مخنث – berdache

بيرداش (Berdache)

Primary Disciplinary Field(s): الأنثروبولوجيا، دراسات السكان الأصليين، دراسات النوع الاجتماعي، علم الاجتماع.

1. التعريف الجوهري

يُعد مصطلح بيرداش (Berdache) تصنيفاً تاريخياً وإثنولوجياً، ولكنه الآن مصطلح مهجور ومرفوض، استُخدم من قِبَل الأنثروبولوجيين والمستكشفين الأوروبيين الأوائل للإشارة إلى الأفراد من السكان الأصليين في أمريكا الشمالية الذين كانوا يتبنون أدواراً اجتماعية وجنسانية وروحية تختلف عن المعايير الثنائية الأوروبية للذكورة والأنوثة. كان هؤلاء الأفراد، الذين يُشار إليهم الآن على نطاق واسع ومفضل بمصطلح ذوو الروحين (Two-Spirit)، يمثلون فئة ثالثة أو رابعة من الجنس (Gender) داخل مجتمعاتهم التقليدية، حيث كانوا يؤدون وظائف مقدسة أو عملية تتجاوز التقسيمات البيولوجية البسيطة. إن التعريف الجوهري لمفهوم بيرداش اليوم هو أنه تعبير استعماري خارجي (Exonym) فُرض على مجموعة متنوعة ومعقدة من الهويات الثقافية الأصلية، مما أدى إلى تبسيط وتشويه جوهر أدوارهم الروحية والاجتماعية.

على الرغم من التنوع الهائل في اللغات والممارسات بين مئات الأمم القبلية، فقد استخدم المستكشفون الأوروبيون مصطلح بيرداش بشكل عام لتوحيد الأفراد الذين كانوا يرتدون ملابس الجنس الآخر أو يشاركون في وظائف مرتبطة عادةً بالجنس الآخر. كان هذا التوحيد انعكاساً للعدسة الأوروبية التي لم تستطع استيعاب أو احترام الأنظمة الجنسانية متعددة الأوجه التي كانت سائدة في الثقافات الأمريكية الأصلية قبل الاتصال. لذا، فإن فهم المصطلح يتطلب إدراكاً فورياً بأنه لا يشير إلى هوية ذاتية أو أصيلة، بل إلى وصف خارجي مشوب بالتحيز والجهل بالأنظمة المعرفية للسكان الأصليين.

تكمن أهمية دراسة هذا المفهوم حالياً في فهم تاريخ العلاقة بين الأنثروبولوجيا الاستعمارية والهويات الأصلية، وكيف أدت المحاولات الأوروبية لتصنيف وتسمية الظواهر غير المألوفة إلى طمس الهويات الثقافية الذاتية. إن التحول من مصطلح بيرداش إلى مصطلح ذوو الروحين يمثل حركة قوية للاستقلال الثقافي ورفض للتصنيفات المهينة، ويدعو إلى دراسة متعمقة للهويات الجنسانية والروحية من منظور داخلي (Emic) يراعي خصوصية كل أمة قبلية على حدة.

2. أصل الكلمة والتطور التاريخي

يُعتقد أن أصل كلمة بيرداش يعود إلى الكلمة الفرنسية (Bardache)، والتي بدورها قد تكون مشتقة من الكلمة الفارسية (Barda) التي تعني العبد أو الأسير، أو قد تكون مرتبطة بالكلمة البرتغالية (Bardaxa). في سياقات أوروبية تاريخية، كان المصطلح يحمل دلالات سلبية ومهينة، حيث كان يُستخدم في كثير من الأحيان للإشارة إلى العبد الذكر المخنث أو الشريك السلبي في ممارسات جنسية مثلية، مما يوضح أن التسمية الأوروبية كانت مشبعة بأحكام أخلاقية تتعلق بالهوية الجنسية والسلوك الجنسي، وليس بالدور الروحي أو الاجتماعي الذي كان يلعبه الفرد داخل قبيلته.

بدأ استخدام المصطلح في السياق الأمريكي الشمالي في القرن السابع عشر عندما وثّق المستكشفون والمبشرون الفرنسيون لأول مرة وجود أفراد بين القبائل المحلية يرتدون ملابس أو يتبنون أدواراً لا تتوافق مع التوقعات الأوروبية الصارمة للذكور والإناث. كانت هذه التقارير عادةً ما تكون مشوهة بالصدمة الثقافية أو الأخلاقية للمراقبين، مما أدى إلى التركيز المفرط على الجوانب الجنسية المزعومة للأفراد المعنيين وتجاهل وظيفتهم الاحتفالية أو الاقتصادية الهامة. على سبيل المثال، وثّق الرسام والرحالة الأمريكي جورج كاتلين وجود هؤلاء الأفراد في القرن التاسع عشر، لكنه فعل ذلك من خلال عدسة تظهرهم كـ “شذوذ” أو “انحراف”، مما ساهم في ترسيخ الرؤية السلبية للمصطلح في الفكر الغربي.

