المحتويات:
دافعية الإنجاز
المجالات التخصصية الأساسية: علم النفس، علم النفس الاجتماعي، علم النفس التربوي، علم نفس العمل والتنظيم.
1. تعريف جوهري
تُعد دافعية الإنجاز (Achievement Motivation) من المفاهيم المحورية في علم النفس، وتُشير إلى القوة الداخلية التي تدفع الأفراد للسعي نحو التميز، والتغلب على التحديات، وتحقيق مستويات عالية من الأداء في مختلف جوانب حياتهم. إنها رغبة متأصلة في إتقان المهام، وإثبات الكفاءة، وتحقيق أهداف ذات معنى شخصي، وغالبًا ما تنطوي على السعي لتجاوز المعايير الموضوعة أو التوقعات الذاتية. لا تقتصر دافعية الإنجاز على تحقيق النجاح المادي أو الظاهري فحسب، بل تمتد لتشمل الرضا الشخصي الناتج عن التغلب على الصعوبات والوصول إلى مستويات جديدة من الإتقان والمهارة.
يتجاوز هذا المفهوم مجرد الرغبة في الحصول على مكافآت خارجية، فهو يرتكز بشكل كبير على الدوافع الجوهرية التي تنبع من داخل الفرد، مثل متعة التعلم، والشعور بالإنجاز، وتنمية الذات. إنها تُعد محركًا أساسيًا للسلوك البشري، وتؤثر بشكل مباشر على اختيارات الأفراد، ومثابرتهم في مواجهة العقبات، وجودة أدائهم في مجالات متنوعة مثل التعليم، والعمل، والرياضة، والتنمية الشخصية. تختلف مستويات دافعية الإنجاز بين الأفراد وتتأثر بمجموعة معقدة من العوامل الشخصية والبيئية والثقافية، مما يجعلها مجالًا غنيًا للدراسة والبحث في علم النفس.
بشكل أساسي، تُعبر دافعية الإنجاز عن مدى قوة رغبة الفرد في أداء المهام الصعبة بكفاءة عالية، وتحدي قدراته، والسعي المستمر نحو التحسين. إنها تُمثل العامل النفسي الذي يدفع الأفراد إلى تحديد أهداف طموحة، وبذل الجهد المطلوب لتحقيقها، والتعامل بفعالية مع الإخفاقات كفرص للتعلم والتطور. يُنظر إليها كسمة شخصية مستقرة نسبيًا، ولكنها أيضًا قابلة للتأثر والتنمية من خلال الخبرات التربوية والاجتماعية والتدريبية المناسبة.
2. أصل الكلمة والتطور التاريخي
تُعد جذور مفهوم دافعية الإنجاز عميقة في تاريخ علم النفس، وقد تطور فهمها بمرور الوقت من مجرد ملاحظات سلوكية إلى نظريات معقدة. تعود الإشارة المبكرة إلى مفهوم الحاجة إلى الإنجاز إلى عمل هنري موراي في ثلاثينيات القرن الماضي، الذي أدرج “الحاجة إلى الإنجاز” (nAch) ضمن قائمة واسعة من الاحتياجات النفسية البشرية التي تؤثر على السلوك. وصف موراي هذه الحاجة بأنها الرغبة في إنجاز شيء صعب، وإتقان الأشياء، والتغلب على العقبات، والمنافسة والتفوق على الآخرين، ورفع مستوى الذات.
شهدت خمسينيات وستينيات القرن الماضي تطورًا كبيرًا في دراسة دافعية الإنجاز بفضل العمل الرائد لعالم النفس الأمريكي ديفيد مكليلاند وزملاؤه. قام مكليلاند بتطوير نظرية شاملة حول الحاجة إلى الإنجاز كدافع أساسي للسلوك البشري، معتمدًا على اختبار تفهم الموضوع (TAT) كأداة لقياس هذه الحاجة. ركزت أبحاثه على كيفية تأثير دافعية الإنجاز على التنمية الاقتصادية والاجتماعية في المجتمعات المختلفة، مشيرًا إلى أن المجتمعات ذات المستويات العالية من دافعية الإنجاز تميل إلى تحقيق نمو اقتصادي أكبر.
