المحتويات:
دراسة أولبورت-فيرنون-ليندزي للقيم (SOV)
Primary Disciplinary Field(s): علم النفس، نظرية الشخصية، علم النفس الاجتماعي
1. التعريف الجوهري
تُعدّ دراسة أولبورت-فيرنون-ليندزي للقيم (SOV)، التي نُشرت لأول مرة عام 1931، إحدى أدوات القياس النفسي الأكثر تأثيرًا في تاريخ دراسة الشخصية والقيم. وهي عبارة عن قائمة جرد مُقنّنة مصممة لقياس الأهمية النسبية لستة أنواع أساسية من الاهتمامات أو الدوافع التي يتبناها الفرد، وفقًا للتصنيف الذي وضعه الفيلسوف وعالم النفس الألماني إدوارد سبرانغر في كتابه “أنماط الرجال” (1928). إن الهدف الأساسي للأداة هو توفير صورة كمية لملف قيم الفرد، مما يساعد في فهم دوافعه الأساسية وكيفية تفاعله مع العالم من حوله. وهي تفترض أن القيم ليست مجرد آراء عابرة، بل هي قوى دافعة ثابتة نسبيًا توجه السلوك والقرارات الشخصية والمهنية.
ما يميز دراسة القيم (SOV) هو تركيزها على الأهمية النسبية للقيم؛ فهي لا تقيس مدى امتلاك الفرد لقيمة معينة بشكل مطلق، بل تقيس مدى تفضيله لتلك القيمة مقارنة بالقيم الخمس الأخرى. هذا النهج، المعروف باسم القياس الإبسيفي (Ipsative Scoring)، يفرض على المستجيب اختيارًا إجباريًا يحدد أولوياته، مما ينتج عنه ملف شخصي متوازن تكون فيه زيادة درجة قيمة واحدة بالضرورة مصحوبة بنقصان في درجة قيمة أخرى. وقد أثبتت الأداة، على مدار عقود، جدواها في الأبحاث الأكاديمية، خاصة في مجالات التوجيه المهني وفهم الاختلافات بين المجموعات الثقافية والمهنية.
على الرغم من التطورات اللاحقة في نظرية القيم، مثل نماذج شالوم شوارتز، تظل دراسة أولبورت-فيرنون-ليندزي مرجعًا تاريخيًا أساسيًا، وتمثل نقطة تحول مبكرة في تحويل المفاهيم الفلسفية المجردة عن القيم إلى مقاييس نفسية قابلة للتطبيق العملي. لقد كان لـ جوردون أولبورت، أحد أبرز علماء النفس في القرن العشرين، دور محوري في هذه العملية، حيث سعى إلى سد الفجوة بين الفلسفة التجريبية وعلم النفس التجريبي.
2. التطور التاريخي والجذور الفلسفية
تعود الجذور الفكرية لدراسة القيم (SOV) بشكل مباشر إلى كتاب “أنماط الرجال” (Types of Men) الذي نشره إدوارد سبرانغر عام 1928. لم يكن سبرانغر عالم نفس تجريبي، بل فيلسوفًا ينتمي للمدرسة الفينومينولوجية (الظاهراتية)، وقد افترض أن شخصية الإنسان تتشكل بشكل أساسي من خلال مجموعة من “المواقف القيمية” الأساسية تجاه الحياة والثقافة. حدد سبرانغر ستة أنواع مثالية، يمثل كل منها توجهًا رئيسيًا نحو هدف نهائي في الوجود الإنساني، معتبرًا أن كل فرد يحمل مزيجًا من هذه الأنواع، لكن أحدها يهيمن على شخصيته ويحدد رؤيته للعالم.
في أوائل الثلاثينيات، تعاون جوردون أولبورت (Gordon Allport) مع فيليب إي. فيرنون (Philip E. Vernon) لتطوير أداة تجريبية تقيس هذه الأنماط الستة التي وصفها سبرانغر. كان التحدي هو ترجمة المفاهيم الفلسفية العميقة لسبرانغر إلى بنود اختبار محددة وقابلة للتسجيل الكمي. نُشر الإصدار الأول في عام 1931. وفي عام 1951، انضم غاردنر ليندزي (Gardner Lindzey) إلى أولبورت وفيرنون في مراجعة وتحديث الأداة، مما أدى إلى ظهور النسخة الأكثر شهرة واستخدامًا، ومن هنا جاء اسم الدراسة الكامل: دراسة أولبورت-فيرنون-ليندزي للقيم.
