علم النفس العام

تفضيل الأطفال للموارد يتأثر بالمركز الاجتماعي والجنس: دراسة جديدة

أبرز النقاط
  • يختلف سلوك أخذ الموارد لدى الأطفال تبعًا للمكانة النسبية التي يتم التلاعب بها تجريبيًا.
  • الأطفال ذوو المكانة النسبية المنخفضة ('الخاسرون' يأخذون من 'الرابحين') يأخذون أكثر من نصف الرموز.
  • لا يختلف الأطفال ذوو المكانة العالية ('الرابحون' يأخذون من 'الخاسرون') عن تقسيم متساوٍ.
  • تظهر الفروق بين الجنسين في الأخذ فقط في ظل ظروف المساواة في المكانة.

هل العدالة مُجرد وهم؟ دراسة تكشف عن سلوكيات اقتناص الموارد لدى الأطفال وتأثير المكانة الاجتماعية

ألا يثير فضولنا كيف يتعامل الأطفال مع مفاهيم الفوز والخسارة؟ هل يشعرون بالغيرة من نجاح الآخرين؟ وهل تؤثر هذه المشاعر على سلوكهم في مشاركة الموارد؟ هذه الأسئلة ليست مجرد تساؤلات فلسفية، بل هي جوهر بحث علمي جديد يلقي الضوء على ديناميكيات القوة والمكانة الاجتماعية في مرحلة الطفولة المبكرة. ففي عالمٍ يبدو للوهلة الأولى بريئًا، تظهر بذور سلوكيات معقدة قد تستمر معنا طوال حياتنا.

الإطار النظري

تستند هذه الدراسة إلى مجموعة من النظريات النفسية التي تفسر سلوك الإنسان الاجتماعي، وعلى رأسها نظرية المقارنة الاجتماعية (Social Comparison Theory) التي طورها ليون فيستينجر. تفترض هذه النظرية أننا نميل بشكل طبيعي إلى تقييم أنفسنا من خلال مقارنة قدراتنا وإنجازاتنا بغيرنا. هذه المقارنة ليست محايدة؛ فهي غالبًا ما تكون مشحونة بالمشاعر، مثل الحسد أو الفخر، وتؤثر على سلوكنا. كما أن مفهوم “العدالة” (Equity Theory) يلعب دورًا هامًا، حيث يسعى الأفراد إلى تحقيق توازن بين ما يقدمونه وما يحصلون عليه. عندما يشعرون بالظلم – سواء بالتقليل من شأنهم أو الاستفادة منهم – قد يلجأون إلى سلوكيات تهدف إلى استعادة هذا التوازن، حتى لو كان ذلك على حساب الآخرين.

بالإضافة إلى ذلك، يمكن ربط هذه النتائج بنظريات التطور (Evolutionary Psychology) التي تشير إلى أن بعض السلوكيات، مثل التنافس على الموارد، قد تكون متجذرة في تاريخنا التطوري كآلية للبقاء والتكاثر. في بيئات الموارد المحدودة، كان الأفراد الذين يتمكنون من الحصول على حصة أكبر من الموارد يتمتعون بميزة تنافسية، مما أدى إلى ترسيخ هذه السلوكيات عبر الأجيال.

المنهجية

قام الباحث كريستوفر بيرليجيس وفريقه بإجراء تجربتين مُحكمتين لدراسة سلوكيات اقتناص الموارد لدى الأطفال. في الدراسة الأولى، شارك 195 طفلاً تتراوح أعمارهم بين 4 و 8 سنوات. تم تقسيم الأطفال إلى مجموعتين: مجموعة “فائزة” ومجموعة “خاسرة”. تم تحقيق ذلك من خلال لعبة “أين والدو؟” (Where’s Waldo?) التنافسية، حيث تنافس الأطفال ضد تسجيل فيديو لطفل آخر. بعد اللعبة، طُلب من كل طفل اختيار طفل آخر – إما “فائز” أو “خاسر” – وتحديد عدد الرموز (tokens) التي يرغب في أخذها من هذا الطفل. الرموز هنا تمثل الموارد التي يمكن للطفل الاستفادة منها.

أما الدراسة الثانية، فقد شارك فيها 101 طفل بنفس الفئة العمرية. في هذه الدراسة، لم يكن هناك منافس بشري؛ بل تنافس الأطفال ضد الساعة في لعبة “أين والدو؟”. تم تقسيمهم أيضًا إلى مجموعتين: مجموعة “ناجحة” ومجموعة “فاشلة”. بعد اللعبة، طُلب منهم نفس المهمة: اختيار طفل آخر وتحديد عدد الرموز التي يرغبون في أخذها.

الهدف من هذا التصميم التجريبي الدقيق هو عزل تأثير المكانة الاجتماعية (الفوز أو الخسارة) عن تأثير الأداء الفعلي (السرعة في إكمال اللعبة). من خلال مقارنة نتائج الدراستين، تمكن الباحثون من تحديد ما إذا كان سلوك اقتناص الموارد يعتمد على تصور الطفل لمكانته الاجتماعية أم على أدائه الفعلي.

