فلسفة العلوم, فلسفة المعرفة

الواقعية الساذجة مقابل الواقعية النقدية


تمت المراجعة العلمية · د. مروة عبد العظيم · 8 نوفمبر، 2026
مراجعة وتدقيق علمي معتمد تاريخ التدقيق: 8 نوفمبر، 2026
د. مروة عبد العظيم دكتوراه في علم النفس
عضو هيئة التدريس • جامعة كربلاء
معايير التدقيق والاعتماد السريري

يخضع هذا المحتوى لمعايير ضبط الجودة والتدقيق العلمي والأكاديمي الصارمة في شبكة علم النفس العربي، لضمان صحة المعلومات ودقتها السريرية ومطابقتها لأحدث الأدلة والبراهين الصادرة عن الجمعيات النفسية والطبية المعتمدة (APA / WHO).

تُمثّل مسألة إدراك الواقع وطبيعة الوجود الخارجي إحدى أقدم الإشكاليات الفلسفية وأكثرها تعقيداً في تاريخ الفكر الإنساني؛ إذ تتقاطع عندها مباحث نظرية المعرفة (الإبستمولوجيا) مع مباحث علم الوجود (الأنطولوجيا). فعلى مدار قرون مديدة، تساءل الفلاسفة وعلماء الطبيعة والاجتماع: هل العالم الخارجي ينكشف لوعينا الإنساني بصورة مباشرة وشفافة كما هو في ذاته، أم أن إدراكنا له محكوم بوسائط حسية ومفاهيمية وبنى سوسيولوجية تجعل من المعرفة عملية بناء وتأويل لا مجرد مرآة عاكسة؟ في خضم هذا السجال، يبرز تمايز جوهري وحاسم بين اتجاهين فلسفيين ومعرفيين رئيسيين يلقيان بظلالهما على سائر العلوم الطبيعية والإنسانية: «الواقعية الساذجة» (Naive Realism) و«الواقعية النقدية» (Critical Realism).

تتأسس «الواقعية الساذجة»، في صيغتها الفلسفية الكلاسيكية والسايكولوجية المعاصرة، على فرضية بدهية تفترض التطابق التام والفوري بين ما تلتقطه حواسنا وبين ما هو قائم بالفعل في العالم الخارجي؛ حيث يُنظر إلى الإدراك الحسي بوصفه نافذة مفتوحة على الواقع الخام دون وساطة مشوِّهة أو تدخّل بنائي من الذات العارفة. في المقابل، تنهض «الواقعية النقدية» كمشروع إبستمولوجي وأنطولوجي تركيبي بالغ الرصانة، أسسه بصورته المعاصرة الفيلسوف البريطاني روي بهاسكار، ليؤكد أن العالم الخارجي موجود بالفعل ومستقل عن وعينا (الواقعية الأنطولوجية)، بيد أن وصولنا إليه محكوم حتماً بنسبية معرفية، وأطر تاريخية، ومفاهيم لغوية واجتماعية قابلة للخطأ، مما يستدعي التمييز الحاسم بين مستويات الواقع وما يظهر منه للخبرة الإنسانية المباشرة.

إن الانتقال من الموقف الساذج إلى الموقف النقدي ليس مجرد ترف فلسفي أو تلاعب اصطلاحي، بل هو تحول نموذجي يمس جوهر الممارسة العلمية والاجتماعية والسياسية؛ إذ يحدد كيفية صياغة النظريات، وتفسير البيانات، ومساءلة المؤسسات، وإدراك التحيزات المعرفية. تهدف هذه الدراسة المعمقة إلى تفكيك هذين التيارين تفكيكاً تأصيلياً، متتبعة جذورهما الفلسفية، وبنيتهما الإبستمولوجية والأنطولوجية، وآليات اشتغالهما في الواقع المعاش والبحث العلمي، مع تقديم مقارنة نسقية شاملة تكشف عن مآزق الواقعية المباشرة وآفاق البديل النقدي في عصر التعقيد والبيانات الضخمة.

1. مدخل تأصيلي: التمييز المعرفي بين الواقعية الساذجة والواقعية النقدية

1.1 تحرير المفاهيم وسياق المقارنة الفلسفية

يقتضي التأسيس المنهجي لأي مقارنة فلسفية رصينة تفكيك المصطلحات المركزية وتحرير دلالاتها اللغوية والاصطلاحية لتجنب الوقوع في المغالطات الدلالية. تُعرف «الواقعية الساذجة» (Naive Realism)، والتي تُدرج في الأدبيات الإبستمولوجية أيضاً تحت مسمى «الواقعية المباشرة» (Direct Realism) أو واقعية الفطرة السليمة، بأنها الأطروحة المعرفية القائلة بأن الأشياء المادية في العالم الخارجي تحمل ذات الخصائص والكيفيات التي ندركها بها حسياً، دون أي فجوة أنطولوجية أو إبستمولوجية تفصل بين الشيء في عينه وظهوره للوعي. يفترض هذا المذهب أن عملية الإدراك الحسي ليست سوى تسجيل سلبي ومباشر للحقائق الفيزيائية، وأن عيوننا وآذاننا وسائر حواسنا تعمل كأجهزة رصد حيادية تنقل لنا كينونة الشيء كما هي في الواقع الموضوعي تماماً.

على الجانب الآخر، تُعرَّف «الواقعية النقدية» (Critical Realism) بوصفها فلسفة علم وموقفاً ما وراء نظري (Meta-theory) ينطلق من التأكيد على وجود عالم موضوعي مستقل استقلالاً تاماً عن المعرفة الإنسانية وعن لغة الفاعلين وإدراكاتهم (الواقعية الأنطولوجية)، ولكنه في الوقت ذاته يشدد بحزم على أن كل معرفة بهذا الواقع هي معرفة وسيطية، مشروطة تاريخياً واجتماعياً، ومصوغة بأطر مفاهيمية، وبالتالي فهي غير معصومة وقابلة دوماً للخطأ والمراجعة (النسبية الإبستمولوجية). لا تنظر الواقعية النقدية إلى العالم كلوحة مسطحة من المعطيات الحسية، بل كبنية طبقية متعددة المستويات، تتجاوز الظواهر السطحية لتغوص في كشف الآليات التوليدية (Generative Mechanisms) والقوى والنزعات السببية الكامنة التي تنتج الأحداث الواقعية.

تعود الجذور التاريخية لهذا الانقسام الفلسفي إلى اللحظات الأولى التي تساءل فيها العقل البشري عن مدى مطابقة الفكر للوجود. فبينما كان التفكير الفطري القديم يتبنى تلقائياً الفرضية الساذجة التي ترى في العالم الخارجي نسخة مطابقة تماماً للمنظور الحسي، بدأت الفلسفة اليونانية مع الشكاك والمذهب الذري (ديموقريطس) في لفت الانتباه إلى أن بعض الكيفيات الحسية كالألوان والروائح والطعوم قد لا تكون سمات أصيلة في المادة ذاتها، بل نتائج لتفاعل الذرات مع أعضاء الحس. وتعمق هذا الشرخ في الفلسفة الحديثة مع جون لوك وتمييزه بين الصفات الأولية والثانوية، ثم تفجر بصورة جذرية مع إيمانويل كانط في نقده للعقل الخالص، حيث قرر استحالة معرفة “الشيء في ذاته” (النومينا) واقتصار العقل على “الظواهر” (الفينومينا) المؤطرة بمقولات الفهم القبلي والزمان والمكان، وصولاً إلى المشروع التأسيسي المعاصر لروي بهاسكار الذي أعاد الاعتبار للأنطولوجيا دون التورط في التفاؤل الإبستمولوجي السطحي للواقعية الساذجة.

1.2 أسباب الخلط الإبستمولوجي والضرورة المنهجية للفرز

ينشأ الخلط المعرفي الشائع بين الواقعية الساذجة والواقعية النقدية ابتداءً من الاشتراك اللفظي في مفردة «الواقعية» (Realism). فكلا التيارين ينتسبان صراحة إلى معسكر مناهضة المثالية الراديكالية ومناهضة البنائية التفكيكية، وكلاهما ينطلق من الافتراض المبدئي بأن هناك عالماً مادياً واجتماعياً حقيقياً يوجد خارج حدود الجمجمة وخارج حدود الوعي الذاتي، وأنه لا يتلاشى بمجرد إغماض العينين أو توقف الذات عن التفكير فيه. هذا المشترك الأنطولوجي العام يجعل غير المتخصصين يظنون أن أي موقف واقعي هو بالضرورة تبرير للمدركات الحسية المباشرة، مما يؤدي إلى سحب سمات الفطرة الساذجة على التحليلات النقدية العميقة.

