توجه الرعاية مقابل توجه العدالة في التفكير الأخلاقي
تمت المراجعة العلمية · د. مروة عبد العظيم · 7 نوفمبر، 2026
معايير التدقيق والاعتماد السريري
يخضع هذا المحتوى لمعايير ضبط الجودة والتدقيق العلمي والأكاديمي الصارمة في شبكة علم النفس العربي، لضمان صحة المعلومات ودقتها السريرية ومطابقتها لأحدث الأدلة والبراهين الصادرة عن الجمعيات النفسية والطبية المعتمدة (APA / WHO).
يمثل التفكير الأخلاقي أحد أكثر الميادين تعقيداً وتشابكاً في دراسة الطبيعة الإنسانية؛ إذ لا يقتصر على كونه مجرد استجابة انفعالية للمواقف الحياتية، بل يشكل بنية معرفية ونفسية معقدة تتداخل فيها الرؤى الفلسفية التأسيسية مع آليات الإدراك السلوكي. لقد ساد لفترات طويلة في الفكر الغربي تصور أحادي يختزل النضج الأخلاقي في القدرة على التجريد العقلاني وتطبيق القوانين الكونية الصارمة، حيث اعتبر الفرد المستقل، المنفصل عن سياقاته العاطفية، هو النموذج الأسمى للفاعل الأخلاقي الرشيد. غير أن هذا المنظور واجه في الربع الأخير من القرن العشرين مراجعات نقدية جذرية كشفت عن ثغراته المنهجية وقصوره عن استيعاب التجربة الأخلاقية الإنسانية بكليتها، لاسيما فيما يتصل بالروابط الاجتماعية والمشاعر البينية والمسؤوليات المتبادلة.
من هذا المنعطف المعرفي، تبلور تقاطب نظري خصب بين نموذجين رئيسيين في علم النفس والفلسفة الأخلاقية: “توجه العدالة” (Justice Orientation) و”توجه الرعاية” (Care Orientation). يرتكز التوجه الأول على فكرة الحقوق والواجبات والمساواة والإنصاف من منظور مجرد ومحايد، في حين ينطلق التوجه الثاني من شبكة العلاقات الإنسانية الحية، متخذاً من الاستجابة للحاجات النوعية وتجنب الأذى وترميم الصلات منطلقاً رئيساً لأي حكم أخلاقي أصيل. إن هذا التباين لم يكن مجرد خلاف حول تعريف “الفضيلة” أو “الواجب”، بل مسّ في الصميم تعريف الكينونة الإنسانية ذاتها: هل الإنسان كائن ذري مستقل يتعاقد مع أقرانه، أم أنه كائن علائقي بالضرورة يتشكل وجوده من خلال اتصاله بالآخرين؟
يهدف هذا المقال الأكاديمي الموسع إلى تفكيك هذا السجال الفكري والنفسي المعقد، متتبعاً الجذور الفلسفية والتطورات التجريبية لكل من توجهي العدالة والرعاية. سنعمل عبر هذه الدراسة التحليلية على استكشاف البنى المعرفية الحاكمة لكل توجه، ومناقشة أوجه الاختلاف والتقاطع بينهما، وتحليل الانتقادات الموجهة لكل مسار، فضلاً عن استعراض سياقات التطبيق الواقعية في ميادين القانون، والطب، والتربية، والذكاء الاصطناعي. ونسعى في النهاية إلى تجاوز الثنائيات الإقصائية نحو بناء رؤية أخلاقية تركيبية ترى في العدالة والرعاية بعدين متكاملين ومتلازمين لأي ارتقاء أخلاقي إنساني منشود.
1. مقدمة: التفكير الأخلاقي بين أخلاقيات الرعاية وأخلاقيات العدالة
1.1 تحديد المفهومين وسياق نشأتهما الفلسفي والنفسي
يُعرَّف توجه العدالة في حقل علم النفس الأخلاقي والفلسفة المعيارية بأنه منظومة استدلالية ترتكز على القواعد المجردة، والحقوق الفردية، والإنصاف الشامل. يجد هذا التوجه جذوره الفلسفية العميقة في التراث الديونتولوجي (الواجبي) الذي أرسى دعائمه الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط، حيث يُنظر إلى الفعل الأخلاقي بوصفه امتثالاً لقانون كوني نابع من العقل المحض بصرف النظر عن الميول والانفعالات. وقد تمت مأسسة هذا التوجه سيكولوجياً في النصف الثاني من القرن العشرين عبر الأبحاث الرائدة لعالم النفس الأمريكي لورانس كولبرج (Lawrence Kohlberg)، الذي صاغ نموذجاً ارتقائياً يتألف من ست مراحل متعاقبة، يفترض أن الذروة القصوى للنمو الأخلاقي تتمثل في الاحتكام إلى مبادئ العدالة والحقوق الكونية الشاملة، متخذاً من الاستقلال الذاتي والعقلانية المعيار الأوحد للنضج.
في المقابل، يمثل توجه الرعاية إطاراً معيارياً ونفسياً بديلاً ينظر إلى الأخلاق بوصفها استجابة لمعاناة الآخر وهشاشته ضمن شبكة من العلاقات المتشابكة. لا تنطلق أخلاقيات الرعاية من القواعد الصورية العامة، بل من الخصوصية الظرفية والمسؤولية المتبادلة والترابط الإنساني. تبلور هذا الإطار كحركة نقدية وثورية قادتها عالمة النفس الأمريكية كارول غيليغان (Carol Gilligan) في مطلع ثمانينيات القرن العشرين، ثم طورت أبعاده الفلسفية والتربوية المفكرة نيل نودينغز (Nel Noddings). رأت غيليغان أن الأخلاق الحقيقية لا تنبثق من الوقوف في برج التجريد المحايد للحكم بين حقوق متنافسة، بل من الانخراط الوجداني الفاعل لترميم العلاقات المتصدعة وضمان عدم إقصاء أي طرف أو تركه فريسة للإهمال والألم.
تكتسب دراسة هذين التوجهين أهمية أكاديمية بالغة في العلوم الإنسانية المعاصرة؛ إذ تتيح للباحثين تفكيك بنية الحكم الأخلاقي وفهم التطور النفسي للشخصية عبر مختلف مراحل العمر. كما توفر هذه الدراسة أدوات مفاهيمية عميقة لفهم كيفية اتخاذ البشر لقراراتهم المصيرية عندما تتصادم المبادئ المجردة مع الالتزامات العاطفية، مما يجعلها مدخلاً لا غنى عنه لفهم التنوع المعرفي والثقافي في بناء المعايير الاجتماعية والقيم الإنسانية.
1.2 أسباب المقارنة المستمرة ومواطن الالتباس المعرفي
تعود أسباب المقارنة المستمرة بين توجهي العدالة والرعاية إلى الجدل التاريخي العنيف الذي تفجر إبان نشر غيليغان لكتابها التأسيسي “بصوت مختلف” عام 1982. فقد استند كولبرج في أبحاثه الأولية لعام 1958 إلى عينة مقتصرة كلياً على الذكور (84 صبياً)، ثم عمم نتائجه بوصفها معياراً عالمياً للنمو الإنساني. وحين طُبقت مقاييس كولبرج لاحقاً على النساء، ظهرن في كثير من الأحيان وكأنهن عالقات في “المرحلة الثالثة” (مرحلة التوافق البيني وتلبية توقعات الآخرين)، بينما ارتقى الرجال إلى المرحلتين الرابعة والخامسة (القانون والنظام، والعقد الاجتماعي). أدى هذا الترتيب الهرمي إلى إحساس عميق بالغبن المعرفي، مما فجر سجالاً حول ما إذا كانت النظريات السائدة قد خلطت بين “النمو الأخلاقي” و”التطبيع الذكوري الغربي”.
نشأ عن هذا الصدام التباس معرفي شائع يتمثل في افتراض أن التوجهين نقيضان غير قابلين للتوافق والمصالحة، أو اعتبارهما مجرد انعكاس حتمي للفروق البيولوجية والجينات بين الذكور والإناث. يُعد هذا الاختزال خطأً إبستيمولوجياً فادحاً؛ فالرعاية والعدالة يمثلان منطقين أخلاقيين واستراتيجيتين معرفيتين متاحتين للبشر عموماً، بصرف النظر عن هوياتهم الجندرية، وإن كانت التنشئة الاجتماعية قد دفعت تاريخياً باتجاه تمايز في تبنيهما. إن النظر إليهما كثنائية قطفية متعارضة (إما/أو) يحجب إمكانية التفاعل الخلاق بين الإنصاف المؤسسي والتعاطف البيني.
يتجلى هذا التداخل والالتباس الإجرائي بوضوح بالغ عند تنزيل القرارات الأخلاقية في المؤسسات المعاصرة. ففي المجال الطبي، على سبيل المثال، يقع الممارسون في حيرة بين واجب احترام استقلالية المريض وحقه القانوني في تقرير مصيره (توجه العدالة) وبين واجب حمايته والحدب على ضعفه والشفقة على أسرته في لحظات الانهيار النفسي (توجه الرعاية). وتتكرر المعضلة ذاتها في الفصول الدراسية وقاعات المحاكم؛ حيث يثور السؤال الدائم: هل نطبق اللوائح الصارمة بالتساوي الأعمى، أم نراعي الظروف الاستثنائية التي تجعل من التطبيق الحرفي للقانون نوعاً من القسوة البالغة؟
1.3 إشكالية التمايز الأخلاقي وتداعياتها المنهجية
قادت مناظرة غيليغان-كولبرج إلى تحول جذري في نظرية المعرفة الأخلاقية؛ حيث انتقل علم النفس الأخلاقي من النموذج الفرداني الأحادي—الذي يختزل العقل الأخلاقي في صورة حاسوب منطقي يعالج الحقوق المنفصلة—إلى التعددية الإبستيمولوجية القائمة على مراعاة السياق والمعنى الذاتي. أثبتت هذه الإشكالية أن الطريقة التي نطرح بها السؤال الأخلاقي تحدد بالضرورة طبيعة الإجابة؛ فإذا سألنا الأفراد عن كيفية تسوية نزاع حول ملكية ما وفق قواعد مجردة، فنحن نستحث توجه العدالة حكماً، أما إذا سألناهم عن كيفية الحفاظ على علاقة متصدعة في ظرف مأساوي، فنحن نوجه بوصلتهم نحو أخلاقيات الرعاية.
