دورة العنف – cycle of violence

دورة العنف

المجالات التأديبية الأساسية: علم النفس، علم الاجتماع، العدالة الجنائية، العمل الاجتماعي، علم الضحايا

1. التعريف الجوهري

تمثل دورة العنف (Cycle of Violence) نموذجًا نظريًا يصف الأنماط المتكررة والمتوقعة للسلوك المسيء في العلاقات الشخصية، لا سيما في سياق العنف الأسري أو عنف الشريك الحميم (IPV). لا يشير المصطلح إلى حادثة عنف منعزلة، بل إلى ديناميكية مستمرة ومتصاعدة تشتمل على مراحل متميزة، تبدأ بالتوتر وتصل ذروتها في العنف، ثم تنتهي بفترة من الهدوء أو الندم، قبل أن تبدأ الدورة مرة أخرى. إن فهم هذه الدورة أمر بالغ الأهمية لأنه يفسر لماذا يجد الضحايا صعوبة بالغة في مغادرة العلاقات المسيئة، حيث يتم تعزيز الأمل في التغيير والتعلق العاطفي خلال مرحلة “شهر العسل”، مما يطمس واقع العنف المتكرر.

جوهر هذا المفهوم يكمن في طبيعته الدورية والتصاعدية؛ فمع كل دورة، يميل العنف إلى أن يصبح أكثر شدة، ويقصر الفاصل الزمني بين مراحل الهدوء وحوادث العنف. وتعمل هذه الدورة كآلية نفسية واجتماعية تسمح للمعتدي بالحفاظ على السيطرة، بينما ترسخ لدى الضحية حالة من الارتباك واليأس، بالإضافة إلى شعور متزايد بـالعجز المكتسب. إن التعريف لا يقتصر بالضرورة على العنف الجسدي فحسب، بل يشمل كذلك الإساءة العاطفية، والتحكم المالي، والإكراه الجنسي، حيث تعمل كل هذه الأشكال ضمن نفس الهيكل الزمني والديناميكي.

وعلى الرغم من ارتباطها الأكاديمي والعملي الوثيق بالعنف بين الأزواج، إلا أن مفهوم الدورة قد تم تطبيقه على نطاق أوسع ليشمل ظواهر أخرى، مثل العنف بين الأجيال (انتقال أنماط الإساءة من جيل إلى آخر)، والصراعات السياسية والجماعية التي تتسم بالتصعيد المتكرر والانتقام المتبادل. وفي كل هذه السياقات، يظل المبدأ الأساسي هو التبادل المتناوب بين فترات الهدوء الظاهر أو التهدئة المؤقتة، وفترات الانفجار العنيف، مما يخلق حلقة مفرغة يصعب كسرها دون تدخل خارجي أو تغيير جذري في ديناميكيات القوة الأساسية.

2. أصل المصطلح والتطور التاريخي

يعود الفضل الأساسي في صياغة ونشر مفهوم دورة العنف إلى عالمة النفس الأمريكية لينور إي. ووكر (Lenore E. Walker) في كتابها الرائد الصادر عام 1979، “المرأة المعنفة” (The Battered Woman). قبل عمل ووكر، كان يُنظر إلى العنف المنزلي في الغالب على أنه حوادث معزولة أو نوبات غضب فردية ناتجة عن ضغوط اللحظة. لم يكن هناك اعتراف واسع النطاق بأن الإساءة تشكل نمطًا متماسكًا ومنتظمًا يتبع مسارًا يمكن التنبؤ به.

قامت ووكر بتطوير هذا النموذج بناءً على مقابلاتها البحثية مع آلاف النساء الناجيات من العنف المنزلي، ولاحظت وجود نمط سلوكي متكرر ظهر بانتظام عبر قصصهن. كان الهدف من تحديد هذه المراحل هو توفير إطار عمل مفاهيمي يساعد الضحايا والمهنيين على فهم الطبيعة الملتوية والمقنعة للإساءة، وتفسير لماذا تبقى النساء في علاقات مؤذية، خاصةً عند الأخذ في الاعتبار قوة مرحلة “شهر العسل” التي تعطي الأمل الكاذب في التغيير. لقد كان هذا المفهوم تحولاً جذريًا في كيفية تعامل النظام القانوني والاجتماعي مع العنف الأسري، حيث ركز التحليل من “ماذا فعلت الضحية لاستفزاز العنف؟” إلى “كيف يعمل نمط العنف هذا على إدامة السيطرة؟”.