يرجع السبب الثاني للخلط إلى التداخل المعقد بين «الحس المشترك» (Common Sense) بوصفه آلية بيولوجية ونفسية لا غنى عنها لإدارة الحياة اليومية والبقاء، وبين الموقف المعرفي الفلسفي المركب الذي يتعامل مع النظريات وتأسيس المعرفة العلمية. إن الإنسان العادي مبرمج تطورياً على التصرف وفق مبادئ الواقعية الساذجة؛ فعندما يرى صخرة في طريقه فإنه يتفاداها مباشرة باعتبارها جسماً صلباً وثابتاً ومعتماً تماماً كما تدركه عيناه، دون الحاجة للتفكير في بنيتها الذرية المكونة من فراغ شاسع ومجالات طاقة كهرومغناطيسية. إلا أن الكارثة الإبستمولوجية تقع حينما يُرحَّل هذا المنطق البسيط من حقل تدبير المعاش التلقائي إلى حقل العلوم الطبيعية والاجتماعية، فيُفترض أن البنى الاقتصادية، أو الطبقية، أو الأمراض النفسية، أو التفاعلات الكيميائية يمكن فهمها وتفسيرها بالاقتصار على ما هو ظاهر ومباشر ومتاح للملاحظة العينية السطحية.

من هنا تنبع الضرورة المنهجية الصارمة لفرز هذين الموقفين وتمييز حدودهما؛ فالخلط بينهما يعطل تطور النظريات العلمية ويقود العلوم الإنسانية إما إلى الوقوع في فخ الوضعية التجريبية السطحية (Empirical Positivism) التي تختزل العالم في مجرد ارتباطات إحصائية وملاحظات مرئية، أو الارتداد إلى الشكوكية المطلقة والعدمية ما بعد الحداثية التي ترى أن الواقع كله مجرد نصوص وسرديات لغوية اعتباطية. إن التمايز المنهجي بين الواقعيتين يمنح الباحثين في العلوم الطبيعية والاجتماعية بوصلة معرفية تمكنهم من التمسك بصلابة الواقع الخارجي وإمكانية إنتاج معرفة موضوعية عنه، مع التحرر التام من سذاجة التطابق الحسي المباشر، وامتلاك أدوات التحليل التي تنفذ إلى ما وراء السطح الظاهراتي لتفسير آليات التحكم والإنتاج الخفية.

2. الواقعية الساذجة: الأسس المعرفية والأنطولوجية للإدراك المباشر

2.1 المنطلقات الفلسفية والتطور التاريخي للواقعية المباشرة

تجد الواقعية الساذجة، في نسختها الفلسفية الأكثر تماسكاً وتأصيلاً، جذورها البعيدة في شروح أرسطو حول الطبيعة والإدراك، حيث قرر الفيلسوف الإغريقي أن الحواس تتلقى صورة الشيء المادي دون مادته، تماماً كما يتلقى الشمع طبعة الخاتم الفضي دون أن يأخذ من الفضة شيئاً. ومع ذلك، فإن هذه الصيغة لم تتخذ ملامح المذهب الدفاعي المنظم إلا في القرن الثامن عشر الميلادي كرد فعل عنيف على الشكوكية التجريبية لـ ديفيد هيوم والمثالية الذاتية للأسقف جورج باركلي؛ حيث أسس الفيلسوف الإسكتلندي توماس ريد (Thomas Reid) ما عُرف بـ «مدرسة الفطرة السليمة» أو مدرسة الحس المشترك الإسكتلندية (Scottish Common Sense Realism). انطلق ريد من فكرة محورية مؤداها أن التشكيك في صدق الحواس المباشر ليس سوى مغالطة فلسفية مصطنعة تخالف البنية الفطرية التي فطر الله عليها العقل البشري، مؤكداً أننا ندرك الأشياء الخارجية بذاتها مباشرة، وليس عبر وسائط صورية أو أفكار ذهنية كما ذهب الفلاسفة التمثيليون كديكارت ولوك.

تتمحور الأطروحة الجوهرية للواقعية المباشرة حول مبدأ الصدق الوجودي التلقائي للإدراك؛ فالأشياء توجد في الواقع الموضوعي بكافة تفاصيلها وكيفياتها تماماً كما تتبدى لحواسنا السليمة في ظروف الرؤية الطبيعية. فالشجرة خضراء لأن خاصية الخضرة متأصلة في أوراقها المستقلة عني، والماء بارد لأن البرودة صفة أنطولوجية تسكن جزيئاته، والوردة عذبة الرائحة بذاتها. يرفض هذا الاتجاه، في صيغته الراديكالية، القسمة الثنائية الشهيرة التي كرسها الفكر الفلسفي الحديث بين “الصفات الأولية” (Primary Qualities) كالامتداد والشكل والكتلة والحركة، وبين “الصفات الثانوية” (Secondary Qualities) كالألوان والطعوم والروائح والأصوات؛ بل يعتبر أن الصفتين معاً تشكلان جوهر الأعيان الخارجية وليستا مجرد انفعالات ذاتية أو تفاعلات كهروكيميائية تحدث في دماغ الكائن الحي المدرك.

استمر هذا الخط الفلسفي حياً حتى بدايات القرن العشرين، وتجلى بوضوح في كتابات الفيلسوف الإنجليزي جورج إدوارد مور (G. E. Moore)، ولا سيما في دفاعه الشهير المعنون بـ «إثبات العالم الخارجي»، حين رفع يده اليمنى قائلاً: “ها هي ذي يد أولى”، ثم رفع يده اليسرى قائلاً: “وها هي ذي يد ثانية”، معتبراً أن هذا الفعل الحسي المباشر كافٍ منطقياً ويقينياً لدحض كل تشكيك مثالي في وجود المادة واستقلاليتها وتطابقها مع مظهرها الإدراكي. إن العالم، بحسب هذا الرواق، كتاب مفتوح ومضيء، وحروفه واضحة بذاتها، لا يتطلب فك شفراته سوى توجيه الحواس السليمة نحوه.

2.2 آلية الإدراك الحسي ونظرية الانعكاس الخالص

تعتمد الواقعية الساذجة في بناء نسقها التفسيري على نموذج ميكانيكي مبسط للإدراك يُعرف فلسفياً وسيكولوجياً بـ «نظرية الانعكاس الخالص» أو نموذج الكاميرا السلبية (The Camera Analogy). في هذا النموذج، يُختزل الجهاز الإدراكي للإنسان في كونه لوحاً حساساً أو مرآة مصقولة تعكس فوتونات الضوء وموجات الصوت الصادرة عن الأعيان الخارجية دون ممارسة أي دور انتقائي، تركيبي، أو بنائي. تفترض هذه الآلية أن عملية الإبصار لا تتضمن إعمالاً للتأويل، بل هي انسياب سلس ومستمر لخصائص العالم الخارجي نحو داخل الوعي؛ ومن ثم تنعدم أي واسطة إبستمولوجية (Epistemic Intermediary) مثل البيانات الحسية (Sense Data) أو المفاهيم القبلية أو القوالب اللغوية التي قد تحرف الصورة الأصلية أو تعدلها.

يترتب على نموذج الانعكاس الخالص حتمية التطابق الأنطولوجي الصارم بين الصورة الذهنية المنطبعة في العقل وبين الحالة الواقعية للشيء في العالم الفيزيائي. فالإدراك الفوري يُنظر إليه بوصفه عملية اكتفاء ذاتي تمنح الذات يقيناً حدسياً لا يرقى إليه الشك، حيث لا توجد مسافة فاصلة بين “أن يظهر الشيء بكيفية ما” و”أن يكون الشيء على تلك الكيفية في حقيقته”. ولذلك ترفض الواقعية الساذجة بصورة قاطعة كل أشكال الشك الديكارتي المنهجي، وتعد التساؤل حول مدى دقة الحواس نوعاً من المماحكة الكلامية العقيمة، استناداً إلى أن البقاء البيولوجي الناجح للإنسان وتكيفه المستمر مع بيئته يقدمان برهاناً ساطعاً على كفاية وموثوقية هذا الإدراك التلقائي دون الحاجة لأي وسائط تفسيرية أو فلسفات نقدية معقدة.

