مجتمع – communitas

الكومونيتاس (Communitas)

Primary Disciplinary Field(s): الأنثروبولوجيا الثقافية، وعلم الاجتماع، والدراسات الطقسية

1. الماهية والتعريف الجوهري

يمثل مفهوم الكومونيتاس (Communitas) أحد الركائز المفاهيمية في الأنثروبولوجيا الحديثة، وقد صاغه وطوّره الأنثروبولوجي الاسكتلندي الشهير فيكتور تيرنر. يشير هذا المصطلح إلى شكل من أشكال الترابط الاجتماعي المباشر والعفوي، يتميز بالعمق والاندماج، ويقف نقيضًا صارخًا للبنية الاجتماعية (Structure) المنظمة والمحددة بالأدوار والمكانة والقوانين. تُعرف الكومونيتاس بأنها “مجتمع” غير مهيكل، حيث يتم تعليق الفروق الهرمية والاجتماعية مؤقتًا، ويتمتع الأفراد بنوع من المساواة الوجودية، متجاوزين التصنيفات الرسمية التي يفرضها النظام الاجتماعي اليومي. إنها تجربة جماعية مكثفة تُنشئ رابطًا إنسانيًا مشتركًا ومجردًا من الالتزامات الرسمية.

تُعد الكومونيتاس حالة طارئة ومؤقتة، تظهر غالبًا في السياقات الطقسية أو الاحتفالية، حيث يمر الأفراد بمرحلة انتقالية بعيدة عن النظام المعياري. هذه الحالة الوجودية المشتركة ليست مجرد غياب للبنية، بل هي حضور مكثف للتضامن الإنساني غير الوسيط. على عكس العلاقات الاجتماعية التي تتميز بالمنفعة المتبادلة أو التعاقد، فإن رابط الكومونيتاس جوهري وعاطفي، وغالبًا ما يوصف بأنه تجربة روحية أو مقدسة. يتطلب فهم هذا المفهوم إدراكًا للثنائية التي وضعها تيرنر بين “البنية” (Structure)، التي تمثل النظام الاجتماعي الثابت والمتسلسل، و”الكومونيتاس”، التي تمثل السيولة والوحدة النقية.

إن القوة الكامنة في الكومونيتاس تكمن في قدرتها على تجديد الروابط الاجتماعية وإعادة شحن المعنى داخل الثقافة. ففي اللحظات التي تتلاشى فيها القيود الاجتماعية، يجد الأفراد أنفسهم على قدم المساواة، مما يتيح لهم رؤية الروابط الإنسانية الأساسية التي تتجاوز الطبقة أو الدور. هذا لا يعني إلغاء البنية بشكل دائم، بل تعليقها المؤقت لغرض إعادة تأكيد القيم الأساسية للمجتمع قبل العودة إلى النظام الهيكلي. وقد امتد استخدام المفهوم ليشمل تحليل الظواهر الاجتماعية المعاصرة، مثل الحركات المضادة للثقافة والتجمعات الجماهيرية والمهرجانات الفنية.

2. الأصول التاريخية والفكرية

تعود الجذور الفكرية لمفهوم الكومونيتاس إلى عمل تيرنر الرائد في الستينيات، وتحديداً من خلال تحليله للطقوس الأفريقية ودراساته المستفيضة حول مفهوم طقوس العبور (Rites of Passage) الذي صاغه الأنثروبولوجي الفرنسي أرنولد فان جينيب في عام 1909. أدرك تيرنر أن المرحلة الوسطى أو الانتقالية التي وصفها فان جينيب – وهي مرحلة التيه أو الغموض – ليست مجرد فراغ بين حالتين اجتماعيتين، بل هي حالة اجتماعية نشطة بحد ذاتها، تولد نمطًا فريدًا من العلاقات الاجتماعية أسماه الكومونيتاس.

