المحتويات:
مراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها (CDC)
المجالات التخصصية الرئيسية: الصحة العامة العالمية، علم الأوبئة، الطب الوقائي، الصحة البيئية.
1. التعريف الجوهري والرسالة الأساسية
تُعد مراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها (CDC) الوكالة الفيدرالية الرائدة في الولايات المتحدة الأمريكية، والمكلفة بحماية الصحة العامة والسلامة من خلال السيطرة على الأمراض والإصابات والإعاقات والحد منها. تعمل هذه المراكز، التي تتبع وزارة الصحة والخدمات الإنسانية الأمريكية، كمركز عالمي للخبرة في مجال علم الأوبئة والبحوث الصحية السلوكية والبيئية. رسالتها الأساسية ليست قاصرة على الاستجابة للأزمات الصحية الطارئة فحسب، بل تمتد لتشمل العمل الاستباقي لتعزيز الرفاهية العامة والتعليم الصحي، مما يجعلها حجر الزاوية في منظومة الأمن الصحي القومي والدولي. إن الدور الذي تلعبه مراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها يتجاوز الحدود الجغرافية، حيث تؤثر توصياتها وإرشاداتها العلمية على ممارسات الصحة العامة في جميع أنحاء العالم، خاصة فيما يتعلق بالتحصين، والسلامة الغذائية، والتأهب للأوبئة.
تعتمد فلسفة عمل مركز مكافحة الأمراض والوقاية منها على مبدأ الصحة القائمة على الأدلة، حيث تُستخدم البيانات العلمية الدقيقة والتحليل الوبائي المتطور لتوجيه جميع القرارات والسياسات. هذا الاعتماد على المنهج العلمي الصارم يمكّن الوكالة من تحديد الأنماط والتوزيعات للمخاطر الصحية وتطوير استراتيجيات تدخل فعالة. وتهدف الوكالة بشكل خاص إلى حماية الفئات السكانية الأكثر ضعفاً والمعرضة بشكل غير متناسب للمخاطر الصحية، سواء كانت أمراضاً معدية جديدة أو تحديات مزمنة مثل مرض السكري وأمراض القلب. كما تضطلع مراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها بمسؤولية جمع ونشر البيانات الصحية الحيوية، بما في ذلك إحصائيات الوفيات والمراضة، والتي تشكل أساساً للتخطيط الصحي على المستوى الفيدرالي ومستوى الولايات.
وفي سياق دورها متعدد الأوجه، تضطلع مراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها بمجموعة واسعة من المهام التي تتشابك لتشكيل نظام متكامل للصحة العامة. تشمل هذه المهام إجراء البحوث المتطورة في مجال علم الأحياء الدقيقة وعلم الفيروسات، وتطوير وتوزيع الإرشادات والمبادئ التوجيهية السريرية للمهنيين الصحيين، وإدارة البرامج الوطنية للوقاية من الأمراض. ويُعد التأهب للطوارئ الصحية جزءاً لا يتجزأ من مهمتها، حيث تعمل الوكالة على تطوير القدرات اللازمة للاستجابة السريعة والمنسقة للكوارث الطبيعية، والهجمات البيولوجية المحتملة، وتفشي الأوبئة المفاجئ. وباختصار، تمثل مراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها درع الأمة الواقي ضد التهديدات الصحية، سواء كانت معروفة أو ناشئة، من خلال الجمع بين العلم والتكنولوجيا والعمل الميداني.
2. الجذور التاريخية والتطور
تأسس مركز مكافحة الأمراض والوقاية منها رسمياً في عام 1946، تحت اسم مركز الأمراض السارية، وكان مقره في أتلانتا بولاية جورجيا. لم يكن الغرض الأساسي من إنشائه في البداية هو ما نعرفه اليوم، بل كان يركز على هدف محدد: مكافحة الملاريا في جنوب الولايات المتحدة، والتي كانت تمثل تحدياً صحياً كبيراً للمناطق الزراعية والعسكرية بعد الحرب العالمية الثانية. كان المدير الأول، الدكتور جوزيف ماكونيل، قد قاد جهوداً ناجحة لمكافحة البعوض الناقل للملاريا. وقد اعتمد المركز في أيامه الأولى على التبرعات والموارد الحكومية البسيطة، حيث كان يتكون من عدد قليل من الموظفين الفنيين الذين ركزوا على علم الحشرات ومكافحة النواقل، مما يوضح الجذور العملية والميدانية للوكالة.
