مثلي الجنس – homophile

هوموفيلية (المحبة للمثل)

Primary Disciplinary Field(s): الدراسات المثلية، التاريخ الاجتماعي

1. التعريف الأساسي

يشير مصطلح الهوموفيلية (Homophile) إلى مفهوم تاريخي واجتماعي يصف جاذبية عاطفية وجنسية موجهة نحو نفس الجنس، ويُستخدم بشكل أساسي لوصف الحركات والمنظمات التي ظهرت في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية، وتحديداً بين أواخر الأربعينيات ومنتصف الستينيات من القرن العشرين. يختلف هذا المصطلح عن المصطلحات اللاحقة مثل “مثلي الجنس” (Gay) أو “سحاقية” (Lesbian) في نبرته وأهدافه الاستراتيجية. فقد ركزت الحركة الهوموفيلية على فكرة “المحبة للمثل” (أي محبة الشخص لنفس جنسه) لتأكيد الطابع العاطفي والاجتماعي لهذه العلاقات بدلاً من التركيز حصراً على الجانب الجنسي، وذلك سعياً للحصول على القبول الاجتماعي والاحترام المدني ضمن المجتمعات الغربية المحافظة في تلك الفترة، التي كانت لا تزال تعتبر المثلية انحرافاً أو مرضاً. إن الاختيار المتعمد لكلمة الهوموفيلية يعكس استراتيجية حذرة تهدف إلى تجريد الهوية المثلية من دلالاتها الجنائية والطبية السلبية، وتقديمها كشكل طبيعي ومحترم من أشكال الارتباط الإنساني.

كان الهدف الجوهري من استخدام مصطلح الهوموفيلية هو إبعاد الوصم الطبي والنفسي والجنائي الذي كان يلحق بالأشخاص غير المغايرين جنسياً. في ذلك الوقت، كانت المثلية الجنسية لا تزال تُصنف كمرض عقلي أو انحراف إجرامي في العديد من الدول، خاصة في الولايات المتحدة وأوروبا الغربية. لذا، تبنت هذه الحركة لغة الإحترام والمسؤولية المدنية، مؤكدة أن الأشخاص المحبين للمثل هم مواطنون صالحون يستحقون نفس الحقوق والفرص كغيرهم، وأن جاذبيتهم العاطفية ليست تهديداً للنظام الاجتماعي أو الأخلاقي. وقد شكل هذا التوجه الاستراتيجي نقطة انطلاق أساسية للنشاطات الحقوقية، حيث ركزت المجموعات الهوموفيلية على تثقيف الجمهور والضغط من أجل الإصلاحات القانونية الجزئية، مثل إلغاء القوانين التي تجرّم السلوك المثلي الخاص بالتراضي بين البالغين، بدلاً من المطالبة بالتغيير الاجتماعي الجذري.

تُعد الهوموفيلية فترة انتقالية حاسمة في تاريخ النضال من أجل حقوق الميم عين (LGBTQ+). حيث مثلت الجيل الأول من المنظمات العامة التي سعت إلى توحيد الأفراد ذوي التوجهات المثلية والدفاع عنهم بشكل منهجي ومنظم، في وجه القمع الحكومي والاجتماعي. ورغم أن هذه الحركات كانت تتسم بالحذر والاعتدال النسبي مقارنة بالحركات التي تلتها (مثل حركة تحرير المثليين)، إلا أنها وضعت الأساس للمطالبة بالكرامة الإنسانية والاعتراف القانوني. لقد أثبتت المنظمات الهوموفيلية إمكانية التنظيم والتعبير العلني، وإن كان في إطار محدود، وهو ما مهد الطريق للتغيرات الاجتماعية والتشريعية الكبرى التي حدثت في العقود اللاحقة، لا سيما بعد أحداث ستونوول في عام 1969، والتي ألهمت جيلاً جديداً للتخلي عن استراتيجية الحذر وتبني خطاب الفخر والمواجهة.

