic Dysarthria)، على الرغم من أن المصطلح “ديسكينيتيك” غالبًا ما يرتبط بشكل أوثق بالأنماط المفرطة التي تتميز بالحركات الزائدة وغير المرغوب فيها.

تعتبر العقد القاعدية هي الهياكل العصبية المسؤولة عن تنظيم البدء، والتعديل، وإنهاء الحركات الإرادية، بالإضافة إلى تثبيط الحركات غير المرغوب فيها. عندما يحدث خلل في هذه الدوائر المعقدة، يفقد نظام الكلام قدرته على إنتاج حركات دقيقة ومنظمة وذات توقيت مناسب، مما يؤدي إلى ظهور حركات عضلية لاإرادية تؤثر سلبًا على جميع الأنظمة الفرعية للكلام، وهي: التنفس، النطق (البلعمة)، الرنين، والمفصلة. إن فهم هذا الاضطراب يتطلب إدراكًا عميقًا للعلاقة بين الدوائر العصبية المتحكمة في الحركة وآلية إنتاج الكلام البشري. إن خلل الحركة العسر الحركي لا يتعلق باللغة نفسها (Aphasia)، بل يتعلق حصريًا بالتنفيذ الحركي لعملية النطق، مما يجعله اضطرابًا حركيًا نقيًا في جوهره.

تجدر الإشارة إلى أن التصنيف التقليدي لعسر النطق، والذي وضعه د. دارلي، آرونسون، و براون (Darley, Aronson, & Brown) في السبعينيات، كان أساسيًا في فصل هذا النوع عن الأنواع الأخرى مثل الرنحي (Ataxic) والتشنجي (Spastic). ضمن هذا الإطار، يُنظر إلى العسر الحركي المفرط على أنه نتيجة لحركات زائدة (مثل الرقاص أو الكنع)، بينما يُنظر إلى العسر الحركي الناقص (المرتبط بمرض باركنسون) على أنه ناتج عن نقص في الحركة وبطء في بدئها وسعتها. ومع ذلك، يستخدم بعض الأطباء مصطلح “ديسكينيتيك” بشكل شامل للإشارة إلى كليهما عندما يكون الخلل ناتجًا عن اضطراب في وظائف العقد القاعدية، سواء كان الخلل يتمثل في الإفراط أو النقص في النشاط الحركي، مما يعكس الاعتماد المشترك على سلامة النظام خارج الهرمي.

الخلفية التاريخية والتطور

يعود تاريخ دراسة اضطرابات عسر النطق بشكل عام إلى القرن التاسع عشر، لكن التوصيف الدقيق والتصنيف التفصيلي لـ خلل الحركة العسر الحركي ككيان سريري مستقل حدث بشكل رئيسي في منتصف القرن العشرين. كان العمل الرائد الذي قام به الباحثون في عيادة مايو كلينيك (Mayo Clinic)، وتحديداً دارلي وزملاؤه، هو الذي أسس المنهجية الوصفية السمعية-الإدراكية التي مكنت من التفريق بين أنواع عسر النطق بناءً على الخصائص الصوتية المتميزة. قبل هذا التصنيف، كانت اضطرابات الكلام الحركية غالبًا ما تُجمع تحت مظلات تشخيصية واسعة وغير دقيقة، مما يعيق فهم الآليات العصبية الكامنة والتدخلات العلاجية المستهدفة.

في الستينيات والسبعينيات، أجرى دارلي و آرونسون و براون دراسات مكثفة شملت مئات المرضى الذين يعانون من آفات عصبية مختلفة. لقد استخدموا تقييمات إدراكية منهجية لوصف الأبعاد الصوتية (مثل الجهارة، النغمة، الجودة، الدقة المفصلية) لكل مجموعة مرضية. هذه الأبحاث سمحت لهم بعزل مجموعتين رئيسيتين ضمن اضطرابات العقد القاعدية: المجموعة المرتبطة بالحركات البطيئة والجامدة (العسر الحركي الناقص، المرتبط بمرض باركنسون)، والمجموعة المرتبطة بالحركات اللاإرادية السريعة أو البطيئة وغير المنتظمة (العسر الحركي المفرط، المرتبط بالرقاص أو خلل التوتر). هذا الفصل كان حاسمًا لربط الأعراض الكلامية بآليات عصبية محددة، مما وفر الأساس الذي يقوم عليه علم أمراض النطق العصبي الحديث.

