المحتويات:
نظام النشاط
المجال (المجالات) التخصصي (الرئيسي): علم النفس الثقافي التاريخي، التعليم، تفاعل الإنسان والحاسوب، العلوم التنظيمية، إدارة الأعمال.
1. التعريف الجوهري
يُعدّ نظام النشاط إطارًا نظريًا ومفاهيميًا قويًا نشأ من تقاليد نظرية النشاط، ويُستخدم لفهم وتحليل الممارسات البشرية المعقدة في سياقاتها الاجتماعية والثقافية والتاريخية. إنه يتجاوز التحليل الفردي للسلوك ليقدم رؤية شاملة للعمليات الجماعية التي يتم فيها تحقيق الأهداف وتحويل الأشياء. في جوهره، يمثل نظام النشاط شبكة ديناميكية من العناصر المترابطة التي تعمل معًا لتحقيق هدف مشترك، حيث يكون كل عنصر وسيطًا في علاقاته مع الآخرين، مما يؤثر ويتأثر بالعملية الكلية. هذا الإطار لا يصف فقط ما يحدث، بل يسعى أيضًا إلى شرح لماذا وكيف تتطور الممارسات البشرية بمرور الوقت، مع التركيز على دور التفاعلات الاجتماعية والوساطة الثقافية.
يعود المفهوم الأساسي لنظام النشاط إلى أعمال عالم النفس السوفييتي ليف فيجوتسكي، الذي ركز على مفهوم العمل الوسيط، حيث يتم التفاعل البشري مع العالم من خلال الأدوات والرموز الثقافية. لاحقًا، قام أليكسي ليونتييف بتوسيع نظرية فيجوتسكي، مميزًا بين النشاط والأفعال والعمليات، ومؤكدًا على أن النشاط مدفوع بالدوافع ويتم توجيهه نحو موضوع ما. ومع ذلك، فإن النموذج الأكثر شيوعًا وتأثيرًا لنظام النشاط في الأوساط الأكاديمية المعاصرة هو النموذج الموسع الذي قدمه الباحث الفنلندي إيريو إنجستروم. هذا النموذج يحول التركيز من النشاط الفردي إلى نظام نشاط جماعي، مما يجعله أداة تحليلية مثالية لدراسة التعلم التنظيمي والابتكار والتغيير في بيئات العمل والتعليم.
يتألف نموذج إنجستروم من ستة مكونات أساسية مترابطة بشكل وثيق: الفاعل، الموضوع، الأدوات، القواعد، المجتمع، وتقسيم العمل. هذه المكونات لا تعمل بمعزل عن بعضها البعض، بل تتفاعل باستمرار، وتولد تناقضات داخل النظام وبين الأنظمة المختلفة. تُعتبر هذه التناقضات محركات أساسية للتغيير والتطور في نظام النشاط، حيث تدفع الأفراد والمجتمعات إلى إعادة تقييم ممارساتهم، وتطوير أدوات جديدة، وتعديل القواعد، وإعادة هيكلة تقسيم العمل. وبالتالي، فإن نظام النشاط ليس كيانًا ثابتًا، بل هو عملية تطورية دائمة تتميز بالديناميكية والتحول المستمر، مما يجعله أداة تحليلية قيمة لفهم الديناميكيات المعقدة للمساعي البشرية.
2. التطور التاريخي والاشتقاق
الجذور الفيجوتسكية والوساطة
تتجذر نظرية النشاط، ومن ثم مفهوم نظام النشاط، بعمق في أعمال عالم النفس السوفييتي ليف سيميونوفيتش فيجوتسكي (1896-1934). كانت الفكرة المحورية عند فيجوتسكي هي أن جميع وظائفنا النفسية العليا تتطور من خلال التفاعل الاجتماعي وتتوسطها الأدوات والرموز الثقافية. لقد قدم مفهوم العمل الوسيط، الذي يمثل تجاوزًا للنموذج السلوكي المباشر للمنبه والاستجابة. بدلاً من ذلك، افترض فيجوتسكي أن العلاقة بين الفاعل والموضوع (العالم الخارجي) لا تكون مباشرة أبدًا، بل دائمًا ما تتوسطها أدوات (أو “وسائط”). هذه الأدوات يمكن أن تكون مادية (مثل الفأس، القلم، الحاسوب) أو نفسية (مثل اللغة، الإشارات، الرموز، أنظمة العد)، وهي تشكل جزءًا لا يتجزأ من التفكير والسلوك البشري.