لاحقًا، قام جون دبليو أتكينسون بتوسيع نظرية مكليلاند من خلال تقديم نموذج التوقع-القيمة، الذي يفسر دافعية الإنجاز بناءً على عاملين رئيسيين: توقع الفرد للنجاح والقيمة التي يوليها للنجاح. أضاف أتكينسون بعدًا إضافيًا وهو دافع تجنب الفشل، مما أثرى فهمنا للديناميكيات المعقدة التي تحكم السلوك الموجه نحو الإنجاز. في العقود اللاحقة، تحول التركيز إلى النماذج المعرفية التي تناولت أهداف الإنجاز، ونظريات الإسناد، ومفهوم العقلية (الثابتة مقابل النامية) الذي قدمته كارول دويك، مما أدى إلى فهم أكثر شمولية وتفصيلاً لدافعية الإنجاز.
3. النظريات والنماذج الرئيسية لدافعية الإنجاز
تعددت النظريات التي حاولت تفسير دافعية الإنجاز، كل منها يقدم منظورًا فريدًا لفهم العوامل التي تدفع الأفراد نحو التميز. تُعد نظرية ديفيد مكليلاند حول الحاجة إلى الإنجاز من أهم هذه النظريات، حيث اقترح أن هناك ثلاث حاجات أساسية تدفع السلوك البشري: الحاجة إلى الإنجاز (nAch)، والحاجة إلى القوة (nPow)، والحاجة إلى الانتماء (nAff). ركز مكليلاند بشكل خاص على الحاجة إلى الإنجاز، مشيرًا إلى أن الأفراد ذوي الحاجة العالية للإنجاز يتميزون برغبتهم في تحمل المسؤولية الشخصية عن حل المشكلات، وتحديد أهداف معتدلة الصعوبة، والسعي للحصول على تغذية راجعة فورية حول أدائهم. يرى مكليلاند أن هذه الحاجة تتطور من خلال الخبرات المبكرة، ويمكن تنميتها عبر برامج تدريبية معينة.
جاءت نظرية التوقع-القيمة لـ جون دبليو أتكينسون لتُكمل وتُعمق فهمنا لدافعية الإنجاز. تفترض هذه النظرية أن الميل نحو الإنجاز يتحدد من خلال ثلاثة عوامل رئيسية: دافع الفرد للنجاح (دافع تحقيق النجاح)، واحتمالية إنجاز المهمة بنجاح، والقيمة المحفزة للنجاح. أضاف أتكينسون أيضًا مفهوم دافع تجنب الفشل، والذي يعكس القلق من عدم تحقيق الهدف. ووفقًا لنموذجه، يميل الأفراد إلى اختيار المهام التي تكون فيها احتمالية النجاح معتدلة (حوالي 50%)، لأنها توفر أكبر قدر من التحدي والقيمة التحفيزية، بينما يتجنبون المهام السهلة جدًا أو الصعبة جدًا.
في سياق مختلف، قدمت كارول دويك نظرية العقلية (Mindset Theory)، التي تُسلط الضوء على المعتقدات الأساسية للأفراد حول قدراتهم وذكائهم. تُميز دويك بين عقليتين: العقلية الثابتة (Fixed Mindset)، حيث يعتقد الأفراد أن قدراتهم ثابتة ولا يمكن تغييرها، والعقلية النامية (Growth Mindset)، حيث يؤمن الأفراد بإمكانية تطوير قدراتهم من خلال الجهد والتعلم. للأشخاص ذوي العقلية النامية دافعية إنجاز أعلى، فهم ينظرون إلى التحديات كفرص للتعلم والنمو، ولا تثبطهم الإخفاقات، بل يتعلمون منها. على النقيض، يميل أصحاب العقلية الثابتة إلى تجنب التحديات التي قد تُظهر نقاط ضعفهم، ويُفسرون الإخفاقات كدليل على نقص القدرة.
أخيرًا، تُقدم نظرية الإسناد، خاصةً تلك التي صاغها برنارد وينر، منظورًا هامًا حول كيفية تأثير تفسيرات الأفراد لنجاحاتهم وإخفاقاتهم على دافعيتهم المستقبلية. تُركز هذه النظرية على كيفية إسناد الأفراد لنتائج سلوكهم (نجاح أو فشل) إلى أسباب داخلية أو خارجية، مستقرة أو غير مستقرة، يمكن التحكم فيها أو لا يمكن التحكم فيها. على سبيل المثال، إذا عزا الفرد نجاحه إلى الجهد (سبب داخلي، قابل للتحكم)، فمن المرجح أن ترتفع دافعيته للمهام المستقبلية. أما إذا عزا الفشل إلى نقص القدرة (سبب داخلي، مستقر، غير قابل للتحكم)، فقد تنخفض دافعيته. تُبرز هذه النظريات مجتمعة الطبيعة متعددة الأوجه لدافعية الإنجاز، وتُقدم إطارًا شاملاً لفهمها وتحليلها.