التطورات اللاحقة، خاصة مع ظهور تقنيات التصوير بالرنين المغناطيسي (MRI) والمقاييس الصوتية (Acoustic Measures)، أتاحت للباحثين تعميق فهمهم للارتباطات العصبية الفيزيولوجية. أصبحت دراسة الدوائر العصبية المحددة داخل العقد القاعدية، مثل المسار المباشر والمسار غير المباشر، حاسمة في تفسير سبب ظهور الحركات المفرطة في بعض الحالات (مثل زيادة نشاط المسار المباشر) ونقص الحركة في حالات أخرى (مثل نقص نشاط المسار المباشر أو زيادة نشاط المسار غير المباشر). هذه التطورات لم تؤكد فقط التصنيفات السريرية القديمة، بل وفرت أيضًا أساسًا ميكانيكيًا حيويًا لها، مما سمح بوضع فرضيات علاجية أكثر دقة تستهدف النواقل العصبية المحددة.

الآليات الفيزيولوجية العصبية

تنبع الخصائص المميزة لـ خلل الحركة العسر الحركي مباشرة من الخلل الوظيفي في العقد القاعدية، وهي مجموعة من النوى تحت القشرية التي تلعب دورًا محوريًا في اختيار الحركة، وتوقيتها، وتثبيط الحركات المتنافسة. يتكون النظام الحركي للعقد القاعدية من مدخلات قشرية، ومعالجة داخلية عبر المخطط (Striatum)، والكرة الشاحبة (Globus Pallidus)، والنواة تحت المهادية (Subthalamic Nucleus)، ومخرجات عبر المهاد (Thalamus) تعود إلى القشرة الحركية. إن التوازن الدقيق بين مسارات الإثارة والمسارات المثبطة هو ما يضمن إنتاج كلام سلس ومنظم، حيث تسمح وظيفتها الرئيسية بـ “فلترة” الإشارات الحركية المتضاربة قبل تنفيذها.

في حالات العسر الحركي المفرط، يحدث خلل يؤدي إلى زيادة النشاط الحركي. غالبًا ما يكون هذا بسبب انخفاض في التثبيط المفروض على المهاد، مما يسمح بإرسال إشارات حركية زائدة إلى القشرة. فمثلاً، في مرض الرقاص (مثل داء هنتنغتون)، يؤدي تنكس الخلايا العصبية المثبطة في المخطط إلى تفعيل مفرط للمسار المباشر، مما يؤدي إلى حركات لاإرادية سريعة ومفاجئة (Kinesias) تؤثر على الحنجرة وعضلات النطق. هذه الحركات المتقطعة تسبب انقطاعات مفاجئة في الصوت، أو تغييرات غير متوقعة في النغمة والجهارة، أو حتى تشنجات عنيفة في عضلات الجهاز التنفسي، مما يعكس فقدان التام لسيطرة الدوائر التثبيطية.

أما في العسر الحركي الناقص، فالآلية الأساسية هي نقص الدوبامين، كما هو الحال في مرض باركنسون. يؤدي نقص الدوبامين إلى زيادة تثبيط المسار المباشر وزيادة تفعيل المسار غير المباشر، والنتيجة هي زيادة التثبيط على المهاد. وهذا ينتج عنه صعوبة في بدء الحركة، وبطء في التنفيذ (Bradykinesia)، ونقص في سعة الحركة (Hypokinesia). وعندما ينطبق هذا على الكلام، نرى انخفاضًا في مدى حركة الشفاه واللسان والحنجرة، مما يؤدي إلى كلام خافت، أحادي النغمة، وبوتيرة سريعة (Festinating Speech) مع فقدان الدقة المفصلية. يتميز هذا النمط بقلة التعبير الحركي، حيث تبدو العضلات متصلبة ومقيدة الحركة بشكل مستمر.

