المحتويات:
عوامل الاستطاعة (Can-Do Factors)
المجالات التخصصية الرئيسية: علم النفس السلوكي، نظرية تغيير السلوك، الأمن وعلم الجريمة.
1. التعريف الجوهري
تُمثل عوامل الاستطاعة (Can-Do Factors) مجموعة المتغيرات الداخلية والخارجية التي تحدد ما إذا كان الفرد أو الكيان يمتلك القدرة الفعلية على تنفيذ سلوك معين أو مهمة محددة بنجاح. وفي سياق نماذج تغيير السلوك الحديثة، لا سيما نموذج COM-B (القدرة، الفرصة، الدافع – السلوك)، تُعد الاستطاعة أحد الركائز الثلاث الأساسية التي يجب أن تتوافر لتفسير السلوك وتوجيهه. إن الاستطاعة تتجاوز مجرد الرغبة أو النية؛ فهي تتعلق بالموارد المتاحة والمهارات المكتسبة اللازمة للتحويل من النية إلى الفعل. ويشمل هذا المفهوم القدرات المعرفية والفيزيائية، بالإضافة إلى المهارات التطبيقية التي تمكن الفرد من إنجاز العمل المطلوب في بيئة معينة. وبدون وجود هذه العوامل، حتى لو كان الدافع قوياً والفرص متاحة، يظل السلوك المطلوب مستحيلاً من الناحية العملية.
ويشير هذا المفهوم بعمق إلى أن الفشل في أداء سلوك مرغوب فيه لا يعود بالضرورة إلى نقص في الدافع أو وجود عوائق خارجية، بل قد يكون ناجماً عن قصور جوهري في القدرة الذاتية على التنفيذ. ولهذا السبب، عند تصميم أي تدخل يهدف إلى تغيير سلوكيات الأفراد (سواء كانت متعلقة بالصحة العامة، أو الالتزام الأمني، أو الإنتاجية في العمل)، يجب تحليل عوامل الاستطاعة بعناية فائقة. ويتطلب هذا التحليل تحديد الفجوات بين ما هو مطلوب من الفرد وما هو متاح له من مهارات ومعرفة وموارد داخلية. علاوة على ذلك، لا تقتصر الاستطاعة على المهارات الفردية فحسب، بل تمتد لتشمل القدرة التنظيمية والمؤسسية في سياقات أوسع، حيث تحدد مدى استعداد المؤسسة لتنفيذ استراتيجياتها بكفاءة.
ويعتبر فهم عوامل الاستطاعة خطوة أولية وحاسمة في أي عملية تحليل سلوكي، حيث يوفر الأساس لتطوير تدخلات مستهدفة وفعالة. فبدلاً من التركيز فقط على “لماذا” يريد الناس القيام بشيء ما (الدافع)، يركز هذا المفهوم على “كيف” يمكنهم القيام به فعلياً. وهذا التحول في التركيز يوجه التدخلات نحو التدريب، وتنمية المهارات، وتقديم الدعم المعرفي، بدلاً من مجرد استخدام الحوافز أو العقوبات التي قد تكون غير فعالة إذا كانت الاستطاعة غائبة بالأساس.
2. الأصل والسياق النظري
تعود جذور مفهوم عوامل الاستطاعة إلى النظريات المعرفية والاجتماعية التي بدأت في الظهور في منتصف القرن العشرين، والتي أكدت على دور الكفاءة الذاتية والقدرة المدركة في تحديد السلوك. ومع ذلك، اكتسب المفهوم أهمية خاصة وشكلاً أكثر تنظيماً ضمن الأطر الحديثة لتغيير السلوك. أحد أبرز السياقات التي تبلور فيها هذا المفهام هو نموذج COM-B، الذي طورته البروفيسورة سوزان ميتشي وزملاؤها في جامعة كوليدج لندن. وقد صُمم هذا النموذج ليكون إطاراً شاملاً لفهم السلوك البشري، حيث يفترض أن السلوك (B) يحدث كنتيجة لتفاعل ثلاثي بين القدرة (C)، والفرصة (O)، والدافع (M).
وقبل ظهور نموذج COM-B، كانت العديد من نماذج الصحة وعلم النفس تركز بشكل مكثف على الدافع (مثل نظرية السلوك المخطط)، أو على العوامل البيئية (مثل النماذج البيئية الاجتماعية). لكن نموذج COM-B، بوضع الاستطاعة كمتغير مستقل ومحدد، أقر بأن امتلاك الموارد الداخلية اللازمة هو شرط مسبق لإحداث التغيير. وهذا التطور النظري كان ضرورياً لسد الفجوة التي لاحظها الباحثون بين النية والسلوك؛ حيث يمتلك الأفراد أحياناً نية قوية لتغيير سلوكهم (دافع)، وتتاح لهم الفرصة لذلك، لكنهم يفتقرون إلى المهارات أو المعرفة اللازمة للتنفيذ الفعلي.
