المحتويات:
ختان البظر (تشويه الأعضاء التناسلية الأنثوية)
المجالات التخصصية الرئيسية: الطب، الأنثروبولوجيا، حقوق الإنسان
1. التعريف الأساسي والتصنيف
يشير مصطلح ختان البظر، في سياقه الأضيق، إلى إجراء ينطوي على الإزالة الجزئية أو الكلية للبظر و/أو القلفة المحيطة به، لأسباب غير طبية. ومع ذلك، يُستخدم هذا المصطلح غالبًا كـتلطيف لوصف مجموعة واسعة من الممارسات التي تُعرف دوليًا باسم تشويه الأعضاء التناسلية الأنثوية (FGM)، وهو إجراء يُعد انتهاكًا لحقوق الإنسان. تتجاوز هذه الممارسات مجرد الختان إلى إحداث إصابات أخرى في الأعضاء التناسلية الأنثوية. وقد صنفت منظمة الصحة العالمية هذا الإجراء على أنه ممارسة ضارة ولا تحمل أي فوائد صحية، بل تسبب أضرارًا جسيمة فورية وطويلة الأمد.
تكمن أهمية التمييز في أن مصطلح الختان يحمل دلالة تخفيفية، بينما يصر النشطاء والمنظمات الدولية على استخدام مصطلح التشويه (Mutilation) لتسليط الضوء على خطورة التدخل وطبيعته القسرية وغير الطبية. يُعتبر هذا الإجراء تقليدًا ثقافيًا أو اجتماعيًا راسخًا في مجتمعات معينة، ولكنه يُمارس في الغالب على الفتيات الصغيرات، بدءًا من الرضاعة وحتى سن البلوغ، مما يعكس هيمنة اجتماعية على جسد المرأة.
على الرغم من الجهود الدولية الهائلة لإنهاء هذه الممارسة، لا يزال تشويه الأعضاء التناسلية الأنثوية منتشرًا في مناطق واسعة، مما يجعله تحديًا صحيًا وإنسانيًا عالميًا. إن طبيعة هذا المفهوم تتشابك مع قضايا الجندر والهوية الثقافية والسلطة الأبوية، مما يعقد استراتيجيات التدخل والمنع التي تهدف إلى القضاء عليه بشكل نهائي.
2. التصنيف وفقًا لمنظمة الصحة العالمية
لتوحيد الجهود البحثية والطبية والقانونية، وضعت منظمة الصحة العالمية (WHO) تصنيفًا مرجعيًا لأشكال تشويه الأعضاء التناسلية الأنثوية. يهدف هذا التصنيف إلى تحديد مدى التدخل الجراحي والآثار المترتبة عليه، وهو أمر بالغ الأهمية في تقييم الرعاية الصحية المطلوبة وتطبيق التشريعات.
ينقسم التشويه إلى أربعة أنواع رئيسية، يندرج تحتها ممارسات مختلفة، حيث يُعد النوع الأول هو الأقرب إلى التعريف الحرفي لـختان البظر، بينما تشمل الأنواع الأكثر خطورة إزالة أجزاء أكبر من الأعضاء التناسلية الخارجية أو خياطتها.
- النوع الأول (I): يسمى أحيانًا “الختان” أو “الاستئصال البظري”. يشمل الإزالة الجزئية أو الكلية للبظر و/أو القلفة المحيطة به (القلنسوة). هذا هو الشكل الذي يُشار إليه غالبًا بشكل خاطئ على أنه مجرد “ختان”.
- النوع الثاني (II): يسمى “الاستئصال”. يتضمن الإزالة الجزئية أو الكلية للبظر والشفرين الصغيرين، مع أو بدون استئصال الشفرين الكبيرين. هذا النوع أكثر توغلًا ويحمل مخاطر صحية أكبر.
- النوع الثالث (III): يسمى “الخياطة” أو “الختان الفرعوني”. يتضمن تضييق فتحة المهبل من خلال إنشاء سدادة غائرة، تُكون عن طريق قطع الشفرين الصغيرين و/أو الكبيرين وخياطتهما معًا، مع أو بدون إزالة البظر. يتطلب هذا النوع إجراءات فتح (فك الخياطة) في مراحل لاحقة (مثل الزواج والولادة)، ويحمل أشد المخاطر.
- النوع الرابع (IV): يشمل جميع الإجراءات الضارة الأخرى التي تُجرى على الأعضاء التناسلية الأنثوية لأغراض غير طبية، مثل الوخز، أو الثقب، أو الكشط، أو الكي. يمثل هذا النوع مجموعة متنوعة من الأضرار التي لا تندرج تحت التصنيفات الثلاثة السابقة.