لقد أكد فيجوتسكي على أن هذه الأدوات ليست مجرد مساعدات خارجية، بل إنها تعمل على إعادة تشكيل وتغيير العمليات النفسية نفسها. على سبيل المثال، لا تساعد اللغة فقط في التواصل، بل تشكل أيضًا طريقة تفكيرنا وتصورنا للعالم. من هذا المنظور، يصبح التعلم والتطور عمليات اجتماعية وثقافية بطبيعتها، حيث يكتسب الأفراد الأدوات الثقافية ويتعلمون كيفية استخدامها من خلال التفاعل مع الآخرين في مجتمعاتهم. هذا التركيز على الوساطة الثقافية والاجتماعية يمثل حجر الزاوية الذي بنيت عليه نظرية النشاط اللاحقة، وهو ما يميزها عن النظريات النفسية الأخرى التي قد تركز بشكل أكبر على العمليات المعرفية الفردية المنفصلة عن سياقها.
تطوير ليونتييف لنظرية النشاط
بعد وفاة فيجوتسكي، واصل تلميذه وزميله أليكسي نيكولايفيتش ليونتييف (1903-1979) تطوير نظرية النشاط، مع التركيز بشكل خاص على مفهوم النشاط نفسه. قدم ليونتييف تمييزًا منهجيًا مهمًا بين ثلاثة مستويات من التحليل: النشاط، والأفعال، والعمليات. أوضح أن النشاط هو المستوى الأكثر شمولًا، ويكون مدفوعًا بدافع يربط الفاعل بالموضوع، ويهدف إلى تحقيق نتيجة معينة. على سبيل المثال، “النشاط التعليمي” قد يكون مدفوعًا بدافع اكتساب المعرفة. ضمن هذا النشاط، توجد أفعال واعية وموجهة نحو تحقيق أهداف جزئية محددة. على سبيل المثال، في النشاط التعليمي، قد يكون “قراءة كتاب” أو “حل مسألة” أفعالًا.
أما العمليات، فهي مستوى لا واعي، وهي الطرق التي يتم بها تنفيذ الأفعال، وتعتمد على الظروف التي تتم فيها. على سبيل المثال، طريقة مسك القلم أو تحريك العينين أثناء القراءة هي عمليات. أكد ليونتييف على أن هذه المستويات الثلاثة مترابطة ديناميكيًا ويمكن أن تتحول من مستوى إلى آخر. على سبيل المثال، يمكن أن يصبح الفعل المتكرر عملية آلية، ويمكن أن يصبح الهدف الذي كان يدفع فعلًا دافعًا لنشاط جديد. لقد عزز ليونتييف أيضًا فكرة أن النشاط ليس مجرد ظاهرة فردية، بل هو دائمًا متجذر اجتماعيًا ويحدث في سياق، مما يمهد الطريق لمزيد من التوسع في فهم النشاط كظاهرة جماعية ومنظمة.
نموذج إنجستروم الموسع لنظام النشاط
في الثمانينيات، قام الباحث الفنلندي إيريو إنجستروم بتطوير نظرية النشاط بشكل كبير، محولًا التركيز من النشاط الفردي إلى نظام النشاط الجماعي. قام إنجستروم بتوسيع نموذج فيجوتسكي الوسيط (الفاعل-الأداة-الموضوع) ليشمل مكونات إضافية ضرورية لتحليل الممارسات الجماعية والتنظيمية. أضاف إنجستروم إلى المثلث الأصلي أربعة مكونات أخرى: المجتمع، القواعد، وتقسيم العمل، مما أدى إلى نموذج سداسي الأضلاع يمثل نظام النشاط الموسع. هذا النموذج أتاح تحليلًا أكثر شمولًا للأنشطة المعقدة التي تنطوي على عدة أفراد يتفاعلون في سياق تنظيمي أو اجتماعي محدد.
لقد شدد إنجستروم على أن نظام النشاط ليس مجرد مجموعة من المكونات الثابتة، بل هو كيان ديناميكي ومتطور باستمرار. الفكرة المركزية في عمله هي مفهوم التناقضات التي تنشأ داخل نظام النشاط (بين مكوناته) أو بين أنظمة نشاط مختلفة. هذه التناقضات لا تُعتبر خللاً، بل هي محركات أساسية للتغيير والتطور. عندما تنشأ التناقضات، فإنها تخلق توترات تدفع الفاعلين داخل النظام إلى التفكير في ممارساتهم، وتحدي الوضع الراهن، والبحث عن حلول مبتكرة. هذه العملية من التعلم والتغيير، التي أطلق عليها إنجستروم اسم التعلم التوسعي، هي جوهر تطور أنظمة النشاط والابتكار في المنظمات والمجتمعات.