شهدت السنوات اللاحقة توسعاً تدريجياً في نطاق عمل المركز، متجاوزاً التركيز الحصري على الأمراض المنقولة بالنواقل. في خمسينيات وستينيات القرن العشرين، بدأ المركز في دمج برامج جديدة تتعلق بالسل وشلل الأطفال، ومع ظهور التحديات الصحية الجديدة، بدأت الوكالة في تطوير قدراتها في مجال علم الأوبئة الميداني، وهو التخصص الذي أصبح السمة المميزة لعملها. في عام 1967، تم تأسيس برنامج خدمة الاستخبارات الوبائية (EIS)، والذي يُعتبر بمثابة “قوات التدخل السريع” في مجال الصحة العامة، حيث يقوم بتدريب علماء الأوبئة على التحقيق في تفشي الأمراض في جميع أنحاء العالم. هذا التحول عكس إدراكاً متزايداً بأن الصحة العامة تتطلب نهجاً نظامياً قائماً على التحقيق السريع والتدريب المتقدم.
شهدت العقود اللاحقة تغييرات هيكلية وتوسعات في المهام لتعكس التحولات في المشهد الصحي العالمي. في الثمانينيات، لعبت مراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها دوراً حاسماً في تحديد والاستجابة لوباء نقص المناعة المكتسبة (الإيدز)، مما أدى إلى زيادة كبيرة في تمويلها وبنيتها التحتية المخصصة للأمراض الفيروسية. وفي عام 1992، تم تغيير الاسم رسمياً إلى “مراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها” للاعتراف بالعدد المتزايد من البرامج التي تتعامل مع الأمراض المزمنة، والإصابات غير المتعمدة، والصحة البيئية، بدلاً من التركيز فقط على الأمراض المعدية. هذا التطور يعكس انتقالاً من الطب الوقائي التقليدي إلى مفهوم أوسع يسمى الصحة العامة الشاملة.
إن النمو التاريخي لمراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها لم يكن خالياً من التحديات السياسية والمالية، ولكنه أثبت قدرتها على التكيف مع الاحتياجات المتغيرة. فمنذ مكافحة الملاريا في الأربعينيات وصولاً إلى تحديد التهديدات الكيميائية والبيولوجية في القرن الحادي والعشرين، أظهرت الوكالة مرونة في تطوير خبراتها. وقد ساهمت مشاركتها النشطة في جهود استئصال شلل الأطفال والجدري عالمياً في ترسيخ مكانتها كقوة علمية دولية. ويُظهر هذا التطور المستمر التزاماً بالبقاء في طليعة العلوم الصحية، ليس فقط من خلال البحث المخبري، ولكن أيضاً من خلال التطبيق الميداني للبيانات لإنقاذ الأرواح، مما يؤكد أن تاريخها هو تاريخ استجابة علمية منظمة للأزمات البشرية.
3. الهيكل التنظيمي والوظائف الرئيسية
يتميز الهيكل التنظيمي لمراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها بتعقيد وتخصص عالٍ، وهو مصمم لتمكين الوكالة من معالجة مجموعة واسعة من التهديدات الصحية بكفاءة. وتتكون الوكالة من عدة مراكز ومعاهد ومكاتب (CIOs)، يعمل كل منها على التركيز على مجال صحي محدد. على سبيل المثال، هناك المركز الوطني للتحصين وأمراض الجهاز التنفسي (NCIRD)، والمركز الوطني للوقاية من الأمراض المزمنة وتعزيز الصحة (NCCDPHP)، والمعهد الوطني للسلامة والصحة المهنية (NIOSH)، الذي يعمل كوحدة بحثية مستقلة داخل المركز. هذا التقسيم يسمح بتركيز الخبرات العلمية والمالية على تحديات محددة، مع ضمان التنسيق المركزي من خلال مكتب المدير العام.