4. الخصائص والمكونات الأساسية
تتسم دافعية الإنجاز بمجموعة من الخصائص والمكونات الأساسية التي تُميز الأفراد ذوي المستويات العالية منها. أولاً، يتمتع هؤلاء الأفراد برغبة قوية في التميز والإتقان، فهم لا يكتفون بالأداء المقبول، بل يسعون جاهدين لتحقيق أفضل النتائج الممكنة وتجاوز التوقعات. هذه الرغبة لا تنبع بالضرورة من المنافسة مع الآخرين، بل غالبًا ما تكون مدفوعة بمعايير شخصية عالية الجودة والكمال. إنهم يجدون متعة في تحسين مهاراتهم وقدراتهم، ويُقدرون الإتقان لذاته.
ثانيًا، يُظهر الأفراد ذوو دافعية الإنجاز العالية مثابرة كبيرة في مواجهة العقبات والتحديات. إنهم لا يستسلمون بسهولة أمام الصعوبات أو الإخفاقات، بل ينظرون إليها كجزء طبيعي من عملية التعلم والنمو. تُمكنهم هذه المثابرة من الاستمرار في بذل الجهد حتى بعد تجربة الفشل، معتقدين أن الجهد المستمر سيؤدي في النهاية إلى النجاح. يرتبط هذا المكون ارتباطًا وثيقًا بالقدرة على الصمود والمرونة النفسية.
ثالثًا، يميل هؤلاء الأفراد إلى تحديد أهداف واضحة وواقعية ولكنها طموحة، وغالبًا ما يفضلون المهام التي تتضمن مستوى معتدلًا من التحدي. المهام السهلة جدًا لا تُحفزهم لأنها لا توفر شعورًا بالإنجاز، والمهام الصعبة جدًا قد تُسبب الإحباط وتُقلل من توقعات النجاح. إنهم يسعون إلى تحقيق أهداف قابلة للتحقيق ولكنها تتطلب منهم بذل جهد كبير وتطوير مهاراتهم، مما يُعزز شعورهم بالكفاءة.
رابعًا، يتحمل الأفراد ذوو دافعية الإنجاز العالية المسؤولية الشخصية عن نتائج أفعالهم، سواء كانت نجاحات أو إخفاقات. إنهم لا يميلون إلى إلقاء اللوم على الظروف الخارجية أو الحظ، بل يُدركون أن جهودهم وقراراتهم تلعب دورًا حاسمًا في تحديد مصيرهم. هذا الشعور بالمسؤولية يُعزز لديهم الرغبة في التحكم في بيئتهم ونتائجها. أخيرًا، يُعد السعي للحصول على التغذية الراجعة مكونًا أساسيًا، حيث يرغبون في معرفة مدى جودة أدائهم لكي يتمكنوا من التعديل والتحسين المستمر، مما يُمكنهم من تحقيق أهدافهم بفعالية أكبر.
5. القياس والتقييم
يُعد قياس دافعية الإنجاز تحديًا في علم النفس نظرًا لطبيعتها المعقدة والمتعددة الأوجه، ولكن العديد من الأدوات والأساليب قد تطورت لتحديد مستوياتها. إحدى الطرق التاريخية والرائدة هي استخدام الاختبارات الإسقاطية، وعلى رأسها اختبار تفهم الموضوع (TAT). في هذا الاختبار، يُعرض على الأفراد سلسلة من الصور الغامضة، ويُطلب منهم كتابة قصص حول ما يرونه في هذه الصور. تُحلل القصص بعد ذلك لتحديد مدى وجود موضوعات الإنجاز، مثل السعي لتحقيق الأهداف، والتغلب على العقبات، والنجاح. على الرغم من أن TAT يُقدم رؤى غنية حول الدوافع اللاواعية، إلا أنه يُواجه انتقادات تتعلق بموضوعيته وصعوبة تسجيله وتفسيره.