وقد استندت ووكر جزئيًا إلى الأبحاث السابقة حول ديناميكيات القوة والسيطرة، لكنها كانت أول من حدد المراحل الثلاث المميزة للدورة بوضوح منهجي. اكتسب المفهوم قبولاً سريعًا في مجالات العمل الاجتماعي والصحة العقلية، وأصبح أداة أساسية في تدريب العاملين في الملاجئ وخطوط المساعدة. وعلى الرغم من أن الأبحاث اللاحقة قد أدخلت تعديلات على النموذج (مثل نماذج الإكراه المستمر)، فإن إطار ووكر الثلاثي يظل حجر الزاوية في فهم ديناميكيات الإساءة الدورية.

3. الخصائص الأساسية وديناميكيات الاستمرارية

تتميز دورة العنف بعدد من الخصائص الأساسية التي تفسر قوتها وقدرتها على الاستمرار في التأثير على الضحايا والمعتدين على حد سواء. أولاً، هي ظاهرة غير خطية في تأثيرها؛ فبينما يتم وصفها بخطوات متتابعة، فإن التأثيرات النفسية لا تتراكم بشكل بسيط، بل تخلق تشابكًا معقدًا من التبعية والخوف. ثانياً، تتميز بـالتصاعد المستمر، حيث يقل الوقت المستغرق للانتقال من مرحلة التوتر إلى الانفجار، وتزداد شدة العنف في كل مرة، مما يزيد من الخطر على سلامة الضحية.

تعتبر السيطرة والإكراه هي المحرك الرئيسي لدورة العنف. فالعنف ليس مجرد فقدان للسيطرة من قبل المعتدي، بل هو في الأساس آلية للحفاظ على السيطرة المطلقة على الضحية وحياتها. وتضمن الدورة استمرارية هذه السيطرة من خلال التناوب بين العقاب (مرحلة الانفجار) والتعزيز الإيجابي (مرحلة شهر العسل)، مما يجعل الضحية في حالة دائمة من الترقب والأمل المتضارب. هذا التناوب يشوه إدراك الضحية للواقع ويجعلها تعتقد أن المعتدي قادر على التغيير، طالما أنها تستطيع “فقط” تلبية متطلباته.

كما أن العزل الاجتماعي يلعب دورًا حاسمًا. فغالبًا ما يعمل المعتدون على قطع علاقات الضحية بأصدقائها وعائلتها، مما يقلل من مصادر الدعم الخارجية التي يمكن أن تساعد الضحية على كسر الدورة. وعندما تنتهي حوادث العنف بمرحلة “شهر العسل”، فإن الضحية تميل إلى سحب أي شكاوى أو شهادات قدمتها، خوفًا من العواقب أو رغبةً في تصديق الوعود الكاذبة، مما يدعم سرد المعتدي بأن العنف كان مجرد “سوء تفاهم” أو “حادث فردي”، ويضمن بالتالي استمرار الدورة في الخفاء.

4. مراحل دورة العنف

حدد نموذج ووكر ثلاث مراحل رئيسية لدورة العنف، تمثل كل منها حالة نفسية وسلوكية مختلفة تؤثر على كل من المعتدي والضحية.

4.1. المرحلة الأولى: بناء التوتر

تتميز هذه المرحلة بزيادة تدريجية في الاحتكاك والعدوانية اللفظية وغير اللفظية. يبدأ المعتدي في إظهار الانزعاج أو الغضب بسبب قضايا بسيطة، وتتصاعد انتقاداته تجاه الضحية. يشعر المعتدي بزيادة الضغط النفسي أو الإحباط ويجد صعوبة في التعامل معه بطرق صحية. في المقابل، تشعر الضحية بالخطر المتزايد وتعمل بنشاط على تهدئة الموقف أو محاولة تجنب إثارة غضب المعتدي. قد تحاول الضحية تلبية جميع مطالب المعتدي، أو الانسحاب من التفاعل، أو تبرير سلوكه. هذه الفترة غالبًا ما تكون أطول المراحل، وقد تستمر من أسابيع إلى أشهر، وتتسم بشعور متزايد بالتوتر والقلق لدى الضحية، التي تدرك بشكل حدسي أن انفجارًا وشيكًا.