وفي سياق علم الجريمة والأمن، يُستخدم مفهوم شبيه بعوامل الاستطاعة ضمن إطار “الدافع والفرصة والقدرة” (MOC)، حيث تشير القدرة إلى الموارد والأدوات التي يمتلكها الجاني المحتمل لتنفيذ فعل إجرامي أو تجاوز حاجز أمني. وفي هذا المجال، يتم تحليل عوامل الاستطاعة لتحديد نقاط الضعف في الأنظمة الأمنية التي قد يستغلها المهاجم. سواء في علم النفس أو الأمن، يظل المبدأ الأساسي واحداً: القدرة على الفعل هي محدد أساسي لحدوث الفعل ذاته. وقد سمح هذا التأطير للباحثين بتحديد التدخلات التي تركز على بناء القدرات بدلاً من مجرد تغيير المواقف أو توفير الفرص.
3. المكونات الأساسية لعوامل الاستطاعة
تُقسم عوامل الاستطاعة عادة إلى مكونين رئيسيين مترابطين، يمثلان معاً الأساس الشامل للقدرة على الأداء: الاستطاعة الفيزيائية والاستطاعة النفسية/المعرفية.
- الاستطاعة الفيزيائية (Physical Capability): وتشمل المهارات البدنية، واللياقة، والقوة، والتحمل، والتنسيق اللازمين لتنفيذ السلوك. على سبيل المثال، في سياق تشجيع النشاط البدني، فإن الاستطاعة الفيزيائية تتضمن قدرة الفرد على المشي أو الجري لمسافات معينة دون إجهاد شديد. وفي السياقات المهنية، قد تشمل القدرة على استخدام أدوات معقدة أو إجراء عمليات يدوية دقيقة. إن أي قيود فيزيائية (مثل الإصابات المزمنة أو الإعاقات) تُعد عائقاً مباشراً أمام عوامل الاستطاعة.
- الاستطاعة النفسية والمعرفية (Psychological/Cognitive Capability): وهي تتعلق بالعمليات العقلية والمهارات المعرفية المطلوبة لفهم السلوك، ومعالجته، وتذكره، والتخطيط له. وتشمل هذه الاستطاعة المعرفة المحددة بالسلوك (ماذا يجب أن أفعل؟)، والمهارات المعرفية مثل الانتباه، والذاكرة العاملة، وحل المشكلات، والقدرة على اتخاذ القرار. على سبيل المثال، تتطلب الاستطاعة المعرفية في مجال إدارة الأموال فهماً لكيفية عمل الميزانية، والقدرة على مقاومة الإغراءات الشرائية (ضبط النفس المعرفي)، وتذكر الالتزامات المالية. ويُعد هذا الجانب حاسماً في السلوكيات المعقدة التي تتطلب تخطيطاً مستقبلياً وتنظيماً ذاتياً.
ويجب أن يتم تحليل هذين المكونين بشكل متكامل عند تقييم الاستطاعة. فمثلاً، قد يمتلك شخص ما الاستطاعة الفيزيائية لحمل صندوق ثقيل، لكنه يفتقر إلى الاستطاعة المعرفية لمعرفة التقنية الصحيحة لحمله دون إيذاء ظهره. وبالتالي، فإن التدخل الفعال يتطلب معالجة النقص في كلا الجانبين. قد يتطلب ذلك التدريب العملي لتعزيز المهارات الفيزيائية، أو التثقيف والتوجيه لتعزيز المعرفة والفهم.
4. التمييز عن الفرصة والدافع
من الضروري التمييز بين عوامل الاستطاعة والعاملين الآخرين الرئيسيين في نماذج السلوك، وهما الفرصة والدافع، رغم تداخلهما في الواقع العملي. إن التمييز النظري يسمح بوضع تدخلات دقيقة ومستهدفة لمعالجة الخلل في كل عامل على حدة.
تُعرف الفرصة (Opportunity) بأنها العوامل البيئية أو السياقية التي تجعل تنفيذ السلوك ممكناً أو صعباً. تنقسم الفرصة إلى فرصة فيزيائية (مثل وجود الأدوات اللازمة، أو القرب المكاني من مكان ممارسة السلوك) وفرصة اجتماعية (مثل وجود الدعم الاجتماعي، أو القوانين المشجعة). أما عوامل الاستطاعة، فهي داخلية بالفرد. على سبيل المثال، إذا أراد شخص ممارسة الرياضة، فإن وجود صالة رياضية قريبة بسعر معقول يمثل “فرصة”، بينما قدرته على استخدام معدات الصالة بشكل صحيح وفهم نظام التدريب يمثل “استطاعة”.
