فقدان الشهية العصبي – anorexia

القهم (Anorexia) وفقدان الشهية العصبي (Anorexia Nervosa)

Primary Disciplinary Field(s): الطب النفسي، اضطرابات الأكل، علم النفس السريري، التغذية السريرية

1. التعريف الجوهري

يشير مصطلح القهم (Anorexia) في معناه الأوسع إلى عرض يتمثل في فقدان الشهية أو النفور من الطعام، وهو قد يكون ناتجاً عن مجموعة واسعة من الحالات الطبية أو النفسية. ومع ذلك، عندما يُستخدم هذا المصطلح في السياق الأكاديمي والسريري بشكل منفرد، فإنه غالباً ما يكون اختصاراً لـ فقدان الشهية العصبي (Anorexia Nervosa)، وهو اضطراب معقد وخطير في الأكل يتميز بتقييد شديد في تناول السعرات الحرارية، مما يؤدي إلى انخفاض ملحوظ في وزن الجسم، مصحوباً بخوف هائل من زيادة الوزن أو السمنة، وسلوكيات تهدف إلى منع زيادة الوزن، بالإضافة إلى اضطراب في إدراك شكل الجسم ووزنه. لا يقتصر فقدان الشهية العصبي على مجرد الامتناع عن الأكل، بل يتضمن تشويهاً معرفياً عميقاً لطبيعة الجسم ووزنه، حيث يرى المصاب نفسه سميناً حتى في حالة الهزال الشديد.

إن فقدان الشهية العصبي هو أحد أكثر اضطرابات الصحة النفسية فتكاً، حيث يتميز بأعلى معدل وفيات بين الاضطرابات النفسية الأخرى، سواء بسبب المضاعفات الطبية الناتجة عن سوء التغذية الحاد أو بسبب ارتفاع معدلات الانتحار المصاحبة له. وتكمن خطورته في أن المصابين به غالباً ما يرفضون الاعتراف بوجود مشكلة أو يقاومون العلاج بشدة، نظراً لأن أعراض الاضطراب تكون متوافقة مع الأنا (Ego-Syntonic)، أي أن المريض يرى سلوكه كإنجاز أو هدف مرغوب بدلاً من كونه مرضاً يستدعي الشفاء. يتطلب التشخيص السريري لهذا الاضطراب استيفاء معايير محددة تتعلق بمؤشر كتلة الجسم (BMI) والسلوكيات والمعتقدات النفسية المرافقة.

من الضروري التمييز بين القهم كعرض (فقدان الشهية) الذي قد يحدث مؤقتاً لأسباب مثل الحمى أو الاكتئاب، وبين القهم العصبي كاضطراب نفسي مزمن ومهدد للحياة. يندرج فقدان الشهية العصبي ضمن الفئة التشخيصية لاضطرابات الأكل والتغذية وفقاً للدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية (DSM-5)، ويشكل تحدياً كبيراً للأنظمة الصحية نظراً لطبيعته المزمنة والمعقدة وتأثيره المتعدد الأوجه على جميع أجهزة الجسم.

2. أصل الكلمة والتطور التاريخي

تعود جذور مصطلح Anorexia إلى اللغة اليونانية، حيث يتكون من المقطع “an-” ويعني “بدون” أو “نفي”، والمقطع “orexis” ويعني “شهية” أو “رغبة”. وبالتالي، فإن المعنى الحرفي هو “انعدام الشهية”. ورغم أن الظاهرة السريرية التي نعرفها اليوم باسم فقدان الشهية العصبي قد تم توثيقها في العصور القديمة والوسطى، خاصة في سياق الزهد الديني والتقشف، إلا أن التوصيف الطبي الحديث للاضطراب لم يظهر إلا في القرن السابع عشر.

أحد أقدم الأوصاف السريرية الواضحة للحالة المتميزة بالهزال الشديد الناجم عن الامتناع الطوعي عن الطعام قدمه الطبيب الإنجليزي ريتشارد مورتون (Richard Morton) عام 1689، الذي وصف حالة مريضة “بالاستهلاك العصبي” (Nervous Consumption) كانت تعاني من فقدان الشهية دون سبب واضح، مما أدى إلى هزالها الشديد. ومع ذلك، فإن الفهم الكامل والاعتراف الرسمي بالحالة ككيان مرضي مستقل ومتميز عن السل أو غيره من أمراض الهزال لم يتحقق إلا في العصر الفيكتوري.