كان لهذا الخلاف النظري الفضل في تأسيس ما يُعرف اليوم بـ “علم النفس الأخلاقي النسوي” وإعادة صياغة علم النفس التنموي برمجته كلياً. فقد فتحت أطروحات الرعاية الباب للاعتراف بأهمية العواطف، مثل التعاطف، والشفقة، والحساسية الوجدانية، بوصفها أدوات معرفية أصيلة وليست مجرد مشوشات غير عقلانية على التفكير النزيه. وتجاوزت التداعيات حدود علم النفس لتلقي بظلالها على الفلسفة السياسية؛ حيث بدأت تظهر دراسات تتساءل عن كيفية بناء دولة لا تكتفي بضمان الحقوق السلبية لمواطنيها، بل توفر بنى تحتية للرعاية والتكافل الاجتماعي والمتبادل.
من الناحية المنهجية، أفرز هذا التحول أزمة حادة في أدوات القياس السيكولوجي. لقد اعتمد كولبرج على “مقابلة الحكم الأخلاقي” (MJI) واستند خلفاؤه مثل جيمس رست (James Rest) إلى اختبار التحديد الأخلاقي (Defining Issues Test – DIT)، وهي مقاييس تعتمد على معضلات افتراضية معزولة عن السياق الحياتي المعاش، وتكافئ لغة الحقوق والقوانين المجردة بعلامات عليا. في المقابل، نادى تيار الرعاية بضرورة استخدام المقابلات النوعية المفتوحة ودراسة الحالات الإنسانية الواقعية (كما في دراسة غيليغان لقرارات الإجهاض لدى النساء)، وهو ما فرض تطوير مقاييس جديدة حاولت التقاط صوت الرعاية مثل مخطط ليونز للترميز (Lyons Coding Scheme) ومقابلة أخلاقيات الرعاية (Ethic of Care Interview – ECI) التي طورتها إيفا سكوي وجيمس مارسيا (Skoe & Marcia, 1991).
2. توجه الرعاية: الأسس النظرية والمبادئ الجوهرية
2.1 النشأة والتأطير الفلسفي لأخلاقيات الرعاية
تعود النشأة الصريحة لأخلاقيات الرعاية إلى العمل التاريخي الذي أنجزته كارول غيليغان في كتابها “بصوت مختلف: النظرية النفسية وتطور المرأة” (1982). انطلقت غيليغان من ملاحظة ميدانية عميقة أثناء عملها كباحثة مع لورانس كولبرج وإريك إريكسون؛ إذ لاحظت أن أصوات النساء وتجاربهن المعيشية إما أُسقطت تماماً من عينات البحث الأساسية أو صُنفت ضمن فئات النقص المعرفي لعدم مواءمتها للمنطق التجريدي الذكوري. وعبر ثلاث دراسات نوعية محورية—دراسة طلاب الكلية، ودراسة قرار الإجهاض التي شملت 29 امرأة حاملاً يواجهن خياراً وجودياً حقيقياً، ودراسة الحقوق والمسؤوليات—خلصت غيليغان إلى أن النساء يملن إلى صياغة المشكلات الأخلاقية ليس بوصفها صراعاً بين حقوق متضاربة يُحسم بالمنطق الرياضي، بل بوصفها أزمة في الروابط تتطلب الاستجابة وترميم الشروخ وتفادي التخلي.
تزامن هذا الطرح النفسي مع تأطير فلسفي وتربوي بالغ العمق صاغته نيل نودينغز في مؤلفها الكلاسيكي “الرعاية: مقاربة نسوية للأخلاق والتربية الأخلاقية” (1984). أسست نودينغز الرعاية بوصفها علاقة وجودية أنطولوجية وليست مجرد فضيلة فردية يمتلكها المرء. تتكون علاقة الرعاية عند نودينغز من طرفين متمايزين: “الشخص الراعي” (One-caring) الذي يتميز بـ “الاستيعاب العاطفي” (Engrossment) أي توجيه انتباهه وطاقته النفسية كلياً نحو حالة الآخر، و”التحول الدافعي” (Motivational displacement) أي توظيف طاقته لخدمة أهداف الآخر واحتياجاته؛ و”الشخص المتلقي للرعاية” (Cared-for) الذي يُكمل هذه الدائرة من خلال الاستجابة والاعتراف بالرعاية وتلقيها، مما يحمي العلاقة من التحول إلى وصاية استعلائية أحادية الجانب.
تمتد الجذور الفلسفية لأخلاقيات الرعاية إلى ما وراء الفكر المعاصر؛ فهي تلتقي بعمق مع فلسفة الحوار عند مارتن بوبر (Martin Buber) وتمييزه بين علاقة “أنا-أنت” (I-Thou) كلقاء وجودي حي، وعلاقة “أنا-هو” (I-It) التشييئية التجريدية. كما تتقاطع مع أخلاقيات المشاعر الأخلاقية لدى الفيلسوف الاسكتلندي ديفيد هيوم، الذي رأى أن العقل عبدٌ للانفعالات وخادمٌ لها، وأن التعاطف البشري هو المنبع الأساسي لكل فضيلة واستحسان أخلاقي. فضلاً عن ذلك، تستعير أخلاقيات الرعاية من التراث البراغماتي الأمريكي (خاصة جون ديوي) تركيزه على التجربة الحية، والتشكك في الثنائيات الصارمة، ورفض المبادئ المتعالية المقطوعة عن عواقبها الملموسة في نسيج الحياة اليومية.
2.2 المبادئ الحاكمة لتوجه الرعاية
يقوم توجه الرعاية على مجموعة من المبادئ المعيارية المحورية التي تعيد صياغة المشهد الأخلاقي برمجته كلياً، وفي مقدمتها مفهوم “الذات العلائقية” (Relational Self). ترفض أخلاقيات الرعاية النظرة الليبرالية الفردانية التي تتصور الإنسان كـ “مونادة” منعزلة أو كائناً مستقلاً ومكتفياً بذاته يقرر الدخول في علاقات مع الآخرين بناءً على مصلحة نفعية تعاقدية. بل ترى أن الذات تتشكل وتكتسب هويتها الإنسانية منذ لحظة الميلاد عبر شبكة من العلاقات والارتباطات الوجودية المتداخلة؛ فالإنسان يبدأ حياته هشاً يعتمد اعتماداً مطلقاً على رعاية غيره، ويظل طوال مسار حياته في حالة من الاعتماد المتبادل، ومن ثم فإن الانفصال والاستقلال المطلق ليس إلا وهماً إيديولوجياً يتجاهل واقع الوجود البشري.
يرتبط بهذا المفهوم مبدأ “المركزية السياقية” (Contextualism)؛ حيث ترفض أخلاقيات الرعاية تطبيق القواعد الكونية المعممة بشكل أعمى على كافة الحالات الإنسانية. إن الحكم الأخلاقي الرشيد لا يصدر من وراء ستار التجريد، بل يتطلب انغماساً تفصيلياً في تفاصيل الموقف الراهن، وفهماً دقيقاً لتاريخ العلاقات بين أطرافه، ومعرفة توازنات القوة والضعف المحيطة بهم. فالعدل ليس مجرد مساواة حسابية بين أرقام صماء، بل هو تلبية للاحتياجات المتمايزة لأفراد حقيقيين يمرون بظروف استثنائية فريدة لا يمكن اختزالها في مادة قانونية جاهزة.
أما المبدأ الثالث فهو “مبدأ اللاعنف وتجنب الأذى” (Nonviolence and Harm Prevention)، وتتجلى فيه الأولوية القصوى لمنع التمزق والقطيعة، ومعالجة الهشاشة الإنسانية المباشرة. تدرك أخلاقيات الرعاية أن الحياة الإنسانية محفوفة بمخاطر الإهمال والخذلان والتهميش، ولذا فإن الفعل الأخلاقي الواجب ليس هو تطبيق الواجب الصوري حتى لو انهارت العلاقات، بل هو السعي الدؤوب للحفاظ على شبكة الصلات حية ونابضة، والعمل على تقليل الألم النفسي والجسدي، وبناء جسور التواصل التي تمنع انزلاق الخلافات إلى ممارسات عنيفة تدميرية.
2.3 آليات اتخاذ القرار وتقييم المعضلات الأخلاقية
تعتمد آلية اتخاذ القرار في توجه الرعاية على ما يمكن تسميته “الإبستيمولوجيا الاستماعية”؛ فالخطوة الأولى في مواجهة أي مأزق أخلاقي لا تتمثل في استدعاء المبادئ وتطبيقها استنتاجياً، بل في “الإصغاء النشط” وتفكيك السياق العاطفي والمجتمعي المحيط بالمعضلة. يسعى الفاعل الأخلاقي هنا إلى إدراك ما يشعر به كل طرف، وفهم مخاوفه غير المعلنة، وملاحظة موازين الضعف غير المرئية. يمتنع الراعي عن إطلاق الأحكام القطعية التبسيطية بصواب هذا الموقف أو خطأ ذاك، مفضلاً البحث عن حلول تفاوضية تعيد ترتيب العلاقات وتسمح للأطراف بمواصلة العيش معاً بكرامة وتضامن.