ومن منظور علم النفس الاجتماعي الحديث، قاد الباحثون لي روس وأندرو وارد (Lee Ross & Andrew Ward, 1996) ثورة مفاهيمية كشفت عن الأبعاد السيكولوجية العميقة للواقعية الساذجة في حياة الأفراد وتفاعلاتهم. أوضح روس ووارد أن الواقعية الساذجة ليست مجرد نظرية فلسفية في الإدراك البصري، بل هي انحياز معرفي متجذر ومركزي يقوم على ثلاثة أركان رئيسية:

  • افتراض الواقعية الموضوعية (Assumption of Objective Realism): اعتقاد الفرد الجازم بأنه يرى الأحداث، والموضوعات، والقضايا الاجتماعية والسياسية بموضوعية وتجرد تام، كما هي في الواقع الخارجي دون أي تحريف ناتج عن تحيزات ذاتية أو أيديولوجية.
  • افتراض تشارك الإدراك (Assumption of Shared Perceptions): التوقع البديهي بأن سائر الأفراد العقلانيين والمحايدين سينتهون حتماً إلى نفس النتائج والقناعات والمواقف إذا أتيحت لهم نفس البيانات والمعلومات الأولية.
  • عزو التحيز والقصور للمخالفين (Attribution of Asymmetric Bias): حينما يصطدم الواقعي الساذج بشخص يخالفه الرأي، فإنه لا يُرجع هذا الخلاف إلى تعدد زوايا الرؤية، بل يسارع إلى عزو الخلاف لأحد ثلاثة عيوب في الطرف الآخر:
    • عجز معلوماتي (Informational deficiency): جهل المخالف بالحقائق الكافية وغيابه عن المشهد الحقيقي.
    • عجز معرفي أو عقلي (Cognitive deficiency): كسل ذهني، أو نقص في الذكاء، أو عدم قدرة على التفكير المنطقي.
    • تحيز مصلحي أو أيديولوجي (Motivational/Ideological bias): خضوع المخالف لمصالح نفعية أنانية، أو تعصب ديني وعرقي وأيديولوجي يمنعه من رؤية الحقيقة الواضحة كالشمس.

يتغذى هذا السلوك السيكولوجي، وفق أبحاث إميلي برونين وفريقها (Pronin et al., 2004)، على ما يسمى بـ «وهم الاستبطان» (Introspection Illusion)؛ فالإنسان حين يتأمل أفكاره الخاصة، لا يجد أثراً للتحيزات أو التشويهات لأنها تعمل في العقل الباطن وفي العمليات العصبية العميقة التي لا يستطيع الوعي رصدها ذاتياً، فيتوهم أن آراءه جاءت نتاج نظر عقلي صرف، بينما يسهل عليه رصد الانحياز في سلوكيات الآخرين، مما يرسخ وهم الرؤية العارية المباشرة للعالم.

2.3 المآزق المعرفية والتحديات العلمية للواقعية الساذجة

واجهت الواقعية الساذجة منذ أقدم العصور مآزق معرفية خانقة هزت أركان يقينها الدوغمائي، وتأتي في مقدمتها الحجة الفلسفية الشهيرة المسماة «حجة الوهم» (Argument from Illusion) وحجة الهلوسة. فالواقع يشهد مراراً وتكراراً أن حواسنا قد تخدعنا في ظروف تجريبية معلومة؛ فالقلم المغمور جزئياً في كوب ماء يبدو للعين المجردة منكسراً انكساراً قاطعاً، ومع ذلك فإننا نعلم على وجه الجزم الفيزيائي واللمسي أن القلم مستقيم تماماً. والسراب الصحراوي يبدو للمسافر كأنه مسطح مائي يتلألأ، وسكك القطار المتوازية تبدو وكأنها تلتقي عند نقطة التلاشي في الأفق البعيد، وتغير لون الجدران باختلاف الإضاءة المسلطة عليها يثبت أن المظهر الخارجي ليس خاصية ثابتة ومطلقة للأعيان ذاتها. والسؤال الإبستمولوجي الذي يعجز الواقعي الساذج عن حله هو: إذا كانت الصورة الذهنية مطابقة للواقع الخارجي دائماً وبصورة مباشرة، فكيف يمكن لشيء واحد أن يكون مستقيماً ومنكسراً في اللحظة عينها؟ إن التسليم بوجود إدراكات وهمية يقتضي بالضرورة الاعتراف بأن ما ندركه مباشرة ليس دائماً هو الواقع العيني بذاته، بل صورة بنائية ذهنية قابلة للتشويه.

أما التحدي الأعظم للواقعية الساذجة فقد أتى من ميدان العلوم الطبيعية المتقدمة، وتحديداً الفيزياء الحديثة بمفرعيها: النسبية وميكانيكا الكم. لقد كشفت الفيزياء الحديثة أن العالم المادي في مستواه الجوهري والذري لا يشبه إطلاقاً العالم المألوف الذي نتحسسه بأيدينا؛ فالطاولة الخشبية الصلبة التي تبدو في الموقف الساذج جسماً مصمتاً ساكناً، ليست في حقيقتها الميكروسكوبية سوى ذرات تسبح في فراغ هائل وتتألف من جسيمات دون ذرية لا تمتلك موقعاً ثابتاً ولا لوناً ولا صلابة بالمعنى الكلاسيكي، بل هي دوال موجية وحالات احتمالية ومجالات طاقة كمومية. إن الضوء ليس لونا أبيض أو أحمر كامناً في الأجسام، بل موجات كهرومغناطيسية ذات ترددات معينة تترجمها شبكية العين والدماغ إلى تجربة إدراكية متميزة. وبالتالي، فإن القول بأن الطبيعة مطابقة لما نراه بحواسنا المجردة بات جهلاً علمياً صارخاً يتجاهل المكتشفات الراسخة للمجاهر الإلكترونية ومسرعات الجسيمات.

علاوة على ذلك، سقطت الواقعية الساذجة في خطيئة التجاهل التام للأبعاد الاجتماعية والأنثروبولوجية واللغوية التي تسهم في صياغة وتشكيل الوعي البشري. فقد أثبتت الدراسات المعرفية المعاصرة أن اللغة ليست مجرد ملصقات حيادية تُوضع على أشياء معطاة سلفاً في الطبيعة، بل هي نظام رمزي ومفاهيمي معقد يحدد كيفية تصنيفنا للظواهر وإدراكنا لها. فالأفراد لا يدركون العالم بعيون بيولوجية مجردة فحسب، بل من خلال نظارات ثقافية وأيديولوجية محملة بالقيم والمسبقات التاريخية؛ وتجاهل هذه الحقيقة جعل الواقعية الساذجة تتحول في سياقات كثيرة إلى أداة لترسيخ الهيمنة الأيديولوجية؛ حيث يُقدَّم النظام الاجتماعي أو الاقتصادي القائم باعتباره “نظاماً طبيعياً بديهياً” يستحيل تغييره أو نقده، بناءً على المبدأ الساذج القائل: “الأمور كما تبدو عليه، ولا شيء آخر وراء السطح”.

3. الواقعية النقدية: البنية المعرفية والطبقات الأنطولوجية للواقع

3.1 النشأة الفلسفية وتطور أطروحة روي بهاسكار

نشأت الواقعية النقدية المعاصرة بوصفها تمرداً فلسفياً جذرياً على الثنائية العقيمة التي كبّلت الفلسفة الغربية لعقود مديدة، والتي حصرت التفكير بين قطبين متطرفين: قطب «الوضعية التجريبية» (Empirical Positivism) المنحدرة من ديفيد هيوم ومدرسة فيينا، والتي اختزلت العلم في البحث عن الاقترانات الثابتة والتكرارات المنتظمة بين الظواهر القابلة للملاحظة السطحية؛ وقطب «النسبوية ما بعد الحداثية» و«البنائية الاجتماعية الراديكالية» التي ردت كل ادعاءات الحقيقة إلى مجرد ألعاب لغوية، وخطابات سلطوية وسياقات ثقافية اعتباطية، نافية وجود أي واقع موضوعي يمكن التأسيس عليه.

في هذا السياق التاريخي المشحون بالانسداد المعرفي، انبثق المشروع الفلسفي الرائد للمفكر البريطاني روي بهاسكار (Roy Bhaskar) عبر كتابيه المؤسسين: «نظرية واقعية في العلم» (A Realist Theory of Science, 1975)، و«إمكانية النزعة الطبيعية» (The Possibility of Naturalism, 1979). انطلق بهاسكار من تمهيد فلسفي استوعب فيه مكتسبات الفلسفة الكانطية ولكنه انقلب عليها؛ فبينما كان كانط يقسم الوجود إلى ظواهر يمكن معرفتها عبر مقولات العقل الذاتية، وأشياء في ذاتها يستحيل النفاذ إليها، اعتبر بهاسكار أن هذا التراجع اللاأدري الكانطي يمثل تنازلاً غير مبرر عن جوهر المهمة العلمية؛ إذ يمكن للنظرية العلمية أن تنفذ إلى كينونة العالم المستقل وتتعرف على بنيته وخصائصه الحقيقية دون أن تقع في مصيدة السذاجة التطابقية.