في عام 1873، قام كل من الطبيب الفرنسي تشارلز لاسيج (Charles Lasègue) والطبيب الإنجليزي السير ويليام غول (Sir William Gull) بوصف الحالة بشكل مستقل تقريباً. أطلق غول عليها اسم فقدان الشهية العصبي (Anorexia Nervosa)، مؤكداً على الطبيعة العصبية أو النفسية للحالة، مشيراً إلى أن الدافع الأساسي ليس فقدان الشهية الفعلي (كما قد يوحي الاسم)، بل هو النفور العقلي النشط من الطعام والخوف من السمنة. أدت هذه الأوصاف التفصيلية إلى ترسيخ الاضطراب كتشخيص نفسي مستقل، وبدأت الأبحاث في الربط بين العوامل النفسية والاجتماعية وسوء التغذية.

3. الخصائص السريرية والمحورية

يتميز فقدان الشهية العصبي بثلاثة خصائص محورية وفقاً لمعايير DSM-5: أولاً، تقييد تناول الطاقة بما يؤدي إلى انخفاض وزن الجسم بشكل كبير عن الحد الأدنى الطبيعي المتوقع للعمر والجنس والطول. ثانياً، الخوف الشديد من زيادة الوزن أو السمنة، أو السلوك المستمر الذي يتعارض مع زيادة الوزن، حتى عندما يكون الفرد ناقص الوزن بالفعل. ثالثاً، اضطراب في طريقة تجربة وزن الجسم أو شكله، أو التأثير غير المبرر لوزن الجسم أو شكله على التقييم الذاتي، أو الإنكار لخطورة انخفاض وزن الجسم الحالي.

تتجاوز الأعراض السريرية مجرد تقييد الطعام. فغالباً ما يظهر المصابون سلوكيات قهرية تتعلق بالطعام، مثل تقسيم الطعام إلى قطع صغيرة، أو إخفاء الطعام، أو طقوس أكل غريبة. كما يمارس الكثيرون منهم الرياضة المفرطة والقسرية كأداة لحرق السعرات الحرارية المكتسبة، حتى عندما يكونون في حالة إجهاد جسدي أو مرض. ويُعد الانشغال المفرط بالطعام، بما في ذلك جمع الوصفات أو إعداد وجبات للآخرين دون تناولها بأنفسهم، من السمات التناقضية الشائعة التي تعكس الصراع الداخلي العميق لدى المريض.

على المستوى المعرفي، يعاني مرضى فقدان الشهية العصبي من تشوه في صورة الجسد (Body Dysmorphia)، حيث يرون أجزاء من أجسادهم أكبر مما هي عليه في الواقع، ويصبح وزن الجسم وشكله هو المحدد الأساسي لقيمتهم الذاتية. هذا التشوه العقلي هو ما يغذي الخوف المستمر من زيادة الوزن ويجعل محاولات العلاج صعبة، لأن المريض يرى استعادة الوزن كفشل شخصي. كما أن هناك غالباً صفات شخصية متجذرة مثل الكمالية (Perfectionism)، والصلابة المعرفية، والقلق الشديد، والتي تساهم في تثبيت السلوكيات المقيدة.

4. التصنيف والأنماط الفرعية

لأغراض التشخيص والعلاج، يتم تقسيم فقدان الشهية العصبي إلى نمطين فرعيين رئيسيين بناءً على السلوكيات التي يظهرها المريض خلال الأشهر الثلاثة الماضية، وفقاً للدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية (DSM-5). هذا التصنيف مهم لأنه يؤثر على استراتيجيات التدخل العلاجي ونتائجه.

النمط الأول هو النمط المقيد (Restricting Type). يتميز هذا النمط بفقدان الوزن بشكل أساسي من خلال تقييد تناول الطعام بشكل صارم و/أو ممارسة الرياضة المفرطة. لا يلجأ الأفراد في هذا النمط إلى سلوكيات التطهير المتكررة (مثل التقيؤ الذاتي، أو سوء استخدام الملينات أو مدرات البول) بشكل منتظم. يميل الأفراد في هذا النمط إلى إظهار مستويات عالية من الانضباط الذاتي والسيطرة، وغالباً ما يرتبط هذا النمط بسمات شخصية قهرية وكمالية.