صاغت كارول غيليغان نموذجاً ارتقائياً لنضج أخلاقيات الرعاية يمر بثلاث مراحل رئيسية، يُبرز التطور الداخلي لمفهوم المسؤولية:
- مرحلة ما قبل التقليدي (التوجه نحو البقاء الفردي): ينحصر تركيز الفرد في هذه المرحلة حول الذات وحمايتها وضمان بقائها في بيئة يُنظر إليها على أنها مهددة، حيث تغيب القدرة على استيعاب احتياجات الآخرين وتُختزل القرارات في المصلحة الذاتية الضيقة. وتحدث النقلة إلى المرحلة اللاحقة عندما يبدأ الفرد في استشعار أنانيته وإدراك مسؤوليته عن رعاية الآخرين المحيطين به.
- مرحلة التقليدي (الخير بوصفه تضحية بالذات): ينتقل الفرد هنا إلى النقيض التام، حيث يتبنى المفهوم الاجتماعي النمطي للفضيلة، والذي يربط بين الرعاية والتفاني المطلق وإلغاء الذات لصالح تلبية رغبات الآخرين وإسعادهم. غير أن هذا النموذج يولد لاحقاً أزمة وجودية واحتراقاً نفسياً عميقاً حين يدرك الفاعل أن شطب وجوده الشخصي يقود إلى استغلاله ويشكل شكلاً خفياً من أشكال العنف ضد الذات.
- مرحلة ما بعد التقليدي (أخلاقيات اللاعنف والترابط الناضج): تمثل هذه المرحلة قمة النضج الأخلاقي في الرعاية؛ حيث يتجاوز الفرد وهم التعارض المصطنع بين الأنانية والإيثار، ويتعلم دمج الذات والآخر في شبكة رعاية واحدة متوازنة ومستدامة. تصبح الحقيقة الأخلاقية مبنية على إدراك الترابط: “أنا أحتاج إلى الرعاية كما يحتاج الآخرون إليها، والعناية بذاتي شرط لا غنى عنه لقدرتي على مواصلة رعاية الآخرين”.
بناءً على هذا المسار، لا يُقاس صواب القرار الأخلاقي بمدى اتساقه المنطقي الصوري مع مقدمات كلية، بل بمدى نجاحه العملي في تخفيف المعاناة الواقعية، ومنع التفكك العلائقي، وترميم نسيج الثقة بين المعنيين بالأزمة دون استنزاف أو إجحاف بحق أي طرف.
2.4 الانتقادات الموجهة لتوجه الرعاية ومحدوديته
على الرغم من الخصوبة الفكرية لأخلاقيات الرعاية، إلا أنها واجهت سيلاً من الانتقادات الحادة من جانب فلاسفة وعلماء نفس من مختلف المشارب الفكرية. يأتي في طليعة هذه المآخذ خطر السقوط في “النسبية الأخلاقية الذاتية” (Subjective Relativism) والافتقار إلى معايير إجرائية موضوعية؛ فبالتركيز المطلق على السياق والخصوصية ورفض القواعد العامة، قد يعجز توجه الرعاية عن تقديم إجابة قاطعة عندما تتصادم رغبات الأطراف أو تتعارض ولاءات الرعاية المتنافسة، مما قد يفتح الباب واسعاً للمزاجية والتقديرات الشخصية المائعة في حسم النزاعات الكبرى.
الانتقاد الثاني، ذو الصبغة النسوية والسياسية العميقة، يرى أن أخلاقيات الرعاية قد تؤدي دون قصد إلى “ترسيخ الصور النمطية الجندرية” وإعادة إنتاج التراتبيات الأبوية التاريخية. يجادل نقاد مثل كاثريين ماكينون (Catharine MacKinnon) بأن ما تصفه غيليغان بأنه “صوت مختلف” للمرأة قد لا يكون سوى “صوت التبعية والاضطهاد” الذي فرضته البنى الاجتماعية الذكورية على النساء عبر العصور، لحصرهن في أدوار الخدمة والاهتمام المنزلي والتضحية غير المشروطة. إن إضفاء طابع الفضيلة الأخلاقية على التضحية بالذات قد يمنح شرعية غير مباشرة لاستغلال النساء وتطبيعهن مع الحرمان والتهميش في الفضاءين الخاص والعام.
أما المأخذ الثالث فيتعلق بـ “إشكالية التوسع والنطاق المؤسسي”؛ فأخلاقيات الرعاية صُممت ونمت في الأصل داخل فضاء العلاقات الأولية المباشرة والمشخصة (الأم والطفل، الطبيب والمريض، الصداقات والقرابة). وحين نحاول نقل هذه الأخلاقيات إلى النطاق العام، والسياسات الدولية، وحوكمة الشركات الكبرى، وتوزيع الموارد على ملايين المواطنين المجهولين، تصطدم الرعاية بعجز بنيوي واضح؛ إذ كيف يمكن “الاستيعاب العاطفي” لملايين الغرباء البعيدين؟ هنا تتراجع الرعاية لتكشف عن حاجتها الماسة إلى لغة الحقوق والقوانين المجردة التي يملكها توجه العدالة.
3. توجه العدالة: الأسس النظرية والمبادئ الجوهرية
3.1 التطور التاريخي من الفلسفة المثالية إلى علم النفس الإدراكي
يقف توجه العدالة على أرضية فلسفية بالغة الصلابة شيدتها قرون من التفكير العقلاني الأوروبي، وتحديداً الفلسفة الأخلاقية لإيمانويل كانط في “تأسيس ميتافيزيقا الأخلاق” (1785). وضع كانط مبدأ “الأمر المطلق” (Categorical Imperative) بوصفه القانون الأسمى للإرادة العاقلة: “تصرّف فقط وفقاً للمبدأ الذاتي الذي يمكنك في الوقت نفسه أن تريده أن يصبح قانوناً عاماً كلياً”. تقتضي هذه الرؤية تطهير الحكم الأخلاقي من كل العواطف والميول والمنافع الشخصية، والتعامل مع الإنسان دائماً كغاية في ذاته وليس مجرد وسيلة لتحقيق رغبات الآخرين. تتأسس الكرامة الإنسانية في المنظور الكانطي على الاستقلال الذاتي والعقلانية الصرفة، التي تمنح الفرد القدرة على التشريع الأخلاقي الذاتي بمعزل عن ضغوط الطبيعة والمجتمع.
أُعيد بعث هذه الروح التأسيسية في الفلسفة السياسية المعاصرة عبر كتاب الفيلسوف الأمريكي جون رولز “نظرية في العدالة” (A Theory of Justice, 1971). بلور رولز مفهوم “العدالة كإنصاف” من خلال تجربة فكرية رائدة سماها “الوضع الأصلي” (Original Position)، حيث يجتمع الفاعلون العقلانيون لتأسيس مبادئ العقد الاجتماعي وراء ما يُعرف بـ “حجاب الجهل” (Veil of Ignorance). وبموجب هذا الحجاب، يجهل كل مفاوض موقعه الطبقي، وعرقه، وجنسه، ومواهبه الطبيعية، وحتى تصوره الخاص للخير والسعادة. ينتج عن هذا التجريد الكامل صياغة مبادئ عدالة محايدة تضمن الحريات الأساسية المتساوية للجميع، ولا تقبل التفاوتات الاقتصادية إلا إذا كانت تعود بالنفع الأكبر على الفئات الأقل حظاً في المجتمع.
انتقلت هذه النماذج الفلسفية إلى حقل علم النفس النمائي عبر أطروحة لورانس كولبرج في جامعة شيكاغو عام 1958، وتطويره اللاحق لنظرية النمو الأخلاقي المعرفي (Kohlberg, 1969, 1984). متأثراً بأعمال جان بياجيه، أرسى كولبرج نموذجاً هرمياً يتكون من ثلاثة مستويات تنقسم إلى ست مراحل متمايزة ومتعاقبة لا يمكن تخطي أي منها:
- المستوى ما قبل التقليدي (Pre-conventional):
- المرحلة الأولى: التوجه نحو الطاعة وتجنب العقاب المادي المباشر.
- المرحلة الثانية: التوجه نحو الفردانية والتبادل النفعي الساذج (“حك لي ظهري وأحك لك ظهرك”).
- المستوى التقليدي (Conventional):
- المرحلة الثالثة: التوافق البيني، وتلبية توقعات الأسرة والجماعة الأولية، والحفاظ على صورة “الولد اللطيف/البنت المطيعة”.
- المرحلة الرابعة: التوجه نحو القانون والنظام الاجتماعي الثابت، والالتزام الصارم بالواجب لحفظ البناء المؤسسي من الانهيار.
- المستوى ما بعد التقليدي أو المبدئي (Post-conventional / Principled):
- المرحلة الخامسة: التوجه نحو العقد الاجتماعي والحقوق الفردية والدستورية القابلة للمراجعة والتفاوض الديمقراطي.
- المرحلة السادسة: الاحتكام إلى المبادئ الأخلاقية الكونية للعدالة والمساواة الإنسانية التامة والكرامة غير القابلة للتصرف (وهي مرحلة كانطية-رولزية بامتياز).