أما الدافع (Motivation)، فيشير إلى العمليات الدماغية التي تنشط وتوجه السلوك. ويشمل الدوافع العاكسة (مثل العواطف، والدوافع اللاواعية) والدوافع التأملية (مثل التقييمات الواعية، والمعتقدات، والنوايا). الدافع هو “لماذا” يقوم الشخص بالفعل، بينما الاستطاعة هي “كيف” يمكنه القيام به. قد يكون لدى موظف دافع قوي جداً للالتزام ببروتوكولات الأمن السيبراني (مثل الخوف من الفصل أو الرغبة في الحفاظ على الوظيفة)، لكنه يفتقر إلى الاستطاعة المعرفية لفهم تعقيدات كلمات المرور القوية أو آليات التصيد الاحتيالي. في هذه الحالة، زيادة الحوافز (الدافع) لن تغير السلوك ما لم يتم رفع مستوى الاستطاعة عبر التدريب.
5. التطبيقات في نماذج تغيير السلوك
تُعد عوامل الاستطاعة محورية في تصميم تدخلات تغيير السلوك الفعالة، خاصة في مجالات الصحة العامة والتعليم. فبدلاً من اعتماد نهج “مقاس واحد يناسب الجميع”، يتطلب تحليل الاستطاعة تشخيصاً دقيقاً للنواقص المحددة لدى الجمهور المستهدف.
في مجال الصحة العامة، عند محاولة تشجيع سلوك صحي جديد (مثل اتباع نظام غذائي منخفض الصوديوم)، يتم تحليل الاستطاعة المعرفية أولاً: هل يفهم الأفراد ما هو الصوديوم؟ هل يعرفون قراءة الملصقات الغذائية؟ ثم تُحلل الاستطاعة الفيزيائية/المهارية: هل يمتلكون مهارات الطهي اللازمة لإعداد وجبات صحية؟ وبناءً على هذا التحليل، يمكن أن تتخذ التدخلات شكل ورش عمل لتعليم مهارات الطهي، أو حملات تثقيفية لرفع مستوى الوعي الغذائي. وهذا يضمن أن التغيير ليس مجرد قرار عاطفي، بل هو قدرة تطبيقية مستدامة.
وفي سياق التعليم والتدريب، يتمحور التقييم حول الاستطاعة المعرفية. عند إطلاق نظام تكنولوجي جديد في مؤسسة ما، يتم تقييم “استطاعة” الموظفين على استخدام هذا النظام. فإذا كان الموظفون يفتقرون إلى المعرفة التقنية الأساسية (استطاعة معرفية)، فإن دافعهم لتبني النظام سيكون منخفضاً، وستكون فرصتهم لاستخدامه ناجحة معدومة. وتصبح استراتيجية التدخل هنا هي توفير التدريب العملي الموجه لرفع الكفاءة، وتقديم الدعم الفني المستمر لبناء ثقة الموظف في قدرته على الأداء. إن التركيز على بناء الاستطاعة يضمن أن الموظف لا يعرف فقط ما يجب فعله، بل يعرف كيف يفعله بكفاءة.
6. الدور في تقييم الأمن والمخاطر
على الرغم من أن المفهوم نشأ بقوة في علم النفس السلوكي، إلا أن عوامل الاستطاعة تلعب دوراً حيوياً في تقييم الأمن وإدارة المخاطر، خاصة فيما يتعلق بالأمن السيبراني وأمن المعلومات. هنا، يتم تطبيق المفهوم على كل من المهاجم والمدافع.
بالنسبة للمدافعين (المؤسسات والأفراد الذين يحمون الأصول)، تشير الاستطاعة إلى مدى جاهزيتهم التقنية والبشرية لمواجهة التهديدات. وهذا يشمل الاستطاعة المعرفية (فهم الموظفين لسياسات الأمن ومخاطر التصيد الاحتيالي) والاستطاعة التنظيمية/الفيزيائية (امتلاك المؤسسة للبنية التحتية الأمنية، وأنظمة الكشف عن التهديدات، وقدرتها على الاستجابة السريعة للحوادث). الفشل في أي من هذه الجوانب يمثل فجوة في الاستطاعة، مما يرفع مستوى المخاطر.
أما بالنسبة للمهاجمين أو الجناة، فإن تحليل الاستطاعة يركز على الموارد والمهارات التي يمتلكونها. إن قدرة الجاني على تنفيذ عملية معقدة تعتمد بشكل مباشر على استطاعته: هل يمتلك الأدوات البرمجية اللازمة؟ هل لديه المهارات التقنية لتجاوز الحواجز الأمنية؟ هل لديه شبكة دعم لوجستي؟ يساعد هذا التحليل في تطوير دفاعات مضادة تركز على تقليل استطاعة المهاجم (مثل تجفيف مصادر التمويل أو تشديد الرقابة على الأدوات غير القانونية)، بالإضافة إلى بناء استطاعة المدافعين. وفي هذا الإطار، يُعتبر تحديد عوامل الاستطاعة للمهاجم جزءاً لا يتجزأ من الاستخبارات الأمنية لتقدير مستوى التهديد.
