المطلق: رحلة في أعماق الحقيقة والكمال النفسي

المطلق (Absolute)

المجالات التخصصية الأساسية: الفلسفة، الميتافيزيقا، نظرية المعرفة، الأخلاق، الرياضيات، الفيزياء، اللاهوت

1. التعريف الجوهري

يشير مفهوم المطلق إلى كل ما هو مستقل بذاته، غير مشروط، لا يقبل التقييد أو التغيير، ويقف كحقيقة نهائية أو مبدأ أساسي لا يعتمد على أي شيء آخر لوجوده أو لصحته. إنه يمثل نقطة مرجعية ثابتة ومستقرة، تتجاوز الاعتبارات النسبية أو الظرفية أو الذاتية. في جوهره، يعبر المطلق عن الكمال والتمامية واللامحدودية، ويكون غالبًا مرادفًا للواقع الأسمى أو الحقيقة النهائية التي لا يمكن تجاوزها أو دحضها. هذا المفهوم يتغلغل في مختلف ميادين الفكر البشري، من الفلسفة واللاهوت إلى العلوم الدقيقة، ليقدم إطارًا لفهم الوجود والمعرفة والقيم.

إن السمة المميزة للمطلق هي الاستقلالية التامة، فهو لا يخضع لأي سبب خارجي أو شرط مسبق، ولا يتأثر بالتغيرات الزمانية أو المكانية. هذا الاستقلال يمنحه صفة الكلية والشمولية، حيث يُنظر إليه على أنه يتضمن كل شيء أو ينطبق على كل شيء دون استثناء. في سياق نظرية المعرفة، قد يشير المطلق إلى حقيقة موضوعية عالمية تتجاوز التصورات الفردية أو الثقافية، بينما في الميتافيزيقا، قد يجسد الكائن الأسمى أو المبدأ الأول الذي منه ينبثق كل الوجود. إنه يمثل حدًا أقصى لا يمكن تخيله أو تجاوزه، ولهذا السبب غالبًا ما يرتبط بمفاهيم مثل الأزلية والأبدية والكمال.

يتناقض مفهوم المطلق بشكل مباشر مع مفهوم النسبي، الذي يشير إلى ما هو مشروط، متغير، ويعتمد على سياق أو منظور معين. بينما تتسم الحقائق النسبية بالمرونة والتأثر بالعوامل المحيطة، فإن الحقائق المطلقة تُفترض أنها ثابتة وغير قابلة للتغيير بغض النظر عن الظروف أو وجهات النظر. هذا التباين الأساسي يشكل جوهر العديد من الجدالات الفلسفية والعلمية، حيث يسعى البعض لإثبات وجود حقائق ومبادئ مطلقة يمكن الاعتماد عليها، بينما يرى آخرون أن كل شيء في الوجود والمعرفة البشرية هو نسبي بطبيعته، وأن البحث عن المطلق هو مسعى عبثي أو مستحيل.

2. الاشتقاق اللغوي والتطور التاريخي

يعود أصل كلمة “مطلق” في اللغة العربية إلى الجذر “ط ل ق” الذي يدل على التحرر والانفصال وعدم التقييد، ومنه “أطلق” أي حرر أو سرح. هذا المعنى اللغوي يتوافق تمامًا مع دلالته الفلسفية، حيث يشير إلى الكيان المتحرر من أي قيود أو شروط. أما في اللغات الغربية، فإن المصطلح “absolute” مشتق من الكلمة اللاتينية “absolutus”، وهي الصفة الماضية للفعل “absolvere” الذي يعني “يحل” أو “يحرر” أو “يكمل”. كان هذا المصطلح يستخدم في الأصل للإشارة إلى ما هو “محرر من” أو “مفصول عن” أي قيود أو شروط، أو ما هو “كامل” و”تام” في ذاته.

تطور مفهوم المطلق عبر تاريخ الفكر الفلسفي الطويل، بدءًا من الفلسفات اليونانية القديمة التي تناولت مفاهيم الوجود الأسمى والحقيقة المطلقة وإن لم تستخدم المصطلح ذاته بشكل صريح. فقد سعى فلاسفة مثل بارمنيدس وأفلاطون إلى تحديد جوهر ثابت وغير متغير للوجود، يمثل حقيقة مطلقة تتجاوز عالم الظواهر المتغيرة. في العصور الوسطى، اكتسب المفهوم أهمية كبرى في اللاهوت والفلسفة المسيحية، حيث ارتبط ارتباطًا وثيقًا بمفهوم الإله ككائن مطلق الوجود والقدرة والمعرفة، خالق كل شيء ومصدر كل حقيقة.