الخصائص السريرية والمظاهر الصوتية

تختلف الخصائص السريرية لـ خلل الحركة العسر الحركي بشكل كبير اعتمادًا على ما إذا كان مفرطًا أو ناقصًا. ومع ذلك، تشترك جميع الأنماط في تأثيرها المدمر على جودة النطق، مما يجعل فهم المظاهر الصوتية والإدراكية أمرًا ضروريًا للتشخيص السريري. في العسر الحركي المفرط، تكون المظاهر الصوتية غير منتظمة وغير متوقعة بشكل أساسي. قد يظهر المرضى بتغيرات مفاجئة وعشوائية في درجة الصوت (Pitch Breaks)، أو انقطاعات غير منتظمة في النطق بسبب تشنجات حنجرية لاإرادية (Laryngeal Spasms)، أو جهارة صوتية متقلبة تتراوح فجأة بين الهمس والصراخ. التوقيت يكون مضطربًا بشدة، حيث تتخلل الكلام فترات صمت غير متوقعة أو إطالة غير طبيعية للأصوات والحروف الساكنة. غالبًا ما يوصف الكلام بأنه قاسٍ، أو خشن، أو متقطع (Strained-strangled quality)، مما يعكس الجهود المضنية التي يبذلها المريض للسيطرة على الحركات الخارجة عن إرادته.

بالمقابل، يتميز العسر الحركي الناقص (المرتبط غالبًا بمرض باركنسون) بمجموعة متسقة من الأعراض التي تعكس نقص الحركة والجمود. تكون المظاهر الصوتية موحدة ومستقرة، ولكنها ضعيفة وضعيفة السعة. يشمل ذلك أحادية الصوت (Monopitch) وأحادية الجهارة (Monoloudness)، حيث يفقد المريض القدرة على التعبير العاطفي من خلال تغييرات النغمة أو الجهارة (Aprosody). تكون المفصلة غير دقيقة بسبب نقص سعة حركة أعضاء النطق (Micrographia of speech)، وغالبًا ما يتسارع معدل النطق بشكل غير طبيعي مع اقتراب نهاية الجملة (Festination)، مما يجعل الكلام غير مفهوم وغير واضح، ويشبه الرطن السريع. قد يكون التنفس سطحيًا وغير كافٍ لدعم الجمل الطويلة، مما يقلل من الدعم اللازم لإنتاج صوت قوي ومستمر.

إن قياس هذه المظاهر يتطلب استخدام كل من التقييم السمعي-الإدراكي والتحليل الصوتي الموضوعي. التحليل الصوتي (Acoustic Analysis) يساعد في تحديد مدى التذبذب في التردد الأساسي (F0)، ومدة المقاطع، والتغيرات في سعة الموجة. هذه الأدوات الموضوعية تؤكد الملاحظات السريرية، حيث تظهر رسوم الموجات الصوتية لمرضى العسر الحركي المفرط تذبذبًا عشوائيًا وعنيفًا في المعلمات الصوتية، بينما تظهر رسوم مرضى العسر الحركي الناقص نطاقًا ضيقًا ومحدودًا للغاية في جميع المتغيرات الصوتية، مما يؤكد الافتقار إلى الديناميكية الحركية.

الأنماط الفرعية لخلل الحركة العسر الحركي

على الرغم من أن التقسيم الأساسي هو إلى مفرط وناقص، فإن خلل الحركة العسر الحركي يشمل مجموعة واسعة من الأنماط الفرعية التي تعكس تنوع الاضطرابات العصبية الأساسية. هذه الأنماط الفرعية ضرورية للتشخيص التفريقي الدقيق وتوجيه خطط العلاج لأن كل نمط يتطلب استراتيجيات تدخل مختلفة تمامًا.