2. أصل المصطلح والتطور التاريخي

يعود أصل كلمة هوموفيلية إلى الجذور اليونانية، حيث تعني “Homo” (نفس) و “Philia” (المحبة أو الصداقة). وقد صاغ هذا المصطلح عالم النفس والناشط الألماني كارل غونتر هيلميش في ثلاثينيات القرن العشرين، وكان القصد منه استبدال المصطلح السائد آنذاك “مثلية جنسية” (Homosexuality)، والذي كان يحمل دلالات مرضية أو إجرامية بحكم ارتباطه بالخطاب الطبي والجنائي. كان هيلميش يرى أن “المحبة للمثل” تصف العلاقة بشكل أكثر إيجابية وشمولية، بعيداً عن التركيز المفرط على الممارسة الجنسية، مما يتماشى مع رؤية الحركة في تقديم نفسها كجزء محترم من المجتمع. هذا الاختيار اللغوي لم يكن صدفة، بل كان جزءاً من استراتيجية أوسع لنزع الصفة المرضية عن التوجه المثلي.

على الرغم من صياغة المصطلح في الثلاثينيات، إلا أن انتشاره الفعلي واستخدامه كعنوان لهوية وحركة بدأ بعد الحرب العالمية الثانية، وتحديداً في أوروبا والولايات المتحدة خلال فترة الخمسينيات. كانت فترة ما بعد الحرب تتسم بالهستيريا المعادية للشيوعية والتشدد الاجتماعي، المعروفة باسم “الذعر البنفسجي” (The Lavender Scare)، حيث كانت تستهدف الأفراد المثليين وتطردهم من الوظائف الحكومية والمدنية باعتبارهم “خطراً أمنياً” أو “شخصيات غير أخلاقية”. في هذا السياق القمعي، اختارت المجموعات الرائدة مثل جمعية ماتاتشين و بنات بيليتيس استراتيجية الاعتدال والتأكيد على الهوموفيلية كطريقة للتكيف والبقاء في بيئة معادية، حيث كان الهدف الأسمى هو إثبات أنهم “طبيعيون” باستثناء الجاذبية الجنسية. كانت هذه الاستراتيجية تعكس الحاجة إلى البقاء على قيد الحياة تحت رادار القمع بدلاً من إشعال المواجهة المباشرة.

يمثل التطور التاريخي للمصطلح تحولاً من نموذج طبي/جنائي إلى نموذج اجتماعي/حقوقي. فبينما كان علماء الجنس الأوائل مثل ماغنوس هيرشفيلد يستخدمون مصطلحات طبية (كالتصنيفات الجنسية المختلفة)، جاءت حركة الهوموفيلية لتقدم بديلاً يركز على الكرامة الذاتية والاندماج المدني. هذا التحول لم يكن سهلاً، إذ تطلب من النشطاء العمل في سرية نسبية، وتنظيم اللقاءات الاجتماعية والمناقشات الفكرية لرفع الوعي الذاتي للأفراد وتحدي الصور النمطية السلبية السائدة في وسائل الإعلام والمؤسسات الحكومية. وقد تميزت هذه المرحلة بالتركيز على نشر المجلات والمطبوعات الفكرية التي سعت لتثقيف الأعضاء وتجهيزهم بالمعلومات العلمية والنفسية لدحض الأكاذيب السائدة حول طبيعة المثلية.

3. حركة الهوموفيلية المبكرة

ظهرت حركة الهوموفيلية كاستجابة مباشرة للحاجة الماسة إلى تنظيم اجتماعي وسياسي للأشخاص الذين يعيشون في عزلة وخوف شديدين خلال فترة الخمسينيات. كان الهدف الأساسي هو بناء مجتمع داخلي داعم وتوفير مساحة آمنة للقاء والتعبير، حيث لم يكن هناك أي أماكن عامة يمكن للمثليين التجمع فيها دون خوف من الاعتقال أو الابتزاز. كانت هذه المجموعات تتبنى مبدأ “الاحترام” كشعار رئيسي، حيث كانت تطلب من أعضائها الالتزام بمعايير السلوك المحافظة والمقبولة اجتماعياً، مثل ارتداء الملابس الرسمية، وتجنب السلوكيات التي يمكن أن تُفسر على أنها “مخالفة للآداب العامة”. كان هذا الالتزام الصارم باللياقة محاولة واعية لتفنيد فكرة أن المثليين هم بالضرورة “منحرفون” أو “غير أخلاقيين”، وتقديم صورة للمواطن الصالح الذي لا يشكل تهديداً للمجتمع.