في الفلسفة الحديثة، أخذ مفهوم المطلق أبعادًا جديدة ومعقدة. استخدمه رينيه ديكارت للإشارة إلى المعرفة اليقينية التي لا يمكن الشك فيها، وربطه باروخ سبينوزا بمفهوم الجوهر (Substance) الذي هو علة ذاته ومصدر كل ما هو موجود، مما جعله المطلق الوحيد. بلغ المفهوم ذروته في الفلسفة الألمانية المثالية، خاصة مع جورج فيلهلم فريدريش هيغل الذي رأى أن المطلق هو الروح المطلقة (Absolute Spirit) التي تتطور عبر التاريخ والفكر وصولًا إلى وعيها الكامل بذاتها، ممثلة بذلك الوحدة النهائية للذات والموضوع، والفكر والوجود. هذا التطور التاريخي يظهر كيف أن مفهوم المطلق ظل محورًا للبحث عن الحقيقة النهائية والأساس الذي يقوم عليه كل شيء.

3. الخصائص الأساسية

  • الاستقلال وعدم المشروطية:

    تُعد الاستقلالية عن أي مؤثرات خارجية أو شروط مسبقة هي السمة الأكثر جوهرية للمطلق. فالمطلق لا يحتاج إلى أي شيء آخر لوجوده أو لتعريفه، بل هو قائم بذاته، لا يعتمد على أي سبب أو علة سابقة أو متزامنة. إنه لا يُخلق، ولا يُولد، ولا يفسد، بل هو أزلي أبدي، وجوده سابق أو متجاوز لأي علاقة تبعية. هذه الخاصية تميزه عن كل ما هو نسبي أو مشروط، وتجعله نقطة الانطلاق النهائية لأي فهم للوجود أو المعرفة. على سبيل المثال، في الفلسفة السبينوزية، الجوهر المطلق هو “ما هو في ذاته ويُفهم بذاته”، أي أن مفهومه لا يحتاج إلى مفهوم شيء آخر لتكوينه.

  • الكلية والشمولية:

    يتسم المطلق بكونه شاملاً وكليًا، بمعنى أنه يتجاوز الجزئية والتحديد، ويحتوي على كل شيء أو يمثل المبدأ الذي ينطبق على كل شيء. لا توجد حدود للمطلق، فهو لا يمكن أن يُحدد بمكان أو زمان أو كمية أو كيفية، لأنه لو كان كذلك لأصبح مشروطًا ومحدودًا. في سياق الحقيقة، الحقيقة المطلقة هي تلك التي تنطبق على جميع الأفراد وفي جميع الأزمان والأماكن، دون استثناء أو تعديل. في الفلسفة الهيغلية، الروح المطلقة هي التي تتضمن كل أشكال الوعي البشري والتاريخ والثقافة، وتجسد الوحدة الشاملة لكل الأضداد والتناقضات.

  • الكمال والنهاية:

    يُعتبر المطلق غالبًا كاملًا وتامًا في ذاته، لا يعوزه شيء، ولا يمكن أن يُضاف إليه أو يُنتقص منه. إنه يمثل الغاية القصوى أو القمة التي لا يمكن تجاوزها. هذا الكمال يعني أنه لا يحتوي على أي نقص أو قصور، وأنه يجسد ذروة الوجود أو المعرفة أو الخير. في النظم الدينية، يُنظر إلى الإله على أنه المطلق الكامل في كل صفاته. في البحث الفلسفي، البحث عن المطلق هو بحث عن الحقيقة النهائية التي تنهي سلسلة التساؤلات وتوفر أساسًا ثابتًا للفهم. إنه يمثل نقطة النهاية التي عندها تتوقف الحاجة إلى التبرير أو الإسناد إلى شيء آخر.