النتائج

أظهرت النتائج أن الأطفال ذوي المكانة الاجتماعية المنخفضة (“الخاسرون” الذين يأخذون من “الفائزين”) أخذوا أكثر من نصف الرموز، مما يشير إلى محاولة لتعويض شعورهم بالدونية. في المقابل، لم يختلف سلوك الأطفال ذوي المكانة الاجتماعية العالية (“الفائزون” الذين يأخذون من “الخاسرين”) عن التقسيم العادل. وهذا يدعم فكرة أن المكانة الاجتماعية تؤثر على سلوك اقتناص الموارد، حيث يميل الأفراد ذوو المكانة المنخفضة إلى استغلال الآخرين لتعزيز مكانتهم.

أظهرت الدراسة الأولى أيضًا اختلافات بين الجنسين: ففي حالة المساواة في المكانة الاجتماعية، أخذ الأولاد أكثر من نصف الرموز، بينما لم تختلف الفتيات عن التقسيم العادل. وهذا يشير إلى أن الاختلافات بين الجنسين في سلوك اقتناص الموارد تظهر فقط في ظل ظروف المساواة، وقد تكون مرتبطة بتوقعات اجتماعية مختلفة حول الذكورة والأنوثة.

الأكثر إثارة للاهتمام، أن الدراسة الثانية أظهرت أن الأطفال أخذوا أكثر من نصف الرموز حتى في غياب المنافس البشري. وهذا يشير إلى أن مجرد تصور الفشل يمكن أن يؤدي إلى سلوكيات اقتناص الموارد، مما يدعم فكرة أن المكانة الاجتماعية ليست مجرد نتيجة للتفاعلات الاجتماعية، بل هي أيضًا حالة ذهنية.

الآثار السريرية والعملية

تحمل هذه النتائج آثارًا عميقة على فهمنا لسلوك الأطفال وتطويرهم الاجتماعي. بالنسبة للمعلمين والآباء، تسلط الدراسة الضوء على أهمية خلق بيئة تعليمية عادلة ومنصفة، حيث يشعر جميع الأطفال بالتقدير والاحترام. يجب أن يكونوا حذرين من خلق مواقف قد تؤدي إلى شعور بعض الأطفال بالدونية أو الإقصاء، حيث يمكن أن يؤدي ذلك إلى سلوكيات سلبية مثل التنمر أو الاستغلال.

بالنسبة للمعالجين النفسيين، تقدم الدراسة رؤى قيمة حول أصول السلوكيات العدوانية والاستغلالية. قد يكون من المفيد استكشاف تجارب الطفولة المبكرة المتعلقة بالمكانة الاجتماعية والأداء، وكيف أثرت هذه التجارب على تطور مفهوم الذات والعلاقات الاجتماعية. يمكن استخدام هذه المعلومات لتطوير تدخلات علاجية تهدف إلى تعزيز التعاطف والعدالة والمهارات الاجتماعية الإيجابية.

السياق الثقافي العربي

عند النظر إلى هذه النتائج في سياق العالم العربي، يجب أن نأخذ في الاعتبار بعض الفروق الثقافية الهامة. ففي العديد من المجتمعات العربية، يتم إعطاء قيمة كبيرة للمكانة الاجتماعية والشرف، وقد يكون هناك تركيز أكبر على التنافس والتمييز بين الأفراد. قد يؤدي ذلك إلى تفاقم تأثير المكانة الاجتماعية على سلوك اقتناص الموارد، حيث قد يكون الأفراد أكثر عرضة لمحاولة تعزيز مكانتهم على حساب الآخرين.

بالإضافة إلى ذلك، قد تلعب العوامل الأسرية دورًا هامًا. ففي بعض العائلات العربية، قد يتم تشجيع الأطفال على التنافس والفوز، وقد يتم مكافأتهم على تحقيق النجاح على حساب الآخرين. قد يؤدي ذلك إلى ترسيخ سلوكيات اقتناص الموارد في مرحلة مبكرة من العمر. من ناحية أخرى، قد تؤكد بعض العائلات على قيم التعاون والتكافل، مما قد يقلل من تأثير المكانة الاجتماعية على سلوك الأطفال.

من المهم أيضًا أن نأخذ في الاعتبار الاختلافات الإقليمية داخل العالم العربي. فقد تختلف القيم والمعتقدات الاجتماعية من بلد إلى آخر، مما قد يؤثر على كيفية ترجمة هذه النتائج إلى سياقات ثقافية مختلفة. على سبيل المثال، قد تكون الاختلافات بين الجنسين في سلوك اقتناص الموارد أكثر وضوحًا في المجتمعات الأكثر تقليدية.