مثّلت هذه الدراسة نقلة نوعية في علم النفس، حيث كانت من المحاولات المبكرة لوضع نظرية شاملة للشخصية تركز على الدوافع الداخلية والقيم بدلاً من مجرد السمات السطحية للسلوك. وقد ساهمت بشكل كبير في تأسيس علم النفس كعلم يدرس الإنسان الكامل (Holistic Psychology)، وشددت على أهمية فهم القيم كمنظمات عليا للخبرة والسلوك. لقد كانت فترة تطويرها فترة ازدهار للقياس النفسي، وساهمت SOV في إرساء المعايير لتطوير قوائم الجرد الشخصية.
3. منهجية وهيكلية الاختبار
تتألف دراسة القيم (SOV) عادةً من عدد من البنود المقسمة إلى قسمين رئيسيين. يهدف التصميم إلى الكشف عن التفضيلات النسبية للمستجيب تجاه الأنماط الستة للقيم. يتميز الاختبار بأنه يتطلب من المفحوص تحديد أولوياته بشكل قسري، مما يضمن أن تكون النتيجة النهائية تعبيرًا حقيقيًا عن التفضيل الداخلي وليس مجرد موافقة عامة على جميع العبارات.
يتضمن القسم الأول من الاختبار عددًا من الأسئلة التي تحتوي على خيارين (A و B). يُطلب من المستجيب توزيع درجة محددة (على سبيل المثال، 3 نقاط) بين الخيارين بناءً على مدى تفضيله لكل منهما. هذا التوزيع القسري يمثل تطبيقًا مباشرًا للقياس الإبسيفي، حيث لا يمكن تحقيق درجة عالية في قيمة ما إلا على حساب درجة قيمة أخرى. أما القسم الثاني، فيتضمن سيناريوهات أو أسئلة تحتوي على أربعة خيارات (A، B، C، D)، تمثل كل منها قيمة مختلفة من القيم الست. يُطلب من المفحوص ترتيب هذه الخيارات من الأكثر تفضيلاً إلى الأقل تفضيلاً، مما يزيد من دقة التمييز بين الأولويات. تُجمَع الدرجات لكل قيمة من القيم الست، ويتم تحويلها إلى درجات معيارية، عادةً بمتوسط 50، لتوضيح المدى الذي تتجاوز فيه القيمة متوسط المجتمع أو تقل عنه في ملف الفرد.
إن النتيجة النهائية التي يقدمها الاختبار هي “ملف قيم” يوضح القمم والمنخفضات في دوافع الفرد. على سبيل المثال، قد يحصل شخص ما على درجة عالية جدًا في القيمة النظرية ودرجة منخفضة جدًا في القيمة الاقتصادية. هذا التباين هو جوهر فائدة الأداة، حيث يشير إلى أن قرارات هذا الفرد ستكون مدفوعة بالبحث عن الحقيقة والفهم (القيمة النظرية) بدلاً من تحقيق الربح المادي (القيمة الاقتصادية)، مما يوفر رؤى عميقة للتوجيه المهني والتوافق الشخصي.
4. الأنماط الستة للقيم: القيمة النظرية والاقتصادية
القيمة النظرية (The Theoretical Value)
يتمحور هذا النمط حول الاهتمام الأساسي باكتشاف الحقيقة. إن الفرد الذي تسود لديه القيمة النظرية يسعى بشكل أساسي إلى المعرفة والفهم. لا يهتم هذا الشخص بالتطبيق العملي أو المنفعة المادية للمعلومة بقدر اهتمامه بالفهم والمنهجية العقلانية. إن هدفه هو الملاحظة والتمييز وتصنيف الأشياء، وبناء أنظمة منطقية ومتماسكة. هذا النوع من الأفراد يُقدر الاستدلال، ويجد المتعة في البحث عن العلاقات بين الظواهر، وتعميم المبادئ. غالبًا ما يكون الباحثون والعلماء والفلاسفة هم من يحصلون على درجات عالية في هذا النمط.
بالنسبة لصاحب القيمة النظرية، فإن الحياة هي في الأساس مختبر واسع يجب تحليله وفك رموزه. يتميز تفكيره بأنه موضوعي ومنطقي، ويميل إلى تجنب العواطف أو الأحكام الشخصية في سعيه وراء الحقيقة. يُعدّ المنطق والمعرفة هما العملة الأكثر قيمة لديه، وغالبًا ما يرى أن الأفكار والفرضيات هي الهدف النهائي بحد ذاتها، وليس مجرد وسيلة لتحقيق غايات أخرى.
القيمة الاقتصادية (The Economic Value)
يركز هذا النمط على المنفعة والعملية والكفاءة. إن الفرد الذي تسود لديه القيمة الاقتصادية يهتم بما هو مفيد وفعال في الحياة العملية. هذا النمط لا يقتصر على كسب المال فحسب، بل يشمل أيضًا تطبيق الموارد وتوفير الطاقة والوقت وتحقيق أكبر قدر من المردود. يعتبر هذا النوع من الأشخاص أن العالم هو مكان يجب استغلاله واستثماره لتحقيق الثروة والرفاهية المادية.