أسس بهاسكار ما أسماه في البداية بـ «الواقعية التجاوزية» (Transcendental Realism) في فلسفة العلوم الطبيعية، والتي تحولت لاحقاً بالتعاون مع فلاسفة واجتماعيين بارزين مثل مارغريت آرتشر (Margaret Archer)، وروم هاري (Rom Harré)، وأندرو ساير (Andrew Sayer) إلى ما يُعرف اليوم بـ «الواقعية النقدية». ويقوم هذا النسق على ثالوث متماسك ومحكم يُعرف في الأدبيات الفلسفية بـ «الثالوث الواقعي المقدس» (The Realist Holy Trinity):

  1. الواقعية الأنطولوجية (Ontological Realism): العالم موجود بصورة موضوعية، ويمتلك قوى وبنى سببية تعمل بمعزل تام عن إدراك البشر لها أو تسميتهم إياها. وهذا هو «المجال غير متعدي المعرفة» (The Intransitive Domain).
  2. النسبية الإبستمولوجية (Epistemic Relativism): كل المعارف البشرية والنظريات العلمية هي منتجات اجتماعية وتاريخية تتوسطها المفاهيم واللغة، وبالتالي فهي نسبية، ناقصة، وقابلة للخطأ المستمر (The Transitive Domain).
  3. العقلانية التداولية / الترجيحية (Judgmental Rationality): رغم نسبية المعرفة وقابليتها للخطأ، فإننا لسنا أسرى الفوضى العدمية التي تفترض أن “كل شيء مباح” وأن جميع النظريات متساوية؛ بل يمتلك العقل العلمي معايير منهجية وترجيحية عقلانية تمكنه من المفاضلة بين النظريات المتنافسة واختيار النظرية ذات القوة التفسيرية الأكبر والأكثر ملاءمة تجريبية للبنى الحقيقية.

وجّه بهاسكار نقداً لاذعاً للمنظومات التجريبية والمثالية معاً بتشخيصه ما أطلق عليه مصطلح «المغالطة الإبستمولوجية» (The Epistemic Fallacy). وتتمثل هذه المغالطة في اختزال القضايا الأنطولوجية (الخاصة بما هو كائن وبطبيعة الوجود) في قضايا إبستمولوجية (خاصة بما يمكننا معرفته أو التحقق منه حسياً). يرى بهاسكار أن الفلسفة الحديثة، منذ ديكارت وهيوم وصولاً إلى الوضعية المنطقية، دمرت الأنطولوجيا حين افترضت أن حدود الوجود هي ذاتها حدود ما هو قابل للملاحظة أو التجريب البشري؛ في حين أن الواقع أوسع وأعمق بما لا يُقاس من القدرة الإدراكية للإنسان في لحظة تاريخية بعينها.

3.2 الثالوث الأنطولوجي الطبقي: الواقعي، الفعلي، والتجريبي

يعد مفهوم «الأنطولوجيا الطبقية» (Stratified Ontology) المساهمة الأكثر أصالة وإشراقاً في مشروع الواقعية النقدية؛ إذ يرفض بهاسكار اختزال الوجود في سطح مسطح أحادي البعد، ويقدم بدلاً من ذلك نموذجاً يتألف من ثلاثة مجالات أنطولوجية متداخلة وغير متطابقة، كما يوضح الشكل البنائي التالي:

1. مستوى «الواقعي» (The Real):
يمثل أعمق وأشمل الطبقات الوجودية في بنية العالم. يتضمن هذا المجال البنى والكيانات (Structures and Entities)، والآليات التوليدية (Generative Mechanisms)، والنزعات والقدرات السببية (Causal Powers and Liabilities) التي تمتلكها الأشياء بحكم طبيعتها وماهيتها الذاتية. تمتاز هذه الآليات السببية بأنها حقيقية تماماً ومستقلة، وتعمل حتى لو كانت خاملة أو غير مفعلة، أو كانت محجوبة بفعل آليات سببية أخرى مضادة ومقاومة لها. فالجاذبية الأرضية، أو القوة البيولوجية للجهاز المناعي، أو البنية الطبقية للرأسمالية، كلها آليات حقيقية تنتمي لمستوى «الواقعي»، ولها وجود فاعل بغض النظر عما إذا كانت تنتج أحداثاً يمكننا رصدها في لحظة معينة أم لا.

2. مستوى «الفعلي» (The Actual):
هو المستوى الأوسط الذي يضم كافة الأحداث والوقائع (Events and States of Affairs) التي تحدث وتتحقق بالفعل في العالم عندما يتم تفعيل الآليات التوليدية الكامنة في مستوى «الواقعي» تحت شروط وظروف بيئية معينة. والملمح الجوهري لهذا المستوى هو أن الأحداث الفعلية تقع وتحدث سواء شهدها الإنسان ورصدها، أم لم يُلقِ لها بالاً ولم توجد أجهزة لقياسها. فإذا انفجر بركان في جزيرة نائية غير مأهولة، أو انقرض كائن حي مجهول في أعماق المحيط السحيق، فإن هذا الحدث قد تحقق فعلياً في مستوى «الفعلي»، رغم غيابه التام عن الوعي الإنساني والملاحظة العلمية.

3. مستوى «التجريبي» (The Empirical):
يمثل الطبقة السطحية والأضيق نطاقاً بين المجالات الثلاثة؛ فهو يقتصر حصراً على الخبرات، والانطباعات، والملاحظات الحسية المباشرة وغير المباشرة التي يختبرها الإنسان أو تسجلها أدوات القياس العلمية (Experiences and Observations). لا يمثل التجريبي سوى قطاع محدود جداً من الفعلي، وجزء أصغر بكثير من الواقعي الشامل.

تكمن الكارثة المنهجية التي تقع فيها كل من الواقعية الساذجة والوضعية التجريبية في ارتكابهما لمغالطة «تسطيح الواقع» (Ontological Flattening أو Actualism)؛ حيث تعمدان إلى دمج هذه المستويات الثلاثة في مستوى واحد مسطح هو “التجريبي”. فتفترضان أن ما لا نختبره أو نلاحظه حسياً ليس موجوداً أو لا قيمة له، وتختزلان السببية في مجرد تتالٍ ظاهري بين حدثين (حسب الرؤية الهيومية: أ يتبعه ب)، بينما ترى الواقعية النقدية أن الاقتران المنتظم لا يحدث عادة إلا في المختبرات العلمية المغلقة التي يتحكم فيها الإنسان اصطناعياً لحجب الآليات السببية المتصارعة، أما العالم الواقعي فهو “نظام مفتوح” (Open System) تتشابك فيه آليات توليدية متعددة قد تلغي بعضها بعضاً وتمنع ظهور الحدث، رغم بقاء الآلية السببية فاعلة وقائمة في مستوى «الواقعي».

3.3 التفسير السببي والانبثاق في الواقعية النقدية

تحدث الواقعية النقدية قطيعة ابستمولوجية ومنهجية مع النموذج الاستقرائي والنموذج الفرضي-الاستنباطي الشائعين في النزعة الوضعية عبر صياغة نظرية جديدة في التفسير والعلية تقوم على مفهومين محوريين: «الانبثاق» و«التحليل الرجعي».

يُقصد بـ «الانبثاق» (Emergence) ظهور مستويات جديدة من الوجود المنظم تمتلك خصائص سببية كيفية مستقلة لا يمكن اختزالها أنطولوجياً أو تفسيرها كلياً بالقوانين التي تحكم الأجزاء المكونة لها في المستويات الأدنى. فالماء، على سبيل المثال، يمتلك خاصية السيولة والقدرة على إطفاء النيران، وهي خواص منبثقة لا توجد في ذرتي الهيدروجين والأكسجين المكونتين له حينما تكونان منفصلتين، ولا يمكن التنبؤ بها بمجرد دراسة خصائص الغازين على حدة. كذلك الأمر في البنية المعرفية والاجتماعية: فالوعي الإنساني منبثق عن الدماغ البيولوجي والشبكات العصبية، لكنه يتجاوز مجرد التفاعلات الكيميائية؛ والمجتمع وظواهره المؤسسية (مثل الدولة واللغة والنظام الطبقي) منبثق عن أفعال الأفراد وتفاعلاتهم، إلا أنه يكتسب بمجرد استقراره قوى سببية قاهرة تتجاوز إرادة أي فرد بمفرده وتفرض قوانينها الخاصة عليه. ترفض الواقعية النقدية النزعة الاختزالية الفيزيائية (Physicalist Reductionism) وتؤكد استقلالية علوم الحياة والعلوم الاجتماعية وقدرتها على استكشاف آلياتها المنبثقة الخاصة.

أما من زاوية المنهج والاستدلال، فقد استبدلت الواقعية النقدية الاستقراء السطحي بمنهج يسمى «التحليل الرجعي» أو «الاستدلال التراجعي» (Retroduction أو Abduction). لا يسأل هذا المنهج: “كم مرة تكرر هذا الحدث لنصوغ منه قانوناً إحصائياً؟”، بل ينطلق من رصد الأحداث والظواهر في المجال التجريبي والفعلي ليطرح السؤال التجاوزي التأسيسي: “كيف يجب أن يكون العالم في بنيته الخفية، وما هي الآليات التوليدية غير المرئية التي يجب أن تفترض وجودها لكي يمكن لهذه الظاهرة المشاهدة أن تحدث وتتكرر بهذا النحو؟”. يتيح منهج التحليل الرجعي للعالم والباحث الانتقال الجدلي من السطح المشاهد إلى الأعماق غير المشاهدة، واستنتاج وجود آليات خفية (كالفيروسات قبل اختراع المجهر، أو الجاذبية، أو فائض القيمة في الاقتصاد) من خلال رصد آثارها ونتائجها السببية على العالم الظاهر، مع الإبقاء الدائم على مبدأ «القابلية للخطأ» (Fallibilism)، إذ تظل كل فرضية تفسيرية مفتوحة على المراجعة وإعادة البناء مع تعمق الفهم المنهجي للواقع.