آفاق مستقبلية وقيود الدراسة

تفتح هذه الدراسة الباب أمام العديد من الأسئلة البحثية المستقبلية. من المهم إجراء المزيد من الدراسات في ثقافات مختلفة، بما في ذلك العالم العربي، لفحص مدى تعميم هذه النتائج. كما يجب استكشاف العوامل الأخرى التي قد تؤثر على سلوك اقتناص الموارد، مثل الشخصية والذكاء العاطفي والتربية الأسرية.

من القيود الرئيسية لهذه الدراسة أنها اعتمدت على مهمة تجريبية بسيطة (لعبة “أين والدو؟”) لتقييم سلوك اقتناص الموارد. قد لا تعكس هذه المهمة بشكل كامل تعقيدات التفاعلات الاجتماعية في الحياة الواقعية. بالإضافة إلى ذلك، فإن حجم العينة في الدراسة الثانية كان صغيرًا نسبيًا، مما قد يحد من القدرة على تعميم النتائج


Reference

Berelejis C. (2026). Children’s resource taking varies with experimentally manipulated relative status. Scientific Reports, 16(1).

DOI: 10.1038/s41598-026-40976-8

المناقشة والتفكير النقدي

  • كيف يمكن أن تؤثر التنشئة الاجتماعية والثقافة على العلاقة بين المكانة النسبية وسلوك أخذ الموارد لدى الأطفال؟
  • ما هي الآليات المعرفية والعاطفية التي تدفع الأطفال إلى تعديل سلوكهم في الأخذ بناءً على المكانة النسبية للآخرين؟
  • لماذا تظهر الفروق بين الجنسين في الأخذ فقط في ظل ظروف المساواة في المكانة، وما هي العوامل البيولوجية أو الاجتماعية التي قد تفسر ذلك؟

تفاصيل الدراسة

قوي Article
Scientific Reports
فبراير 27, 2026
Chana Berelejis Oded Ritov Jan Engelmann Avi Benozio
IL, US
Chana Berelejis et al. (2026). Children’s resource taking varies with experimentally manipulated relative status

اقتبس من هذا المقالة

مدرس الدكتور محمد لوتي (2026). تفضيل الأطفال للموارد يتأثر بالمركز الاجتماعي والجنس: دراسة جديدة. عرب سايكلوجي. تم الاسترجاع من https://arabpsychology.com/field-news/%d8%aa%d9%81%d8%b6%d9%8a%d9%84-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d8%b7%d9%81%d8%a7%d9%84-%d9%84%d9%84%d9%85%d9%88%d8%a7%d8%b1%d8%af-%d9%8a%d8%aa%d8%a3%d8%ab%d8%b1-%d8%a8%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%b1%d9%83%d8%b2-%d8%a7/

مدرس الدكتور محمد لوتي. "تفضيل الأطفال للموارد يتأثر بالمركز الاجتماعي والجنس: دراسة جديدة." عرب سايكلوجي, 18 أبريل. 2026, https://arabpsychology.com/field-news/%d8%aa%d9%81%d8%b6%d9%8a%d9%84-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d8%b7%d9%81%d8%a7%d9%84-%d9%84%d9%84%d9%85%d9%88%d8%a7%d8%b1%d8%af-%d9%8a%d8%aa%d8%a3%d8%ab%d8%b1-%d8%a8%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%b1%d9%83%d8%b2-%d8%a7/.

مدرس الدكتور محمد لوتي. "تفضيل الأطفال للموارد يتأثر بالمركز الاجتماعي والجنس: دراسة جديدة." عرب سايكلوجي, 2026. https://arabpsychology.com/field-news/%d8%aa%d9%81%d8%b6%d9%8a%d9%84-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d8%b7%d9%81%d8%a7%d9%84-%d9%84%d9%84%d9%85%d9%88%d8%a7%d8%b1%d8%af-%d9%8a%d8%aa%d8%a3%d8%ab%d8%b1-%d8%a8%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%b1%d9%83%d8%b2-%d8%a7/.

مدرس الدكتور محمد لوتي (2026) 'تفضيل الأطفال للموارد يتأثر بالمركز الاجتماعي والجنس: دراسة جديدة', عرب سايكلوجي. متاح في: https://arabpsychology.com/field-news/%d8%aa%d9%81%d8%b6%d9%8a%d9%84-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d8%b7%d9%81%d8%a7%d9%84-%d9%84%d9%84%d9%85%d9%88%d8%a7%d8%b1%d8%af-%d9%8a%d8%aa%d8%a3%d8%ab%d8%b1-%d8%a8%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%b1%d9%83%d8%b2-%d8%a7/.

[1] مدرس الدكتور محمد لوتي, "تفضيل الأطفال للموارد يتأثر بالمركز الاجتماعي والجنس: دراسة جديدة," عرب سايكلوجي, مجلد X, عدد Y, ص Z-Z, أبريل, 2026.

مدرس الدكتور محمد لوتي. تفضيل الأطفال للموارد يتأثر بالمركز الاجتماعي والجنس: دراسة جديدة. عرب سايكلوجي. 2026;vol(issue):pages.

تحميل المقال (.PDF)
PDF