3.2 المبادئ الحاكمة لتوجه العدالة
يتأسس توجه العدالة على ثلاثة مبادئ معيارية محورية ترسم معالم الفضاء الأخلاقي وتحدد حدوده الصارمة. المبدأ الأول هو “الفردانية والاستقلالية الأخلاقية” (Autonomy and Moral Individualism). بموجب هذا المبدأ، يُنظر إلى المجتمع البشري كحاصل جمع لأفراد أحرار ومتمايزين يمتلك كل منهم حصناً منيعاً من الحقوق الفردية الطبيعية أو المدنية التي لا يجوز انتهاكها حتى لو كان ذلك يخدم المصلحة الكبرى للمجموع. لا يجوز هنا تذويب الفرد في الجماعة أو التضحية به لصالح تناغم العلاقات؛ فالاستقلال الذاتي والمسؤولية الفردية هما شرطا التكليف والمساءلة الأخلاقية في المقام الأول.
المبدأ الثاني هو “الحياد والشمولية” (Impartiality and Universality). يقضي هذا المبدأ بأن الحكم الأخلاقي الصائب لا يمكن أن يتأسس على المحاباة الشخصية، أو صلات القربى، أو الانتماءات الجغرافية والعرقية. تتطلب العدالة وقوف الفاعل على مسافة واحدة ومتساوية من جميع البشر المعنيين بالموقف؛ حيث تُعامل الحالات المتماثلة بطرق متماثلة بدقة رياضية، ولا يُمنح أي كائن معاملة تفضيلية لمجرد كونه قريباً أو محبوباً. تتجلى هذه القيمة في الرمز الأيقوني للعدالة: امرأة معصوبة العينين تحمل ميزاناً متكافئ الكفتين، في إشارة صريحة إلى كف البصر عن الفروق الفردية والسياقية الخاصة لضمان التطبيق الصارم للحق.
المبدأ الثالث، والمستمد مباشرة من الليبرالية السياسية الرولزية، هو “أولوية الحق على الخير” (Priority of the Right over the Good). يفصل هذا المبدأ بدقة متناهية بين القواعد الإجرائية الملزمة للجميع (الحق والواجب العام) وبين التصورات الشخصية والفرعية لما يجعل الحياة مرغوبة أو ذات معنى (مفاهيم الخير، كالإيمان الديني، والتقاليد، وأساليب الحياة). لا تفرض العدالة مفهوماً جوهرانياً للحياة الفاضلة على الأفراد، بل تكتفي بصياغة إطار دستوري وقانوني منصف ومحايد يتيح لكل مواطن السعي وراء تصوره الخاص للحياة الطيبة دون أن يعتدي على حقوق الآخرين في فعل الشيء ذاته.
3.3 آليات التفكير المنطقي وحل النزاعات
تعتمد آلية التفكير الأخلاقي في توجه العدالة على منهجية “الاستدلال الاستنباطي الكلي”؛ حيث تبدأ عملية الحكم من المبدأ التجريدي الأعلى (مثل مبدأ عدم جواز السرقة أو مبدأ قدسية الحياة)، ثم تُنزل هذه المقدمة الكبرى على الواقعة العينية قيد النظر، للوصول إلى حكم قطعي يتسم بالاتساق المنطقي. يتضح هذا النمط بجلاء في طريقة تعامل كولبرج مع معضلته الشهيرة: “معضلة هاينز” (Heinz Dilemma). في هذه المعضلة، تكون زوجة هاينز مشرفة على الموت بمرض خبيث، بينما يحتكر صيدلاني دواءً ينقذ حياتها ويبيعه بعشرة أضعاف كلفة تصنيعه، عاجزاً هاينز عن توفير ثمنه بعد استدانة كل ما يمكنه؛ فيعمد هاينز ليلاً إلى كسر باب الصيدلية وسرقة الدواء.
لا يقيّم كولبرج نضج الشخص المفحوص بناءً على خياره النهائي (هل يسرق أم لا يسرق؟)، بل بناءً على “بنية التبرير المنطقي” المتبعة لحسم التنازع بين حقين متصادمين: حق الملكية للصيدلاني مقابل حق الحياة للزوجة. يرى التفكير المتقدم في توجه العدالة أن “حق الحياة” يعلو أنطولوجياً ومعيارياً على “حق الملكية”؛ لأن الملكية وسيلة لحفظ الحياة وليست غاية في ذاتها، ومن ثم فإن سرقة الدواء تبررها أولوية الحق الإنساني الكوني على العقد التجاري الوضعي. وهكذا تُحل المعضلات عبر تراتبية عقلانية محكمة تزن الحقوق المتنافسة في ميزان المنطق المحض.
يحتكم هذا التوجه بصورة حاسمة إلى فكرة “العقود الاجتماعية”، والمواثيق المعيارية، والقوانين المكتوبة بوصفها الوسائل الفضلى لحسم تضارب المصالح وإدارة الصراعات في المجتمعات المعقدة. ويُعتبر الاتساق المنطقي، وعدم الوقوع في التناقض الذاتي عبر الزمان والمكان، هو المعيار الأساسي لصدق الحكم الأخلاقي ومشروعيته، مما يوفر بيئة اجتماعية تتميز بالشفافية والقدرة العالية على التنبؤ بسلوك الأفراد والمؤسسات وتأمين استقرار النظام العام.
3.4 الانتقادات الموجهة لتوجه العدالة ومحدوديته
على الرغم من الهيمنة الفكرية الطويلة لتوجه العدالة، إلا أنه خضع لنقد تحليلي لاذع كشف عن حدوده المعرفية وقصوره التطبيقي. يبرز في مقدمة هذه الانتقادات “التجريد المفرط والانفصال عن التجربة المعيشة”. إن تحويل الأخلاق إلى معادلات رياضية جافة ومبادئ مجردة يحرم الفاعل الأخلاقي من أدواته الإنسانية الأساسية: كالمشاعر، والحدس، والتعاطف، والقدرة على استشعار فرادة اللحظة التاريخية. يقود هذا التجريد إلى تحويل البشر إلى مجرد أرقام ووحدات قابلة للتبديل في حسابات الواجب الصارم، متجاهلاً الآلام الحقيقية والندوب النفسية التي قد يخلفها تطبيق المبدأ الكلي دون رحمة.
يتولد عن هذا الانفصال ما يمكن تسميته “العمى السياقي” (Contextual Blindness). عندما يُصر الفاعل على التطبيق الحرفي والمطلق للقوانين دون مراعاة السياقات الاجتماعية والطبقية والظروف القهرية التي تحيط بالأفراد، يتحول “العدل” الصوري إلى أداة لإنتاج الظلم الفعلي، وهو ما اختصرته الحكمة الرومانية القديمة: “قمة العدل قمة الظلم” (Summum ius, summa iniuria). فالامتناع عن مساعدة شخص ضعيف بحجة الالتزام بحيادية وظيفية أو رفض خرق إجراء روتيني يعكس تصلباً بيروقراطياً وأخلاقياً يفرغ القانون من جوهره الإنساني وغاياته الأساسية.
علاوة على ذلك، وجهت الفلسفات النقدية وما بعد الاستعمارية وتيارات النسوية اتهاماً صريحاً لتوجه العدالة بانطوائه على “تحيز غير معلن للنموذج الغربي الذكوري البرجوازي”. يرى هؤلاء النقاد أن تصوير “الفرد المستقل المتعاقد، المكتفي بذاته، الخالي من أي التزامات سابقة” لا يعبر عن طبيعة بشرية كونية، بل هو نتاج سياق سوسيولوجي وتاريخي غربي ارتبط بنشأة الرأسمالية والدولة القومية الحديثة. إن هذا النموذج يقصي الملايين في الثقافات الجماعية والشرقية، كما يقصي فئات واسعة من النساء والطبقات العاملة التي ترى أن الوجود الإنساني هو في جوهره تضامن، ورعاية، ومسؤولية جماعية مشتركة، لا مجرد سباق فرداني تحكمه العقود الجافة.
4. أوجه الاختلاف الجوهرية بين التوجهين
4.1 المنطلقات الأنطولوجية والمعرفية (الذات العلائقية مقابل الفرد المستقل)
يتجلى الشقاق الأساسي بين التوجهين في رؤيتهما لطبيعة الكينونة الإنسانية (الأنطولوجيا) وكيفية تحصيل المعرفة الأخلاقية وصياغتها (الإبستيمولوجيا). ينطلق توجه العدالة من أنطولوجيا فردانية ذرية (Atomistic Ontology)؛ حيث الوجود الأولي هو للفرد الحر المستقل الذي يسبق أي مجتمع، وتعتبر العلاقات والروابط التزامات لاحقة وثانوية يدخل فيها الفرد باختياره الإرادي عبر عقد صريح أو ضمني. أما توجه الرعاية فيتبنى أنطولوجيا شبكية ترابطية (Relational Ontology)؛ حيث الوجود الإنساني يبدأ من “الارتباط والاتصال”، والذات لا تكتسب وعيها وتعينها إلا عبر علاقتها بـ “الآخر”، مما يجعل العلاقات والمسؤوليات الناشئة عنها سابقة وجودياً ومعيارياً على استقلال الفرد الذاتي.