3. الانتشار الجغرافي والسياقات الثقافية
تنتشر ممارسة تشويه الأعضاء التناسلية الأنثوية جغرافيًا بشكل رئيسي في 30 دولة في أفريقيا والشرق الأوسط وآسيا. ورغم أن هذا التقليد لا يقتصر على دين معين، حيث يمارس بين مجموعات إثنية ودينية مختلفة، إلا أنه يتجذر بعمق في السياقات الثقافية والاجتماعية المحلية التي تختلف دوافعها من منطقة إلى أخرى.
في العديد من المجتمعات، تُعتبر هذه الممارسة شرطًا أساسيًا لـقبول الفتاة اجتماعيًا وتهيئتها للزواج. يُعتقد خطأً أن الختان يضمن الطهارة والجمال ويحد من الرغبة الجنسية الأنثوية، مما يُنظر إليه على أنه وسيلة لحماية شرف العائلة. كما يرتبط في بعض الثقافات بطقوس العبور التي تمثل انتقال الفتاة من مرحلة الطفولة إلى الأنوثة. هذا الارتباط الوثيق بالهوية الاجتماعية يفسر سبب استمرار الممارسة حتى في ظل التجريم القانوني.
تتأثر معدلات الانتشار أيضًا بالهجرة؛ حيث تنتقل الممارسة إلى دول اللجوء أو الإقامة الجديدة في أوروبا وأمريكا الشمالية وأستراليا، مما يخلق تحديات جديدة للسلطات الصحية والقانونية في هذه الدول. وتُظهر الإحصائيات أن الضغط الاجتماعي وغياب البدائل المقبولة ثقافيًا لطقوس العبور يلعب دورًا حاسمًا في استمرارية هذه الممارسة عبر الأجيال.
4. التطور التاريخي والاشتقاق
تُعد ممارسة تشويه الأعضاء التناسلية الأنثوية قديمة جدًا، ويُعتقد أن أصولها تعود إلى آلاف السنين. ففي مصر القديمة، على سبيل المثال، كانت تُعرف بعض أشكال الخياطة باسم الختان الفرعوني، مما يشير إلى جذور تاريخية عميقة تسبق ظهور الأديان التوحيدية الكبرى. ولم يكن هذا التقليد محصورًا على منطقة جغرافية واحدة، بل ظهر بأشكال مختلفة في أجزاء من آسيا وأمريكا الجنوبية تاريخيًا.
لم يكن هناك مصطلح موحد لوصف هذه الممارسة في السجلات التاريخية المبكرة؛ حيث كانت تُدمج ضمن العادات والتقاليد المحلية. بدأ استخدام مصطلحات مثل “الاستئصال البظري” في الأدبيات الطبية الأوروبية في القرن التاسع عشر لوصف الإجراء كتدخل طبي مزعوم لعلاج الهستيريا أو الشهوة المفرطة، وهي ممارسة تم التخلي عنها لاحقًا. أما الاشتقاق الحديث لمصطلح “تشويه الأعضاء التناسلية الأنثوية” فجاء في النصف الثاني من القرن العشرين، مع تزايد الوعي الدولي بآثارها الضارة.
كان الدافع وراء تغيير المصطلحات من “ختان الإناث” إلى “تشويه الأعضاء التناسلية الأنثوية” مدفوعًا بحركة حقوق المرأة والمنظمات الدولية في الثمانينيات والتسعينيات. كان الهدف هو تجريد الممارسة من أي شرعية طبية أو ثقافية وإدراجها ضمن خانة الانتهاكات الجسدية الجسيمة، مما ساعد في حشد الدعم لجهود المكافحة على المستوى الأممي.
5. الآثار الصحية الفورية والطويلة الأمد
تُسبب ممارسة ختان البظر وتشويه الأعضاء التناسلية الأنثوية سلسلة واسعة من المضاعفات الصحية التي تبدأ فورًا بعد الإجراء وتستمر مدى الحياة، مما يجعلها كارثة صحية عامة في المناطق المتضررة. تتم هذه العمليات غالبًا في ظروف غير صحية وبأدوات غير معقمة، وغالبًا ما يقوم بها أشخاص ليس لديهم تدريب طبي.