4. المطلق في الفلسفة

4.1. المطلق في الميتافيزيقا

في الميتافيزيقا، يسعى مفهوم المطلق إلى الإجابة على الأسئلة الأساسية حول طبيعة الواقع. يُنظر إلى الواقع المطلق على أنه الوجود الأسمى أو الجوهر النهائي الذي تقوم عليه كل الأشياء. يمكن أن يتخذ هذا الواقع المطلق أشكالًا مختلفة في النظم الفلسفية المتنوعة؛ فقد يكون إلهًا متساميًا، أو جوهرًا واحدًا يضم كل الوجود كما في فلسفة سبينوزا، أو قد يكون وعيًا كونيًا أو روحًا مطلقة تتجلى في العالم المادي والفكري، كما تصورها الفلاسفة المثاليون الألمان. البحث عن المطلق في الميتافيزيقا هو بحث عن الأساس الذي لا يمكن التشكيك فيه للوجود، وهو المبدأ الأول الذي يفسر كل الظواهر.

لقد كان تحديد طبيعة المطلق الميتافيزيقي محورًا للعديد من النظريات الفلسفية. ففي المثالية الألمانية، وتحديدًا عند فريدريش شيلينغ وهيغل، يُفهم المطلق على أنه عملية ديناميكية تتكشف وتتطور، وليس مجرد كيان ثابت. بالنسبة لهيغل، المطلق هو الروح التي تحقق وعيها بذاتها من خلال التاريخ البشري والثقافة، متجاوزة التناقضات بين الفكر والواقع، والموضوع والذات. هذا الفهم للمطلق كعملية تطورية معقدة يسمح بتفسير التنوع والتحول في العالم، مع الحفاظ على وحدة أساسية كامنة.

إن السعي وراء المطلق في الميتافيزيقا يهدف إلى توفير إطار شامل ومتسق لفهم الكون بأكمله. إنه يحاول الإمساك بالحقيقة النهائية التي لا يمكن اختزالها أو تجاوزها، وتحديد مصدر كل الوجود والمعنى. سواء كان هذا المطلق يُنظر إليه ككائن متعالٍ أو كجوهر كامن في الوجود، فإنه يمثل نقطة النهاية الفكرية التي عندها يتوقف البحث عن الأسباب والمبررات، ويتم الوصول إلى أساس ثابت يمكن بناء كل المعرفة عليه.

4.2. المطلق في نظرية المعرفة

في نظرية المعرفة، يرتبط مفهوم المطلق ارتباطًا وثيقًا بفكرة الحقيقة المطلقة. الحقيقة المطلقة هي تلك التي تعتبر صحيحة بغض النظر عن السياق أو المنظور أو المعتقدات الفردية. إنها حقيقة عالمية وموضوعية تتجاوز التجربة الحسية والآراء الشخصية، ولا يمكن دحضها أو تعديلها. تتناقض هذه الفكرة مع النسبية المعرفية، التي ترى أن كل المعرفة والحقائق هي مشروطة ومحدودة بالذات العارفة أو بالسياق الثقافي والاجتماعي. السعي إلى الحقيقة المطلقة هو أحد الدوافع الأساسية للفلسفة، حيث يسعى الفلاسفة إلى تأسيس معرفة يقينية لا يمكن الشك فيها.

لقد أثار وجود الحقيقة المطلقة جدالات عميقة في تاريخ الفلسفة. ففلاسفة مثل ديكارت سعوا إلى إيجاد نقطة انطلاق معرفية مطلقة، متمثلة في الكوجيتو (“أنا أفكر، إذن أنا موجود”)، التي لا يمكن الشك فيها وتُعد أساسًا لبناء كل المعرفة الأخرى. على الجانب الآخر، شكك فلاسفة مثل ديفيد هيوم في إمكانية الوصول إلى مثل هذه المعرفة المطلقة، مشددين على حدود التجربة الحسية والعقل البشري. إن التحدي الأساسي في نظرية المعرفة هو كيفية تبرير ادعاءات الحقيقة المطلقة، وكيف يمكن التمييز بينها وبين المعتقدات الذاتية أو الحقائق المشروطة.

تُعد الحقيقة المطلقة ضرورية في بعض المجالات لتوفير أساس للاستنتاج المنطقي واليقين العلمي. ففي الرياضيات، مثلاً، تُعتبر البديهيات والنظريات حقائق مطلقة داخل إطار نظام معين. ومع ذلك، يرى العديد من الفلاسفة المعاصرين، خاصة في تيارات ما بعد الحداثة، أن السعي وراء الحقيقة المطلقة قد يكون ضربًا من الوهم، وأن كل المعرفة البشرية هي بالضرورة نسبية ومحدودة بإطارها التفسيري والسياقي. هذا لا يعني إنكار وجود الواقع، بل التشكيك في قدرة العقل البشري على إدراكه بشكل مطلق وغير مشروط.