النمط الثاني هو نمط الشراهة والتطهير (Binge-Eating/Purging Type). على الرغم من أن هؤلاء الأفراد يحافظون على وزن منخفض جداً (وهو ما يميزهم عن البوليميا أو الشره المرضي)، إلا أنهم يشاركون بانتظام في نوبات شراهة (تناول كميات كبيرة من الطعام في فترة قصيرة) تليها سلوكيات تطهير للتعويض عن السعرات الحرارية المتناولة، مثل التقيؤ الذاتي أو إساءة استخدام الملينات أو مدرات البول أو الحقن الشرجية. يمكن أن يشمل هذا النمط أيضاً التطهير بعد تناول كميات صغيرة جداً من الطعام. يميل هذا النمط إلى الارتباط بمستويات أعلى من الاندفاعية، وتعاطي المخدرات، ومشاعر الذنب، واضطرابات المزاج.

5. الأسباب وعوامل الخطر (الإتيولوجيا)

يُعد فقدان الشهية العصبي اضطراباً معقداً ومتعدد العوامل، حيث لا يوجد سبب واحد ومباشر لحدوثه، بل هو نتاج تفاعل معقد بين العوامل البيولوجية والنفسية والاجتماعية (النموذج البيولوجي-النفسي-الاجتماعي). هذا التفاعل يشرح لماذا يصاب بعض الأفراد دون غيرهم، حتى عند التعرض لنفس الضغوط البيئية.

على الصعيد البيولوجي، تلعب الجينات دوراً هاماً. تشير الدراسات الأسرية والتوائم إلى أن الاستعداد الوراثي يمثل حوالي 50-60% من خطر الإصابة. كما أن هناك أدلة متزايدة على وجود اختلالات في الناقلات العصبية، خاصة السيروتونين والدوبامين، التي قد تؤثر على الشهية والمزاج والشعور بالرضا. قد تزيد بعض السمات المزاجية الوراثية، مثل القلق أو الكمالية، من قابلية الفرد لتطوير الاضطراب عند مواجهة الضغوط.

أما العوامل النفسية، فتشمل السمات الشخصية المعرضة للخطر مثل الكمالية المفرطة، والاحتياج للسيطرة، وتجنب المخاطر، والصرامة المعرفية. غالباً ما يكون فقدان الشهية العصبي آلية للتكيف أو السيطرة على العواطف التي يشعر الفرد أنها خارجة عن إرادته. كما أن التاريخ المرضي لاضطرابات القلق، وخاصة اضطراب الوسواس القهري (OCD)، يزيد من احتمالية الإصابة. بالإضافة إلى ذلك، قد تلعب تجارب الحياة السلبية أو الصدمات دوراً محفزاً في ظهور الأعراض.

وتُعد العوامل الاجتماعية والثقافية محفزات قوية، لا سيما في المجتمعات الغربية التي تضفي قيمة عالية على النحافة وتساويها بالنجاح والجاذبية. تلعب وسائل الإعلام، بما في ذلك وسائل التواصل الاجتماعي، دوراً في ترسيخ “المثل الأعلى للنحافة” (Thinness Ideal)، مما يضع ضغوطاً هائلة على الأفراد، خاصة المراهقين والشباب، لتحقيق معايير جسم غير واقعية. كما أن الضغوط العائلية أو البيئات التي تركز بشكل مفرط على المظهر أو الأداء قد تساهم في تطور الاضطراب.

6. الآثار الجسدية والنفسية

يؤدي سوء التغذية الحاد والوزن المنخفض للغاية الناتج عن فقدان الشهية العصبي إلى تدهور واسع النطاق يصيب جميع أجهزة الجسم تقريباً، مما يجعل الاضطراب حالة طبية طارئة تتطلب تدخلاً عاجلاً. من أخطر المضاعفات الجسدية تلك التي تصيب القلب والأوعية الدموية. فغالباً ما يعاني المرضى من تباطؤ في معدل ضربات القلب (بطء القلب – Bradycardia) وانخفاض ضغط الدم، وقد يحدث ضمور في عضلة القلب. كما أن اضطرابات الكهارل (Electrolyte Imbalance)، وخاصة نقص البوتاسيوم، يمكن أن تؤدي إلى عدم انتظام ضربات القلب والسكتة القلبية المفاجئة، وهي السبب الرئيسي للوفاة في فقدان الشهية العصبي.