لقد استلهم تيرنر بشكل كبير من النماذج الطقسية التي تشهد تحولاً في هوية الفرد أو المجموعة. ففي المجتمعات التقليدية، تتضمن طقوس العبور (مثل البلوغ أو الزنوجة) ثلاث مراحل أساسية: الفصل (Separation)، المرحلة البينية أو العبورية (Liminality)، وإعادة الاندماج (Reincorporation). ورأى تيرنر أن الكومونيتاس هي الظاهرة الاجتماعية المميزة التي تسود في المرحلة البينية (العبورية)، حيث يُجرّد الأفراد من رموز مكانتهم الاجتماعية ويصبحون “شخصيات عبورية” (Liminal Personae)، لا ينتمون بالكامل إلى وضعهم القديم ولا وضعهم الجديد بعد. هذا التجرد يخلق أرضية مشتركة للمساواة المطلقة.

بالإضافة إلى فان جينيب، تأثر تيرنر بالفكر الاجتماعي والديني، خصوصًا مفهوم “المجتمع” (Gemeinschaft) مقابل “الجمعية” (Gesellschaft) لعالم الاجتماع الألماني فرديناند تونيز. إلا أن الكومونيتاس تختلف عن مفهوم تونيز؛ فبينما يصف تونيز المجتمع كشكل مستدام من العلاقات القائمة على القرابة والقيم المشتركة، فإن الكومونيتاس لدى تيرنر هي حالة عابرة ومضادة للبنية، لا يمكن أن تستمر كقاعدة يومية للحياة الاجتماعية دون أن تتحول هي نفسها إلى بنية. كان هدف تيرنر هو فهم كيف يتم تجديد البنية الاجتماعية وكيف تتولد المعاني والقوة الرمزية من خلال تعليق هذه البنية نفسها.

3. الاقتران بـ “العبورية” (Liminality)

يُعد مفهوم العبورية (Liminality) توأمًا مفاهيميًا للكومونيتاس، حيث لا يمكن فصل ظهور الكومونيتاس عن سياق المرحلة العبورية. المرحلة العبورية هي تلك اللحظة “الوسطى” أو “على العتبة”، حيث يجد المشاركون أنفسهم خارج النظام الزمني والمكاني المألوف. ويترتب على حالة العبور هذه إحساس بالغموض واللاتحديد، حيث تتلاشى التصنيفات الثقافية التي تحدد الهوية والمكانة.

في هذه المرحلة البينية، يتم نزع الزي الرسمي، وتُهمل الألقاب، وتُعامل جميع الشخصيات العبورية معاملة متساوية، غالبًا ما تكون معاملة وضيعة أو منخفضة اجتماعيًا، بغض النظر عن مكانتهم الأصلية قبل الطقس. هذا التجرد المشترك هو ما يفتح الباب أمام ظهور الكومونيتاس. إنها استجابة اجتماعية لحالة العبورية؛ فبدلاً من السقوط في الفوضى، يجد الأفراد رابطًا موحدًا وقويًا قائمًا على المشاركة في التجربة الغامضة ذاتها.

لقد وسع تيرنر نطاق العبورية والكومونيتاس ليشمل الظواهر غير الطقسية أيضًا. فبالإضافة إلى طقوس العبور التقليدية (مثل حفلات التخرج أو فترات التدريب العسكري)، يمكن ملاحظة حالات عبورية وظهور الكومونيتاس في سياقات اجتماعية حديثة مثل الحج الديني، أو الكوارث الطبيعية التي تجبر الغرباء على التعاون، أو حتى المهرجانات الموسيقية الكبيرة. إن أي وضع يفرض تعليقًا مؤقتًا للقواعد الهيكلية ويدفع الأفراد نحو علاقة وجودية مباشرة يمكن أن يولد الكومونيتاس.

4. الخصائص والمظاهر الأساسية

تتميز حالة الكومونيتاس بمجموعة من الخصائص المتفردة التي تميزها عن العلاقات الاجتماعية الهيكلية المنظمة. أولى هذه الخصائص هي المساواة الراديكالية، حيث يتم التخلي عن جميع علامات التمييز الطبقي أو الدور الاجتماعي، ويواجه الأفراد بعضهم البعض كبشر مجردين. وثانيًا، تتميز بالعفوية والآنية؛ فهي ليست نتاج تخطيط أو تنظيم رسمي، بل هي اندماج تلقائي يحدث في اللحظة الراهنة.