خلال القرن العشرين، تبنى علماء الأنثروبولوجيا المصطلح كأداة تصنيفية، محاولين استخدامه لوصف ظاهرة اجتماعية عبر ثقافات السكان الأصليين. ومع ذلك، فإن إصرارهم على استخدام مصطلح واحد لتغطية التنوع الهائل (مثل الـ Winkte لدى قبائل لاكوتا، والـ Hwame لدى قبائل موهافي، والـ Nádleehí لدى قبائل نافاجو) أدى إلى طمس الفروق الدقيقة والأنظمة المعرفية المحلية. لقد أدت هذه العملية إلى تجريد هذه الأدوار من قداستها وأهميتها الروحية، وتحويلها إلى مجرد مثال على “النوع الاجتماعي الثالث” الذي يمكن دراسته وتصنيفه بشكل منفصل عن السياق الثقافي الذي منحه الحياة والشرعية.

3. التحول نحو مصطلح “ذوو الروحين” (Two-Spirit)

يمثل التحول من مصطلح بيرداش إلى مصطلح ذوو الروحين (Two-Spirit) لحظة محورية في تاريخ علاقات القوة بين الباحثين والسكان الأصليين، وهو انعكاس لصحوة ثقافية وحركة استقلال ذاتي. وُلد هذا المصطلح في مؤتمر دولي لأفراد السكان الأصليين المثليين والمثليات عُقد في وينيبيغ، كندا، عام 1990. كان الهدف من هذا المؤتمر هو رفض الإطار الأوروبي المهيمن (بما في ذلك المصطلحات الأكاديمية مثل بيرداش، وكذلك تصنيفات مجتمع الميم الغربي مثل مثلي/مثلية) وإنشاء مصطلح جامع ومحايد ثقافياً يعكس التراث الروحي للسكان الأصليين.

إن مصطلح ذوو الروحين ليس مجرد مرادف لمصطلح بيرداش، بل هو مفهوم جديد تماماً يركز على الاندماج الروحي والاجتماعي. يشير هذا المصطلح إلى أن الفرد يمتلك روحاً ذكورية وروحاً أنثوية داخل جسد واحد، مما يمنحهم رؤية فريدة وقدرة على فهم وساطة بين العوالم. وقد تم اختيار هذا المصطلح ليكون مظلة واسعة يمكن أن يستخدمها الأفراد الأصليون الذين يشعرون بالارتباط بهذه الأدوار التقليدية عبر جميع الأمم القبلية، مع الإبقاء على المصطلحات الخاصة بكل قبيلة (مثل Winkte أو Nádleehí) للاستخدام الداخلي.

لقد كان هذا التحول ضرورياً لسببين رئيسيين: أولاً، لرفض الدلالات المهينة والاستغلالية لمصطلح بيرداش، وثانياً، لإعادة التأكيد على أن هذه الأدوار لم تكن تتعلق في الأساس بالجنس أو الميول الجنسية بالمعنى الغربي، بل كانت تتعلق بـ النوع الاجتماعي (Gender) والدور الروحي الذي يمنحه القدر أو الرؤى. بالنسبة للعديد من المجتمعات الأصلية، كان الأفراد ذوو الروحين يمثلون قوة روحية خاصة، وليسوا مجرد أشخاص يختلفون عن القاعدة، وهو ما فشل مصطلح بيرداش في استيعابه تماماً.

4. الأدوار الجنسانية والروحية

كانت الأدوار التي شغلها الأفراد الذين صُنّفوا تاريخياً على أنهم بيرداش تتسم بالتنوع الهائل والعمق الروحي والاجتماعي. لم يكن الدور محدداً بشكل صارم، بل كان يعتمد على التقاليد الخاصة بكل أمة قبلية، ولكنه كان غالباً ما يتضمن دمجاً للوظائف المرتبطة عادةً بالجنسين. على سبيل المثال، قد يشارك الشخص الذي ولد ذكراً ولكنه ذو روحين في أنشطة نسائية تقليدية مثل الحياكة وصنع الفخار، أو قد يشارك في أنشطة ذكورية مثل الصيد والحرب، أو قد يبتكر دوراً هجيناً خاصاً به.

في كثير من الأحيان، كان الأفراد ذوو الروحين يمتلكون قوة روحية خاصة (Spiritual Power)، ويُعتبرون وسطاء بين الجنسين، مما منحهم مكانة فريدة كشامان، أو معالجين، أو مفسري أحلام، أو مؤرخي قبائل. كان يُعتقد أن قدرتهم على رؤية العالم من منظور مزدوج تجعلهم حكماء ومستشارين قيّمين. هذه الأدوار الروحية والاجتماعية كانت حاسمة لتماسك المجتمع، وكانت توفر توازناً اجتماعياً ونفسياً، حيث كان يُنظر إليهم على أنهم هبة من الخالق، وليسوا عبئاً أو انحرافاً.