في الولايات المتحدة، كانت جمعية ماتاتشين، التي أسسها هاري هاي في عام 1950، هي المؤسسة الأبرز للرجال المثليين. بدأت الجمعية كمنظمة سرية ذات توجه يساري مستلهم من التنظيمات الشيوعية السرية، ولكنها سرعان ما تحولت إلى منظمة أكثر علنية واعتدالاً بعدما تعرضت لضغوط داخلية وخارجية. ركزت ماتاتشين على تثقيف الجمهور حول المثلية الجنسية وتوفير الدعم القانوني للأفراد الذين يتم اعتقالهم بتهم تتعلق بالسلوك المثلي. وفي عام 1955، تأسست منظمة بنات بيليتيس في سان فرانسيسكو بواسطة فيليس ليون وديل مارتن، وكانت أول منظمة مدنية مكرسة خصيصاً للنساء السحاقيات في الولايات المتحدة. واجهت بنات بيليتيس تحديات فريدة تتعلق بالتمييز المزدوج (كونهن نساء ومثليات)، وعملت على توفير شبكة اجتماعية آمنة بعيداً عن الأماكن العامة الخطرة، مع التركيز على نشر الوعي بالهوية السحاقية في مجلتها “السلم”.

لم تقتصر الحركة على الولايات المتحدة؛ ففي أوروبا، كان النشاط أكثر تركيزاً على الإصلاح القانوني منذ وقت أبكر. كان المركز العلمي الإنساني الهولندي (COC)، الذي تأسس في عام 1946، أحد أقدم وأنجح المنظمات، ونشر مجلة “فيستو” (Vriendschap). وفي بريطانيا، نشطت منظمات مثل جمعية حقوق الإنسان (Homosexual Law Reform Society) التي كان لها دور محوري في الضغط لتقرير وولفندن عام 1957، والذي أوصى بإلغاء تجريم السلوك المثلي الخاص بالتراضي بين البالغين. شكلت هذه الشبكة الدولية، رغم محدوديتها، أساساً أولياً للتضامن العابر للحدود بين الأشخاص المحبين للمثل، حيث تبادل النشطاء الأفكار والاستراتيجيات القانونية والفكرية عبر مجلاتهم ومنشوراتهم القليلة.

4. الأيديولوجيا والمبادئ الأساسية لحركة الهوموفيلية

قامت أيديولوجيا الهوموفيلية على عدة مبادئ محورية تهدف إلى دمج الأفراد في المجتمع السائد بدلاً من الانفصال عنه، وهو ما يميزها عن حركات تحرير المثليين اللاحقة. كان المبدأ الأول هو “الاندماجية” (Assimilationism)، حيث آمن النشطاء بأن أفضل طريقة لتغيير القوانين والمواقف الاجتماعية هي إظهار أن الأشخاص المحبين للمثل لا يختلفون جوهرياً عن الأغلبية المغايرة، وأنهم قادرون على المساهمة بشكل إيجابي في المجتمع كمهنيين وأسر وعسكريين سابقين. لقد سعت هذه الإستراتيجية إلى طمأنة الجمهور بأن القبول لا يعني الفوضى الاجتماعية، بل يعني توسيع نطاق المواطنة ليشمل مجموعة كانت مهمشة تاريخياً.

المبدأ الثاني كان التركيز على “الاحترام المدني” و”التنظيم الهرمي”. كانت معظم منظمات الهوموفيلية تتخذ هياكل رسمية للغاية، وتعقد اجتماعاتها وفقاً لإجراءات برلمانية صارمة، وتصدر مجلات مهنية تتسم بالجدية والاعتدال. هذا التركيز على الشكل الرسمي كان محاولة واعية لمواجهة الصور النمطية التي تربط المثلية بالفوضى أو الانحلال. كما ركزت المجلات الهوموفيلية، مثل السلم وبوابة ون, على نشر مقالات أكاديمية ورسائل تشجع على بناء الذات واحترام القانون، مؤكدة على أهمية التعليم كوسيلة رئيسية لتحقيق التغيير. كان النشطاء يسعون لتصبح المنظمات الهوموفيلية مصادر موثوقة للمعلومات حول المثلية، قادرة على محاورة الأطباء وعلماء النفس والمشرعين بلغتهم الخاصة.