ثالثاً، تتسم الكومونيتاس بكونها مضادة للبنية (Anti-Structure). وهي ليست مجرد غياب للبنية، بل هي قوة مضادة نشطة تستمد معناها من نفي النظام الهيكلي القائم. رابعاً، هناك كثافة عاطفية وروحية عالية، حيث تتضمن التجربة غالبًا مشاعر قوية من الوحدة والنشوة (Euphoria)، وغالبًا ما تُعتبر هذه التجربة مقدسة أو موحية. هذه الكثافة العاطفية هي ما يمنح المشاركين شعوراً بالتجديد الأخلاقي والاجتماعي.

خامساً، تتجلى الكومونيتاس في الرمزية الجسدية المشتركة. فغالبًا ما تتضمن المرحلة العبورية استخدام رموز موحدة أو ملابس موحدة، أو أفعال جسدية مشتركة (مثل السير لمسافات طويلة في الحج أو الرقص الجماعي)، مما يجسد الوحدة والتجرد من الفردية الهيكلية. سادساً، الشمولية؛ فبما أن الكومونيتاس تتعلق بالجوهر الإنساني المشترك، فإنها تميل إلى تجاوز الحدود الاجتماعية التي قد تكون حاسمة في البنية اليومية، وتضم أفراداً قد لا يتفاعلون عادة في الحياة الرسمية.

5. أشكال الكومونيتاس

أدرك تيرنر أن الكومونيتاس، على الرغم من طبيعتها العفوية، يمكن أن تتخذ أشكالًا مختلفة عند محاولة استدامتها أو تكرارها. لذلك، ميز بين ثلاثة أنماط رئيسية للكومونيتاس: الكومونيتاس العفوية، الكومونيتاس المعيارية، والكومونيتاس الأيديولوجية.

النمط الأول، وهو الكومونيتاس العفوية (Spontaneous Communitas)، يمثل الشكل الأصيل والنقي للمفهوم. وهي تجربة غير مخططة، مكثفة، ومؤقتة، تحدث فجأة وتتلاشى بسرعة، مثل لحظة اندماج عاطفي في حفلة موسيقية أو لحظة تضامن قصيرة الأجل بعد صدمة جماعية. هذا الشكل هو الأكثر قوة في تجديد المعنى، ولكنه الأقل استدامة.

النمط الثاني هو الكومونيتاس المعيارية (Normative Communitas). وهي محاولة لتأطير التجربة العفوية وتحويلها إلى بنية اجتماعية دائمة. عندما يحاول المشاركون في تجربة كومونيتاس عفوية الحفاظ على الوحدة والمساواة من خلال إنشاء مجموعة أو منظمة ذات قواعد محددة (مثل الرهبنة، أو تأسيس مجتمع اشتراكي صغير)، فإنها تتحول إلى كومونيتاس معيارية. في هذه الحالة، يتم استبدال العفوية بالبنية، وتتحول المساواة المطلقة إلى مساواة مقننة، مما يفقدها بعضًا من قوتها الأصلية المضادة للبنية.

النمط الثالث هو الكومونيتاس الأيديولوجية (Ideological Communitas). هذا الشكل يعتمد على أيديولوجية أو يوتوبيا تهدف إلى إحياء أو تقليد تجربة الكومونيتاس العفوية في المستقبل. وهي غالبًا ما تكون مرتبطة بالحركات الثورية أو الدينية التي تسعى إلى إنشاء مجتمع مثالي خالٍ من الهرمية. على الرغم من أنها تسعى إلى المساواة، إلا أنها غالبًا ما تكون مرتبطة ببنية عقائدية صارمة، حيث يصبح الإيمان بالأيديولوجية هو المعيار الذي يحدد الانتماء، مما قد يخلق هرمية جديدة قائمة على درجة الالتزام بالعقيدة.