4.3. المطلق في الأخلاق

في مجال الأخلاق، يشير مفهوم المطلق الأخلاقي إلى وجود مبادئ وقواعد أخلاقية ثابتة وعالمية تنطبق على جميع البشر في جميع الظروف، بغض النظر عن الثقافة أو الدين أو الظروف الفردية. هذه المبادئ تُعتبر صحيحة بذاتها، لا تحتاج إلى تبرير خارجي، ولا يمكن تغييرها أو انتهاكها. تتناقض الأخلاق المطلقة مع الأخلاق النسبية، التي ترى أن الصواب والخطأ يعتمدان على السياق الثقافي أو الاجتماعي أو الفردي، وأن القيم الأخلاقية ليست عالمية.

كان الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط من أبرز المدافعين عن الأخلاق المطلقة من خلال مفهومه عن الأمر القطعي (Categorical Imperative). يرى كانط أن الأفعال الأخلاقية يجب أن تنبع من واجب عقلي محض، وأن تكون قابلة لأن تصبح قانونًا عالميًا. على سبيل المثال، مبدأ عدم الكذب هو مبدأ أخلاقي مطلق عند كانط، لأنه لا يمكن أن نرغب في عالم يصبح فيه الكذب قانونًا عالميًا. هذه المبادئ الأخلاقية المطلقة توفر إطارًا لتقييم الأفعال بغض النظر عن نتائجها أو ميول الفرد، مما يضمن اتساقًا أخلاقيًا عالميًا.

ومع ذلك، تواجه الأخلاق المطلقة تحديات كبيرة. فمن الصعب تحديد مبادئ أخلاقية عالمية يتفق عليها الجميع في عالم متعدد الثقافات والقيم. كما أن تطبيق مبادئ مطلقة قد يؤدي إلى معضلات أخلاقية في مواقف معقدة، حيث قد تتعارض مبادئ مطلقة مختلفة. على سبيل المثال، قد يتعارض مبدأ عدم الكذب مع مبدأ حماية حياة بريئة. يجادل النقاد بأن الأخلاق المطلقة قد تكون جامدة وغير قادرة على التعامل مع تعقيدات الحياة البشرية، مما يدفع البعض إلى تبني نهج أكثر مرونة ونسبيًا في الأخلاق.

5. المطلق في العلوم

5.1. المطلق في الرياضيات

في الرياضيات، يظهر مفهوم المطلق في سياقات متعددة، أبرزها القيمة المطلقة لعدد. تُعرف القيمة المطلقة لعدد حقيقي (أو مركب) بأنها المسافة بين ذلك العدد والصفر على خط الأعداد، وهي دائمًا قيمة غير سالبة. على سبيل المثال، القيمة المطلقة للعدد 5 هي 5، والقيمة المطلقة للعدد -5 هي أيضًا 5. هذا المفهوم يعزل حجم العدد عن إشارته، وله تطبيقات واسعة في الجبر والتحليل الرياضي، حيث يُستخدم لقياس المسافات والخطأ في التقديرات.

كما يظهر المطلق في مفهوم التقارب المطلق في المتسلسلات. يقال إن المتسلسلة تتقارب تقاربًا مطلقًا إذا كانت متسلسلة القيم المطلقة لحدودها تتقارب. التقارب المطلق هو شرط أقوى من التقارب الشرطي، وله أهمية كبيرة في نظرية المتسلسلات وتطبيقاتها في التحليل الرياضي، لأنه يضمن أن إعادة ترتيب حدود المتسلسلة لا يغير مجموعها، وهي خاصية أساسية في العديد من الحسابات الرياضية.

بشكل أعم، تشكل البديهيات والمسلمات في الأنظمة الرياضية نوعًا من الحقائق المطلقة داخل إطار تلك الأنظمة. فالمبرهنات التي تُشتق من هذه البديهيات تُعتبر صحيحة بشكل مطلق ضمن نظامها المعين، وتوفر أساسًا لا يتزعزع للمنطق الرياضي. ومع ذلك، فإن هذه “المطلقية” هي نسبية للنظام نفسه، بمعنى أنها لا تزال تعتمد على صحة البديهيات المفترضة.