لقد أثر نموذج إنجستروم بشكل عميق في مجالات متعددة مثل التعليم، وتصميم التفاعل البشري الحاسوبي، ودراسات المنظمات، وإدارة التغيير. لقد وفر إطارًا منهجيًا قويًا ليس فقط لوصف وتحليل المشكلات المعقدة، بل أيضًا لتصميم التدخلات التي تهدف إلى تسهيل التعلم والابتكار والتنمية. من خلال توفير طريقة منهجية لتصوير العلاقات بين الفاعلين وأهدافهم وأدواتهم وسياقهم الاجتماعي، أصبحت نظرية نظام النشاط أداة لا غنى عنها لفهم وتشكيل العالم المعاصر.
3. الخصائص الرئيسية
البنية متعددة المكونات والتفاعل
تتمثل السمة المميزة لنظام النشاط في بنيته الشاملة التي تتألف من ستة مكونات مترابطة، والتي تعمل معًا ككل متكامل. هذه المكونات هي: الفاعل، الذي يمثل الفرد أو المجموعة التي تشارك في النشاط. الموضوع، وهو ما يوجه النشاط، أي المشكلة أو الهدف الذي يسعى الفاعل لتحويله أو تحقيقه. الأدوات، وهي الوسائط المادية والنفسية (مثل اللغة، البرمجيات، الآلات) التي يستخدمها الفاعل للعمل على الموضوع. القواعد، التي تشمل المعايير، واللوائح، والقوانين، والممارسات الضمنية التي تحكم سلوك الفاعلين داخل النظام. المجتمع، الذي يشير إلى الأفراد أو المجموعات الأخرى التي تشارك في نفس نظام النشاط وتتقاسم نفس الموضوع. وأخيرًا، تقسيم العمل، الذي يحدد كيفية توزيع المهام، والمسؤوليات، والسلطة بين أعضاء المجتمع.
إن هذه المكونات لا تُفهم كعناصر منفصلة، بل كأجزاء من شبكة ديناميكية من العلاقات. كل مكون يؤثر ويتأثر بالآخرين، وتشكل هذه التفاعلات مجتمعةً الطابع الفريد لنظام نشاط معين. على سبيل المثال، قد يؤدي تغيير في الأدوات المستخدمة إلى تعديل في تقسيم العمل أو تحدي القواعد القائمة. وبالمثل، فإن التغيرات في الموضوع أو في تكوين المجتمع يمكن أن تؤثر بشكل عميق على الأدوات والقواعد التي يتم تطبيقها. هذه العلاقات المتبادلة تجعل نظام النشاط معقدًا للغاية، ولكنها أيضًا تمنحه قدرة هائلة على التكيف والتطور، حيث إن أي تغيير في جزء واحد من النظام يتردد صداه عبر جميع الأجزاء الأخرى.
الهدفية والتوجه نحو التحول
يتسم نظام النشاط دائمًا بالهدفية، فهو ليس مجرد مجموعة من الأفعال العشوائية، بل هو موجه بشكل واعٍ (أو ضمنيًا) نحو تحقيق هدف محدد يتعلق بتحويل الموضوع. هذا الموضوع ليس مجرد مادة خام، بل هو مشكلة أو تحدٍ أو فرصة يسعى الفاعل والمجتمع إلى تغييرها أو تطويرها. يمكن أن يكون الموضوع ماديًا (مثل قطعة خشب يتم نحتها)، أو اجتماعيًا (مثل مجموعة من الطلاب يتم تعليمهم)، أو مفاهيميًا (مثل مشكلة بحثية يتم حلها). النتيجة النهائية للنشاط، أو الناتج، هي دائمًا تحويل للموضوع الأصلي بطريقة ما، سواء كان ذلك إنشاء منتج جديد، أو اكتساب معرفة جديدة، أو حل مشكلة قائمة.