أما المبدأ الثالث، فكان التوتر الناتج عن الحاجة إلى “السرية الاستراتيجية”. اضطر العديد من أعضاء الحركة إلى العيش بهوية مغايرة ظاهرياً في حياتهم المهنية والعائلية، مع ممارسة هويتهم المثلية سراً أو ضمن دوائر المنظمة الضيقة. هذا التوتر بين الحاجة إلى السرية (لحماية الوظائف والحياة الشخصية) والحاجة إلى الظهور العام (لأجل التغيير السياسي) حدد طبيعة الحركة، وجعلها أقل راديكالية وأكثر عرضة للنقد من الجيل اللاحق من النشطاء الذين طالبوا بالانفتاح الكامل و”الفخر” (Pride). كانت هذه الاستراتيجية الدفاعية ضرورية للبقاء في بيئة قمعية، لكنها في الوقت ذاته قيدت قدرة الحركة على تحقيق تحرر اجتماعي وثقافي واسع النطاق.

5. المنظمات الرئيسية والمجلات

لعبت المنظمات والمطبوعات دوراً حيوياً في نشر الوعي وبناء شبكات الدعم خلال العصر الهوموفيلي، حيث كانت تمثل الشريان الذي يغذي الحركة بالمعلومات والتنظيم. كانت هذه المجلات هي الوسيلة شبه الوحيدة التي يمكن للأفراد من خلالها التواصل والشعور بالانتماء، وغالباً ما كانت تُوزع سراً عبر البريد خوفاً من الرقابة الحكومية أو مصادرة البريد. كما مثلت هذه المطبوعات أول محاولة جدية لإنشاء ثقافة مثلية موحدة تتجاوز الأماكن السرية أو الحانات.

  • جمعية ماتاتشين (Mattachine Society): تأسست في الولايات المتحدة (1950) وكانت تهدف في البداية إلى توحيد المثليين سياسياً. أصدرت مجلة “وان” (One) التي كانت أول مجلة أمريكية للمثليين تُنشر وتُوزع بشكل دوري. اشتهرت ماتاتشين بتقديمها الدعم القانوني للأعضاء ومحاولة تحدي القوانين الجنائية التي تستهدف السلوك المثلي، وخاصة تحديها التاريخي لخدمة البريد الأمريكية في قضية “وان” عام 1958، التي مهدت الطريق لحماية حرية التعبير للمطبوعات المثلية.
  • بنات بيليتيس (Daughters of Bilitis – DOB): تأسست في الولايات المتحدة (1955)، وكانت أول منظمة مكرسة لحقوق السحاقيات. هدفت إلى تثقيف النساء حول المثلية الأنثوية، وتوفير بيئة اجتماعية آمنة، وتقديم مساحة للقيادة النسائية. أصدرت مجلة “السلم” (The Ladder)، والتي كانت تُعتبر أهم مطبوعة سحاقية في تلك الفترة، وكانت تركز على مواضيع تتعلق بالهوية، والتحديات الاجتماعية التي تواجه المرأة المثلية، وسعت إلى بناء هوية سحاقية لا تعتمد على تعريف الذكور المثليين.
  • المركز العلمي الإنساني (COC): تأسس في هولندا (1946) وكان من أوائل المنظمات الهوموفيلية في العالم. نجح COC في هولندا في العمل بشكل أكثر علنية مقارنة بنظرائه في الولايات المتحدة، وعمل بنشاط على الضغط لتغيير القوانين. كما كانت هناك منظمات مؤثرة في الدنمارك والسويد، والتي شكلت معاً “المجلس الاسكندنافي” للعمل المشترك. شكلت هذه المنظمات الأوروبية نماذج ناجحة للتنظيم الهوموفيلي الذي يركز على الحوار مع المؤسسات الحكومية.

كانت هذه المجلات والمطبوعات بمثابة حجر الزاوية للمقاومة الثقافية الهادئة. فقد قدمت أدلة على أن الهوموفيلية ليست ظاهرة فردية معزولة أو مرضاً، بل هي جزء طبيعي من التنوع البشري. لقد تحدت المنشورات الهوموفيلية المحظورات الرسمية وغير الرسمية التي كانت تمنع أي ذكر إيجابي أو محايد للمثلية الجنسية في وسائل الإعلام السائدة، مما ساعد في تخفيف عزلة الأفراد المحبين للمثل، وبدأ في بناء شعور بالهوية الجمعية.