  • العسر الحركي المفرط: الرقاصي (Choreic): يتميز بحركات سريعة ومفاجئة لاإرادية (رقاص). يؤدي هذا إلى انقطاعات صوتية مفاجئة، وإطالة غير منتظمة للمقاطع، وتغيرات غير متوقعة في الجهارة. يرتبط غالباً بداء هنتنغتون، حيث تكون الحركات قصيرة وعنيفة وتؤثر على جميع أنظمة الكلام بشكل عشوائي.
  • العسر الحركي المفرط: الكنعي (Athetoid): يتميز بحركات بطيئة وتلوية لاإرادية، غالبًا ما تكون أكثر وضوحًا في الأطراف، لكنها تؤثر على النطق. يؤدي إلى جودة صوت متوترة ومتقطعة، مع تذبذبات بطيئة في النغمة والجهارة. يرتبط غالبًا بأشكال معينة من الشلل الدماغي، حيث تبدو العضلات وكأنها تتلوى وتتغير وضعيتها ببطء.
  • العسر الحركي المفرط: خلل التوتر (Dystonic): يتميز بانقباضات عضلية مستمرة ومطولة تؤدي إلى وضعيات غير طبيعية. عندما يؤثر على الحنجرة (خلل التوتر الحنجري)، ينتج عنه صوت خشن ومجهد (Strained-strangled) بسبب الإغلاق المفرط للأحبال الصوتية. التكرار يكون بطيئًا وغير منتظم. هذا النمط يشكل تحديًا خاصًا في العلاج ويتطلب أحيانًا حقن البوتوكس للسيطرة على التشنجات الحنجرية.
  • العسر الحركي الناقص (Hypokinetic): النمط الفرعي الرئيسي هو المرتبط بمرض باركنسون. يتميز ببطء الحركة (Bradykinesia) ونقص سعة الحركة (Hypokinesia)، مما يؤدي إلى كلام خافت، أحادي النغمة، وتسارع في المعدل (Festination). هذا هو النوع الوحيد من عسر النطق الذي يتميز بزيادة معدل النطق بدلاً من تباطؤه أو عدم انتظامه.

الأسباب وعوامل الخطر

تنجم جميع حالات خلل الحركة العسر الحركي عن آفات تصيب نظام العقد القاعدية أو دوائره التنظيمية، ما يشير إلى أن أي مرض يؤثر على النظام خارج الهرمي يمكن أن يسبب هذا الاضطراب. تختلف الأسباب حسب النمط الفرعي، مما يؤكد أهمية التشخيص العصبي التفريقي:

  1. مرض باركنسون (Parkinson’s Disease): هو السبب الأكثر شيوعًا للعسر الحركي الناقص. ينتج عن تنكس الخلايا العصبية المنتجة للدوبامين في المادة السوداء (Substantia Nigra)، مما يعطل التوازن الحركي ويؤدي إلى تصلب وبطء الحركة.
  2. داء هنتنغتون (Huntington’s Disease): هو السبب الرئيسي للعسر الحركي المفرط (الرقاصي). وهو مرض وراثي عصبي يؤدي إلى تنكس الخلايا العصبية في المخطط، مما يسبب حركات لاإرادية مفرطة وغير منضبطة.
  3. السكتات الدماغية والآفات الوعائية (Strokes): يمكن أن تؤدي الآفات الوعائية التي تصيب العقد القاعدية، وخاصة النواة تحت المهادية، إلى ظهور خلل حركي حاد ومفاجئ، مثل الكنع النصفي (Hemiballismus)، والذي يسبب عسر نطق مفرطًا يتسم بحركات رمي عنيفة.
  4. الأمراض الأيضية والتنكسية الأخرى: مثل داء ويلسون (Wilson’s Disease)، وهو اضطراب في أيض النحاس، أو التسمم بالمنغنيز، أو بعض الاضطرابات التنكسية الوراثية التي تؤثر على توازن النواقل العصبية في الدوائر تحت القشرية، وكلها تسبب اختلالًا في وظيفة العقد القاعدية.
  5. الآثار الجانبية للأدوية (Tardive Dyskinesia): يمكن لبعض الأدوية النفسية (خاصة مضادات الذهان طويلة الأمد) أن تسبب حركات لاإرادية متأخرة تؤدي إلى عسر نطق مفرط، وهو عادة ما يكون عابرًا أو يمكن التحكم فيه بتعديل الجرعات أو إيقاف الدواء المسبب.