إن هذا التوجه التحويلي هو ما يمنح نظام النشاط معناه وهدفه. إنه يوضح أن الأفراد لا يتفاعلون مع العالم بشكل سلبي، بل يعملون بنشاط على تشكيله وإعادة تشكيله. هذه العملية التحويلية ليست خطية بالضرورة؛ فقد تنشأ عقبات وتناقضات خلالها، مما يستدعي تعديلات في الأهداف، أو ابتكار أدوات جديدة، أو إعادة تقييم القواعد. وهكذا، فإن الهدفية في نظام النشاط لا تتعلق فقط بالوصول إلى نقطة نهاية محددة، بل تتعلق بالرحلة التحويلية نفسها، وبالتعلم والتطور الذي يحدث خلالها.
التناقضات كقوة دافعة للتغيير
من المفاهيم الأساسية في نظرية نظام النشاط، كما طورها إنجستروم، هو الدور المركزي للتناقضات كمحركات للتغيير والتطور. التناقضات هي حالات من عدم التوافق أو الصراع التي تنشأ بين مكونات مختلفة داخل نظام النشاط (على سبيل المثال، بين الأدوات والقواعد، أو بين الفاعل والمجتمع)، أو بين أنظمة نشاط مختلفة تتفاعل مع بعضها البعض. هذه التناقضات لا تُعتبر مجرد مشكلات يجب حلها، بل هي مصادر للابتكار والتعلم. إنها تخلق حالة من عدم الاستقرار تدفع الفاعلين إلى التفكير النقدي في ممارساتهم الحالية والبحث عن طرق جديدة للعمل.
يمكن أن تظهر التناقضات بأشكال مختلفة؛ فقد تكون ابتدائية (تنشأ من التباين في استخدام الأدوات)، أو ثانوية (بين المكونات المختلفة داخل النظام)، أو ثالثية (بين النظام القديم والنموذج الجديد)، أو رباعية (بين نظام النشاط المركزي والأنظمة المجاورة). على سبيل المثال، قد ينشأ تناقض عندما تُستخدم أداة تكنولوجية جديدة (مثل برنامج حاسوبي متقدم) ولكن القواعد التنظيمية القديمة لا تدعم استخدامها بكفاءة. هذا التناقض قد يؤدي إلى إحباط الفاعلين، ولكنه أيضًا يفتح الباب أمام نقاش حول كيفية تكييف القواعد، أو تطوير الأدوات، أو إعادة هيكلة تقسيم العمل. إن حل هذه التناقضات غالبًا ما يؤدي إلى ما يسميه إنجستروم “التعلم التوسعي” أو “التغيير التحويلي”، حيث لا يتم حل المشكلة فقط، بل يتطور النظام بأكمله إلى شكل جديد وأكثر فاعلية.
4. الأهمية والتأثير
فهم الممارسات البشرية المعقدة
يُقدم إطار نظام النشاط منهجًا فريدًا وشاملًا لفهم الممارسات البشرية المعقدة في سياقاتها الواقعية. على عكس النماذج التي قد تركز فقط على الفرد أو على الهياكل الاجتماعية، يربط نظام النشاط بين هذه المستويات، موضحًا كيف تتشكل أفعال الأفراد بواسطة السياق الاجتماعي والثقافي والتاريخي الذي يتفاعلون فيه، وكيف أن هذه الأفعال بدورها تعيد تشكيل هذا السياق. إنه يوفر عدسة تحليلية قوية لكشف الديناميكيات الخفية التي تؤثر على العمليات اليومية في المؤسسات التعليمية، ومواقع العمل، والمجتمعات، وحتى في التفاعلات الشخصية. من خلال تحليل المكونات الستة وعلاقاتها المتبادلة، يمكن للباحثين والممارسين تحديد نقاط التوتر، وتحديد الفرص للابتكار، وفهم أسباب الصعوبات.
إن القدرة على تحليل التفاعلات المعقدة بين الفاعلين، وأهدافهم، والأدوات التي يستخدمونها، والقواعد التي يتبعونها، والمجتمع الذي ينتمون إليه، وتقسيم العمل الذي يميز مجموعتهم، تجعل نظام النشاط أداة لا تقدر بثمن. إنه يساعد في تجاوز التفسيرات السطحية للمشكلات ويكشف عن الأسباب الجذرية الكامنة في البنية العميقة للممارسات. على سبيل المثال، عند تحليل الفشل في مشروع ما، قد لا يركز نظام النشاط فقط على أخطاء الأفراد، بل قد يكشف عن تناقضات بين الأدوات المتاحة والمهام المطلوبة، أو بين القواعد الرسمية والممارسات الفعلية، أو بين أهداف الأفراد وأهداف المجتمع الأوسع.