ومن الناحية العملية، كان هؤلاء الأفراد يساهمون بشكل كبير في الاقتصاد القبلي. ففي بعض القبائل، كان الأفراد ذوو الروحين يتميزون في المهن التي تتطلب مهارات دقيقة أو تركيزاً، مثل صناعة الملابس الاحتفالية أو إنتاج السلال المعقدة. وبعكس النظرة الأوروبية التي كانت ترى فيهم مجرد “مثليين جنسياً”، كانت أدوارهم الاجتماعية تُركز على العمل والروحانية، بينما كانت علاقاتهم الجنسية جزءاً ثانوياً من هويتهم العامة. كانت النظم الزوجية لديهم مرنة، وكثيراً ما كانوا يتزوجون من أفراد من الجنسين، ويُعتبرون أزواجاً محترمين ومشاركين بالكامل في الحياة الأسرية.

5. الأهمية والوظيفة الاجتماعية

إن وجود الأفراد ذوي الروحين في مئات الأمم القبلية عبر أمريكا الشمالية يشير إلى أن أدوارهم كانت ذات أهمية وظيفية عميقة داخل الهياكل الاجتماعية التقليدية. لم تكن هذه الأدوار مجرد تسامح ثقافي، بل كانت جزءاً لا يتجزأ من النسيج الاجتماعي والكوني. كانت وظيفتهم الرئيسية تتمثل في توفير التوازن والتكامل، حيث كانوا يعملون كـ وسطاء (Mediators) في النزاعات، سواء كانت نزاعات عائلية أو نزاعات بين الجنسين، بفضل قدرتهم على فهم وجهات نظر كل طرف.

في المجتمعات التي كانت تعتمد على تقسيم صارم نسبياً للعمل بين الذكور والإناث (مثل الصيد مقابل الزراعة)، كان الأفراد ذوو الروحين يمثلون فئة ثالثة توفر مرونة اقتصادية. لقد شغلوا أدواراً كانت محظورة على الذكور أو الإناث العاديين، أو جمعوا بين مهام الجنسين لزيادة الإنتاجية. هذه المرونة كانت عاملاً حاسماً في بقاء القبيلة وازدهارها، خاصة في البيئات الصعبة.

علاوة على ذلك، كان دورهم كحاملي تقاليد وقيم روحية لا يقدر بثمن. كان يُنظر إليهم على أنهم يحملون معرفة خاصة بالعالم الروحي، ويشاركون في الطقوس والاحتفالات التي تتطلب نظرة مزدوجة أو قدرة على التعامل مع المفارقات. إن القبول والاحترام الذي منحته لهم مجتمعاتهم التقليدية يؤكد أن هذه الأدوار كانت تُعزز، ولا تُهدد، النظام الاجتماعي القائم، وهو ما يتناقض بشكل صارخ مع النظرة الأوروبية التي ربطت الأدوار الجنسانية غير الثنائية بالانحطاط أو الخطيئة.

6. الانتقادات والمناقشات

تتركز الانتقادات الأكاديمية والاجتماعية حول مصطلح بيرداش بشكل حصري تقريباً على طبيعته الاستعمارية والمهينة. إن أهم نقد موجه للمصطلح هو أنه يمثل تجريداً ثقافياً (Cultural Reductionism) يمحو التنوع الهائل بين الأمم القبلية. فاستخدام كلمة واحدة لوصف ظواهر مختلفة في مئات الثقافات المختلفة (التي كان لكل منها تسميتها الخاصة وأدوارها المحددة) يفرض تجانساً مصطنعاً لا يعكس الواقع المعقد.

النقد الثاني يتعلق بالدلالات الجنسية للمصطلح. بسبب جذوره الأوروبية التي ربطته بالعبودية والممارسات الجنسية السلبية، فإن استخدام بيرداش في الأوساط الأكاديمية ركز بشكل غير متناسب على الميول الجنسية للأفراد، مما أدى إلى تجاهل كامل لأهميتهم الروحية والاجتماعية والاقتصادية. هذا التركيز عكس هواجس المجتمع الأوروبي مع الجنسانية بدلاً من الأنظمة المعرفية للسكان الأصليين التي كانت تركز على الدور والروحانية.

أخيراً، يُنظر إلى مصطلح بيرداش على أنه أداة استعمارية ساهمت في اضطهاد الأفراد ذوي الروحين. عندما فرضت الحكومات الأوروبية والأمريكية أنظمتها القانونية والتعليمية والدينية على السكان الأصليين، تم تجريم هذه الأدوار التقليدية ونبذها قسراً، مما أدى إلى تدمير الهياكل الاجتماعية التي كانت تحمي هؤلاء الأفراد. إن الرفض الجماعي للمصطلح من قِبل قادة السكان الأصليين يمثل محاولة لاستعادة السرد التاريخي وإعادة تأكيد شرعية الهويات التقليدية في مواجهة الإرث الاستعماري للأنثروبولوجيا المبكرة.

قراءات إضافية