5.2. المطلق في الفيزياء

في الفيزياء، يُستخدم مفهوم المطلق في عدة سياقات لتحديد نقاط مرجعية لا تتغير أو لتحديد حدود قصوى. من أبرز هذه المفاهيم الصفر المطلق، وهي أدنى درجة حرارة ممكنة نظريًا، حيث تتوقف عندها حركة الجزيئات تقريبًا. هذه الدرجة الحرارية، التي تبلغ -273.15 درجة مئوية أو 0 كلفن، تُعد نقطة مرجعية مطلقة في الديناميكا الحرارية، ولا يمكن الوصول إلى ما هو أدنى منها، مما يجعلها حدًا فيزيائيًا أساسيًا.

تاريخيًا، كان مفهوم الفضاء المطلق والزمن المطلق محوريًا في الفيزياء النيوتونية. اعتقد إسحاق نيوتن أن الفضاء هو كيان مطلق، لا يتأثر بالأجسام الموجودة فيه، والزمن يتدفق بشكل منتظم ومطلق في كل مكان. هذا الإطار المطلق للفضاء والزمن كان أساسًا لميكانيكا نيوتن ونجاحها في وصف حركة الأجرام. ومع ذلك، جاءت نظرية النسبية لألبرت أينشتاين لتتحدى هذه الفكرة، حيث أظهرت أن الفضاء والزمن ليسا مطلقين بل هما نسبيان، ويتأثران بالحركة والجاذبية، ويشكلان نسيجًا واحدًا يُعرف بالزمكان.

لقد أحدثت نظرية النسبية ثورة في فهمنا للمطلق في الفيزياء، حيث أزاحت المفاهيم النيوتونية عن الفضاء والزمن المطلقين، واستبدلتها بمفاهيم نسبية تعتمد على الإطار المرجعي للمراقب. ومع ذلك، لا تزال هناك قيم مطلقة معينة في الفيزياء الحديثة، مثل سرعة الضوء في الفراغ، التي تُعتبر ثابتة ومطلقة لجميع المراقبين في جميع الأطر المرجعية القصورية، وهي حجر الزاوية في نظرية النسبية الخاصة.

6. الأهمية والتأثير

يتمتع مفهوم المطلق بأهمية بالغة وتأثير عميق في تشكيل الفكر البشري وتوجيه البحث العلمي والفلسفي. في الفلسفة، يمثل السعي وراء المطلق الدافع الأساسي لإيجاد معانٍ شاملة للوجود، وحقائق ثابتة يمكن الاعتماد عليها في بناء أنظمة معرفية وأخلاقية متماسكة. إنه يمنح الفكر البلسفي نقطة ارتكاز يتجاوز بها الفوضى الظاهرية للعالم المتغير، ويوفر إطارًا للتأمل في الأسئلة الكبرى حول أصل الكون ومصيره، وطبيعة الحقيقة، وأساس الأخلاق.

لقد أثر مفهوم المطلق بشكل كبير على تطور الحضارات والثقافات، حيث ارتبط غالبًا بالمفاهيم الدينية واللاهوتية التي تُقدم إلهًا أو قوة عليا ككيان مطلق، يمنح الوجود معناه وقيمه. هذه الارتباطات اللاهوتية قد أدت إلى تشكيل أنظمة قيم ومعتقدات ثابتة، أثرت بدورها على القوانين والعادات والفنون. حتى في المجتمعات العلمانية، تظل فكرة البحث عن قيم عالمية أو مبادئ لا تتغير قائمة، مما يعكس الحاجة الإنسانية المتأصلة إلى أساس ثابت وموثوق به.

على الرغم من التحديات والانتقادات التي واجهها مفهوم المطلق، إلا أنه لا يزال يحتل مكانة محورية في النقاشات المعاصرة. فالتساؤل حول ما إذا كانت هناك حقائق مطلقة أو قيم مطلقة يظل سؤالاً مفتوحًا، يدفع إلى مزيد من البحث والتفكير النقدي. سواء كان يتم الدفاع عن وجود المطلق أو رفضه، فإن النقاش حوله يسهم في إثراء الفهم البشري للواقع والمعرفة والقيم، ويجبرنا على إعادة تقييم افتراضاتنا الأساسية حول العالم من حولنا.