4. أوجه الاختلاف الجوهرية: جدول وأبعاد المقارنة التحليلية

تتجلى الفروق البنيوية بين الواقعية الساذجة والواقعية النقدية في كافة مستويات النسق الفلسفي، بدءاً من المنطلقات الإبستمولوجية والأنطولوجية، مروراً بآلية تفسير الأخطاء والظواهر الاجتماعية، ووصولاً إلى تحديد غاية العلم ومنهج الاستدلال. يوضح الجدول التحليلي التالي مقارنة نسقية متكاملة تبرز التباين الحاسم بين الموقفين:

البعد المقارن الواقعية الساذجة (Naive Realism) الواقعية النقدية (Critical Realism)
الموقف الإبستمولوجي (Epistemology) مباشر وتفاؤلي مطلق؛ الحواس تعكس العالم الخارجي كما هو بدقة وتلقائية. وسيطي واحتمالي؛ المعرفة منتج اجتماعي تاريخي ومفاهيمي معرّض للخطأ والمراجعة.
البنية الأنطولوجية (Ontology) أحادية ومسطحة (Actualist)؛ تنحصر في الأعيان المحسوسة والأحداث المشاهدة تجريبياً. طبقية وعميقة (Stratified)؛ تتألف من ثلاثة مجالات: التجريبي، الفعلي، والواقعي.
الوساطة الإدراكية (Perceptual Mediation) تنكر وجود وسائط إبستمولوجية؛ المعرفة تماس مباشر وخالص بين الذات والموضوع. تؤكد حتمية الوساطة اللغوية، والثقافية، والنظرية، والأجهزة الإدراكية للذات.
الآليات السببية (Causal Mechanisms) تُختزل في مجرد الارتباط الظاهري والتتالي الزمني بين أحداث محسوسة (وفق نموذج هيوم). قوى ونزعات كامنة في بنية الكيانات (Generative Mechanisms) تعمل في أنظمة مفتوحة.
تفسير الخطأ والوهم الإدراكي خلل ميكانيكي عارض ومؤقت في أداة الحس، أو تشويه ناتج عن تحيز الآخر المخالف. بنيوي متأصل؛ ناتج عن الفجوة الضرورية بين الظهور السطحي والبنية التوليدية العميقة.
مفهوم الواقع الاجتماعي امتداد للواقع الفيزيائي البديهي؛ يُفهم بالاقتصار على السلوك الفردي الظاهر. بنية منبثقة معقدة؛ تفاعل جدلي دائم بين الفاعلية الإنسانية (Agency) والبنى المؤسسية (Structure).
غاية النشاط العلمي توصيف وتصنيف الملاحظات الظاهرة وتدوين القوانين الاستقرائية العامة. اختراق السطح الظاهراتي لتفسير وتفكيك الآليات التوليدية وتغيير البنى المقيدة للتحرر.
المنهج الاستدلالي السائد الاستقراء التراكمي الحسي، والقياس التمثيلي المباشر. التحليل الرجعي (Retroduction) والمفاضلة الترجيحية العقلانية بين النظريات.
التعامل مع التعددية المعرفية نفي التعددية؛ الحقيقة واحدة ومحسومة وتظهر لمن ينظر بحياد وفطرة سليمة. قبول التعددية المعرفية ونسبية الفهم، مع التمسك بالترجيح العقلاني لمنع الفوضى.

4.1 المقارنة من زاوية نظرية المعرفة (الإبستمولوجيا)

تتمحور المفارقة الإبستمولوجية بين التيارين حول مسألة “العصمة الإدراكية” وطبيعة الصلة بين العارف والمعروف. تتبنى الواقعية الساذجة إبستمولوجيا سريعة ومفرطة في التفاؤل؛ إذ تعتبر أن الإدراك الحسي السليم لا يحتاج إلى تبريرات ما بعدية أو مراجعات نقدية، بل هو معطى بديهي ومكتفٍ بذاته وموثوق في تأسيس المعرفة القطعية. تتجاهل هذه النزعة تماماً ما يفرضه موقع الذات العارفة من زوايا نظر وتأثيرات سياقية، وتتصور أن الحقيقة معطاة ومطروحة في العالم الخارجي كشيء جاهز لا ينتظر سوى أن يلتقطه الوعي السلبي، وهو ما يجعل الواقعي الساذج عاجزاً عن فهم كيف يمكن لأشخاص عقلاء أن يروا نفس المعطيات ويفسروها بطرق متناقضة دون أن يكون أحدهم مغالطاً أو خبيثاً.

في المقابل، تؤسس الواقعية النقدية لنظرية معرفية احتمالية وفاحصة تقر بأن كل المعارف البشرية هي بالضرورة بناءات لغوية واجتماعية ونظرية ناقصة، وأن الإنسان لا يستطيع أبداً أن يطل على العالم “بعين الإله” المحايدة والمجردة من أي أفق تاريخي. إلا أن هذا التواضع الإبستمولوجي والاعتراف بنسبية المعرفة (Epistemic Relativism) لا يقود الواقعية النقدية إلى مستنقع الشكوكية المطلقة أو السفسطة، كما تفعل تيارات ما بعد الحداثة؛ بل تحرص بحزم على تأكيد مبدأ «العقلانية التداولية والترجيحية» (Judgmental Rationality). تتيح هذه العقلانية ترجيح نظرية علمية على أخرى عبر محاكمة قدرتها على تفسير شذوذات وتناقضات الواقع الفعلي، وتماسك آلياتها التفسيرية، وتقديمها لممارسات عملية أكثر نجاعة، مما يجعل المعرفة مشروعاً تصحيحياً مستمراً وغير مكتمل أبداً.

4.2 المقارنة من زاوية البنية الوجودية (الأنطولوجيا)

يمثل التباين الأنطولوجي الصدع الأعمق بين الفلسفتين؛ فالواقعية الساذجة حبيسة “أنطولوجيا مسطحة” ذات بعد واحد؛ لا تعترف إلا بما هو ملموس ومشاهد ومتاح في المجال التجريبي المباشر. ترفض هذه الرؤية أو تتجاهل كل ما هو غير مرئي، وتعتبر القوى السببية العميقة مجرد تجريدات ذهنية وهمية أو كائنات ميتافيزيقية لا أساس لها من الصحة. هذا التسطيح الوجودي يجعل الواقعية الساذجة عاجزة عن تفسير التحولات البنيوية الكبرى التي تحدث في الطبيعة والمجتمع؛ إذ تخلط باستمرار بين “الأعراض والنتائج الظاهرة” وبين “الأسباب والعلل المولدة لها”.

على النقيض من ذلك، تفتح الواقعية النقدية الآفاق نحو “أنطولوجيا عميقة” متعددة الطبقات تميز بدقة متناهية بين مستويات الوجود (الواقعي، والفعلي، والتجريبي). والركيزة الجوهرية هنا هي التعامل مع الآليات غير المرئية باعتبارها الركيزة الأساسية للتفسير العلمي؛ فالواقعيون النقديون يؤكدون أن معظم القوى والآليات الفاعلة في الكون — بدءاً من الشحنات الكهربائية وحقول الجاذبية، وصولاً إلى هياكل القرابة والطبقات الاجتماعية، والتحيزات الثقافية المترسبة في العقل اللاواعي — لا تدرك بالحواس المجردة بصورة مباشرة، ولكننا نستدل على وجودها الفعلي المستقل من خلال قواها وآثارها السببية القاطعة على العالم الظاهر. وبذلك تخلص الواقعية النقدية الفلسفة من سجن المظهرية، وترتقي بالبحث العلمي إلى مقام الكشف عن البنى العميقة الخفية المحركة للظواهر.

4.3 المقارنة في تفسير الخطأ الإدراكي ودور السياق الاجتماعي

ينعكس الفارق المنهجي بين المذهبين بصورة واضحة في مقاربتهما لمعضلة الخطأ المعرفي وكيفية التعامل مع العالم الاجتماعي المعقد. بالنسبة للواقعية الساذجة، يُعد الخطأ الإدراكي مجرد “عيب عارض” يطرأ على الآلة الحسية (كإصابة العين برمد أو قصر نظر)، أو عائق فيزيائي طارئ في بيئة الرصد (كوجود ضباب كثيف أو إضاءة خافتة). وبمجرد زوال هذا العائق الميكانيكي، يستعيد الإدراك نقاءه الفوري وتطابقه الكامل مع الحقيقة. أما حينما ينتقل الخطأ إلى مستوى المواقف الاجتماعية والسياسية، فإن الموقف الساذج يعجز عن إدراك العوامل البنيوية، ويسقط في فخ شخصنة النزاع، معتبراً أن كل من يخالف النتيجة الظاهرة للعيان إما أنه ضحية لجهل مركب، أو مجرد متآمر ذي دوافع شريرة ومصالح خفية تحرفه عن جادة الصواب.