تطبيقات في مجالات متنوعة
لقد وجد إطار نظام النشاط تطبيقات واسعة في مجموعة متنوعة من المجالات، مما يبرز مرونته وقوته التحليلية. في مجال التعليم، يُستخدم لتحليل بيئات التعلم، وتصميم المناهج الدراسية، وفهم تحديات المعلمين والطلاب. على سبيل المثال، يمكن استخدامه لتحليل كيف يؤثر استخدام التكنولوجيا الجديدة (الأدوات) على طرق التدريس (تقسيم العمل) وتوقعات الطلاب (المجتمع) في الفصول الدراسية. في مجال تفاعل الإنسان والحاسوب (HCI)، يُعد نظام النشاط أساسًا لتصميم أنظمة تتمحور حول المستخدم، من خلال فهم كيف تتناسب الأدوات الرقمية مع سياق استخدام المستخدمين وممارساتهم اليومية، وكيف يمكن أن تؤدي التناقضات بين التصميم والممارسة إلى مشاكل في الاستخدام.
أما في مجال تطوير المنظمات وإدارة الأعمال، فيُستخدم نظام النشاط لتحليل التغيير التنظيمي، وتطوير الابتكار، وحل المشكلات المعقدة. يمكن للمؤسسات استخدامه لتشخيص التناقضات التي تعيق الإنتاجية أو الابتكار، ولتصميم تدخلات تسهم في “التعلم التوسعي” الذي يؤدي إلى تحولات جذرية في العمليات. كما أن له تأثيرًا في البحث السريري والصحي، حيث يساعد في فهم ممارسات الرعاية الصحية المعقدة، والتفاعل بين الأطباء والمرضى، وتأثير التكنولوجيا الجديدة على تقديم الرعاية. هذه التطبيقات المتنوعة تؤكد على أن نظام النشاط ليس مجرد نظرية مجردة، بل هو أداة عملية قادرة على إحداث فرق ملموس في فهم وتطوير الممارسات البشرية.
منهجية البحث والتدخل
بالإضافة إلى كونه إطارًا نظريًا، يعمل نظام النشاط أيضًا كمنهجية بحثية قوية، خاصة في الدراسات النوعية التي تهدف إلى فهم الظواهر المعقدة في سياقاتها الطبيعية. يمكن للباحثين استخدام مكونات نظام النشاط كعدسة لجمع البيانات وتحليلها، مما يسمح لهم بتحديد العلاقات بين الفاعلين، والأدوات، والأهداف، والسياق الاجتماعي. غالبًا ما ينطوي البحث القائم على نظام النشاط على دراسات حالة متعمقة، وملاحظات مشاركة، ومقابلات، وتحليل وثائق، بهدف بناء صورة غنية وديناميكية لنظام نشاط معين وكيف يتطور.
علاوة على ذلك، يُستخدم نظام النشاط كمنهجية للتدخل والتنمية، وخاصة من خلال نهج البحث التنموي للعمل (Developmental Work Research – DWR) الذي ابتكره إنجستروم. يهدف هذا النهج إلى مساعدة المنظمات والمجتمعات على تحديد التناقضات في أنظمة نشاطها وتطوير حلول مبتكرة لها من خلال عملية التعلم التوسعي. لا يكتفي الباحثون بتحليل النظام، بل يعملون بالتعاون مع المشاركين لتصميم وتطبيق تغييرات تهدف إلى تحويل ممارساتهم. هذا النهج التشاركي والتحويلي يجعل نظام النشاط أداة قوية ليس فقط لفهم العالم، بل أيضًا لتغييره بشكل إيجابي ومستدام.
5. الجدالات والانتقادات
التعقيد وصعوبة التطبيق
على الرغم من قوة إطار نظام النشاط، إلا أنه يواجه بعض الانتقادات، أبرزها تعقيده وصعوبة تطبيقه في الممارسات البحثية والتدخلية. النموذج السداسي الأضلاع، مع شبكته الكثيفة من العلاقات المتبادلة بين المكونات الستة، يتطلب جهدًا تحليليًا كبيرًا من الباحثين. قد يجد الممارسون، الذين ليسوا على دراية عميقة بالنظرية، صعوبة في تحديد جميع المكونات وتصوير العلاقات المعقدة بينها، خاصة في السياقات الواقعية التي غالبًا ما تكون غامضة ومتغيرة. هذا التعقيد يمكن أن يؤدي إلى استهلاك وقت طويل في مرحلة التحليل، وقد يتطلب مستويات عالية من الخبرة لضمان دقة وشمولية التحليل.