إن الهدف الأساسي للحياة، بالنسبة للشخص الاقتصادي، هو تلبية الاحتياجات العملية وتراكم الممتلكات المادية، وتطبيق المعرفة النظرية لتحقيق نتائج ملموسة. يميل هذا النمط إلى أن يكون عمليًا ومتحفظًا في القرارات، وينظر إلى الأشياء من منظور تكلفتها وعائدها (Cost-Benefit Analysis). غالبًا ما يكون رجال الأعمال والمدراء التنفيذيون والمستثمرون هم من يحصلون على أعلى الدرجات في هذا النوع من القيم.
5. الأنماط الستة للقيم: القيمة الجمالية والاجتماعية
القيمة الجمالية (The Aesthetic Value)
يمثل هذا النمط التركيز على الشكل والانسجام والجمال في الحياة. إن الفرد الذي تسود لديه القيمة الجمالية لا يهتم بالضرورة بإنتاج الفن، بل بالتقدير العميق للتجربة والانسجام والتوازن في كل جانب من جوانب الوجود. هذا الشخص يرى العالم من منظور الجمال، ويقدر التعبير الذاتي والشكل، ويسعى إلى أن تكون تجربته الحياتية نفسها عملًا فنيًا متكاملًا.
قد يتجلى هذا التقدير في الفنون الجميلة، أو في تقدير بساطة الطبيعة، أو في إيجاد التناغم في الحياة اليومية والتصميم. على عكس الشخص النظري الذي يسعى إلى تحليل الأشياء، فإن الشخص الجمالي يسعى إلى الاستمتاع بالتجربة الكلية لها والتقدير اللحظي. هذا النوع من الأفراد يقدر التنوع، ويميل إلى أن يكون متقلبًا في عواطفه، ويهتم بالنوعية أكثر من الكمية.
القيمة الاجتماعية (The Social Value)
يُعرّف هذا النمط في سياق دراسة أولبورت–فيرنون–ليندزي بأنه القيمة التي تتمحور حول الإيثار ومحبة الآخرين. إنها قيمة المحبة في شكلها الأسمى، وتشمل المودة والرحمة وتقديم المساعدة للآخرين. لا ينبغي الخلط بينها وبين القيمة السياسية (السلطة الاجتماعية) أو مجرد الرغبة في التفاعل الاجتماعي؛ فالشخص الاجتماعي الحقيقي مدفوع بالرغبة في خدمة البشرية والتضحية من أجل الآخرين.
الهدف النهائي لهذا النوع من الأفراد هو رفاهية الآخرين، ويرى أن المحبة هي القوة الأكثر أهمية في العالم. عندما يتم تطبيق هذه القيمة في شكلها النقي، فإنها تعكس توجهًا إنسانيًا عميقًا. غالبًا ما يحصل العاملون في مجالات الخدمة الاجتماعية، والتمريض، والمجالات الخيرية على درجات عالية في هذا النمط، حيث يكون دافعهم هو مساعدة الأفراد والمجتمعات على تحقيق إمكاناتهم.
6. الأنماط الستة للقيم: القيمة السياسية والدينية
القيمة السياسية (The Political Value)
يركز هذا النمط على السعي وراء القوة والتأثير والسيطرة، وليس بالضرورة الانخراط في السياسة الحكومية المباشرة. يُعرَّف الشخص السياسي بأنه الشخص الذي تكون دوافعه الأساسية هي تحقيق النفوذ، والقيادة، والقدرة على التحكم في بيئته أو في الآخرين. إنه يسعى إلى الهيمنة والمكانة والاعتراف به كشخص ذي سلطة.
هذا السعي للقوة قد يتجلى في أي مجال من مجالات الحياة: في العمل، أو في الأسرة، أو في الأنشطة الاجتماعية. يرى هذا الفرد أن المنافسة والقيادة هي جزء أساسي من الحياة، ويُقدّر التحدي والسيطرة. وغالباً ما يحصل القادة العسكريون، والمديرون الكبار، والمحامون الذين يركزون على النجاح في المنافسة، على درجات عالية في هذا النمط.
القيمة الدينية (The Religious Value)
تتمحور القيمة الدينية حول البحث عن الوحدة والمعنى الشامل للكون. بالنسبة لسبرانغر وأولبورت، لا ترتبط هذه القيمة بالضرورة بالالتزام الديني المؤسسي، بل هي التركيز على الخبرة الصوفية، أو البحث عن غاية عليا، أو إيجاد نظام كلي يربط كل شيء ببعضه البعض. يسعى الفرد الذي تسود لديه هذه القيمة إلى فهم مكانه في الكون ويجد الغرض في الروحانية أو في التسليم لوحدة الوجود.