6. الانتقال إلى حركة تحرير المثليين

بدأت حركة الهوموفيلية في التراجع في أواخر الستينيات، متأثرة بظهور حركات اجتماعية أوسع وأكثر راديكالية مثل حركات الحقوق المدنية وحركة مناهضة حرب فيتنام وحركة تحرير المرأة. أدت هذه الحركات إلى تحول في المناخ السياسي والاجتماعي، حيث لم يعد الاعتدال والاندماج هو الاستراتيجية المفضلة للمطالبة بالحقوق. رأى الجيل الجديد من النشطاء أن استراتيجية الاندماج والاعتدال التي تبنتها الحركة الهوموفيلية كانت غير كافية، بل ومثبطة للهمم في تحقيق التحرر الكامل، حيث اعتبروا أن محاولة إرضاء المجتمع المغاير تعني التضحية بالهوية الأصيلة.

كانت نقطة التحول الرئيسية هي انتفاضة ستونوول في نيويورك عام 1969. هذه الانتفاضة، التي كانت عبارة عن مواجهة عنيفة مع الشرطة، مثلت رفضاً جماعياً وفورياً لسنوات من القمع، وكانت بمثابة إعلان عن نهاية حقبة الهوموفيلية الحذرة. فبعد هذه الأحداث، تحول التركيز من “الهوموفيلية” التي تعني المحبة والقبول الهادئ، إلى “تحرير المثليين” (Gay Liberation)، وهو مصطلح يشدد على التحدي المباشر للسلطة، والفخر بالهوية، ورفض السرية والاندماج. أصر النشطاء الجدد على أن المشكلة تكمن في المجتمع القمعي نفسه (الذي أطلقوا عليه نظام “هيمنة المغايرين”)، وليس في الأفراد المثليين، وطالبوا بالحقوق الكاملة والفورية بدلاً من القبول التدريجي. وقد تميزت هذه الحركة الجديدة بتبنيها للخطاب السياسي المباشر وبنيتها التنظيمية الأقل رسمية.

نتيجة لذلك، تم التخلي عن مصطلح الهوموفيلية تدريجياً في الثقافة العامة والحركات النشطة. فقد اعتُبر مصطلحاً قديماً، محافظاً، ومقيداً. الجيل الجديد رأى أن استخدام “مثلي” (Gay) أو “سحاقية” (Lesbian) يعبر عن هوية أكثر قوة ووضوحاً وثورية، بينما كان مصطلح “هوموفيلية” يبدو محايداً ومخففاً، وغير قادر على استيعاب الثقافة المثلية الناشئة التي كانت تحتفي بالاختلاف بدلاً من محاولة إخفائه. هذا التحول الأيديولوجي يمثل الفجوة بين الأهداف الإصلاحية لحركة الهوموفيلية والأهداف الثورية لحركة التحرير التي سعت إلى تغيير الهياكل الاجتماعية جذرياً، وليس فقط الحصول على القبول ضمن الهياكل القائمة.

7. الأهمية والتأثير

على الرغم من أن حركة الهوموفيلية كانت ذات طابع محدود وحذر، إلا أن تأثيرها على النضال اللاحق لا يمكن إغفاله. لقد كانت هي الجسر الضروري الذي عبرت به المجتمعات المثلية من حالة الانعزال التام والوصم الطبي إلى مرحلة التنظيم الاجتماعي والسياسي. فبدون العمل الشاق الذي قامت به منظمات مثل ماتاتشين وبنات بيليتيس في الخمسينيات، لم يكن ممكناً لحركات السبعينيات الأكثر جرأة أن تجد قاعدة جماهيرية منظمة، أو شبكات اتصال جاهزة، أو سوابق قانونية تستند إليها في تحدي الدولة. لقد وفرت الحركة الهوموفيلية البنية التحتية الأساسية التي بُنيت عليها الحركة الحديثة.