تتمحور الوظائف الرئيسية لمراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها حول أربعة محاور أساسية: المراقبة، البحث، التدخل، والتأهب. في مجال المراقبة، تدير الوكالة شبكات بيانات معقدة على المستوى الوطني والدولي لتعقب تفشي الأمراض، ومعدلات الإصابات، والتوجهات الصحية السلوكية. وهذا يشمل جمع البيانات المخبرية والسريرية والبيئية وتحليلها في الوقت الفعلي. أما البحث، فيشمل تطوير تقنيات تشخيصية جديدة، وتقييم فعالية اللقاحات والعلاجات، وإجراء دراسات وبائية لفهم عوامل الخطر للأمراض المزمنة والمعدية. هذه الوظائف العلمية تشكل العمود الفقري لجميع قرارات السياسة العامة التي تصدرها الوكالة.
فيما يتعلق بالتدخل، تعمل مراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها على ترجمة النتائج البحثية إلى إجراءات عملية قابلة للتطبيق. وهذا يشمل إصدار إرشادات الصحة العامة الموثوقة للمستشفيات والمدارس والجمهور، وإدارة برامج التطعيم الوطنية، وتقديم الدعم الفني والمادي لوزارات الصحة في جميع الولايات الأمريكية، بالإضافة إلى دعم جهود الصحة العالمية. أما التأهب، فهو وظيفة حيوية تتطلب التخطيط المستمر لمواجهة التهديدات غير المتوقعة. وتحافظ الوكالة على مخزون وطني من الأدوية والمعدات الطبية، وتجري تدريبات محاكاة للطوارئ، وتدير مركز عمليات الطوارئ (EOC) الذي يصبح مركز القيادة خلال الأزمات الكبرى، مما يضمن استجابة سريعة وموحدة في حالات الخطر.
ويُعد تدريب القوى العاملة في مجال الصحة العامة وظيفة محورية أخرى. برنامج خدمة الاستخبارات الوبائية (EIS)، الذي تم ذكره سابقاً، لا يزال يمثل نموذجاً عالمياً لتدريب “محققو الأمراض” الذين يتم نشرهم في جميع أنحاء العالم للتحقيق في تفشي الأمراض. بالإضافة إلى ذلك، تعمل مراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها على تعزيز قدرات المختبرات العامة والخاصة، وتوفير التمويل والخبرات للشركاء الدوليين. إن هذا التركيز على بناء القدرات، وليس فقط تقديم الخدمات المباشرة، يضمن استدامة جهود الصحة العامة على المدى الطويل ويوسع من التأثير العالمي للوكالة، مما يجعلها مرجعاً دولياً في مجال التكوين والتدريب الوبائي.
4. الدور في علم الأوبئة والمراقبة
يُعتبر الدور الذي تلعبه مراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها في علم الأوبئة والمراقبة الحجر الأساس لجميع جهود الصحة العامة الأمريكية والعالمية. تتمثل مهمتها الأساسية في تحديد ورصد التوزيع والأنماط والعوامل المحددة للصحة والمرض في مجموعات سكانية محددة، ثم تطبيق هذه الدراسة للسيطرة على المشاكل الصحية. وتستخدم الوكالة نظاماً معقداً من شبكات المراقبة الإلكترونية، مثل نظام تقارير الأمراض السارية الوطنية (NNDSS)، لجمع البيانات في الوقت الحقيقي حول حالات الأمراض التي يجب الإبلاغ عنها قانونياً، مما يوفر صورة شاملة وديناميكية للحالة الصحية للبلاد. هذه الأنظمة ضرورية لتمكين التنبؤ بتفشي الأمراض والتحرك قبل أن تصل إلى مستويات وبائية.
لا تقتصر المراقبة على الأمراض المعدية فحسب؛ بل تشمل أيضاً مراقبة الأمراض المزمنة، مثل السرطان والسكري، من خلال المسوحات الصحية الوطنية التي تجريها الوكالة بانتظام. على سبيل المثال، يوفر نظام مراقبة عوامل الخطر السلوكية (BRFSS) بيانات حيوية حول السلوكيات المتعلقة بالصحة مثل التدخين، والنظام الغذائي، وممارسة الرياضة، على مستوى الولايات. إن الجمع بين البيانات الوبائية السريرية والبيانات السلوكية يمكّن علماء الأوبئة في مراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها من تطوير نماذج معقدة لفهم كيفية تفاعل العوامل الاجتماعية والاقتصادية والبيئية مع المسببات البيولوجية للمرض. هذا النهج الشامل يُعرف باسم النهج الإيكولوجي للصحة العامة.