التقييم والتشخيص التفريقي

يتطلب تشخيص خلل الحركة العسر الحركي عملية تقييم شاملة تتضمن التاريخ الطبي المفصل، والفحص العصبي، والتقييم السريري للكلام. يبدأ التقييم بتحديد ما إذا كان الاضطراب حركيًا (Dysarthria) وليس لغويًا أو تخطيطيًا (Apraxia of Speech). بعد ذلك، يركز اختصاصي أمراض النطق واللغة على تحديد النمط الدقيق (مفرط أو ناقص) باستخدام أدوات تقييم موحدة، والتي ترصد الخصائص الإدراكية السمعية التي تميز كل نوع.

تشمل أدوات التقييم السريري: فحص القدرة على الأداء الحركي غير الكلامي (مثل حركة اللسان والشفاه بسرعة)، وتقييم الأداء الحركي الكلامي (مثل تكرار المقاطع الصوتية بسرعة وكفاءة – Diadochokinetic Rate). يتم قياس الخصائص الصوتية السمعية-الإدراكية عبر مهام كلامية مختلفة، مثل القراءة، والكلام التلقائي، وإطالة حرف متحرك (Sustained Vowel Phonation). من الضروري إجراء تشخيص تفريقي دقيق للفصل بين خلل الحركة الناقص (الذي يتميز بالجمود والبطء) والأنواع الأخرى التي قد تشترك في بعض الأعراض، مثل العسر الرنحي (Ataxic Dysarthria)، الذي يتميز باللغة المتفجرة وغير المنتظمة الناتجة عن خلل في المخيخ، على الرغم من أن كليهما يظهران اضطرابًا في التنسيق.

يعتمد التشخيص النهائي على مزيج من الملاحظات السريرية المنهجية، والبيانات الصوتية الموضوعية التي توفر مقاييس قابلة للتكميم لشدة الاضطراب، ونتائج التصوير العصبي التي تؤكد وجود آفة في العقد القاعدية أو المسارات المرتبطة بها. يعد تحديد النمط الفرعي (رقاص، خلل توتر، باركنسوني) أمرًا حيويًا، لأنه يوجه الفريق الطبي نحو علاج الحالة العصبية الأساسية التي غالبًا ما تكون العامل المحدد للتحسن في الكلام، حيث أن التدخل الدوائي الفعال يمكن أن يخفف بشكل كبير من أعراض عسر النطق.

الإدارة والعلاج

تعتبر إدارة خلل الحركة العسر الحركي تحديًا متعدد التخصصات يشمل أطباء الأعصاب، واختصاصيي أمراض النطق واللغة، والمعالجين الفيزيائيين. يهدف العلاج إلى تحسين وضوح الكلام، وزيادة القدرة التواصلية الوظيفية، وتقليل التأثير السلبي للاضطراب على جودة حياة المريض، مع التركيز على التعويض أو الاستعادة الحركية.

بالنسبة لـ العسر الحركي الناقص (المرتبط بمرض باركنسون)، يركز العلاج على زيادة سعة الحركة (Loudness and Articulation Amplitude). برامج مثل LSVT LOUD (Lee Silverman Voice Treatment) أثبتت فعاليتها بشكل كبير، حيث تدرب المرضى على استخدام نبرة صوت أعلى وأكثر قوة لتعويض النقص في سعة الحركة. كما يتم استخدام تمارين التنفس لدعم تدفق الهواء بشكل كافٍ لإنتاج كلام قوي. أما في حالات العسر الحركي المفرط، فإن التحدي يكمن في السيطرة على الحركات اللاإرادية. غالبًا ما يكون العلاج الدوائي للتحكم في الرقاص أو خلل التوتر (مثل استخدام مضادات الدوبامين أو عوامل أخرى) هو الخطوة الأولى الأكثر أهمية. يركز علاج النطق في هذه الحالة على تقنيات الإيقاع والتوقيت، مثل استخدام أجهزة تحديد الإيقاع (Pacing Boards) للمساعدة في تنظيم سرعة النطق وتقليل التقطعات الناتجة عن الحركات المفاجئة.