7. الجدالات والانتقادات

واجه مفهوم المطلق على مر العصور جدالات وانتقادات واسعة النطاق، خاصة في الفلسفة المعاصرة. يأتي النقد الأبرز من تيارات النسبية وما بعد الحداثة، التي تشكك في إمكانية وجود أي حقائق أو قيم أو معانٍ مطلقة. يرى دعاة النسبية أن كل المعرفة والقيم هي نتاج سياقات ثقافية وتاريخية ولغوية محددة، وبالتالي لا يمكن أن تكون عالمية أو غير مشروطة. هذا التشكيك يطال كل ادعاءات المطلق، سواء في نظرية المعرفة (الحقيقة المطلقة)، أو الأخلاق (القيم المطلقة)، أو الميتافيزيقا (الواقع المطلق).

تتمثل إحدى الصعوبات الأساسية في الوصول إلى المطلق أو معرفته. إذا كان المطلق يتجاوز التجربة البشرية والوعي البشري، فكيف يمكن للبشر، الذين هم كائنات محدودة ومشروطة، أن يدركوا أو يفهموا ما هو غير محدود وغير مشروط؟ يجادل النقاد بأن أي محاولة لوصف المطلق أو تعريفه ستكون بالضرورة مشروطة باللغة والمفاهيم البشرية، وبالتالي لا يمكن أن تكون مطلقة حقًا. يصبح المطلق، في هذا السياق، مجرد بناء عقلي أو لغوي، وليس حقيقة موضوعية يمكن الوصول إليها.

بالإضافة إلى ذلك، يرى بعض النقاد أن التمسك بفكرة المطلق قد يؤدي إلى التعصب والجمود الفكري. فعندما يعتقد الأفراد أو الجماعات أنهم يمتلكون الحقيقة المطلقة أو القيم المطلقة، قد يصبحون غير متسامحين مع وجهات النظر المخالفة، وقد يبررون أفعالًا تتسم بالاستبداد أو العنف باسم هذه المطلقات. هذا الجانب العملي للمطلق يثير مخاوف بشأن آثاره الاجتماعية والسياسية، ويدفع إلى تفضيل نهج أكثر انفتاحًا ومرونة في التعامل مع المعرفة والقيم.

المفاهيم ذات الصلة

  • النسبية: تُعد النسبية المفهوم المقابل والضد للمطلق، حيث تؤكد أن الحقيقة أو القيمة أو المعنى يعتمد على الإطار المرجعي أو المنظور أو السياق المحدد. تُعد النسبية تحديًا مباشرًا لأي ادعاء بوجود حقائق أو قيم مطلقة، وتظهر في مجالات متعددة مثل الأخلاق ونظرية المعرفة والفيزياء (خاصة في تحدي نيوتن لمفاهيم الفضاء والزمن المطلقين). إنها تبرز كيف أن فهمنا للعالم يتشكل من خلال عدسة تجاربنا وثقافاتنا وأطرنا المفاهيمية.

  • النهائي: يشير مفهوم النهائي إلى ما هو أخير أو لا يتجاوزه شيء، وغالبًا ما يستخدم بالتبادل مع المطلق للإشارة إلى الحقيقة القصوى أو الهدف الأسمى. ومع ذلك، قد يكون التركيز في “النهائي” على النتيجة أو الغاية القصوى التي لا يوجد بعدها شيء آخر، بينما المطلق يركز على الكيان أو المبدأ الأساسي غير المشروط الذي لا يعتمد على شيء. يمكن أن يكون هناك هدف نهائي لمسار معين، لكن هذا الهدف قد لا يكون بالضرورة مطلقًا في استقلاليته وعدم مشروطيته.

  • المتسامي: يشير المتسامي إلى ما هو خارج نطاق التجربة الحسية أو الوعي البشري، ولكنه لا يزال موجودًا أو مؤثرًا. يرتبط المطلق أحيانًا بالمتسامي، خاصة في السياقات الدينية أو الميتافيزيقية التي تفترض وجود واقع يتجاوز الإدراك البشري، مثل الإله في الأديان السماوية. ومع ذلك، ليس كل متسامٍ بالضرورة مطلقًا؛ فقد يكون هناك ما هو خارج نطاق التجربة ولكنه لا يزال مشروطًا أو محدودًا بطريقة ما، بينما المطلق يستلزم عدم المشروطية التامة.

قراءات إضافية