ينعكس هذا التباين الوجودي مباشرة على نظرية المعرفة الأخلاقية. فالمعرفة في توجه العدالة هي معرفة عقلانية استنباطية، تسعى إلى اكتشاف القوانين الكونية عبر التأمل المنطقي والحياد والتجرد، في حين أن المعرفة في توجه الرعاية هي معرفة هرمنيوطيقية (تأويلية) مشتقة من الممارسة العملية اليومية، والحدس العاطفي، والتفاعل المباشر مع عذابات الآخرين. يرى أنصار العدالة أن المجتمع هو “عقد اجتماعي بين أفراد متعاقدين عقلانيين”، بينما يراه أنصار الرعاية “شبكة حية من العلاقات العضوية الحاملة للهشاشة والاعتماد المتبادل”، كما هو موضح تفصيلياً في الجدول المقارن أدناه.
| البُعد / وجه المقارنة | توجه العدالة (Justice Orientation) | توجه الرعاية (Care Orientation) |
|---|---|---|
| المفهوم الأنطولوجي للذات | ذات مستقلة، فردية، منفصلة، مكتفية بذاتها ومحقوقة مسبقاً. | ذات علائقية، متشابكة عضوياً، تعتمد على الآخرين وتتشكل عبر الصلات. |
| السؤال الأخلاقي المركزي | “ما هو العادل؟ وما هي الحقوق والواجبات الصورية المتكافئة؟” | “كيف أستجيب للنداء؟ وكيف أحمي هذه العلاقة من التصدع والألم؟” |
| طبيعة المشكلة الأخلاقية | صراع بين حقوق متعارضة يتطلب الاحتكام لقواعد وموازين مجردة. | أزمة وانقطاع في شبكة العلاقات الإنسانية يقتضي الترميم والتفاوض. |
| الموقف من السياق والعواطف | التجريد من السياق، تفضيل الحياد الصارم، واستبعاد الانفعالات كمشوشات. | الانغماس الكامل في الخصوصية السياقية وتوظيف التعاطف كأداة إدراكية. |
| القيم والمعايير الكبرى | الإنصاف، المساواة، الحقوق، الاستقلال الذاتي، الاتساق الصوري. | الاستجابة، المسؤولية، اللاعنف، التعاطف، حماية الهشاشة والتضامن. |
| آلية تسوية المعضلة | استنباط عقلاني قطعي يحدد المحق والمخطئ ويفصل بين الادعاءات. | حوار تواصلي وتفاوض نشط يبحث عن حلول مبتكرة تخفف المعاناة الشاملة. |
| الخطر والانزلاق المعياري | القسوة القانونية، الجمود البيروقراطي، والعمى عن الآلام الحقيقية. | النسبية الأخلاقية الذاتية، التضحية المفرطة بالذات، والمحاباة الفئوية. |
4.2 معايير التقييم الأخلاقي وحل المعضلات
يتمحور التقييم الأخلاقي في توجه العدالة حول معيار “حماية الحقوق وإلزامية الواجبات”. يُنظر إلى الموقف الأخلاقي كمسألة قضائية تتطلب قاضياً نزيهاً يزن الأدلة بموضوعية؛ فإذا كان الفعل يخرق قاعدة عامة واجبة الاتباع (كالكذب أو انتهاك الملكية أو نكث الوعد)، فإن الفعل يُحكم عليه بالبطلان فوراً بصرف النظر عن مآلاته النفسية الخاصة. القواعد هنا ذات طابع إلزامي صارم غير قابل للمساومة أو التفاوض الظرفي؛ لأن التنازل عن المبدأ الكلي يهدد بانهيار المنظومة الأخلاقية برمتها والنزول إلى مستنقع الفوضى القانونية والأخلاقية.
على العكس تماماً، يضع توجه الرعاية “تلبية الاحتياجات النوعية وتخفيف وطأة المعاناة” في قلب التقييم المعياري. لا يُنظر إلى القواعد بوصفها أصناماً مقدسة، بل كأدلة استرشادية مرنة تخضع دوماً للمراجعة في ضوء مقتضيات الموقف الإنساني الملموس وتداعياته على الأشخاص الضعفاء المعنيين مباشرة. الفضيلة الكبرى في هذا المسار ليست “تطبيق القانون ولو فني العالم”، بل “إنقاذ الإنسان وترميم صلته بالعالم”. فالدافع الأخلاقي المحرك للسلوك ليس الخوف من التناقض المنطقي أو وخز الضمير القانوني، بل الرقة الوجدانية، والحساسية تجاه الألم، والشعور العميق بالمسؤولية الشخصية المباشرة تجاه الآخر الماثل أمامي.
يتجلى هذا التمايز بحدة في كيفية فهم “الواجب” ذاته: فالواجب في العدالة محدد بسياج الواجبات السلبية عموماً (لا تقتل، لا تسرق، لا تعتدِ على حقوق الآخرين وابقَ في حدودك)، بينما يتسع الواجب في الرعاية ليشمل المسؤولية الإيجابية النشطة (التفت إلى المحتاج، استجب للنداء غير الملفوظ، واحرص ألا يسقط أي شخص من شبكة الحماية والرعاية الاجتماعية).
4.3 سيكولوجية اتخاذ القرار وآليات القياس التجريبي
تتباين العمليات النفسية الموجهة لاتخاذ القرار بين التوجهين تبعاً لاختلاف أدوات القياس السيكومترية المتبعة لكل منهما. ففي توجه العدالة، اتكأ كولبرج على “مقابلة الحكم الأخلاقي” (Moral Judgment Interview – MJI)، والتي طوّر معايير تصحيحها المعيارية المفصلة كولبي وكولبرج في عام 1987 (Colby & Kohlberg, Standard Issue Scoring). كما شاع استخدام اختبار تحديد القضايا (Defining Issues Test – DIT) الذي ابتكره جيمس رست (James Rest, 1979) بهدف حساب “درجة التفكير الأخلاقي المبدئي” (P-score). تفترض هذه الأدوات أن النضج النفسي يقاس بقدرة المفحوص على تفكيك المشكلات الافتراضية عبر تصنيفات منطقية صورية وحسابات الحقوق الدستورية.
في المقابل، يرفض علماء النفس في تيار الرعاية هذه المقاييس الجاهزة؛ لكونها تفرض قالباً معرفياً مسبقاً وتتجاهل السياقات الوجدانية العميقة. ولتدارك هذا القصور، طورت نونا ليونز (Nona P. Lyons, 1983) “مخطط ليونز للترميز” (Lyons Coding Scheme) في مجلة هارفارد التربوية، بهدف تقييم وتصنيف توجهي الرعاية والعدالة كبعدين مستقلين ومتميزين بدلاً من خلطهما ضمن مراحل نمائية تراتبية صلبة. كما صاغت إيفا سكوي وجيمس مارسيا (Eva Skoe & James Marcia, 1991) “مقابلة أخلاقيات الرعاية” (Ethic of Care Interview – ECI)، ونشرت دراستها في مجلة علم نفس الشخصية وعلم النفس الاجتماعي، موفرة أداة سيكولوجية مقننة ترصد مسار تطور الرعاية لدى الجنسين عبر معضلات إنسانية تدمج الأبعاد الذاتية والعلائقية والواقعية.
يقود هذا الاختلاف المنهجي إلى تمايز سيكولوجي عميق في التعامل مع التناقضات: فبينما يندفع صاحب توجه العدالة نحو إصدار “حكم حاسم وفاصل” يحدد مَن على صواب ومَن على خطأ لإنهاء النزاع وإغلاق ملف القضية، يميل صاحب توجه الرعاية إلى إبقاء باب النقاش مفتوحاً ومواصلة البحث عن حلول تسووية تصالحية تُشعر كل طرف بأنه كان مسموعاً ومقدراً، موسعاً دائرة الاهتمام لتشمل التعافي النفسي اللاحق للأطراف وليس فقط الفصل الإجرائي في الواقعة.
5. أوجه التشابه والتداخل بين توجهي الرعاية والعدالة
5.1 الغاية الأخلاقية المشتركة ومنع الأذى
على الرغم من التمايزات العميقة والسجالات التاريخية الحادة بين أنصار الرعاية والعدالة، إلا أن الفحص الفلسفي الرصين يكشف عن اشتراكهما في أرضية قيمية صلبة وغايات عليا متطابقة. يتفق التوجهان في الجوهر على أن الغاية الأسمى والنهائية لأي تفكير أخلاقي هي “الحد من المعاناة الإنسانية وحماية الكرامة المتأصلة للبشر”. إن الباعث الأول لكلتا المنظومتين هو التصدي لمظاهر الظلم والقهر، وضمان ألا يُداس الضعفاء تحت أقدام الأقوياء، وأن يُحفظ الوجود الإنساني من الانزلاق إلى حالة التوحش وشريعة الغاب.
يتشارك التوجهان أيضاً في الرفض القاطع للأنانية الصرفة والاستغلال النرجسي وسوء استخدام القوة والنفوذ ضد الفئات الهشة والمهمشة. فحين يرفض توجه العدالة التعدي على حقوق الأفراد، فإنه يحميهم من التسلط والأذى؛ وحين يرفض توجه الرعاية إهمال المحتاج وخذلانه، فإنه يحميه من الألم والضياع. تتقارب الرؤيتان بصورة مذهلة في معاداتهما للعدمية الأخلاقية، وسعيهما المخلص لبناء مجتمع إنساني متماسك يتجاوز الصراع الغريزي نحو آفاق التعايش والارتقاء، وإن اختلفت السبل واللغات والأدوات التعبيرية التي يستخدمها كل منهما في صياغة هذا الالتزام الوجودي.
إن الرعاية في جوهرها تسعى إلى تأسيس بيئة إنسانية آمنة وحاضنة تزدهر فيها الحياة وتنتفي منها مسببات الألم والتفكك، وهي ذات الغاية التي تسعى العدالة لتحقيقها عبر بناء سياج منيع من الحقوق والقوانين التي تكفل المساواة وتمنع الاعتداء والجور؛ مما يجعل المصب النهائي للرافدين واحداً وإن تباينت المنابع ومسارات الجريان المعرفي.