خلال مرحلة بناء التوتر، قد يظهر العنف في صورة إساءة عاطفية أو تلاعب نفسي متزايد، دون أن يصل إلى حد الإيذاء الجسدي الشديد. الهدف من سلوك المعتدي في هذه المرحلة هو اختبار الحدود وتأكيد السيطرة. قد يشعر المعتدي بأنه “يستحق” الانفجار العنيف كوسيلة لتخفيف التوتر الذي بناه، بينما تشعر الضحية بضرورة “السير على قشر البيض” لتجنب الكارثة. هذه المرحلة حاسمة لأنها ترسخ نمط التحمل الصامت وتمنح المعتدي الإذن الضمني بمواصلة التصعيد.

4.2. المرحلة الثانية: حادثة العنف الحاد

تمثل هذه المرحلة الذروة في الدورة، حيث يتم إطلاق التوتر المتراكم في المرحلة الأولى بشكل انفجاري. يمكن أن يكون هذا الانفجار عنفًا جسديًا شديدًا، أو إيذاءً نفسيًا مدمرًا، أو مزيجًا منهما. يكون المعتدي خلال هذه الفترة غير مسيطر على سلوكه بشكل واضح، وقد يكون مستوى العنف غير متناسب تمامًا مع أي حدث محفز ظاهري. هذه هي المرحلة الأكثر خطورة بالنسبة للضحية، حيث يمكن أن تحدث إصابات جسدية خطيرة أو حتى الموت.

تتميز حادثة العنف الحاد بكونها قصيرة نسبيًا ومكثفة، وهي غالبًا ما تخدم غرضًا مزدوجًا للمعتدي: تخفيف التوتر الذي شعر به، وإعادة تأكيد سيطرته المطلقة على الضحية. بعد الانفجار، قد يشعر كل من المعتدي والضحية بنوع من “التحرر” المؤقت من التوتر، رغم أن هذا التحرر يكون مصحوبًا بالصدمة والألم. إن شدة هذا العنف هي ما يدفع الضحايا أحيانًا إلى طلب المساعدة أو محاولة المغادرة، لكن ما يتبع هذه المرحلة هو ما يجعل القرار صعبًا.

4.3. المرحلة الثالثة: المصالحة والهدوء (شهر العسل)

تُعرف هذه المرحلة أيضًا بمرحلة “شهر العسل” (Honeymoon Phase) أو مرحلة التهدئة والندم. تبدأ بعد فترة وجيزة من الانفجار العنيف وتتسم بالاعتذار والندم والتعبير عن الحب والوعود بالتغيير من قبل المعتدي. قد يقوم المعتدي بتقديم الهدايا، أو التودد المفرط، أو إظهار السلوكيات التي كانت موجودة في المراحل المبكرة من العلاقة، مما يعطي الضحية إحساسًا كاذبًا بأن المعتدي “الطبيعي” قد عاد وأن العنف لن يتكرر أبدًا.

هذه المرحلة هي أقوى آلية لإدامة الدورة. ففيها، يتم تعزيز الارتباط العاطفي بين الطرفين، ويتم محو أو تقليل آثار العنف الذي حدث للتو. تصدق الضحية الوعود لأنها تريد بشدة تصديقها، ولأنها قد تكون معتمدة عاطفيًا أو ماليًا على المعتدي. بالنسبة للمعتدي، فإن هذه المرحلة تسمح له بتخفيف الشعور بالذنب واستعادة صورته الذاتية كشخص “جيد” أو “محب”، مع ضمان بقاء الضحية. بمجرد أن يستقر الهدوء وتتلاشى الوعود، يبدأ التوتر في البناء مرة أخرى، وتعود الدورة إلى المرحلة الأولى.