أما الواقعية النقدية، فترى أن الخطأ وسوء الفهم يمثلان جزءاً بنيوياً وتكوينياً أصيلاً في المغامرة المعرفية الإنسانية، ناتجاً عن الحدود المعرفية للذات، وقصور المفاهيم الحالية، والتشابك الهائل للآليات السببية المتنافسة في الأنظمة المفتوحة. وفيما يتعلق بالعالم الاجتماعي، تميز الواقعية النقدية تمييزاً قاطعاً بينه وبين العالم الطبيعي؛ فالمجتمع ليس معطى فيزيائياً جاهزاً، بل هو بناء منبثق لا يكتسب استمراريته إلا من خلال ممارسات الفاعلين البشريين الواعين، ولكنه في الوقت نفسه يسبقهم تاريخياً ويمتلك قوى وبنى مقيدة وممكنة تشكل خياراتهم. تتأسس المقاربة النقدية، كما طورتها عالمة الاجتماع مارغريت آرتشر عبر نموذجها «المورفوجيني» (Morphogenetic Approach)، على رصد التفاعل الجدلي الزمني بين “البنية الاجتماعية” و”الفاعلية الإنسانية”، رافضة اختزال المجتمع في مجرد سلوكيات ذرية مباشرة للفاعلين (كما يفعل الموقف الساذج)، أو اختزاله في بنى قاهرة تلغي إرادة الأفراد كلياً.

5. أوجه التشابه ونقاط الالتقاء بين المذهبين

5.1 الإقرار المشترك باستقلالية الوجود الموضوعي

على الرغم من الهوة السحيقة التي تفصل بين الواقعية الساذجة والواقعية النقدية في مستويات التحليل المنهجي والعمق المعرفي، فإنه ينبغي التأكيد على أنهما تشتركان في جذر فلسفي عريض يضعهما معاً في معسكر الفلسفة الواقعية في مواجهة المذاهب اللاواقعية. تتفق الواقعيتان تماماً على المبدأ الأنطولوجي التأسيسي الذي يقر بأن العالم الخارجي المادي موجود كينونةً واستمراراً بمعزل عن وعي الإنسان وذهنه؛ فالمجرة، والجبل، والشجرة، والذرة، والحيوان، عناصر قائمة بالفعل وتمتلك وجوداً موضوعياً أصيلاً لا يعتمد في بقائه على وجود عقل يدركها أو ذات تشهدها.

يمثل هذا الموقف المشترك رفضاً صريحاً وقطعياً لجميع ضروب المثالية الذاتية والراديكالية، وتحديداً الأطروحة المثالية الشهيرة التي كرسها الأسقف جورج باركلي ومبدؤه القائل: «أن توجد يعني أن تُدرَك» (Esse est percipi). ترفض الواقعيتان معاً اعتبار الكون مجرد هلوسة عقلية، أو فكرة في ذهن مدرك، أو حلماً يتبدد بزوال النائم؛ بل تؤكدان بحزم أن للأشياء سمات، وحدوداً، وخصائص فيزيائية حقيقية تقاوم رغبات الذات العارفة وأوهامها. فالجدار يظل صلباً وعائقاً يمنع المرور من خلاله، سواء اعتقدت الذات في صلابته أم توهمت قدرتها على اختراقه، ومحاولة تجاهل هذه الصلونة الوجودية الموضوعية تفضي إلى الاصطدام المادي المحتوم.

5.2 مركزية التجربة الحسية والارتباط بالواقع العيني

تتمحور نقطة الالتقاء الجوهرية الثانية بين المذهبين حول التسليم بالدور التأسيسي واللاغنى عنه لـ «المعطى الحسي» والتجربة العينية في تدشين المعرفة. لا تنكر الواقعية النقدية — على الرغم من إعلائها من شأن البنى العميقة الخفية — أن نقطة الانطلاق الأولى لأي نشاط معرفي بشري هي الاحتكاك الحسي المادي بالعالم؛ فالتجربة الإنسانية، والمشاهدات العينية، والأدلة الإمبيريقية هي بمثابة البوابة الضرورية التي يدلف منها العقل إلى استكشاف الآليات السببية الكامنة في مستوى الواقعي.

يقود هذا الارتباط المشترك بالتجربة المادية إلى رفض كلا التيارين للمذاهب العدمية والصولبسيزمية أو “الأناوية الأحادية” (Solipsism) التي تفترض أن الذات الفردية المنعزلة لا يمكنها أن تتيقن إلا من وجودها الشخصي ومدركاتها الذهنية المغلقة. يجمع المذهبان على أن العيش في العالم والتفاعل العضوي معه هو برهان يومي متجدد على إمكانية تأسيس معرفة حقيقية وموثوقة، وأن الغاية القصوى من التفكير الفلسفي والعلمي ليست الانكفاء على التأمل الصوري المجرد، بل تقديم تفسير منسجم وفعال لكيفية اشتباك الإنسان مع محيطه الحيوي والاجتماعي بنجاح، وتحسين شروط تكيفه وفاعليته في هذا الوجود.

6. سياقات التوظيف المعرفي والملاءمة المنهجية

6.1 نطاق صلاحية الواقعية الساذجة في الحياة اليومية

لا بد من الاعتراف إبستمولوجياً بأنه على الرغم من الهشاشة النظرية للواقعية الساذجة عند مواجهتها للتحليل العلمي الدقيق، فإنها تمتلك كفاية إجرائية ووظيفية هائلة في نطاق تدبير المعاش الإنساني اليومي. إن التطور البيولوجي والتاريخ الطبيعي للإنسان زوّدا العقل البشري بجهاز إدراكي كلاسيكي مبرمج ليعمل وفق افتراضات الواقعية المباشرة؛ فلولا الثقة التلقائية العمياء بالحواس، لما استطاع الإنسان البدائي الهروب من الحيوانات المفترسة، ولما تمكن الإنسان المعاصر من قيادة سيارته في شارع مزدحم وتفادي الاصطدام بالأجسام المقتربة بسرعة. إن الشك المنهجي في تلك اللحظات الحرجة ليس مجرد عائق فكري، بل خطر وجودي يقضي على الفرد في دقائق معدودة.

تُعد الواقعية الساذجة ضرورة براغماتية وأساساً لا بد منه لتسهيل التواصل اللغوي الأولي واستقرار التفاعلات البينية في المجال العام؛ فعندما يقول شخص لآخر: “ناولني المفتاح الفضي الموجود على الطاولة”، فإنهما يتفاهمان مباشرة وينجزان الفعل استناداً إلى أرضية مشتركة مسلّم بها دون حاجة لفتح نقاش فيزيائي معقد حول حقيقة اللون الفضي كموجة ضوئية أو البنية الذرية للمفتاح. ولكن هذا النجاح الإجرائي الفطري يتحول إلى فشل ذريع وانسداد معرفي كامل عندما يُساء استخدام الواقعية الساذجة وتُوظف في محاولة فهم النظم الديناميكية المركبة؛ كتفسير التغير المناخي، أو فهم تقلبات أسواق المال والسياسات النقدية، أو دراسة الأمراض المناعية المعقدة، أو تحليل الهياكل الطبقية والمؤسسية في علم الاجتماع. فهنا، يُعمي الإدراك المباشر الباحثَ عن رؤية الشبكات الخفية التي توجه الظواهر، ويحيل التفسير إلى مجرد انطباعات حسية سطحية لا تسمن ولا تغني من جوع.

6.2 هيمنة الواقعية النقدية في البحث العلمي والعلوم الاجتماعية

تتبوأ الواقعية النقدية مكانة الصدارة الفلسفية والمنهجية في الأوساط الأكاديمية المعاصرة، لا سيما في حقول علم الاجتماع، والعلوم السياسية، والاقتصاد السياسي، والدراسات الإدارية والتنظيمية؛ نظراً لقدرتها الفائقة على حل النزاعات المنهجية المستعصية بين المقاربات الكمية (Quantitative) القائمة على القياس الرقمي والارتباطات الإحصائية، وبين المقاربات الكيفية والنوعية (Qualitative) التي تركز على المعاني، والرموز، والتأويلات الذاتية للفاعلين. تتيح الواقعية النقدية مظلة متينة لـ «بحوث المناهج المختلطة» (Mixed Methods Research)، حيث تستخدم البيانات الكمية لرصد وتوثيق الأحداث في المستويين “التجريبي” و”الفعلي”، بينما تستعين بالأدوات النوعية التفسيرية للغوص في الكشف عن البنى والمفاهيم التي تشكل الآليات التوليدية في مستوى “الواقعي”.

