سيكولوجية التطرف: لماذا يختار الأفراد مسار العنف السياسي؟

الحزب الشيوعي الفلبيني (CPP)

المجال (المجالات) التخصصية الأساسية: السياسة، التاريخ، الصراعات المسلحة، الأيديولوجيا الماركسية-اللينينية-الماوية

1. التعريف الجوهري والتأسيس

يمثل الحزب الشيوعي الفلبيني (CPP)، المعروف باللغة الفلبينية باسم (Partido Komunista ng Pilipinas)، منظمة سياسية ثورية تأسست بهدف الإطاحة بالنظام القائم في الفلبين وإقامة نظام اشتراكي يقوم على مبدأ الديمقراطية الوطنية، تمهيداً للتحول نحو الشيوعية. يعد الحزب الشيوعي الفلبيني، إلى جانب جناحه العسكري، الجيش الشعبي الجديد (NPA)، والجبهة الديمقراطية الوطنية للفلبين (NDFP)، جزءاً من أطول وأعنف التمردات الشيوعية المستمرة في آسيا، حيث يعود تاريخ نشاطه الفعلي إلى أواخر الستينيات. وعلى الرغم من أن جذور الحركة الشيوعية في الفلبين تعود إلى ثلاثينيات القرن العشرين، فإن الحزب الحالي يعود تأسيسه الحديث إلى عام 1968، ويعتبر نفسه حزباً ماركسياً-لينينياً-ماوياً يلتزم بمسار الحرب الشعبية طويلة الأمد.

تجسدت الرؤية الأساسية للحزب في معالجة الإخفاقات الهيكلية التي يعاني منها المجتمع الفلبيني، والتي يراها الحزب نتاجاً للاستعمار الجديد وهيمنة الإمبريالية الأمريكية والإقطاعية المحلية والرأسمالية البيروقراطية. ويهدف برنامج الحزب إلى تحقيق ثورة ديمقراطية وطنية عبر مرحلتين: الأولى، تدمير الهيمنة الأجنبية والطبقات الحاكمة المحلية، والثانية، بناء الاشتراكية. وقد شكل التأسيس الجديد للحزب قطيعة أيديولوجية وتنظيمية واضحة مع الحزب الشيوعي الفلبيني الأصلي الذي تأسس عام 1930، والذي اعتبره المؤسسون الجدد قد انحرف نحو التحريفية والانتهازية، خاصة بعد عجزه عن تحقيق أهدافه الثورية في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية.

يعمل الحزب الشيوعي الفلبيني في السر بشكل رئيسي، ويحافظ على وجود عسكري وسياسي قوي في المناطق الريفية والجبلية النائية عبر الأرخبيل الفلبيني. وقد أدى التزامه الثابت بالعنف السياسي كوسيلة وحيدة للوصول إلى السلطة إلى تصنيفه منظمة إرهابية من قبل حكومة الفلبين والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي. ومع ذلك، يواصل الحزب، من خلال جبهته السياسية (NDFP)، إجراء مفاوضات متقطعة مع الحكومة المركزية، رغم أن هذه المفاوضات غالباً ما تنهار بسبب الخلافات العميقة حول وقف إطلاق النار والقضايا الاجتماعية والاقتصادية الأساسية.

2. الجذور التاريخية والانقسام

تعود الحركة الشيوعية في الفلبين إلى تأسيس الحزب الشيوعي الأصلي (PKP) في عام 1930. وقد لعب هذا الحزب دوراً هاماً في المقاومة ضد الاحتلال الياباني من خلال حركة الهوكبالاهاب (Hukbalahap)، التي كانت قوة قتالية شعبية كبيرة. وبعد الاستقلال، تحولت الحركة إلى تمرد مسلح ضد الحكومة الفلبينية، لكنها واجهت هزيمة كبيرة بحلول منتصف الخمسينيات، مما أدى إلى تراجعها وتبنيها استراتيجية قائمة على النضال القانوني والسياسي، متأثرة بالخط السوفييتي لـ “التعايش السلمي”.