5.2 التفاعل والاعتماد المتبادل في الممارسة الأخلاقية
لا يقتصر التلاقي بين التوجهين على الغايات النظرية المجردة، بل يمتد ليتجلى في صورة اعتماد متبادل لا غنى عنه في الممارسة الأخلاقية اليومية. إن التدقيق في واقع التطبيق يكشف أن “العدالة تعجز عن العمل بكفاءة وإنسانية حقيقية دون حساسية الرعاية”. فالعدالة العمياء الصماء تحتاج إلى عين الرعاية الوجدانية البصيرة لترى مواضع الألم الخفي، ولتحدد من هم الأشد عوزاً وإنصافاً، ولتكتشف الانتهاكات غير المرئية التي تتسلل من بين شقوق اللوائح الجامدة. بدون الرعاية والتعاطف، تنحدر العدالة إلى مجرد آلية بيروقراطية باردة وقاسية لا تُبالي بتدمير البشر تحت شعار احترام الإجراءات والمساطر الشكلية.
في الاتجاه المقابل، “تحتاج الرعاية بصورة ماسة ومصيرية إلى ضوابط العدالة وموازينها الصارمة”. فالرعاية العاطفية إذا تجردت من حس الإنصاف والمساواة، تنزلق بسهولة إلى المحاباة الشخصية، وإيثار الأقارب والأصدقاء، والتورط في ممارسات الفساد تحت غطاء “التعاطف مع الدائرة الخاصة”. كما أن الرعاية غير المنضبطة بالعدالة قد تقود إلى استنزاف مريع لمقدمي الرعاية واحتراقهم النفسي واستغلالهم المزمن، لغياب حدود واضحة تحميهم وتقرر حقوقهم المشروعة في المعاملة العادلة. تحتاج الرعاية إلى العدالة لتوزيع أعبائها ومواردها برشد وإنصاف بين جميع مستحقيها.
أثمر هذا التضايف الحتمي بروز مفاهيم هجينة وجريئة في الفلسفة السياسية والأخلاقية المعاصرة، مثل مفهوم “الرعاية العادلة” (Just Care) و“العدالة الرعائية” (Caring Justice). أخذ فلاسفة وسياسيون معاصرون يطالبون بدمج التوجهين في بناء مؤسسات الدولة والسياسات العامة؛ بحيث تكون المؤسسات عادلة في توزيع الفرص والحقوق، ولكنها في الوقت عينه حانية، مرنة، ومستجيبة للضعف الإنساني والاحتياجات الخاصة للفئات الأكثر هشاشة في المجتمع.
5.3 التوافق في علم النفس المعرفي والنمو البشري المتقدم
على الصعيد السيكولوجي الإمبريقي، أفضت عقود من البحث الميداني إلى تجاوز الرؤية الصدامية التي سادت في بدايات المناظرة. فقد اضطر لورانس كولبرج في أواخر كتاباته وحواراته الفكرية المشتركة (انظر مثلاً مراجعاته النظرية لعام 1984) إلى الاعتراف الصريح بأن نموذجه كان يركز على شطر واحد من الميدان الأخلاقي (مجال العدالة الصورية)، وأن هناك بعداً أخلاقياً موازياً وجوهرياً يتعلق بالرعاية والمسؤولية والارتباط لا تستوعبه مراحله الست بدقة، مما مهّد الطريق لنموذج تكاملي يقبل تعددية الأصوات الأخلاقية للإنسان النامي.
تواترت الدراسات النفسية والتجريبية الحديثة لتؤكد أن النضج الأخلاقي الأرقى لا يعني تفضيل أحد التوجهين وإقصاء الآخر، بل يتطلب امتلاك “كفاءة مزدوجة” تتيح للمرء التنقل المرن بين المنظورين تبعاً لطبيعة المشكلة المطروحة وسياقها الاجتماعي. فالإنسان الناضج سيكولوجياً يستخدم عدسة العدالة عندما يواجه موقفاً مؤسسياً يتطلب حماية الحقوق العامة وتوزيع الموارد بالتساوي بين غرباء، ويتحول بسلاسة إلى عدسة الرعاية عندما يواجه أزمة أسرية أو معاناة إنسانية مشخصة تستوجب الشفقة والاحتواء وترميم الصدع العلائقي.
لقد أسقط علم النفس المعرفي الحديث خرافة “الفصام الأخلاقي”؛ إذ أثبتت الدراسات أن الدماغ البشري يدمج بين شبكات التفكير التحليلي وشبكات الإدراك الاجتماعي والوجداني أثناء معالجة المعضلات المركبة. وهكذا استقر الرأي المعاصر على تبني “نموذج ثنائي الاتجاه” يرى في التفكير الأخلاقي بنية شبكية غنية تتفاعل فيها موازين الإنصاف مع نبضات الرعاية لإنتاج حكم متوازن ورشيد يراعي المبادئ ويحنو على الإنسان في آن معاً.
6. سياقات التطبيق: متى يُرجح توجه الرعاية ومتى يُرجح توجه العدالة؟
6.1 المجالات ذات الأولوية لتوجه العدالة (المؤسسات، القانون، السياسات العامة)
ثمة ميادين ومجالات اجتماعية ومؤسسية يقتضي منطقها البنيوي وإلزامها الوظيفي تقديم توجه العدالة ومنحه الأولوية المعيارية المطلقة، درءاً للفوضى والفساد وضماناً للاستقرار العام. يأتي في صدارة هذه الميادين “الأنظمة القضائية وتطبيق العقوبات الجنائية”؛ ففي قاعة المحكمة، يُعد الحياد التام والمساواة المطلقة أمام القانون شرطين وجوديين للعدالة. لا يجوز للقاضي أن يبني أحكامه على مشاعر التعاطف أو الكراهية تجاه المتهم أو الضحية، ولا يمكن استبدال النصوص الجزائية العامة بمشاعر الشفقة الفردية؛ إذ إن فتح هذا الباب يعني حكماً تقويض مبدأ سيادة القانون وتدمير موثوقية المؤسسة القضائية وشرعيتها في أعين المجتمع.
الميدان الثاني ذو الأولوية الحتمية لتوجه العدالة هو “رسم السياسات العامة وتوزيع الموارد الشحيحة على المستوى الوطني”، مثل إقرار الأنظمة الضريبية، وبناء ميزانيات الدول، وتوزيع مخصصات الرعاية الاجتماعية الكبرى. يتطلب هذا الفضاء التجريد المحايد وراء “حجاب الجهل” الرولزي؛ لضمان عدم استئثار فئات متنفذة أو ذات قرابة من السلطة بالخيرات العامة على حساب الفئات المغمورة. يضمن توجه العدالة هنا المساواة في الفرص، وشفافية المعايير، وتكافؤ الخدمات بين جميع المواطنين بصفتهم حاملين متساوين لصفة المواطنة الدستورية دون تمييز طبقي أو جغرافي أو عرقي.
كما يبرز توجه العدالة كمرجعية حاسمة لا غنى عنها في “فض النزاعات الدولية وصياغة مواثيق حقوق الإنسان الكونية”. في هذا السياق العابر للثقافات، تشكل لغة الحقوق المجردة والمواثيق الدولية المكتوبة الحصن الأخير لمنع التغول الإمبريالي ومحاصرة الأنظمة الاستبدادية. إن الاحتكام إلى مبادئ العدالة الكونية غير القابلة للتصرف يوفر أرضية مشتركة للتفاوض ومحاسبة مجرمي الحرب، حامياً الأقليات والشعوب المستضعفة من التعرض للإبادة والتهميش تحت ذرائع الخصوصيات الثقافية أو الولاءات الفئوية الضيقة.
6.2 المجالات ذات الأولوية لتوجه الرعاية (الرعاية الصحية، الأسرة، العمل الاجتماعي)
في مقابل الفضاءات المؤسسية الكبرى، تبرز ميادين حيوية أخرى يكون فيها توجه الرعاية هو الرهان الأول والضرورة القصوى لنجاح الفعل الأخلاقي والإنساني. يقف “القطاع الصحي وسياقات التمريض والرعاية التلطيفية” في مقدمة هذه الفضاءات. عندما يُحتضر مريض مصاب بمرض عضال، أو يعاني شخص من آلام نفسية وجسدية طاحنة، تصبح الحقوق المجردة والقوانين الصماء عاجزة عن تقديم المواساة الحقيقية. هنا يصبح “الاستيعاب العاطفي” وفق نموذج نيل نودينغز، والإنصات العميق للأنين، ولمس اليد الحانية، والحدب على الهشاشة الإنسانية هو جوهر الواجب العلاجي والمهني، وتغدو الرعاية هي الوسيلة الوحيدة لصون الكرامة البشرية في لحظات الضعف المطلق.
الميدان الثاني هو “الفضاء الأسري والتربية والتعليم والتنشئة المبكرة”. لا يمكن للأسرة أن تعيش أو تستمر كـ “شركة مساهمة” محكومة بالعقود الجافة وتبادل الحقوق الصارم؛ فالطفل لا ينمو نمواً نفسياً سليماً إلا إذا غُمر بحب غير مشروط ورعاية عطوفة تستبق احتياجاته وتوفر له الأمان الوجداني. وكذلك الأمر في الغرف الصفية والمؤسسات التعليمية؛ حيث يحتاج المعلم المربي إلى تبني عقلية الرعاية لتفهم التعثر الأكاديمي للطلاب، ومراعاة ظروفهم النفسية والأسرية الخاصة، وتوفير بيئة تعليمية حاضنة ومحفزة تتجاوز مجرد إلقاء المحاضرات وتصحيح الامتحانات بروح محاسبية جافة.