5. الأهمية والتأثير

يتمتع مفهوم دورة العنف بأهمية محورية في فهم ومعالجة ظاهرة العنف الأسري على عدة مستويات. أولاً، على المستوى السريري، يوفر النموذج إطارًا للمختصين لفهم السلوك المتناقض للضحايا، مثل سحب الشكاوى أو العودة إلى المعتدي. إن إدراك أن الضحية ليست تعاني من حادثة واحدة بل من دورة منهجية، يوجه التدخلات العلاجية والدعم بشكل أكثر فعالية نحو كسر هذا النمط وتعزيز الاستقلال.

ثانياً، على المستوى القانوني والاجتماعي، ساعدت الدورة في تحويل وجهة نظر المحاكم تجاه جرائم العنف المنزلي، مؤكدةً أن العنف هو سلوك نمطي وليس مجرد نزاع عائلي. كما أن فهم الدورة أمر بالغ الأهمية في قضايا الدفاع الذاتي للمرأة المعنفة (Battered Woman Syndrome)، حيث يمكن أن يفسر لماذا قد تتصرف الضحية بعنف مسبق خوفاً من وقوع الانفجار التالي، مما يؤكد حالة الخطر المستمر الذي تعيشه. وقد أثر المفهوم بشكل مباشر في تصميم برامج التدخل للمعتدين، التي تهدف إلى تعليمهم آليات صحية للتعامل مع التوتر قبل الوصول إلى مرحلة الانفجار.

ثالثاً، يمتد تأثير الدورة إلى فهم العنف بين الأجيال. فإذا نشأ الطفل في بيئة يرى فيها هذه الدورة بانتظام، فمن المرجح أن يتعلم هذه الأنماط ويطبقها في علاقاته المستقبلية إما كضحية أو كمعتدٍ. وهكذا، تصبح دورة العنف آلية لنقل الصدمات السلوكية عبر الأسر والمجتمعات، مما يجعل التدخل المبكر في مرحلة الطفولة أمراً حيوياً لكسر السلسلة على المدى الطويل.

6. الجدالات والانتقادات

على الرغم من القبول الواسع لنموذج دورة العنف وتأثيره الإيجابي على الوعي العام، فقد واجه عدداً من الانتقادات الأكاديمية والسريرية المهمة. أحد أبرز هذه الانتقادات هو أن النموذج قد يبسط بشكل مفرط الطبيعة المعقدة والدائمة للإساءة. يرى النقاد أن الإساءة في العديد من العلاقات ليست ظاهرة دورية تحدث على فترات متباعدة، بل هي حالة مستمرة من السيطرة والإكراه.

وقد قدم الباحثون مثل إيفان ستارك (Evan Stark) نموذج التحكم القسري (Coercive Control) كبديل، مشيرين إلى أن الإساءة غالبًا ما تكون استراتيجية شاملة ومستمرة هدفها تجريد الضحية من حريتها واستقلالها، بدلاً من مجرد نوبات غضب متقطعة تتبعها المصالحة. في هذا المنظور، لا تتوقف الإساءة أبدًا؛ بل قد تتغير أشكالها، ولكن السيطرة تبقى ثابتة. ويرى البعض أن التركيز المفرط على الدورة قد يقلل من أهمية الإساءة العاطفية والمالية التي قد تستمر بقوة حتى في مرحلة “شهر العسل” الظاهرة.

انتقاد آخر يتعلق بـالعمومية الثقافية للمفهوم. فقد تم تطوير النموذج أساسًا بناءً على خبرات النساء في الولايات المتحدة، وقد لا ينطبق بشكل دقيق على جميع السياقات الثقافية والاجتماعية التي تختلف فيها أنماط السلطة والتوقعات الزوجية. بالإضافة إلى ذلك، يجد النموذج صعوبة في تفسير العلاقات التي تنطوي على عنف متبادل أو تلك التي لا تظهر فيها مرحلة “شهر العسل” على الإطلاق، حيث قد يغيب الندم أو الاعتذار تمامًا من سلوك المعتدي، مما يشير إلى أن الدورة ليست نموذجًا عالميًا لجميع أشكال العنف في العلاقات الحميمية.

7. مصادر إضافية للقراءة