تشمل الآثار الفورية النزيف الحاد الذي قد يؤدي إلى الصدمة أو الوفاة، الألم المبرح، والعدوى بما في ذلك التيتانوس. أما الآثار طويلة الأمد، فهي تشمل مشاكل بولية مزمنة (مثل التهابات المسالك البولية المتكررة)، وتكوّن الكيسات والأورام، والآلام المزمنة في منطقة الحوض، بالإضافة إلى الآثار النفسية العميقة مثل اضطراب ما بعد الصدمة والاكتئاب.
تؤثر هذه الممارسة بشكل كبير على الصحة الإنجابية؛ ففي حالات الخياطة (النوع الثالث)، تعاني النساء من صعوبات شديدة أثناء الحيض والولادة، مما يتطلب تدخلًا جراحيًا لفك الخياطة. كما أن تشويه الأعضاء التناسلية يزيد من مخاطر مضاعفات الولادة، بما في ذلك زيادة وفيات الأمهات والأطفال حديثي الولادة، فضلاً عن تأثيره المدمر على الوظيفة الجنسية والمتعة، مما يؤدي إلى البرود الجنسي والألم أثناء الجماع.
6. الأبعاد القانونية وحقوق الإنسان
يُعتبر تشويه الأعضاء التناسلية الأنثوية انتهاكًا صارخًا لعدد من اتفاقيات حقوق الإنسان الدولية، وأبرزها اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (CEDAW) واتفاقية حقوق الطفل (CRC). تنظر الهيئات الدولية إلى هذه الممارسة على أنها شكل من أشكال العنف القائم على النوع الاجتماعي والتمييز ضد المرأة.
قامت العديد من الدول التي تنتشر فيها الممارسة، وكذلك دول الاستقبال الغربية، بتجريم تشويه الأعضاء التناسلية الأنثوية بموجب قوانين وطنية صارمة، وتعتبره في بعض الأحيان جريمة جنائية يعاقب عليها القانون بالسجن الطويل لمن يمارسها أو يساعد فيها. وعلى الصعيد الدولي، تبنت الجمعية العامة للأمم المتحدة عدة قرارات تدعو إلى القضاء على هذه الممارسة، مؤكدة على ضرورة حماية الفتيات والنساء.
ومع ذلك، لا يزال تطبيق القانون يشكل تحديًا كبيرًا، خاصة في المجتمعات الريفية أو النائية حيث تسود الثقافة السرية المحيطة بالممارسة. كما أن هناك تحديات تتعلق بـ“التطبيب” (Medicalization) للممارسة، حيث يحاول البعض إجراؤها في بيئات طبية معقمة لتقليل المخاطر الصحية، وهو ما ترفضه منظمة الصحة العالمية والمنظمات الحقوقية بشدة، مؤكدة أن إجراءها في أي بيئة لا يغير من كونها انتهاكًا لحقوق الإنسان.
7. الجهود الدولية للمكافحة والنقد
تتضافر جهود المنظمات الدولية مثل اليونيسف، وصندوق الأمم المتحدة للسكان (UNFPA)، ومنظمة الصحة العالمية لمكافحة ختان البظر. تعتمد هذه الجهود على استراتيجيات متعددة الأوجه تشمل التوعية المجتمعية، والتعليم، ودعم التشريعات، وتمكين النساء والفتيات لرفض الممارسة.
يواجه العمل الدولي تحديات نقدية تتعلق بـالتدخل الثقافي. يرى البعض أن الحملات الغربية لمكافحة الختان قد تكون مفرطة في التمركز حول الغرب وتفشل في فهم الديناميكيات الثقافية المحلية، مما يؤدي إلى مقاومة مجتمعية. وللتغلب على ذلك، تركز الاستراتيجيات الحديثة على إشراك القيادات المحلية، والقادة الدينيين، و“وكلاء التغيير” من داخل المجتمعات المتضررة لتشجيع التخلي الجماعي عن الممارسة طواعية.
يتمثل أحد أبرز النجاحات في تطوير طقوس بديلة للعبور (Alternative Rites of Passage – ARPs) التي تحافظ على الجوانب الاحتفالية والثقافية للانتقال إلى مرحلة الأنوثة دون إحداث أي ضرر جسدي، مما يوفر حلاً يحترم التقاليد مع حماية صحة الفتيات وكرامتهن. ومع ذلك، تبقى الفجوة التمويلية وضعف التنفيذ القانوني عائقين رئيسيين أمام تحقيق الهدف الأممي المتمثل في القضاء على تشويه الأعضاء التناسلية الأنثوية بحلول عام 2030.