يمتد هذا التفضيل لتوجه الرعاية ليشمل “العمل الاجتماعي، والإرشاد النفسي، والوساطة المجتمعية، والعدالة التصالحية” (Restorative Justice). في النزاعات الأسرية والمحلية، لا تهدف الوساطة الناجحة إلى إصدار حكم إدانة ضد طرف لصالح آخر وفقاً للمواد القانونية، بل تسعى إلى “ترميم الروابط الإنسانية المتصدعة”، وفهم الجروح النفسية الكامنة، وتشجيع الاعتذار والتسامح، وبناء أرضية تفاهم تسمح للأطراف بمواصلة الحياة المشتركة؛ وهو ما يمثل ذروة التطبيق الإجرائي لمنطق أخلاقيات الرعاية.
6.3 استراتيجيات الموازنة والمفاضلة في البيئات المعقدة
تواجه الممارسات المهنية والإدارية المعاصرة حالات معقدة وشديدة التركيب لا يمكن حسمها بالاقتصار على توجه واحد دون الآخر، مما يستدعي صياغة استراتيجيات عملية للموازنة الخلاقة والمفاضلة الرشيدة بين العدالة والرعاية. في بيئات الإدارة والقيادة المؤسسية، تتجلى هذه المعادلة في تطبيق موازين العدالة الصارمة في آليات التوظيف، وسلالم الترقية، وتقييم الأداء السنوي، ومنع المحاباة؛ بالتوازي التام مع استخدام روح الرعاية في تقديم الدعم النفسي للموظفين في أوقات أزماتهم الشخصية، وإبداء المرونة الإنسانية في الإجازات الطارئة، وخلق بيئة عمل تشعر الفرد بقيمته الإنسانية وليس فقط كأداة إنتاجية.
أما في ميدان “الأخلاقيات الحيوية والطبية” (Bioethics)، فتتجسد هذه الموازنة في معالجة إشكالية استقلالية المريض مقابل حمايته ورعايته. يفرض توجه العدالة احترام استقلالية المريض الواعي وحقه المطلق في رفض علاج معين (Autonomy)، بينما يفرض توجه الرعاية على الفريق الطبي واجب الحماية الإنسانية وتخفيف المعاناة (Beneficence). تتطلب الموازنة هنا عدم الاكتفاء بإلقاء المسؤولية القانونية على كاهل المريض وأسرته ببرود عبر توقيع استمارات إخلاء المسؤولية، بل الدخول معهم في حوار دافئ وشرح مستفيض، وتقديم الدعم النفسي المشورة الصادقة لضمان اتخاذ قرار مستنير يحفظ حقه ويصون سلامته في آن واحد.
ولتحقيق هذا التوازن عملياً في الميدان، يمكن للممارسين وصناع القرار الاستعانة بـ “مصفوفة اتخاذ القرار المتكامل”، والتي تشتمل على الخطوات الإجرائية التالية:
- الفحص الحقوقي (عدسة العدالة): ما هي القوانين واللوائح المعمول بها؟ ما هي الحقوق الأصيلة لكل طرف؟ وكيف نضمن المساواة وعدم التمييز وفق مبادئ الشفافية والنزاهة؟
- الفحص العلائقي والإنساني (عدسة الرعاية): مَن هو الطرف الأضعف والأكثر هشاشة في هذه المعضلة؟ ما هي الآلام والمعاناة النفسية والجسدية المحتملة لكل خيار؟ وكيف نمنع تمزق العلاقات والروابط الحيوية بين المعنيين؟
- التوليف الإجرائي والتفاوض: هل يمكن صياغة حل يلتزم بروح القانون والواجب العام، ولكنه يتضمن مرونة استثنائية وإجراءات حانية تستجيب للاحتياجات الفردية الملحة؟
- تقييم المآلات والأثر المستمر: متابعة تداعيات القرار في الواقع المعاش، وضمان عدم تحول تطبيق المبدأ إلى وسيلة لسحق الإنسان، والتدخل المستمر للدعم والمساندة النفسية والاجتماعية.
7. الأسئلة الشائعة حول التفكير الأخلاقي بين الرعاية والعدالة
7.1 هل يرتبط توجه الرعاية بالنساء وتوجه العدالة بالرجال بصورة حتمية؟
تشير الأدبيات العلمية والأبحاث السيكولوجية الرصينة على مدار العقود الأربعة الماضية إلى نفي قاطع لأي حتمية جينية أو بيولوجية تربط توجه الرعاية بالنساء وتوجه العدالة بالرجال. لقد شكلت هذه المسألة محور مراجعات وبحوث تلوية (Meta-analyses) كبرى في علم النفس؛ حيث أجرى لورانس ووكر (Lawrence J. Walker, 1984) مراجعة تحليلية شاملة نُشرت في مجلة “تطور الطفل” (Child Development)، فحص فيها الفروق بين الجنسين في مراحل كولبرج، وخلص إلى أن الفروق الملاحظة كانت غير دالة إحصائياً عبر مرحلتي الطفولة والمراهقة، وأن الفروق الطفيفة التي ظهرت في بعض عينات البالغين كانت ترجع أساساً إلى التفاوت في المستوى التعليمي والمهني بين الرجال والنساء وليس إلى عامل الجنس البيولوجي، وتلاشت كلياً بمجرد ضبط هذه المتغيرات.
تأكدت هذه الخلاصة في المراجعة التحليلية الضخمة التي أجرتها سارة جافي وجانيت هايد (Sara R. Jaffee & Janet Shibley Hyde, 2000) في مجلة “النشرة النفسية” (Psychological Bulletin)، والتي راجعت 113 دراسة تجريبية لاختبار فرضية غيليغان حول الفروق الجندرية. أظهرت النتائج أن حجم الأثر (Effect Size) كان صغيراً جداً؛ حيث بلغ لصالح ميل النساء نحو توجه الرعاية ($d = -0.28$)، بينما بلغ لصالح ميل الرجال نحو توجه العدالة ($d = 0.19$). تعني هذه الأرقام الإحصائية الدقيقة أن التداخل بين الجنسين هائل، وأن الفروق الفردية داخل الجنس الواحد أوسع بكثير من الفروق بين الجنسين، مما يدحض تماماً فكرة الحتمية والتمايز البيولوجي المطلق.
أكدت كارول غيليغان نفسها مراراً وتكراراً في كتاباتها المتأخرة أنها لم تكن تهدف إلى طرح حتمية أنثوية، بل كانت تستمع إلى “صوت مختلف” غاب عن النظريات السائدة. إن التمايز الملاحظ ينبع في واقعه من آليات “التنشئة الاجتماعية والأدوار الجندرية المفروضة ثقافياً”؛ حيث تشجع المجتمعات الإناث تاريخياً على التحلي باللطف والاهتمام بالآخرين وإدارة المشاعر، بينما تدرب الذكور على الحزم والاستقلالية والتنافس الصارم، مما يجعل التوجه الأخلاقي نتاجاً لصيرورة ثقافية واجتماعية مفتوحة للتغيير وإعادة التشكيل لدى كلا الجنسين.
7.2 كيف يمكن لشخص واحد الدمج بين التوجهين في موقف أخلاقي مأزوم؟
يمكن للفرد تحقيق الدمج التكاملي بين التوجهين من خلال تفعيل ما يُعرف في علم النفس الأخلاقي بـ “آلية النظر المزدوج” (Dual-Lens Moral Processing). تبدأ هذه الآلية بتدريب الوعي على فحص الموقف المأزوم عبر طبقتين متتاليتين: تفحص الطبقة الأولى منظومة الحقوق، والواجبات، والالتزامات التعاقدية، والمبادئ الكلية الواجبة الاحترام لمنع الفوضى والظلم العام؛ بينما تفحص الطبقة الثانية التداعيات النفسية والعاطفية المباشرة للقرار، وتستطلع احتياجات الأطراف الأكثر ضعفاً، وتبحث في كيفية تقليل المعاناة وترميم الروابط الإنسانية المتأثرة.
يستدعي هذا الدمج العملي توظيف المفهوم الأرسطي الكلاسيكي “الفرونيسيس” (Phronesis)، أو ما يُترجم بالحكمة العملية والذكاء الأخلاقي العملي. لا تعني الفرونيسيس تطبيق القواعد الصماء بصورة آلية، بل تعني القدرة الذكية والنزيهة على ملاءمة المبدأ العام الكلي مع الواقعة الجزئية الفريدة في سياقها الخاص. يُمكّن هذا الذكاء الفاعل الأخلاقي من البحث عن “حلول وسط مبتكرة وخلاقة”؛ بحيث لا يتنازل عن جوهر العدالة والإنصاف، ولكنه في الوقت نفسه يصيغ الإخراج الإجرائي للحل بأسلوب يتسم بالرعاية، والشفقة، والرحمة، والاستجابة لاحتياجات البشر الحقيقيين المعنيين بالنزاع.
على سبيل المثال، إذا اكتشف مدير مدرسة أن طالباً يتيماً ومعدماً أقدم على سرقة وجبة طعام من مقصف المدرسة، فإن “النظر المزدوج” يمنعه من الاكتفاء بمنطق العدالة الجاف الذي يقتضي طرد الطالب فوراً أو استدعاء الشرطة صوناً للقانون؛ كما يمنعه من الاكتفاء بمنطق الرعاية الساذج الذي يتغاضى عن السرقة تماماً مما يضر بنظام المدرسة وبالطالب نفسه. يدمج المدير التوجهين عبر إشعار الطالب بحرمة السرقة ومسؤوليته عن خرق النظام العام (عدالة)، مصحوباً ببحث أسباب جوعه وضمه فوراً لبرنامج وجبات مجاني وتوفير رعاية اجتماعية ونفسية متكاملة له ولأسرته (رعاية)، محققاً بذلك التوليف الأخلاقي الأسمى.