شهد عام 1968 نقطة تحول حاسمة، حيث قاد جوزيه ماريا سيسون (المعروف باسمه الحركي أمادو غيريرو)، الذي كان عضواً شاباً وناقداً في الحزب القديم، عملية إعادة تأسيس للحزب، أطلق عليها اسم “إعادة التأسيس” (Re-establishment). وقد اتخذ سيسون ومجموعته الأيديولوجية الماركسية-اللينينية-الماوية أساساً لهم، منتقدين الحزب القديم لتبنيه “التحريفية الحديثة” وخيانته للمبادئ الثورية. وقد تزامن هذا الانقسام مع ذروة الثورة الثقافية في الصين، مما منح الحزب الجديد دفعة أيديولوجية ومادية مبكرة.

شكلت “إعادة التأسيس” ميلاد الحزب الشيوعي الفلبيني الذي نعرفه اليوم، حيث تبنى استراتيجية واضحة ومحددة مستمدة من فكر ماو تسي تونغ، وهي الحرب الشعبية طويلة الأمد من الريف إلى المدن. وفي عام 1969، أسس الحزب جناحه العسكري، الجيش الشعبي الجديد (NPA)، ليبدأ الصراع المسلح الفعلي. وقد ساعد إعلان الرئيس فرديناند ماركوس للأحكام العرفية في عام 1972، والقمع الواسع الذي تبعه، على تزايد أعداد المجندين في صفوف الحزب والجيش الشعبي الجديد، حيث وجد الكثيرون في الحزب ملاذاً ومقاومة ضد الديكتاتورية.

3. المبادئ الأساسية والأيديولوجيا

تعتمد الأيديولوجيا المؤسسة للحزب الشيوعي الفلبيني على المزيج النظري المعروف باسم الماركسية-اللينينية-الماوية (MLM). يقدم الحزب تحليلاً طبقياً حاداً للمجتمع الفلبيني، حيث يعتبر أن المجتمع محكوم بثلاثة أعداء رئيسيين: الإمبريالية الأمريكية، والإقطاعية، والرأسمالية البيروقراطية. وترى الأيديولوجيا أن الفلبين لا تزال دولة شبه إقطاعية وشبه مستعمرة، وأن الثورة يجب أن تكون ثورة ديمقراطية وطنية ذات طابع اشتراكي.

يتمثل المبدأ الاستراتيجي الأهم في عقيدة الحزب في الحرب الشعبية طويلة الأمد، والتي تستلهم نموذج ماو في الصين. تقوم هذه الاستراتيجية على فكرة أن القوات الثورية يجب أن تبدأ من المناطق الريفية، حيث توجد قاعدة دعم واسعة من الفلاحين الفقراء، وأن تحيط بالمدن وتخنقها تدريجياً. ويتم تقسيم الحرب إلى مراحل ثلاث: الدفاع الاستراتيجي، والتعادل الاستراتيجي، والهجوم الاستراتيجي. ويشدد الحزب على أهمية بناء الجبهة المتحدة، والتي تشمل جميع الطبقات المظلومة التي يمكن أن تشارك في النضال ضد القوى الرجعية.

وبالإضافة إلى الجانب العسكري، يركز الحزب على أهمية خط الجماهير، حيث يجب على الكوادر والجنود العيش مع الفلاحين وتعليمهم وتنظيمهم، وتلبية احتياجاتهم الأساسية في المناطق المحررة. ويشمل البرنامج السياسي للحزب الدعوة إلى الإصلاح الزراعي الجذري، والتصنيع الوطني، وتأميم الشركات الأجنبية، وتحرير الثقافة والتعليم من التأثير الغربي. ويشكل الالتزام بهذه المبادئ، خاصة مبدأ الحرب الشعبية، السبب الرئيسي لاستمرار التمرد لعقود طويلة، على الرغم من التغيرات العالمية التي شهدت انهيار معظم الأنظمة الشيوعية الأخرى.