ويتمثل جوهر العمل الوبائي لمراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها في قدرتها على إجراء تحقيقات تفشي الأمراض الميدانية. عندما يتم الإبلاغ عن مجموعة غير عادية من حالات المرض، يتم نشر فرق EIS بسرعة إلى الموقع لجمع البيانات، وتحديد مصدر التفشي، وتوصية إجراءات المكافحة. هذه التحقيقات الميدانية هي التي سمحت للوكالة بتحديد مصادر تلوث الأغذية، وتتبع الأمراض الحيوانية المنشأ، وفهم طرق انتقال الفيروسات الجديدة. إن النتائج المستخلصة من هذه التحقيقات تُنشر بانتظام في التقرير الأسبوعي للمراضة والوفيات (MMWR)، والذي يُعتبر منشوراً أساسياً وموثوقاً لمهنيي الصحة العامة على مستوى العالم.
علاوة على ذلك، تلعب مراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها دوراً حاسماً في وضع التعريفات القياسية للحالات (Case Definitions)، وهي ضرورية لضمان إمكانية مقارنة البيانات الصحية عبر مختلف الولايات والدول. إن توحيد طرق جمع البيانات وتفسيرها يضمن أن تكون المراقبة فعالة وقابلة للتطبيق على نطاق واسع. إن التكامل بين المختبرات المرجعية التابعة للوكالة، التي توفر التشخيصات الجزيئية المتقدمة، وأنظمة المراقبة القائمة على السكان، يخلق نظام إنذار مبكر قوياً. وفي عصر التكنولوجيا، تعمل الوكالة بشكل متزايد على دمج الذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي في تحليل البيانات الوبائية، مما يعزز من قدرتها على اكتشاف التهديدات الصحية قبل أن تتفاقم، مما يرسخ مكانتها كقوة رائدة في مجال الاستخبارات الصحية.
5. الاستجابة للأزمات الصحية العالمية
برزت مراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها كلاعب رئيسي في الاستجابة للأزمات الصحية الكبرى التي تهدد الأمن الصحي العالمي. إن دورها في الاستجابة لا يقتصر على الحدود الأمريكية، بل يمتد إلى التعاون مع منظمة الصحة العالمية (WHO) والوكالات الحكومية الأجنبية لتقديم الدعم الفني واللوجستي والتحليلي. وقد تجلى هذا الدور بوضوح خلال تفشي فيروس إيبولا في غرب أفريقيا (2014-2016)، حيث قامت فرقها بنشر المئات من الخبراء لدعم جهود المراقبة وتتبع المخالطين ومكافحة العدوى في البلدان المتضررة. إن قدرة الوكالة على نشر فرق “اذهب” (Go Teams) بسرعة فائقة هي شهادة على استعدادها التشغيلي العالي.
فيما يتعلق بالتصدي لجائحة كوفيد-19، واجهت مراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها تحديات غير مسبوقة، حيث كانت في طليعة جهود الاستجابة الوطنية. وشمل دورها في الجائحة تطوير واختبار مجموعات الاختبارات التشخيصية، وتقديم تحديثات يومية وإرشادات للجمهور والمهنيين الصحيين، وتنسيق جهود جمع بيانات الوفيات والمراضة المرتبطة بالفيروس. على الرغم من الانتقادات التي واجهتها في المراحل المبكرة المتعلقة بتأخير توفير الاختبارات وتغير الإرشادات، إلا أن الوكالة قامت بجهود ضخمة لتعبئة مواردها العلمية والتشغيلية، بما في ذلك التوسع السريع في قدرات التسلسل الجيني لتتبع السلالات المتحورة.
تعتمد فعالية استجابة مراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها على تشغيل مركز عمليات الطوارئ (EOC) على مدار الساعة طوال أيام الأسبوع، والذي يعمل كمركز قيادة للرد على أي تهديد صحي عام، سواء كان تفشياً طبيعياً، أو كارثة بيئية، أو هجوماً بيولوجياً. يتيح هذا المركز التنسيق السلس بين خبراء علم الأوبئة، وعلماء المختبرات، والمتخصصين في الاتصالات، ووكالات إنفاذ القانون. ويضمن هذا الهيكل القيادي الموحد أن يتم تطبيق الإجراءات التصحيحية بسرعة بناءً على أحدث المعلومات المتاحة، مما يقلل من الوقت المستغرق بين اكتشاف التهديد والاستجابة الفعالة له.