تشمل الآثار الجسدية الأخرى اضطرابات الغدد الصماء، مثل انقطاع الطمث (Amenorrhea) لدى الإناث بسبب انخفاض مستويات الهرمونات التناسلية، والخلل الوظيفي في الغدة الدرقية. يتأثر الجهاز الهضمي ببطء إفراغ المعدة والإمساك المزمن. كما أن نقص الكالسيوم والفيتامينات يؤدي إلى انخفاض كثافة العظام وزيادة خطر الإصابة بهشاشة العظام (Osteoporosis)، وهي مضاعفة قد تكون دائمة حتى بعد الشفاء من الاضطراب. ومن العلامات الجسدية المميزة أيضاً نمو شعر ناعم وزغبي على الجسم (Lanugo)، وانخفاض درجة حرارة الجسم، وجفاف الجلد.

أما على الصعيد النفسي، فإن فقدان الشهية العصبي غالباً ما يترافق مع أمراض نفسية مصاحبة (Comorbidities). أكثر هذه الحالات شيوعاً هي اضطرابات المزاج (مثل الاكتئاب الشديد) واضطرابات القلق (مثل القلق الاجتماعي واضطراب الوسواس القهري). كما أن العزلة الاجتماعية تصبح شائعة، حيث ينسحب المرضى من الأنشطة الاجتماعية لتجنب المواقف التي تتطلب تناول الطعام. ويؤدي الهزال الشديد إلى تأثيرات مباشرة على الوظيفة الإدراكية، بما في ذلك صعوبات في التركيز واتخاذ القرارات، مما يزيد من صعوبة الانخراط في العلاج النفسي الفعال.

7. العلاج والإدارة

يتطلب علاج فقدان الشهية العصبي نهجاً متعدد التخصصات، يجمع بين التدخل الطبي لإنقاذ الحياة، وإعادة التأهيل التغذوي، والعلاج النفسي المكثف. الهدف الأساسي للعلاج هو استعادة وزن الجسم إلى مستوى آمن وصحي (إعادة التأهيل التغذوي)، والتصدي للمعتقدات المشوهة والخوف من زيادة الوزن، ومعالجة أي اضطرابات نفسية مصاحبة.

في الحالات الشديدة، قد تكون هناك حاجة إلى الاستشفاء أو العلاج الداخلي، خاصة إذا كان وزن المريض منخفضاً جداً (أقل من 75% من الوزن المثالي)، أو إذا كان هناك خطر وشيك على الحياة بسبب اضطرابات الكهارل أو بطء القلب. يجب أن تتم عملية إعادة التغذية بحذر شديد لتجنب متلازمة إعادة التغذية (Refeeding Syndrome)، وهي حالة قد تكون مميتة وتحدث نتيجة التحول السريع في توازن السوائل والكهارل عند البدء في تناول الطعام بعد فترة طويلة من التجويع.

على الصعيد النفسي، يُعد العلاج السلوكي المعرفي المعزز (CBT-E) أحد العلاجات الفعالة. ومع ذلك، بالنسبة للمراهقين، يعتبر العلاج القائم على الأسرة (Family-Based Treatment – FBT)، أو نموذج ماودسلي، هو التدخل الأكثر فعالية والموصى به. يركز هذا النموذج على تمكين الوالدين من لعب دور نشط في إعادة تغذية طفلهم واستعادة السيطرة على تناول الطعام، ثم الانتقال تدريجياً إلى مرحلة استعادة المراهق لسيطرته الذاتية على الأكل الصحي. لا يوجد دواء نفسي محدد يُعتبر علاجاً أساسياً لفقدان الشهية العصبي نفسه، ولكن قد تُستخدم الأدوية المضادة للاكتئاب أو القلق لعلاج الحالات المرضية المصاحبة.

Further Reading