4. الهيكل التنظيمي والأجنحة الرئيسية

يتكون الحزب الشيوعي الفلبيني من ثلاثة أجنحة متكاملة تعمل تحت قيادة واحدة، تعرف باسم الحركة الثورية الوطنية الديمقراطية. هذا الهيكل الثلاثي يضمن للحزب القدرة على العمل في المجالات السياسية والعسكرية والدبلوماسية بشكل متزامن. الكيان الأول هو الحزب الشيوعي الفلبيني (CPP) نفسه، وهو الطليعة السياسية التي تحدد الأيديولوجيا والاستراتيجية والقيادة. يقود الحزب اللجنة المركزية والمكتب السياسي، وتقع على عاتقه مسؤولية التوجيه السياسي لجميع الأجنحة الأخرى.

الكيان الثاني هو الجيش الشعبي الجديد (NPA)، وهو الذراع العسكري للحزب. تأسس الجيش الشعبي الجديد في 29 مارس 1969، ويعد القوة المسلحة الرسمية للحزب، وهو المسؤول عن تنفيذ الحرب الشعبية طويلة الأمد. ينتشر الجيش الشعبي الجديد في وحدات قتالية صغيرة تسمى “وحدات حرب العصابات” في جميع أنحاء البلاد، ويقوم بعمليات اغتيال، وكمائن، وحرب عصابات ضد القوات المسلحة الفلبينية والشرطة. ويعتمد الجيش في تمويله على “الضرائب الثورية” التي يفرضها على الشركات والكيانات التي تعمل في المناطق التي يسيطر عليها جزئياً أو كلياً.

الكيان الثالث هو الجبهة الديمقراطية الوطنية للفلبين (NDFP)، وهي منظمة شاملة تعمل كجناح سياسي ودبلوماسي للحركة. تم تأسيس الجبهة لتضم مجموعة واسعة من المنظمات الثورية والجماهيرية التي تتفق مع برنامج الديمقراطية الوطنية للحزب. تتولى الجبهة مسؤولية المحادثات الدبلوماسية مع الحكومة الفلبينية والدول الأجنبية، وتسعى للحصول على اعتراف دولي بوضعها كطرف محارب. وتعتبر الجبهة نفسها حكومة ظل مؤقتة في المناطق التي تسيطر عليها، وتطبق فيها قوانينها ونظامها القضائي الخاص.

5. مسار الصراع المسلح والانتفاضات

يمكن تقسيم مسار الصراع المسلح الذي قاده الحزب الشيوعي الفلبيني إلى عدة مراحل مميزة. شهدت المرحلة الأولى، التي بدأت مع إعلان الأحكام العرفية في عام 1972، نمواً هائلاً للحزب والجيش الشعبي الجديد. استغل الحزب القمع الواسع والفساد المستشري في نظام ماركوس لتقديم نفسه كبديل وحيد، حيث توسعت قاعدته الشعبية لتشمل الطلاب والعمال والمثقفين الساخطين. وبحلول أوائل الثمانينيات، وصل الجيش الشعبي الجديد إلى ذروة قوته، حيث قدر عدد مقاتليه بعشرات الآلاف.

شهدت أواخر الثمانينيات وأوائل التسعينيات فترة من التدهور والصراعات الداخلية المريرة. حيث أطلق الحزب حملات تطهير داخلية واسعة النطاق، عُرفت باسم “الحملات ضد الاختراق” (KADENA)، والتي أدت إلى إعدام الآلاف من أعضاء الحزب للاشتباه في كونهم عملاء حكوميين. أضعفت هذه التطهيرات الروح المعنوية والوحدة التنظيمية للحزب بشدة، مما سمح للحكومة باستعادة زمام المبادرة العسكرية.

منذ مطلع القرن الحادي والعشرين، وعلى الرغم من انخفاض القوة القتالية للجيش الشعبي الجديد مقارنة بذروته، حافظ الحزب على وجوده كتهديد أمني دائم. وقد استمرت العمليات العسكرية المتقطعة، جنباً إلى جنب مع محاولات متعددة لإجراء مفاوضات سلام بين الحكومة والجبهة الديمقراطية الوطنية (NDFP)، لكن هذه المفاوضات لم تسفر عن اتفاق دائم. ويظل الصراع مستمراً حتى اليوم، مع تركيز الحزب على التكتيكات التي تهدف إلى إطالة أمد الحرب واستنزاف موارد الدولة.