في الحالات الشديدة والمقاومة للعلاج الدوائي، قد يتم اللجوء إلى التدخلات الجراحية، مثل التحفيز العميق للدماغ (Deep Brain Stimulation – DBS)، خاصة في حالات مرض باركنسون المتقدم أو بعض حالات خلل التوتر. يمكن أن يؤدي التحفيز العميق للدماغ إلى تحسن ملحوظ في السيطرة الحركية العامة، مما ينعكس إيجابًا على وظيفة الكلام، رغم أن التأثير على النطق قد يكون متغيرًا ويحتاج إلى متابعة دقيقة بواسطة اختصاصي النطق لضمان عدم حدوث آثار جانبية مثل زيادة عسر النطق الرنحي. كما أن استخدام طرق الاتصال البديلة أو المعززة (AAC) يصبح ضروريًا في المراحل المتأخرة لبعض الأمراض التنكسية.

الأهمية والتأثير الأكاديمي والسريري

تكمن أهمية دراسة خلل الحركة العسر الحركي في كونه نافذة لفهم العلاقة المعقدة بين التحكم العصبي في الحركة وإنتاج الكلام. إن التوصيف الدقيق لأنماطه الفرعية لا يخدم فقط أغراض التشخيص والعلاج، بل يساهم أيضًا في رسم خرائط وظيفية دقيقة للعقد القاعدية وتأثيرها التنظيمي على السلوكيات الحركية المعقدة. إن الاضطرابات التي تسبب هذا النوع من عسر النطق، مثل داء باركنسون، توفر نماذج حية لدراسة تأثير اختلال الناقلات العصبية على التنفيذ الحركي الدقيق.

على المستوى السريري، يعد التشخيص الصحيح لـ خلل الحركة العسر الحركي أمرًا بالغ الأهمية، حيث أن أعراضه قد تكون أول مؤشر على مرض عصبي تنكسي خطير (مثل باركنسون أو هنتنغتون) يتطلب تدخلاً طبيًا عاجلاً. بالتالي، فإن قدرة اختصاصي النطق على تحديد النمط الدقيق لعسر النطق تمكن الفريق الطبي من بدء التدخلات الدوائية والعلاجية المناسبة في مرحلة مبكرة، مما قد يبطئ من تطور الأعراض. كما أن التحديات الفريدة التي يطرحها كل نمط فرعي (سواء السيطرة على الحركات اللاإرادية أو تعويض نقص السعة الحركية) تدفع عجلة البحث نحو تطوير استراتيجيات علاجية مبتكرة وأكثر استهدافًا، مثل استخدام التكنولوجيا الحيوية والواجهات العصبية في المستقبل.

Debates and Criticisms

على الرغم من رسوخ تصنيف دارلي وزملاؤه، لا تزال هناك نقاشات أكاديمية حول دقة وشمولية تصنيف خلل الحركة العسر الحركي. يتمثل أحد الانتقادات الرئيسية في أن التصنيف السمعي-الإدراكي قد لا يكون دائمًا قادرًا على فصل الأنماط النقية لعسر النطق، خاصة عندما تتداخل الآفات العصبية (كما في عسر النطق المختلط). فبعض الأمراض، مثل الشلل الدماغي، قد تسبب خصائص مختلطة تجمع بين التشنج والخلل الحركي المفرط.

هناك أيضًا جدل مستمر حول مدى ملاءمة تصنيف العسر الحركي الناقص (المرتبط بباركنسون) ضمن فئة “ديسكينيتيك” الواسعة. فبينما يتميز العسر الحركي المفرط بحركات “غير طبيعية” (Dyskinesia) واضحة، فإن العسر الحركي الناقص يتميز بـ “نقص الحركة” (Hypokinesia). يجادل بعض الباحثين بأن هذه الفروق الكبيرة في الآلية والمظهر السريري تستوجب فصلًا تشخيصيًا أكثر وضوحًا، على الرغم من أن مصدر الخلل الأساسي في كليهما هو العقد القاعدية. هذا النقاش يدفع نحو البحث عن مقاييس حركية صوتية أكثر حساسية وقدرة على التمييز بين هذه الأنماط بناءً على الخلل الفيزيولوجي العصبي الدقيق.

Further Reading