بالإضافة إلى ذلك، فإن الطبيعة الديناميكية والمتطورة لأنظمة النشاط، مع تركيزها على التناقضات والتعلم التوسعي، يمكن أن تجعل من الصعب تحديد “نظام نشاط” واحد ثابت للتحليل. قد تتداخل الأنظمة، وتتغير حدودها، وتظهر تناقضات جديدة باستمرار، مما يطرح تحديات منهجية حول كيفية التقاط هذه السيولة في التحليل. قد يؤدي هذا التعقيد إلى إحجام بعض الباحثين والممارسين عن تبني الإطار، مفضلين نماذج أبسط قد لا تكون شاملة بنفس القدر ولكنها أسهل في التطبيق.
التركيز على المستوى الجماعي
انتقاد آخر موجه لنظرية نظام النشاط، خاصة في صيغتها الموسعة التي قدمها إنجستروم، هو ميلها إلى التركيز بشكل كبير على المستوى الجماعي والتنظيمي، مما قد يؤدي إلى تقليل التركيز على الوكالة الفردية والعمليات النفسية المعرفية والعاطفية للأفراد. فبينما كان فيجوتسكي وليونتييف يركزان بشكل كبير على تطور الفرد داخل المجتمع، فإن نموذج إنجستروم، بتوسعته ليشمل المجتمع والقواعد وتقسيم العمل، قد يُنظر إليه على أنه يضع الفاعل الفردي في مكان ثانوي، ويحلل الأفراد في المقام الأول كأعضاء في نظام جماعي.
قد يجادل البعض بأن هذا التركيز يقلل من الفروق الدقيقة في التجارب الفردية، والدوافع الشخصية، والصراعات الداخلية التي لا يمكن تفسيرها بالكامل من خلال تحليل التناقضات الهيكلية للنظام. على الرغم من أن إنجستروم نفسه قد تناول هذه المخاوف من خلال التأكيد على دور الفاعل في إطلاق التناقضات وحلها، إلا أن بعض النقاد يرون أن النظرية قد لا توفر أدوات تحليلية كافية للتعمق في التحليل النفسي الفردي، مفضلةً تحليل السلوكيات الجماعية والتنظيمية.
قضايا الحدود والنطاق
تثير مسألة تحديد حدود نظام النشاط ونطاقه تحديات منهجية ونظرية مهمة. ففي عالم مترابط ومعقد، قد يكون من الصعب للغاية رسم خطوط واضحة حول “نظام نشاط” واحد. فغالبًا ما تتداخل أنظمة النشاط وتتفاعل مع بعضها البعض بطرق معقدة، مما يجعل من الصعب تحديد أين ينتهي نظام ويبدأ آخر. على سبيل المثال، قد يكون نظام نشاط مدرسة جزءًا من نظام نشاط تعليمي أوسع، والذي يتأثر بدوره بأنظمة نشاط سياسية واقتصادية.
هذا الغموض في تحديد الحدود يمكن أن يؤدي إلى صعوبة في جمع البيانات، وتحليل التفاعلات، وتفسير النتائج. إذا تم تعريف النظام بشكل ضيق جدًا، فقد يفوت الباحثون المؤثرات الخارجية الهامة. وإذا تم تعريفه بشكل واسع جدًا، فقد يصبح التحليل غير قابل للإدارة ويفتقر إلى التركيز. يتطلب التعامل مع هذه القضايا خبرة وحكمًا من الباحث، وقد يظل تحديًا مستمرًا في تطبيق نظرية نظام النشاط، مما يستدعي الحاجة إلى مناهج مرنة وقدرة على التكيف مع السياقات المختلفة.
قراءات إضافية
- نظرية النشاط – ويكيبيديا العربية
- Activity theory – Wikipedia English
- Lev Vygotsky – Wikipedia English
- Alexei Leont’ev – Wikipedia English
- Yrjö Engeström – Wikipedia English
- Engeström, Y. (1987). Learning by Expanding: An Activity-Theoretical Approach to Developmental Research. Helsinki: Orienta-Konsultit.
- Engeström, Y. (1999). Expansive learning at work: Toward an activity theoretical reconceptualization. Journal of Education and Work, 12(2), 101-118.