7. القياس والتفعيل العملي
يتطلب تفعيل مفهوم عوامل الاستطاعة في البحث والتطبيق أدوات قياس دقيقة وموثوقة. غالباً ما يتم قياس الاستطاعة باستخدام مزيج من المقاييس الذاتية والموضوعية.
- المقاييس الذاتية: تعتمد على تقارير الأفراد الذاتية حول مهاراتهم ومعرفتهم (على سبيل المثال، استبيانات تسأل: “ما مدى ثقتك في قدرتك على إعداد وجبة صحية؟”). ورغم فائدتها في تقييم الكفاءة المدركة، إلا أنها قد تكون متحيزة بسبب المبالغة أو التقليل من القدرات الفعلية.
- المقاييس الموضوعية (الاختبارات): وتشمل اختبارات المعرفة والمهارات المباشرة. فمثلاً، يمكن اختبار الاستطاعة المعرفية من خلال اختبارات قصيرة تقيس فهم الفرد للمعلومات الصحية أو الأمنية. ويمكن قياس الاستطاعة الفيزيائية من خلال اختبارات الأداء (مثل اختبارات اللياقة البدنية أو اختبارات مهارات القيادة). وهذه المقاييس أكثر موثوقية لأنها تقيس الأداء الفعلي وليس الشعور به.
- الملاحظة السلوكية: وهي المراقبة المباشرة لسلوك الفرد في بيئة طبيعية أو محاكاة لتقييم مدى كفاءته في تنفيذ المهمة المطلوبة. وهي الطريقة الأكثر دقة لقياس الاستطاعة المهارية (الفيزيائية أو التطبيقية).
وبعد قياس الاستطاعة، يتم تفعيلها عملياً من خلال تصميم “حزمة تدخلات” (Intervention Package) موجهة. إذا كشف القياس عن نقص في الاستطاعة المعرفية، يجب أن يركز التدخل على التثقيف والإرشاد. وإذا كان النقص في الاستطاعة الفيزيائية/المهارية، يجب أن يركز التدخل على التدريب العملي الموجه والممارسة المتكررة (Drills) لترسيخ المهارة. وبالتالي، فإن القيمة العملية لعوامل الاستطاعة تكمن في أنها توفر دليلاً إجرائياً لتصميم التدخلات التي تضمن أن الأفراد ليسوا مستعدين وراغبين فحسب، بل قادرون فعلاً على إحداث التغيير.
8. الانتقادات والقيود
على الرغم من الأهمية الكبيرة التي يتمتع بها مفهوم عوامل الاستطاعة في النماذج السلوكية، إلا أنه يواجه بعض الانتقادات والقيود المنهجية والتطبيقية.
أحد الانتقادات الرئيسية يتعلق بالتداخل المفاهيمي مع الكفاءة الذاتية (Self-Efficacy). فالكفاءة الذاتية، كما حددها ألبرت باندورا، هي اعتقاد الفرد بقدرته على تنظيم وتنفيذ مسارات العمل المطلوبة لإدارة المواقف المحتملة. ويرى بعض النقاد أن الاستطاعة (خاصة المكون المعرفي) يصعب فصلها بشكل كامل عن الكفاءة الذاتية المدركة. ومع ذلك، يرد المدافعون عن نموذج COM-B بأن الاستطاعة تشير إلى القدرة الفعلية والموضوعية (المعرفة والمهارة)، بينما تشير الكفاءة الذاتية إلى الاعتقاد الذاتي بهذه القدرة. قد يمتلك الفرد القدرة الفعلية لكنه لا يثق بها، أو العكس.
قيود أخرى تتعلق بالقياس. فمن الصعب أحياناً قياس الاستطاعة المعرفية بشكل شامل وموضوعي لجميع أبعاد السلوك. ففي حين يمكن قياس مهارة محددة بسهولة، فإن قياس القدرة على التخطيط الاستراتيجي أو المرونة المعرفية (وهما جزء من الاستطاعة) يظل تحدياً معقداً. بالإضافة إلى ذلك، يتأثر مستوى الاستطاعة بشدة بالعامل الزمني والبيئة؛ فالاستطاعة التي كانت كافية في الماضي قد لا تكون كافية في الحاضر بسبب التغيرات التكنولوجية أو البيئية، مما يتطلب إعادة تقييم مستمرة وتدريباً متواصلاً.