يتجلى الأثر التحرري للواقعية النقدية في العلوم الاجتماعية من خلال قدرتها الفريدة على تفكيك الهيمنة الأيديولوجية والتطبيع الزائف للممارسات القمعية دون السقوط في شلل الشكوكية ما بعد الحداثية العدمية. فعلى سبيل المثال، ينطلق التحليل الاقتصادي القائم على الواقعية النقدية من كشف كيف أن الظواهر السطحية في السوق (مثل أسعار السلع، ومعدلات الأجور الظاهرة في عقود العمل) تبدو في الظاهر كأنها تبادلات حرة وعادلة ومتكافئة بين أطراف متساوين (كما يراها الموقف الساذج والوضعي)، بينما هي في عمقها ومستواها الواقعي نتاج لآليات توليدية خفية تتعلق بالملكية الخاصة لوسائل الإنتاج، واختلال موازين القوى الطبقية، وقوة الهياكل المالية الاحتكارية. وبذلك تمنح الواقعية النقدية الباحثين أداة علمية متماسكة قادرة على نقد الواقع القائم واقتراح سياسات هيكلية تعيد تشكيل البنى المؤسسية لتحقيق التحرر الإنساني، معتبرة أن كشف الحقيقة الموضوعية هو الخطوة التأسيسية التي لا غنى عنها لأي تغيير اجتماعي جذري.

7. الأسئلة الشائعة حول الواقعية الساذجة والواقعية النقدية

7.1 هل تقتصر الواقعية الساذجة على العوام أم يتبناها فلاسفة وعلماء؟

لا تقتصر الواقعية الساذجة على العوام والفهم الفطري التلقائي للإنسان البسيط، بل مثلت ولا تزال تمثل تياراً فلسفياً له ممثلوه ومنظروه من كبار الفلاسفة في تاريخ الفكر المعاصر. فبالإضافة إلى روادها التاريخيين مثل توماس ريد وجي إي مور، شهدت الفلسفة التحليلية وفلسفة العقل المعاصرة عودة جديدة وقوية للدفاع عن الواقعية المباشرة (Direct Realism) في بحوث الإدراك البصري على يد فلاسفة مرموقين مثل جون ماكدويل (John McDowell)، وبيل بريور (Bill Brewer)، واللذين يسعيان لإثبات أن إدراكنا الحسي يضعنا في تماس معرفي مباشر مع الأشياء الخارجية ذاتها دون وساطة تمثيلية وسيطة كالبيانات الحسية.

وعلاوة على ذلك، سادت مبادئ قريبة من الواقعية الساذجة في البدايات المبكرة لبعض العلوم الطبيعية؛ كالفيزياء الميكانيكية النيوتونية في مراحلها الأولى التي تصورت حركة الأجسام في فراغ كلاسيكي مطلق كما تبدو للعين، وكذلك في المدرسة السلوكية الراديكالية (Behaviorism) في علم النفس مع جون واطسون وبي إف سكينر، حيث تم استبعاد العمليات العقلية والوعي الداخلي بوصفه “صندوقاً أسود” غير خاضع للملاحظة المباشرة، وحصر العلم في دراسة المثيرات والاستجابات الظاهرة حسياً. ومن الأهمية بمكان التأكيد على أن كلمة “ساذجة” (Naive) هنا ليست شتيمة أو انتقاصاً لغوياً دارجاً، بل هي مصطلح إبستمولوجي تقني دقيق يشير إلى افتراض عدم توسط الأدوات المفاهيمية بين الإدراك والموضوع المدرك.

7.2 كيف تحل الواقعية النقدية معضلة الانفصال بين الذات والموضوع؟

تتغلب الواقعية النقدية على الانقسام الديكارتي الحاد والمستعصي بين “الذات المفكرة” و”الموضوع الممتد” من خلال الجمع التركيبي بين مبدأين يبدوان للوهلة الأولى متناقضين: «الواقعية الأنطولوجية» و«النسبية الإبستمولوجية». فالواقعية النقدية ترفض اعتبار الذات الإنسانية كائناً مجرداً يقف متفرجاً خارج الطبيعة والمجتمع وينظر إليهما من برج عاجي، بل تعتبر الملاحظ والباحث جزءاً أصيلاً ومكوناً بنيوياً من المنظومة ذاتها التي يسعى لفهمها ودراستها.

تتحقق الصلة المعرفية والعملية بين الذات والموضوع عبر مفهوم «الممارسة المادية والاجتماعية» (Transformative Social Practice). فالإنسان لا يعرف العالم من خلال التأمل النظري السلبي والمغلق، بل من خلال تفاعله الجدلي ونشاطه التغييري في الطبيعة والمجتمع؛ حيث تكشف الممارسة المادية والتدخل التجريبي عما إذا كانت النظريات التفسيرية التي يحملها الذهن تتطابق بالفعل مع القوى السببية الموضوعية القائمة أم تصطدم بها. وبذلك، فإن جسر الوصول من المعرفة النسبية الذاتية إلى الواقع الموضوعي المستقل لا يُبنى بالتأملات العقلية الصرفة، بل بالاختبار الترجيحي العقلاني (Judgmental Rationality) المشتق من نجاعة الفعل البشري وإخفاقاته الواقعية في عالم منفتح ومتغير باستمرار.

7.3 ما الفرق الجوهري بين الواقعية النقدية ومثالية إيمانويل كانط؟

على الرغم من أن الفيلسوفين إيمانويل كانط وروي بهاسكار يوظفان المنهج الاستدلالي التجاوزي (Transcendental Method) لطرح سؤال: “ما هي الشروط الضرورية لإمكان المعرفة والخبرة؟”، فإن بينهما افتراقاً جذرياً يحدد هوية كل نسق. يكمن الفارق الأول في أن كانط انتهى في «نقد العقل الخالص» إلى مذهب «المثالية التجاوزية» (Transcendental Idealism)؛ حيث قرر أن مقولات الزمان، والمكان، والسببية، والجوهر ليست خصائص متأصلة في العالم الخارجي المستقل، بل هي أطر وقوالب قبلية يفرضها الذهن البشري ذاتياً على معطيات الإحساس الخام، مما جعله يحصر المعرفة الممكنة في نطاق “عالم الظواهر” (الفينومينا) وينفي نفياً قاطعاً إمكانية اختراق العقل لـ “الشيء في ذاته” (النومينا).

في المقابل، أسس روي بهاسكار ما أطلق عليه اسم «الواقعية التجاوزية» (Transcendental Realism)؛ حيث يرفض رفضاً تاماً حصر المعرفة في عالم الظواهر الكانطي، ويؤكد أن العلم يستطيع، عبر التحليل التراجعي والممارسة التجريبية، النفاذ تدريجياً وبصورة تقريبية إلى معرفة خصائص وبنى “الشيء في ذاته” من خلال تتبع آثاره ونتائجه السببية في العالم. كما يرفض بهاسكار جعل المقولات العقلية هي التي تؤسس بنية الواقع كما زعم كانط، بل العكس هو الصحيح في الواقعية النقدية؛ فالطبيعة المستقلة للواقع وبنيته السببية المشروطة هي التي تفرض شروطها وتحدد إمكانات المعرفة البشرية ومحدوديتها التاريخية، مما يجعل أنطولوجيا بهاسكار موضوعية وواقعية بصورة جذرية، في حين تظل أنطولوجيا كانط حبيسة النزعة الذاتية.

7.4 هل تقود الواقعية النقدية بالضرورة إلى الماركسية أو نقد الرأسمالية؟

لا تتطابق الواقعية النقدية بالضرورة وبصورة حتمية مع الماركسية التقليدية، على الرغم من وجود تقارب منهجي وإبستمولوجي عميق بينهما؛ إذ يعترف روي بهاسكار ومعظم مفكري الواقعية النقدية بأن كارل ماركس في عمله الأساسي «رأس المال» (Das Kapital) كان يمارس تحليلاً واقعياً نقدياً نموذجياً بامتياز قبل صياغة المصطلح الفلسفي بعقود طويلة. لقد انطلق ماركس في كتابه من كشف التناقض الجذري بين السطح الظاهري للتداول التجاري السلعي (حيث تسود مفاهيم الحرية والمساواة الظاهرية للواقعية الساذجة)، وبين البنى العميقة الخفية في مستوى الإنتاج الرأسمالي التي تعتمد على استخراج القيمة الزائدة واستغلال قوة العمل، وهي آليات توليدية تقع في مستوى “الواقعي” وتفسر أزمات النظام في مستوى “الفعلي”.

ومع ذلك، تظل الواقعية النقدية فلسفة علم وفضاءً ميتانظرياً أوسع وأشمل بكثير من أي نسق أيديولوجي أو برنامج سياسي مغلق. إنها تُوظف كإطار تحليلي رصين ومحايد منهجياً في دراسات متنوعة عبر مدارس فكرية شتى؛ من علم النفس العيادي واللسانيات، إلى بحوث التغير البيئي وعلم الإدارة والتربية ودراسة الأديان. غير أن النزعة التحررية المتضمنة في الواقعية النقدية — والتي تسمى في أدبيات بهاسكار بـ «التفسير التحرري» (Explanatory Critique) — تفترض أن العلم لا يمكن أن يظل محايداً أخلاقياً عندما يكتشف أن المعتقدات الخاطئة والزائفة لدى الأفراد تُنتجها وتحافظ عليها بنى ومؤسسات اجتماعية قمعية؛ فالكشف الموضوعي عن تلك البنى السببية يولد واجباً عقلانياً وأخلاقياً لتغييرها من أجل إزالة العوائق التي تكبل الازدهار والتحرر الإنساني.