بالإضافة إلى الاختبارات الإسقاطية، تُستخدم استبيانات التقرير الذاتي على نطاق واسع لقياس دافعية الإنجاز. تتضمن هذه الاستبيانات عادةً سلسلة من العبارات أو الأسئلة التي تُطلب من الأفراد تقييم مدى انطباقها عليهم، مثل “أحب التحديات التي تتطلب مني بذل قصارى جهدي” أو “أشعر بالضيق عندما لا أكون الأفضل”. من الأمثلة الشائعة على هذه الأدوات: قائمة دافعية الإنجاز (Achievement Motivation Inventory) ومقاييس أهداف الإنجاز (Achievement Goal Measures). تُقدم هذه الأدوات طريقة أكثر كفاءة وموضوعية للقياس، ولكنها قد تتأثر بتحيزات الاستجابة الاجتماعية أو عدم الوعي الذاتي للفرد.
تشمل طرق التقييم الأخرى الملاحظات السلوكية، حيث يُراقب أداء الأفراد في مهام محددة تُصمم لتقييم مثابرتهم، واختيارهم للمهام، وجودة أدائهم. على سبيل المثال، قد تُقدم مهام ذات مستويات صعوبة مختلفة لملاحظة تفضيلاتهم. كما يمكن استخدام المقاييس الفسيولوجية في بعض الأبحاث، مثل قياس استجابات الجهاز العصبي اللاإرادي (مثل معدل ضربات القلب أو توصيل الجلد) أثناء أداء المهام الصعبة، لتقييم مستويات التوتر والإثارة المرتبطة بالإنجاز. يُساعد الجمع بين عدة أساليب قياس في الحصول على صورة أكثر شمولية ودقة لدافعية الإنجاز لدى الفرد.
6. العوامل المؤثرة في دافعية الإنجاز
تتأثر دافعية الإنجاز بمجموعة واسعة من العوامل المتفاعلة، والتي يمكن تصنيفها إلى عوامل شخصية وبيئية. على المستوى الشخصي، تُعد سمات الشخصية مثل الضمير الحي، والمثابرة، والانفتاح على التجربة، عوامل مهمة تُعزز دافعية الإنجاز. كذلك، يُسهم مستوى الكفاءة الذاتية (Self-Efficacy)، وهو إيمان الفرد بقدرته على إنجاز المهام بنجاح، بشكل كبير في تحديد مدى دافعيته. الأفراد الذين يتمتعون بكفاءة ذاتية عالية يميلون إلى تحديد أهداف أكثر طموحًا ويبذلون جهدًا أكبر في مواجهة التحديات. تلعب أهداف الإنجاز التي يتبناها الفرد (مثل أهداف الإتقان التي تركز على التعلم والتطور، أو أهداف الأداء التي تركز على إظهار الكفاءة للآخرين) دورًا حاسمًا في توجيه السلوك التحفيزي.
على المستوى البيئي، تُشكل الأسرة والتربية عاملًا محوريًا في تشكيل دافعية الإنجاز. تُظهر الأبحاث أن الآباء الذين يُشجعون الاستقلالية، ويُوفرون فرصًا لأبنائهم لتحمل المسؤولية، ويُقدرون الجهد والمثابرة، يميلون إلى تنمية دافعية إنجاز أعلى لدى أطفالهم. في المقابل، قد تُعيق أساليب التربية المفرطة في الحماية أو التسلط نمو هذه الدافعية. تُعد البيئة التعليمية أيضًا ذات تأثير بالغ؛ فالمعلمون الذين يُوفرون تحديات مناسبة، ويُقدمون تغذية راجعة بناءة، ويُركزون على عملية التعلم والتحسين بدلاً من مجرد الدرجات، يُمكنهم تعزيز دافعية الإنجاز لدى الطلاب.
بالإضافة إلى ذلك، تُساهم العوامل الثقافية والاجتماعية في تشكيل دافعية الإنجاز. ففي بعض الثقافات، قد يُركز على الإنجاز الفردي والمنافسة، بينما في ثقافات أخرى، قد يُعطى الأولوية للإنجاز الجماعي والتعاون. تُؤثر المعايير الاجتماعية والتوقعات الثقافية بشكل كبير على كيفية إدراك الأفراد للنجاح والفشل، وعلى أنواع الأهداف التي يسعون لتحقيقها. يُمكن أن تُعزز المكافآت الخارجية (مثل المال أو التقدير) دافعية الإنجاز، لكن الدراسات تُشير إلى أن الدوافع الداخلية (مثل الرضا الشخصي ومتعة التعلم) تُعد أكثر استدامة وفعالية على المدى الطويل في الحفاظ على مستويات عالية من دافعية الإنجاز.