تكمن أهمية الحركة في أنها قدمت لأول مرة خطاباً عاماً، وإن كان متحفظاً، يدعم حقوق الأفراد المحبين للمثل ويطالب بالعدالة الاجتماعية. كما نجحت هذه المنظمات في خوض تحديات قانونية مبكرة ضد الرقابة الحكومية، مما أسس لمبدأ حرية التعبير فيما يتعلق بالمواضيع المثلية. على سبيل المثال، كان فوز مجلة “وان” في قضيتها ضد الرقابة الفيدرالية في عام 1958 بمثابة اعتراف قضائي بوجود مطبوعات مثلية غير فاحشة، وهو إنجاز قانوني لا يمكن التقليل من شأنه في سياق تلك الفترة القمعية. لقد فتح هذا الحكم الباب أمام النشر العلني للهوية المثلية في أمريكا.

وبالإضافة إلى ذلك، وفرت الحركة الهوموفيلية النماذج التنظيمية والقيادية. القادة الأوائل، مثل هاري هاي وفيليس ليون وديل مارتن، أصبحوا رموزاً استمرت مساهماتها لعقود طويلة، موفرين بذلك استمرارية معرفية وتاريخية للحركة بأكملها. لقد شكلت هذه الحركة المرحلة الأولى من الوعي الجمعي، حيث مكنت الأفراد من إدراك أنهم ليسوا وحيدين وأن لديهم القدرة على تشكيل هويتهم ومستقبلهم بشكل جماعي. لقد كانت حركات الهوموفيلية حركات تعليمية بالدرجة الأولى، حيث عملت على تثقيف الأفراد حول علم الجنس وعلم النفس الحديث، مما ساعدهم على مقاومة السرديات المرضية السائدة.

8. النقد والجدل حول المصطلح

واجه مصطلح الهوموفيلية وحركته المرتبطة به العديد من الانتقادات، خاصة من الجيل الأصغر والأكثر راديكالية الذي ظهر في أواخر الستينيات. كان النقد الرئيسي موجهاً نحو “الاندماجية المفرطة” للحركة. رأى النقاد أن محاولة التكيف مع المعايير الأخلاقية والاجتماعية المغايرة أدت إلى إنكار جزء أساسي من الهوية المثلية والثقافة الخاصة بها. واتهموا النشطاء الهوموفيليين بأنهم يطالبون بالحقوق على أساس أنهم “ليسوا مختلفين”، مما قلل من شأن الاحتفاء بالاختلاف والتنوع الثقافي الذي أصبح سمة مميزة لحركة تحرير المثليين لاحقاً.

تعرضت منظمات الهوموفيلية أيضاً لانتقادات بسبب استبعادها للأشخاص الذين لم يلتزموا بالمعايير الطبقية والاجتماعية المطلوبة. فغالباً ما كانت الحركة تتكون من أفراد من الطبقة المتوسطة البيضاء المتعلمة، وكانت تميل إلى تهميش المثليين من الأقليات العرقية أو الفقراء أو أولئك الذين يعملون في صناعة الجنس أو الذين كانت مظاهرهم لا تتوافق مع “الاحترام” المدني. على سبيل المثال، كان هناك تردد كبير من قبل بعض قادة الحركة في الدفاع عن المثليين الذين يتم القبض عليهم في حانات أو أماكن غير محترمة اجتماعياً. هذا التمييز الداخلي أدى إلى اتهام الحركة بأنها تخدم مصالح مجموعة ضيقة من الأفراد الذين يمتلكون بالفعل درجة من الامتياز الاجتماعي.

بالإضافة إلى ذلك، كان هناك جدل حول الكفاءة السياسية للمصطلح نفسه. فبينما كان مصطلح “الهوموفيلية” يهدف إلى تجنب التركيز على الجنس (Philia بدلاً من Sexus)، رأى النقاد أن هذا التجنب كان بمثابة اعتذار عن الجاذبية الجنسية المثلية، مما أدى إلى التقليل من شأنها واعتبارها شيئاً يجب إخفاؤه أو التقليل من أهميته. وطالب النشطاء اللاحقون بالاحتفال بالهوية الجنسية بشكل صريح بدلاً من إخفائها خلف ستار “الصداقة” أو “المحبة”. وفي نهاية المطاف، أدى هذا الجدل، إلى جانب النجاحات التي حققتها حركة تحرير المثليين، إلى استبدال المصطلح بمصطلحات أكثر صراحة وحيوية مثل “مثلي” و “كوير” (Queer)، وبحلول منتصف السبعينيات، أصبح مصطلح “هوموفيلية” مصطلحاً تاريخياً يشير إلى مرحلة سابقة من النشاط الحقوقي.

قراءات إضافية