إن الخبرة التي اكتسبتها مراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها من الاستجابة للأزمات المتكررة (بما في ذلك إنفلونزا الطيور، وفيروس زيكا، وتفشي فيروس نقص المناعة البشرية) قد أدت إلى تطوير إطار عالمي للأمن الصحي. وتعمل الوكالة بنشاط على تعزيز قدرة البلدان الشريكة على الوفاء باللوائح الصحية الدولية (IHR) من خلال مبادرات مثل برنامج الأمن الصحي العالمي (GHSA). هذه المبادرات تهدف إلى بناء قدرات محلية للكشف عن التهديدات الصحية والوقاية منها والاستجابة لها، مما يضمن أن تكون الاستجابة للأزمات المستقبلية أكثر لامركزية وأكثر مرونة، مما يعزز المقولة التي تفيد بأن الصحة العالمية هي أمن قومي.
6. البرامج والمبادرات الوقائية
إن التحول من الاستجابة إلى الوقاية يمثل محوراً استراتيجياً في عمل مراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها. تكرس الوكالة جزءاً كبيراً من مواردها لتنفيذ برامج تهدف إلى منع حدوث الأمراض والإصابات في المقام الأول، بدلاً من مجرد علاجها. وتعتبر برامج التحصين الوطنية من أبرز هذه المبادرات، حيث تقوم الوكالة بتوفير الإرشادات والتوصيات بشأن جداول التطعيم للأطفال والبالغين، وتقوم بمراقبة سلامة وفعالية اللقاحات. وتساهم هذه الجهود بشكل مباشر في خفض معدلات الأمراض التي يمكن الوقاية منها باللقاحات، مثل الحصبة والسعال الديكي، وتضمن الحفاظ على مناعة القطيع المجتمعية، مما يحمي الفئات غير القادرة على تلقي اللقاحات.
بالإضافة إلى الأمراض المعدية، تركز الوكالة بقوة على الوقاية من الأمراض المزمنة غير المعدية، والتي تمثل عبئاً هائلاً على نظام الرعاية الصحية. وتشمل المبادرات في هذا المجال حملات مكافحة التبغ، وبرامج تعزيز التغذية والنشاط البدني لمكافحة السمنة والسكري، والجهود المبذولة لزيادة الفحص المبكر لمرض السرطان. ويتم تنفيذ هذه البرامج غالباً بالشراكة مع إدارات الصحة في الولايات والمجتمعات المحلية، مما يضمن أن تكون التدخلات مصممة خصيصاً لتلبية الاحتياجات السكانية المحددة. إن الاستثمار في هذه المبادرات الوقائية يمثل استراتيجية فعالة من حيث التكلفة لتحسين نوعية الحياة وتقليل نفقات الرعاية الصحية طويلة الأجل.
كما تولي مراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها اهتماماً خاصاً بـ الصحة البيئية والوقاية من الإصابات. يعمل المعهد الوطني للسلامة والصحة المهنية (NIOSH) على وضع معايير للسلامة في مكان العمل وإجراء البحوث حول المخاطر المهنية. وفي مجال الوقاية من الإصابات، تتولى الوكالة مسؤولية معالجة أزمات الصحة العامة، مثل وباء المواد الأفيونية، والعنف المسلح، والإصابات المرورية غير المتعمدة، من خلال تطبيق نموذج وبائي لفهم عوامل الخطر وتطوير تدابير وقائية. هذا التوسع في نطاق الوقاية يعكس فهماً متزايداً بأن الصحة تتأثر بمجموعة معقدة من العوامل الاجتماعية والبيئية، مما يتطلب نهجاً متعدد التخصصات للتدخل.
7. التحديات والانتقادات
تواجه مراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها تحديات كبيرة، سواء كانت تشغيلية أو سياسية أو متعلقة بالثقة العامة. أحد أبرز هذه التحديات هو الاستقرار المالي؛ فغالباً ما تعتمد الوكالة على التمويل الطارئ للاستجابة للأوبئة، مما يؤدي إلى عدم اليقين في التخطيط طويل الأجل لبرامج المراقبة والوقاية الأساسية. كما أن الصراعات المستمرة بين التمويل المخصص للأمراض المعدية والتمويل المخصص للأمراض المزمنة يخلق ضغطاً على الوكالة لتحديد أولويات مواردها في مواجهة التهديدات المتعددة.