هذا النمط يرى أن التجربة الإنسانية لها معنى يتجاوز التفاصيل اليومية المادية، ويجد أن القيمة القصوى تكمن في علاقة الفرد بالكون ككل. قد يتخلى الشخص الديني عن القيم الأخرى (مثل القيمة الاقتصادية أو السياسية) من أجل تحقيق هذا الهدف الأسمى المتمثل في الوحدة والكمال الروحي. هذا البحث عن الغاية النهائية هو ما يميزه عن القيمة النظرية التي تركز على الحقائق الجزئية والمفاهيم المحدودة.
7. الأهمية والتطبيقات
اكتسبت دراسة أولبورت-فيرنون-ليندزي للقيم أهمية كبيرة، ليس فقط كأداة تشخيصية، ولكن كإطار نظري مؤثر. كانت الأداة من أوائل الأدوات التي أتاحت للمرشدين المهنيين والأكاديميين تحليل الدوافع الداخلية للأفراد بطريقة موحدة. لقد أظهرت الأبحاث أن ملفات القيم التي تنتجها SOV ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالاختيارات المهنية والتعليمية. على سبيل المثال، يميل الطلاب الذين يخططون لدخول مجالات العلوم والبحث إلى تسجيل درجات عالية في القيمة النظرية، بينما يميل أولئك الذين يتجهون نحو التجارة إلى تسجيل درجات عالية في القيمة الاقتصادية.
كما لعبت دراسة القيم دورًا حيويًا في الأبحاث التي تناولت الفروق بين الجنسين والفروق الثقافية. فقد أظهرت الدراسات باستمرار أن الرجال يميلون إلى تسجيل درجات أعلى في القيم النظرية والسياسية والاقتصادية، بينما تسجل النساء درجات أعلى في القيم الاجتماعية والجمالية والدينية. على الرغم من أن هذه الفروق قد تكون نتاجًا للتنشئة الثقافية وليست جوهرية، إلا أن الأداة سمحت بقياس هذه التباينات وتحليل تأثير السياق الاجتماعي على تشكيل الدوافع الأساسية.
باختصار، تمثل SOV إرثًا لجهود أولبورت في جلب مفهوم القيم من حقل الفلسفة إلى حقل علم النفس التجريبي. لقد مهدت الطريق لنظريات القيم اللاحقة وساعدت في ترسيخ فكرة أن القيم الشخصية هي متغيرات أساسية لا يمكن إغفالها عند دراسة الشخصية والسلوك.
8. الجدل والانتقادات
على الرغم من تأثيرها التاريخي، واجهت دراسة القيم (SOV) عددًا من الانتقادات المنهجية والنظرية. أحد الانتقادات الرئيسية يتعلق بالأساس النظري نفسه؛ حيث يرى البعض أن تصنيف سبرانغر للقيم الست، الذي يعود إلى أوائل القرن العشرين، قد يكون محدودًا ولا يعكس بشكل كامل تعقيدات منظومة القيم في المجتمعات الحديثة. على سبيل المثال، قد تكون القيمة الاجتماعية كما عرفها سبرانغر (الإيثار والمحبة) مختلفة عن مفهوم “القيمة الاجتماعية” في علم النفس الحديث الذي قد يشمل الحاجة إلى الانتماء أو التفاعل الاجتماعي.
كما يثير استخدام القياس الإبسيفي (Ipsative Scoring) جدلاً كبيرًا. فبما أن هذا النوع من القياس لا يقيس الدرجات المطلقة، بل الدرجات النسبية، لا يمكن استخدامه بشكل فعال للمقارنة بين الأفراد المختلفين في مجموعة واحدة (Inter-individual Comparisons). بعبارة أخرى، لا يمكن القول إن شخصًا A لديه قيمة نظرية “أعلى” من شخص B، بل يمكن فقط القول إن القيمة النظرية “أكثر أهمية” بالنسبة للشخص A مقارنة بقيمه الأخرى. هذا القيد المنهجي يجعل من الصعب استخدام SOV في بيئات التوظيف التي تتطلب مقارنة أداء المرشحين ببعضهم البعض.
بالإضافة إلى ذلك، وجهت انتقادات تتعلق بالصلاحية البنائية (Construct Validity)، حيث أشار بعض الباحثين إلى وجود تداخل بين بعض القيم، مثل التداخل المحتمل بين القيمة النظرية والقيمة الاقتصادية في سياقات البحث والتطوير الموجه نحو الربح. ومع ذلك، فإن هذه الانتقادات لا تقلل من القيمة التاريخية والأكاديمية لـ SOV كأداة رائدة شكلت الأساس لأجيال لاحقة من أدوات قياس القيم.