6. التطبيقات والأهمية في العلوم الاجتماعية

تجاوز تأثير مفهوم الكومونيتاس حدود الأنثروبولوجيا الطقسية ليصبح أداة تحليلية حيوية في دراسة مجموعة واسعة من الظواهر الاجتماعية والثقافية. في علم الاجتماع، يُستخدم المفهوم لتحليل ديناميكيات الحركات الاجتماعية والتجمعات الجماهيرية. على سبيل المثال، يمكن تفسير قوة وتأثير المظاهرات السياسية الكبرى أو التجمعات الاحتجاجية على أنها لحظات كومونيتاس عفوية، حيث تتلاشى الفروق الطبقية والعرقية مؤقتًا أمام هدف مشترك وإحساس موحد بالتضامن.

كما كان للمفهوم دور محوري في دراسات السياحة والحج. فالحج، سواء كان دينيًا (مثل الحج إلى مكة أو إلى سانتياغو دي كومبوستيلا) أو علمانيًا (مثل السفر إلى مواقع تاريخية)، يوفر سياقًا عبوريًا مثاليًا. يترك الحجاج أدوارهم الاجتماعية في المنزل ويواجهون مشقة الطريق معاً، مما يولد رابطة كومونيتاس قوية بين المسافرين، بغض النظر عن خلفياتهم. وقد ساعد هذا التحليل في فهم الدافع العميق وراء السفر الجماعي الذي يتجاوز مجرد الترفيه أو الواجب الديني.

في الدراسات الثقافية، يُطبق مفهوم الكومونيتاس على تحليل المهرجانات، والموسيقى، والأحداث الرياضية الكبرى. توفر هذه الأحداث مساحة وزمانًا “خارج البنية”، حيث يُسمح بالانفلات من القواعد الاجتماعية المعتادة. إن التجارب المشتركة والمكثفة في مهرجانات مثل “بيرنينغ مان” (Burning Man) أو الأولمبياد تُعتبر أمثلة حديثة على سعي المجتمعات المعاصرة لإعادة إنتاج الكومونيتاس كآلية لتخفيف الضغط الهيكلي وتجديد الإحساس بالانتماء المشترك.

7. الجدل والانتقادات

على الرغم من الأهمية الكبرى لمفهوم الكومونيتاس، فقد واجه عدة انتقادات وجدالات في الأوساط الأكاديمية. أحد أبرز هذه الانتقادات يتعلق بالميل إلى مثالية المفهوم (Idealization). يجادل بعض النقاد بأن تيرنر بالغ في تصوير الكومونيتاس كحالة نقية من المساواة المطلقة والانسجام. فهم يشيرون إلى أنه حتى في أكثر السياقات العبورية عفوية، نادرًا ما تختفي جميع أشكال السلطة أو التراتبية.

ثانيًا، يطرح النقاد مسألة ديناميكيات القوة. ففي العديد من الطقوس، تكون هناك دائمًا شخصيات أو جماعات تحمل سلطة تنظيمية أو رمزية (مثل قادة الطقوس أو الشامان) توجه التجربة العبورية. هذا يعني أن الكومونيتاس لا يمكن أن تكون بالكامل “مضادة للبنية”، بل غالبًا ما تكون محتواة وموجهة بواسطة بنية طقسية عليا تضمن العودة الآمنة إلى النظام الاجتماعي. وبعبارة أخرى، قد تكون المساواة الظاهرية مجرد مرحلة مُدارة ضمن إطار هيكلي أكبر.

ثالثًا، هناك جدل حول طبيعة الكومونيتاس العابرة. يرى البعض أن التركيز المفرط على اللحظة العفوية والمؤقتة يتجاهل كيف يتم استخدام ذكريات وتجارب الكومونيتاس بعد انتهاء الطقس. إن التحدي يكمن في فهم كيفية دمج الإحساس بالوحدة والمساواة الذي تم اختباره في الكومونيتاس ضمن الحياة الهيكلية اليومية، وغالبًا ما تفشل المجتمعات في ترجمة هذه القيم الوجودية إلى تغييرات هيكلية دائمة.

قراءات إضافية