أما التحدي الثاني، والأكثر وضوحاً في السنوات الأخيرة، فهو الاستقلال العلمي والتدخل السياسي. خلال الأزمات الصحية الكبرى، خاصة جائحة كوفيد-19، تعرضت الوكالة لانتقادات واسعة النطاق بسبب التغيرات المتكررة في الإرشادات، والتي نُظر إليها أحياناً على أنها نتيجة للضغوط السياسية بدلاً من التطورات العلمية البحتة. إن الحفاظ على الثقة العامة يتطلب شفافية مطلقة واستقلالاً عن المصالح السياسية، ولكن العمل في بيئة فيدرالية يضع قيوداً على هذا الاستقلال، مما يؤدي إلى تآكل مصداقية الوكالة في عيون بعض فئات الجمهور والمهنيين الصحيين.
وتشمل الانتقادات الأخرى قضايا تتعلق بـ السرعة والشفافية. على الرغم من أن مراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها معروفة بدقتها العلمية، إلا أن عملياتها البيروقراطية قد تؤدي في بعض الأحيان إلى بطء في نشر البيانات أو إصدار الإرشادات، وهو أمر قاتل في سياق الأوبئة سريعة الانتشار. كما تواجه الوكالة تحديات في التواصل الفعال في عصر المعلومات المضللة (Infodemics)، حيث يجب عليها أن تتنافس مع مصادر المعلومات غير العلمية. إن ضمان وصول رسائل واضحة وموحدة ومبنية على الأدلة إلى الجمهور، مع الاعتراف بعدم اليقين العلمي عند وجوده، يمثل تحدياً تواصلياً كبيراً يجب التغلب عليه لاستعادة الثقة وتحقيق التأثير المرجو من برامجها.
8. الأثر العالمي والأهمية المستقبلية
لا يمكن المبالغة في تقدير الأثر العالمي لمراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها. فمن خلال برامجها الدولية ومكاتبها المنتشرة في أكثر من 60 دولة، تعمل الوكالة كقوة دافعة لتعزيز البنية التحتية للصحة العامة في جميع أنحاء العالم. إنها تصدر المعايير الذهبية للمراقبة الوبائية وتدريب القوى العاملة الصحية، مما يضمن أن تكون الدول النامية مجهزة بشكل أفضل للكشف عن الأمراض والسيطرة عليها. هذا الدور ليس مجرد مساعدة إنسانية؛ بل هو استثمار في الأمن الصحي الأمريكي، حيث أن المرض الذي ينشأ في أي مكان يمكن أن ينتشر بسرعة إلى جميع أنحاء العالم، مما يجعل شراكة مراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها مع الدول الأخرى أمراً حيوياً للوقاية الشاملة.
تكمن الأهمية المستقبلية لمراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها في قدرتها على التكيف مع التهديدات الصحية الجديدة والناشئة. ويشمل ذلك التركيز المتزايد على الأمراض الحيوانية المنشأ، التي تنتقل من الحيوانات إلى البشر، والتي تمثل غالبية الأوبئة الجديدة. وتستلزم الاستجابة لهذه التهديدات تطبيق نهج “الصحة الواحدة” (One Health)، الذي يدمج صحة الإنسان والحيوان والبيئة. وتعمل مراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها على قيادة هذا الجهد من خلال التعاون مع الوكالات البيئية والزراعية لتطوير أنظمة مراقبة متكاملة يمكنها تحديد المخاطر عند نقطة التقاطع بين الأنواع قبل أن تصل إلى البشر.
في الختام، ستستمر مراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها في لعب دور لا غنى عنه في حماية البشرية من الأخطار الصحية. ومع تزايد تأثير تغير المناخ على أنماط الأمراض المنقولة بالنواقل وتفاقم التفاوتات الصحية، ستكون خبرة الوكالة في تحليل البيانات المعقدة وتطوير الاستراتيجيات الوقائية القائمة على الأدلة أكثر أهمية من أي وقت مضى. إن مستقبل الصحة العامة يعتمد على تمكين هذه المؤسسة العلمية الرائدة من العمل باستقلال، وشفافية، وبتمويل كافٍ، لضمان استمرارها في مهمتها الأساسية المتمثلة في إنقاذ الأرواح وتحسين نوعية الحياة في جميع أنحاء العالم.