8. الخاتمة: التركيب المنهجي ومستقبل النظرية الواقعية

8.1 حصاد المقارنة وتكاملية المستويات الإدراكية

يكشف التتبع التحليلي لمسارات الواقعية الساذجة والواقعية النقدية أن الصراع الفلسفي بينهما ليس تضاداً صفرياً يقتضي الإلغاء الشامل لأحدهما على كافة الأصعدة، بل هو صراع يعبر عن الحاجة إلى “تكاملية هرمية” تضع كل مستوى معرفي في سياقه الإجرائي اللائق به. إن الواقعية الساذجة تمثل الأساس الظاهراتي والبيولوجي الأولي الذي لا غنى عنه لإبقاء الإنسان حياً، وفاعلاً، ومتواصلاً بيسر مع أقرانه في نسيج الحياة اليومية المعاشة؛ ومحاولة العيش الفعلي تحت وطأة الشكوكية النقدية الدائمة في كل خطوة حسية يخطوها المرء ستفضي حتماً إلى الشلل الوظيفي والانهيار العصبي.

إلا أن هذا القبول البراغماتي بالواقعية الساذجة في النطاق اليومي المحدود لا ينبغي أن يعمينا عن حقيقة أنها تمثل كارثة إبستمولوجية إذا ما اعتُمدت كمنهج في التفكير العلمي والاجتماعي. هنا تصبح «الواقعية النقدية» ضرورة ترقٍّ معرفي حتمية ونقلة نموذجية لا مناص منها؛ إذ تمنحنا النسق الفلسفي الناضج القادر على استيعاب معطيات الحس المباشرة وتجاوزها في آنٍ واحد، كاشفة عن طبقات الواقع العميقة المكونة من بنى وآليات غير مرئية تحكم مسارات الطبيعة وتشكل حركات المجتمعات. إن التطور الفكري للإنسانية يقاس بمدى قدرتها على التحرر من سطوة “الظاهر المباشر”، والعبور الشجاع إلى رحاب “العمق التفسيري”، مع الاعتراف التام بحدود المعرفة الذاتية وقابليتها للخطأ.

8.2 آفاق الواقعية في عصر البيانات الضخمة والذكاء الاصطناعي

تكتسب الواقعية النقدية في عصرنا الراهن — عصر الثورة الرقمية الرابعة، وتدفق البيانات الضخمة (Big Data)، وخوارزميات الذكاء الاصطناعي التوليدي، وتطبيقات الواقع المعزز والافتراضي (AR & VR) — راهنية قصوى وأهمية تفوق أي وقت مضى. إن تقنيات الواقع الافتراضي المعاصر تقدم البرهان التكنولوجي الحاسم على سقوط الواقعية الساذجة؛ فحينما يستطيع الدماغ الإنساني أن يختبر حسياً بيئات كاملة، وأجساماً ثلاثية الأبعاد، وأصواتاً واقعية مجسمة دون وجود أي أعيان فيزيائية خارجية تطابقها، يتبدد الوهم الساذج القائل بأن الإدراك مجرد انعكاس مباشر للواقع الموضوعي، ويتأكد أن المعالجة العصبية البنائية هي الأساس المشكل للمظهر التجريبي.

من جهة أخرى، يفرض طوفان “البيانات الضخمة” تحدياً إبستمولوجياً خطيراً يهدد بإعادة إنتاج أسوأ ما في الوضعية والواقعية الساذجة تحت مسمى جديد؛ حيث يزعم بعض منظري التكنولوجيا أن وفرة البيانات والارتباطات الإحصائية الخوارزمية الفائقة تلغي الحاجة إلى النظريات والعلل والآليات السببية، ويكفي الرصد الآلي للأنماط السطحية لتوجيه السلوك البشري والاقتصادي. وهنا تقف «الواقعية النقدية» كدرع حصين ضد هذا التسطيح الرقمي المبتذل؛ لتؤكد لمطوري نماذج التعلم الآلي والباحثين أن “الارتباط الإحصائي لا يعني العلية” (Correlation is not Causation)، وأن النماذج الخوارزمية العمياء ستظل عرضة للانحياز والهلوسة والفشل الكارثي ما لم تتأسس على أنطولوجيا عميقة تفصل بين التدفق السطحي للبيانات في مستوى التجريبي، وبين الآليات التوليدية السببية الكامنة في مستوى الواقعي التي تتحكم في سيرورة الكون ومآلات الإنسانية.

المراجع

  • Archer, M. S. (1995). Realist Social Theory: The Morphogenetic Approach. Cambridge University Press.
  • Bhaskar, R. (1975). A Realist Theory of Science. Leeds Books.
  • Bhaskar, R. (1979). The Possibility of Naturalism: A Philosophical Critique of the Contemporary Human Sciences. Harvester Press.
  • Bhaskar, R. (1989). Reclaiming Reality: A Critical Introduction to Contemporary Philosophy. Verso.
  • Brewer, B. (2011). Perception and Its Objects. Oxford University Press.
  • Collier, A. (1994). Critical Realism: An Introduction to Roy Bhaskar’s Philosophy. Verso.
  • Danermark, B., Ekström, M., & Karlsson, J. C. (2019). Explaining Society: An Introduction to Critical Realism in the Social Sciences (2nd ed.). Routledge.
  • Harré, R. (1986). Varieties of Realism: A Rationale for the Natural Sciences. Blackwell.
  • McDowell, J. (1994). Mind and World. Harvard University Press.
  • Moore, G. E. (1939). Proof of an external world. Proceedings of the British Academy, 25(5), 273–300.
  • Pronin, E., Gilovich, T., & Ross, L. (2004). Objectivity in the eye of the beholder: Divergent perceptions of bias in self versus others. Psychological Review, 111(3), 781–799.
  • Pronin, E., & Kugler, M. B. (2007). Valuing thoughts, ignoring behavior: The introspection illusion as a source of the bias blind spot. Journal of Experimental Social Psychology, 43(4), 565–578.
  • Reid, T. (1764). An Inquiry into the Human Mind on the Principles of Common Sense. A. Kincaid & J. Bell.
  • Robinson, R. J., Keltner, D., Ward, A., & Ross, L. (1995). Actual versus assumed polarization of opinions: Naive realism in the context of social conflict. Journal of Personality and Social Psychology, 68(3), 404–417.
  • Ross, L., & Ward, A. (1996). Naive realism in everyday life: Implications for social conflict and misunderstanding. In E. S. Reed, E. Turiel, & T. Brown (Eds.), Values and Knowledge (pp. 103–135). Lawrence Erlbaum Associates.
  • Sayer, A. (2000). Realism and Social Science. SAGE Publications.

تقييم هذا المحتوى

كن أول من يقيّم هذا المحتوى

عن الكاتب: Mohammed looti

أكاديمي وباحث متخصص في علم النفس التربوي، وعضو هيئة التدريس في جامعة كربلاء. يحمل درجة الدكتوراه في تخصصه، وتتمحور اهتماماته البحثية حول علم النفس الإيجابي، وتطوير المقاييس النفسية، والتنظيم الانفعالي المعرفي. يتميز الدكتور لوتي بطرحه البحثي المعاصر؛ حيث يركز على دراسة التأثيرات النفسية للتكنولوجيا الحديثة والذكاء الاصطناعي على الصحة العقلية وتكوين الهوية لدى الشباب. كما تمتد إسهاماته العلمية لتشمل دراسة ديناميكيات التواصل الأسري ودورها في بناء الكفاءة الذاتية والمهارات القيادية، بالإضافة إلى أبحاثه حول برامج "اليقظة العقلية" والتعافي النفسي، مما يجعله من الباحثين الفاعلين في إثراء ميدان علم النفس التربوي والتطبيقي.

اقتباس هذا المقال

looti, M. (2026, نوفمبر 8). الواقعية الساذجة مقابل الواقعية النقدية. عرب سايكلوجي. https://arabpsychology.com/comparisons/naive-realism-vs-critical-realism/
looti, Mohammed. “الواقعية الساذجة مقابل الواقعية النقدية.” عرب سايكلوجي, 8 نوفمبر 2026, https://arabpsychology.com/comparisons/naive-realism-vs-critical-realism/.
looti, Mohammed. “الواقعية الساذجة مقابل الواقعية النقدية.” عرب سايكلوجي. نوفمبر 8, 2026. https://arabpsychology.com/comparisons/naive-realism-vs-critical-realism/.