7.3 ما هو التوجه الأكثر ملاءمة لمعالجة قضايا الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا الحديثة؟
تفرض الثورة التكنولوجية المعاصرة وتصاعد تطبيقات الذكاء الاصطناعي تحديات أخلاقية غير مسبوقة تستلزم بالضرورة إطاراً هجيناً يستنفر توجهي العدالة والرعاية معاً، ولا يمكن لأحدهما منفرداً معالجة هذا المشهد التقني شديد التعقيد. تتجلى الحاجة الماسة لتوجه العدالة في الميادين التأسيسية لحوكمة التكنولوجيا؛ مثل صياغة المواثيق الدولية الملزمة لأخلاقيات الذكاء الاصطناعي، ومكافحة التحيزات الخوارزمية (Algorithmic Bias) التي تعيد إنتاج التمييز العنصري والجندري في برمجيات التوظيف والعدالة الجنائية، وضمان حماية خصوصية البيانات الفردية كحق إنساني أصيل، وتأمين الشفافية والمساءلة القانونية للشركات التكنولوجية العملاقة العابرة للقارات.
في المقابل، يبرز توجه الرعاية كضرورة قصوى وملحة في مجالات التفاعل الإنساني-الآلي وتصميم التكنولوجيا الحيوية والاجتماعية. مع تصاعد استخدام روبوتات الرعاية (Carebots) الموجهة لمرافقة كبار السن والأطفال وذوي الاحتياجات الخاصة، يثور السؤال الأخلاقي الجوهري حول قدرة هذه الآلات على توفير رعاية حقيقية: هل يمكن للروبوت أن “يستوعب عاطفياً” متلقي الرعاية وفق مفاهيم نيل نودينغز، أم أن الأمر مجرد محاكاة زائفة تشيئ المشاعر الإنسانية وتزيد من عزلة الضعفاء؟ يقدم توجه الرعاية بوصلة نقدية تحذر من تفريغ العلاقات الإنسانية من مضامينها الوجدانية، وتطالب بتصميم تقنيات تعزز الترابط البشري بدلاً من أن تكون بديلاً اصطناعياً بائساً عنه.
لذلك، يتجه خبراء الفلسفة التطبيقية والأخلاقيات التقنية المعاصرون إلى الدعوة لدمج “العدالة الخوارزمية” مع “أخلاقيات الرعاية الرقمية”؛ لضمان أن تكون الأنظمة الذكية ليس فقط عادلة إحصائياً ومنصفة قانونياً وخالية من التحيز التمييزي، بل أيضاً رحيمة، ومراعية للضعف والهشاشة الإنسانية، وخادمة لجودة الحياة النفسية والاجتماعية للبشر، ومانعة لتحويل المجتمع إلى آلة استهلاكية باردة ومستلبة.
8. خاتمة: نحو رؤية أخلاقية تركيبية متوازنة
8.1 استخلاص نتائج المقارنة وتجاوز الثنائيات الإقصائية
يقودنا هذا التحليل المفاهيمي والتاريخي الموسع لتوجهي الرعاية والعدالة إلى خلاصة جوهرية لا لبس فيها: إن الرعاية والعدالة ليسا خصمين فكريين متناحرين، ولا يمثلان خيارين وجوديين متعارضين يقتضي اعتناق أحدهما تدمير الآخر ونفيه، بل هما في حقيقة الأمر “جناحان متلازمان ومتكاملان لأي بناء أخلاقي إنساني سوي ومتوازن”. إن المحاولات الأيديولوجية والتاريخية التي سعت إلى إعلاء شأن أحدهما على حساب الآخر لم تسفر إلا عن تشويه التجربة الأخلاقية؛ فتجريد العدالة من عواطف الرعاية والتعاطف ينحدر بها حتماً إلى صرامة قانونية عمياء وقسوة بيروقراطية باردة تضحي بالإنسان الحي على مذبح النصوص الصماء، بينما تجريد الرعاية من ضوابط الإنصاف وموازين العدالة يحيلها إلى محاباة فئوية فوضوية وعجز بنيوي عن مواجهة الظلم المؤسسي واسع النطاق.
يتطلب الارتقاء المعرفي المعاصر إسقاط الثنائيات الإقصائية الموروثة (العقل مقابل العاطفة، الحقوق مقابل المسؤوليات، الفرد مقابل المجتمع، المذكر مقابل المؤنث)؛ فالإنسان في حقيقة وجوده كائن ذو أبعاد مركبة يجمع بين الاستقلال الذاتي كفاعل عقلاني حر، وبين الانغماس العلائقي ككائن هش يحتاج إلى الآخرين ويستجيب لنداءاتهم. إن إعادة الاعتبار للتجربة الإنسانية المعيشة بكافة تناقضاتها وأشواقها تمثل المصدر الأصيل والمنبع الحقيقي لأي تشريع معياري وحكم أخلاقي رشيد، يبتغي صيانة كرامة البشر دون استلاب أو إجحاف.
8.2 آفاق التفكير الأخلاقي المستقبلي في عالم متغير
في ظل ما يشهده العالم المعاصر من تحولات عاصفة وأزمات غير مسبوقة—تتمثل في أزمة التغير المناخي والدمار البيئي الكوكبي، وتفاقم اللامساواة الاقتصادية العالمية، والانتشار الكاسح للرقمنة والذكاء الاصطناعي—تتأكد الحاجة المصيرية إلى “فلسفة تطبيقية هجينة وتركيبية” تستلهم حكمة الرعاية ورصانة العدالة معاً لمواجهة هذه المخاطر الوجودية. إن معالجة الاحتباس الحراري، على سبيل المثال، تستدعي “عدالة مناخية” تلزم الدول الصناعية الكبرى بمسؤولياتها القانونية والتاريخية في خفض الانبعاثات والتعويض المالي، مقترنة في الوقت نفسه بـ “رعاية كوكبية شاملة” تدرك الترابط العضوي العميق بين الإنسان والطبيعة وحقوق الأجيال القادمة والأنظمة البيئية الحية في الحماية والبقاء.
يضع هذا الأفق المستقبلي مسؤولية جسيمة على عاتق المؤسسات التربوية والتعليمية حول العالم؛ إذ تبرز الحاجة الملحة إلى مراجعة وتحديث مناهج التربية الأخلاقية للأجيال الصاعدة. يجب ألا تقتصر هذه المناهج على تعليم التفكير النقدي، والتحليل المنطقي الصارم، ومعرفة القوانين والحقوق الدستورية (أدوات توجه العدالة)، بل يجب أن تتسع لتشمل تدريب الأطفال والشباب على الذكاء الوجداني، والإصغاء النشط، والتعاطف مع عذابات الغرباء، والقدرة على ترميم العلاقات وتقديم الرعاية للمحيط الاجتماعي والبيئي (أدوات توجه الرعاية).
إن بناء إنسانية الغد يتوقف بصورة حاسمة على قدرتنا الجمعية على التحرر من الأحاديات المعرفية المتصلبة، والتأسيس لمسار أخلاقي تركيبي تنصهر فيه صرامة المبدأ مع دفء القلب وحنان المشاعر؛ فلا عدالة كاملة بغير رعاية تحتضن المحرومين، ولا رعاية مستدامة بغير عدالة تحمي الكافة بالتساوي وتصون الكرامة المتأصلة للإنسان.
المراجع
- Colby, A., & Kohlberg, L. (1987). The measurement of moral judgment: Vol. 1 & 2. Theoretical foundations and research validation / Standard issue scoring manual. Cambridge University Press.
- Gilligan, C. (1977). In a different voice: Women’s conceptions of self and of morality. Harvard Educational Review, 47(4), 481–517. https://doi.org/10.17763/haer.47.4.g6167429816hn575
- Gilligan, C. (1982). In a different voice: Psychological theory and women’s development. Harvard University Press.
- Jaffee, S., & Hyde, J. S. (2000). Gender differences in moral orientation: A meta-analysis. Psychological Bulletin, 126(5), 703–726. https://doi.org/10.1037/0033-2909.126.5.703
- Kant, I. (1785). Grundlegung zur Metaphysik der Sitten [Groundwork of the metaphysics of morals]. Johann Friedrich Hartknoch.
- Kohlberg, L. (1958). The development of modes of thinking and choices in years 10 to 16 (Doctoral dissertation). University of Chicago.
- Kohlberg, L. (1969). Stage and sequence: The cognitive-developmental approach to socialization. In D. A. Goslin (Ed.), Handbook of socialization theory and research (pp. 347–480). Rand McNally.
- Kohlberg, L. (1981). The philosophy of moral development: Moral stages and the idea of justice (Essays on moral development, Vol. 1). Harper & Row.
- Kohlberg, L. (1984). The psychology of moral development: The nature and validity of moral stages (Essays on moral development, Vol. 2). Harper & Row.
- Lyons, N. P. (1983). Two perspectives: On self, relationships, and morality. Harvard Educational Review, 53(2), 125–145. https://doi.org/10.17763/haer.53.2.h08d5m3030n04w40
- Noddings, N. (1984). Caring: A feminine approach to ethics and moral education. University of California Press.
- Rawls, J. (1971). A theory of justice. Harvard University Press.
- Rest, J. R. (1979). Development in judging moral issues. University of Minnesota Press.
- Skoe, E. E., & Marcia, J. E. (1991). A measure of care-based moral development: The Ethic of Care Interview. Journal of Personality and Social Psychology, 61(2), 289–304. https://doi.org/10.1037/0022-3514.61.2.289
- Walker, L. J. (1984). Sex differences in the development of moral reasoning: A critical review. Child Development, 55(3), 677–691. https://doi.org/10.2307/1130121