7. الأهمية والتأثير
تُعد دافعية الإنجاز ذات أهمية بالغة وتأثيرات واسعة النطاق على المستويات الفردية، والتعليمية، والمهنية، وحتى المجتمعية. على المستوى الفردي، تُسهم دافعية الإنجاز العالية في الرفاهية النفسية والشعور بالرضا عن الذات، حيث يميل الأفراد المندفعون للإنجاز إلى تحديد أهداف ذات معنى والعمل بجد لتحقيقها، مما يُعزز شعورهم بالكفاءة والإتقان. إنها تُمكن الأفراد من التكيف مع التحديات، وتطوير مهارات جديدة، وتحقيق النمو الشخصي المستمر، مما يُؤدي إلى حياة أكثر إشباعًا ونجاحًا.
في المجال التعليمي، تُعد دافعية الإنجاز من أقوى مؤشرات التحصيل الأكاديمي. الطلاب ذوو الدافعية العالية يميلون إلى بذل جهد أكبر في دراستهم، والمثابرة في مواجهة المواد الصعبة، والسعي لتحقيق فهم عميق للمفاهيم بدلاً من مجرد الحفظ. تُساعد هذه الدافعية في تنمية حب التعلم مدى الحياة، وتُشجع على الاستكشاف الفكري، وتُعزز من قدرة الطلاب على تحقيق إمكاناتهم الكاملة في مساراتهم التعليمية والمهنية المستقبلية. يُشكل المعلمون والبيئة المدرسية الداعمة ركيزة أساسية في تنمية هذه الدافعية لدى النشء.
على الصعيد المهني والتنظيمي، تُعتبر دافعية الإنجاز محركًا أساسيًا للأداء الوظيفي المتميز والابتكار. الموظفون ذوو الدافعية العالية غالبًا ما يكونون أكثر إنتاجية، وملتزمين بالجودة، ومستعدين لتحمل المسؤولية، والسعي لتطوير مهاراتهم باستمرار. تُسهم هذه الدافعية في بناء فرق عمل فعالة، وتُعزز القيادة الملهمة، وتُمكن المؤسسات من تحقيق أهدافها الاستراتيجية. المجتمعات التي تُشجع دافعية الإنجاز الفردي والجماعي تميل إلى أن تكون أكثر ديناميكية، وتنافسية، وقدرة على التكيف مع التغيرات، مما يُؤدي إلى التقدم الاقتصادي والاجتماعي العام. إنها تُشجع على ريادة الأعمال، والبحث العلمي، والإبداع في مختلف المجالات، مما يُشكل أساسًا للابتكار والتنمية المستدامة.
8. تطبيقات عبر مجالات مختلفة
تجد دافعية الإنجاز تطبيقات عملية واسعة النطاق في العديد من المجالات، مما يُبرز أهميتها كقوة دافعة للسلوك البشري. في التعليم، تُستخدم مبادئ دافعية الإنجاز لتحسين بيئات التعلم وتعزيز أداء الطلاب. يُشجع المعلمون على تبني استراتيجيات تُعزز العقلية النامية لدى الطلاب، مثل التركيز على الجهد والتحسين بدلاً من القدرة الفطرية، وتقديم تغذية راجعة بناءة تُركز على العملية، وتصميم مهام تعليمية تُوفر تحديًا معتدلًا. كما تُستخدم برامج لتنمية مهارات تحديد الأهداف وإدارة الوقت لتعزيز دافعية الطلاب نحو التفوق الأكاديمي.
في مجال العمل والتنظيم، تُعد دافعية الإنجاز حجر الزاوية في استراتيجيات تحفيز الموظفين وتطوير القيادات. تسعى الشركات إلى توظيف الأفراد ذوي دافعية الإنجاز العالية وتزويدهم بفرص لتولي المهام الصعبة والمسؤوليات المتزايدة. تُصمم أنظمة المكافآت والحوافز لتعزيز الأداء المرتفع، وتُقدم برامج تدريبية لتطوير المهارات القيادية التي تُشجع على تحديد الأهداف الطموحة والمثابرة. يُسهم فهم دافعية الإنجاز في بناء ثقافات تنظيمية تُقدر الإتقان، والابتكار، والمسؤولية الشخصية، مما يُؤدي إلى زيادة الإنتاجية والرضا الوظيفي.