6. التأثير السياسي والاجتماعي

لقد كان للحزب الشيوعي الفلبيني تأثير عميق على المشهد السياسي والاجتماعي في الفلبين، متجاوزاً مجرد كونه قوة تمرد مسلحة. فعلى المستوى السياسي، أجبر وجوده المستمر الحكومات المتعاقبة على تخصيص موارد ضخمة للأمن الداخلي ومكافحة التمرد، مما أثر على الإنفاق العام في مجالات التنمية الأخرى. كما أن الصراع مع الحزب يُستخدم غالباً كأداة سياسية لتبرير القوانين الأمنية المشددة أو لتشويه سمعة الخصوم السياسيين والمنظمات المدنية اليسارية.

على المستوى الاجتماعي، يرى الحزب أن له دوراً إيجابياً في المناطق الريفية النائية التي تتجاهلها الحكومة المركزية. ففي “المناطق المحررة” أو مناطق النفوذ، يقوم الحزب بتنظيم برامج إصلاح زراعي مؤقتة، وتوفير تعليم بديل، وحل النزاعات المحلية من خلال “المحاكم الشعبية”. وقد أكسبه هذا الدعم الشعبي المستمر من الفلاحين والعمال في المناطق المهمشة القدرة على البقاء والاستمرار رغم الضربات العسكرية القاسية.

يؤثر الحزب أيضاً بشكل كبير على الحركة العمالية والطلابية في المناطق الحضرية من خلال منظمات الجبهة التابعة له، والتي تعمل بشكل قانوني. وتشمل هذه المنظمات نقابات عمالية واتحادات طلابية ومنظمات حقوقية، والتي توجه الانتقادات للحكومة وتدعو إلى إصلاحات جذرية. وعلى الرغم من أن الحكومة غالباً ما تتهم هذه المنظمات بأنها مجرد أذرع للحزب، فإنها تلعب دوراً حيوياً في نشر الأيديولوجية الثورية وتجنيد الأعضاء الجدد.

7. الانتقادات والتحديات الراهنة

يواجه الحزب الشيوعي الفلبيني مجموعة واسعة من الانتقادات والتحديات التي تهدد بقاءه على المدى الطويل. أحد أبرز هذه الانتقادات هو استخدامه المستمر للعنف ضد المدنيين والمنشآت الاقتصادية، بما في ذلك الابتزاز تحت مسمى “الضرائب الثورية”، مما أدى إلى تصنيفه منظمة إرهابية دولياً. كما أن سجل الحزب في مجال حقوق الإنسان تلطخ بسبب عمليات الإعدام الميدانية التي ينفذها الجيش الشعبي الجديد، والتي غالباً ما تتم بدون محاكمات عادلة، بالإضافة إلى حملات التطهير الداخلية التي ذكرت سابقاً.

على الصعيد الأيديولوجي، يواجه الحزب تحدي الحفاظ على أيديولوجيته الماركسية-اللينينية-الماوية في عالم ما بعد الحرب الباردة، حيث تلاشت النماذج الشيوعية الكلاسيكية. كما يعاني الحزب من الشيخوخة القيادية، حيث أن معظم القادة المؤسسين، بما في ذلك جوزيه ماريا سيسون، قد تقدموا في السن أو يعيشون في المنفى، مما يثير تساؤلات حول انتقال القيادة المستقبلية وقدرة الجيل الجديد على الحفاظ على التماسك التنظيمي.

التحدي الأكبر يظل التحدي العسكري والمالي. فقد أدت العمليات العسكرية الحكومية المستمرة، المدعومة بتكنولوجيا المراقبة الحديثة والمساعدات الخارجية، إلى تقليص مناطق نفوذ الحزب بشكل كبير وتقليل عدد المقاتلين النشطين. كما أن التضييق على شبكات التمويل المحلية والدولية يمثل ضغطاً كبيراً على قدرة الحزب والجيش الشعبي الجديد على الاستمرار في القتال.

قراءات إضافية