تمتد تطبيقات دافعية الإنجاز أيضًا إلى مجال الرياضة، حيث تُعد مكونًا حاسمًا في أداء الرياضيين. يعمل المدربون على تنمية دافعية الإنجاز لدى الرياضيين من خلال تحديد أهداف واقعية ولكنها تتحدى قدراتهم، وتوفير الدعم النفسي، وتعزيز المرونة في مواجهة الهزائم. تُساعد دافعية الإنجاز الرياضيين على المثابرة في التدريب الشاق، وتجاوز حدودهم البدنية والعقلية، والتعامل بفعالية مع ضغوط المنافسة. في التنمية الشخصية والإرشاد، تُستخدم مبادئ دافعية الإنجاز لمساعدة الأفراد على تحديد أهدافهم الشخصية والمهنية، وتطوير استراتيجيات لتحقيقها، والتغلب على العقبات التي قد تُعيق تقدمهم، مما يُعزز من شعورهم بالتحقق الذاتي والنجاح.
9. الجدالات والانتقادات
على الرغم من الأهمية الكبيرة لمفهوم دافعية الإنجاز، إلا أنه لم يخلُ من الجدالات والانتقادات التي طالت جوانب مختلفة من نظرياته وقياساته وتطبيقاته. إحدى الانتقادات الرئيسية تُشير إلى التركيز المفرط على الإنجاز الفردي، خاصة في النماذج المبكرة، مما قد يتجاهل أهمية الإنجازات الجماعية والتعاونية، والتي تُعد حيوية في العديد من الثقافات والبيئات المهنية. يُمكن أن يُؤدي هذا التركيز إلى تعزيز المنافسة غير الصحية وتقويض العمل الجماعي، مما يُثير تساؤلات حول مدى ملاءمة هذه النماذج في سياقات ثقافية متنوعة تُقدر قيم المجتمع والتعاون أكثر من الفردية.
كما تُثار تساؤلات حول الصلاحية الثقافية لأدوات قياس دافعية الإنجاز. فالاختبارات الإسقاطية مثل TAT، وكذلك بعض استبيانات التقرير الذاتي، قد تكون متحيزة ثقافيًا، حيث أن المفاهيم المرتبطة بالإنجاز وتعبيراته السلوكية قد تختلف بشكل كبير بين الثقافات. ما يُعتبر إنجازًا عاليًا في ثقافة معينة قد لا يُفسر بنفس الطريقة في ثقافة أخرى، مما يُؤثر على دقة وموثوقية القياسات عبر الحدود الثقافية. يُشير النقاد إلى أن النماذج الحالية قد لا تُقدم صورة شاملة لدافعية الإنجاز في الثقافات غير الغربية، التي قد تُركز على جوانب مختلفة من الكفاءة والتفوق.
علاوة على ذلك، تُشير بعض الانتقادات إلى تبسيط العمليات التحفيزية المعقدة. ففي حين أن النظريات مثل نظرية التوقع-القيمة تُقدم إطارًا مفيدًا، إلا أنها قد لا تُفسر بشكل كامل التفاعل المعقد بين العوامل المعرفية والعاطفية والاجتماعية التي تُشكل دافعية الإنجاز في مواقف الحياة الحقيقية. يُمكن أن تكون هناك عوامل غير مدركة أو غير مُفسرة بشكل كافٍ تُؤثر على سلوك الإنجاز. أخيرًا، يُعد التمييز بين الدافعية الجوهرية والخارجية نقطة جدل، حيث يتساءل البعض عن كيفية تأثير المكافآت الخارجية على الدافعية الجوهرية للإنجاز، وما إذا كانت تُعززها أم تُقوضها على المدى الطويل. تُشير بعض الأبحاث إلى أن المكافآت الخارجية المفرطة قد تُقلل من الدافعية الجوهرية إذا أدت إلى إدراك الفرد بأن سلوكه يتم التحكم فيه خارجيًا بدلاً من كونه مدفوعًا برغبته الشخصية.