العلاج المعرفي السلوكيالعلاج النفسيعلم النفس الإكلينيكي

العلاج المعرفي السلوكي الجماعي: الأسس النظرية، الديناميات الإكلينيكية، والتطبيقات العلاجية

العلاج المعرفي السلوكي الجماعي (CBGT) هو تدخل إكلينيكي متقدم يدمج تقنيات الـ CBT مع ديناميات الجماعة لمعالجة الاضطرابات النفسية وتعديل المعتقدات غير التكيفية.

Mohammed looti أكاديمي وباحث متخصص في علم النفس
تاريخ النشر
تمت المراجعة العلمية · د. مروة عبد العظيم · 3 أكتوبر، 2026
مراجعة وتدقيق علمي معتمد تاريخ التدقيق: 3 أكتوبر، 2026
د. مروة عبد العظيم دكتوراه
أستاذة علم النفس • جامعة كربلاء
معايير التدقيق والاعتماد السريري

يخضع هذا المحتوى لمعايير ضبط الجودة والتدقيق العلمي والأكاديمي الصارمة في شبكة علم النفس العربي، لضمان صحة المعلومات ودقتها السريرية ومطابقتها لأحدث الأدلة والبراهين الصادرة عن الجمعيات النفسية والطبية المعتمدة (APA / WHO).

يمثل العلاج المعرفي السلوكي الجماعي (Cognitive Behavioral Group Therapy – CBGT) نموذجاً علاجياً تكاملياً متقدماً يدمج بين القواعد التجريبية الصارمة لـ العلاج السلوكي المعرفي وديناميات التفاعل الاجتماعي المتولدة داخل الجماعة العلاجية. يوفر هذا النموذج بيئة مصغرة تحاكي الواقع الاجتماعي للمريض، مما يتيح له اختبار معتقداته ومخططاته المعرفية المشوهة وتعديل سلوكياته اللاتوافقية في سياق داعم وتفاعلي. يستند هذا النهج إلى افتراض مفاده أن الاضطرابات النفسية لا تنشأ فقط من أفكار فردية معزولة، بل تتبلور وتتعزز غالباً ضمن التفاعلات البينشخصية، مما يجعل الجماعة وسيطاً علاجياً فريداً لإحداث التغيير المعرفي والسلوكي المستدام.

التأصيل النظري والمفاهيمي للعلاج المعرفي السلوكي الجماعي

يرتكز العلاج المعرفي السلوكي الجماعي على توليفة بنيوية تجمع بين النموذج المعرفي الذي أسسه آرون بيك والنظرية السلوكية والتعلم الاجتماعي لـ ألبرت باندورا، مدمجة مع مبادئ العلاج الجماعي التفاعلي. في هذا الإطار، يُفهم الخلل النفسي على أنه نتاج تفاعل بين مخططات معرفية سلبية كامنة (Schemas)، وتشوهات معرفية آنية (Cognitive Distortions)، واستجابات سلوكية غير تكيفية كالتجنب والانسحاب. حين يتم نقل هذه المنظومة إلى السياق الجماعي، فإن المحيط الجمعي يعمل كمرآة نفسية تكشف التشوهات الفكرية أثناء حدوثها الحي والمباشر.

تكمن القوة النظرية لهذا النموذج في قدرته على معالجة الظواهر البينشخصية (Interpersonal Phenomena) التي قد تعجز الجلسات الفردية عن استحضارها بدقة. في العلاج الفردي، يعتمد المعالج على التقرير الذاتي الاسترجاعي للمريض لوصف مشكلاته الاجتماعية، في حين يتيح الإطار الجماعي ملاحظة الأنماط التفاعلية بصورة حية (In Vivo). يوفر هذا التفاعل المباشر مادة إكلينيكية غنية تسمح للمشاركين بتحديد الأفكار التلقائية السلبية فور تدفقها، ومواجهة مشاعر الخوف من التقييم السلبي في بيئة تماثل الضغوط الواقعية خارج قاعة العلاج.

إضافة إلى ذلك، يستفيد النموذج الجماعي من مفاهيم التعلم بالملاحظة (Observational Learning) والنمذجة البديلة (Vicarious Modeling). عندما يشاهد أحد الأعضاء زميلاً له وهو يناقش فكرة وسواسية أو يواجه موقفاً مسبباً للقلق، تحدث عملية تيسير معرفي تتيح للمشاهد استبطان استراتيجيات المواجهة وتطبيقها على ذاته دون التعرض المباشر للمخاطرة النفسية العالية. وبذلك، يتجاوز العلاج المعرفي السلوكي الجماعي مجرد تطبيق تقنيات CBT التقليدية على عدة أفراد متجاورين، ليصبح نسقاً علاجياً متماسكاً تتفاعل فيه العمليات المعرفية الفردية مع القوى الدينامية للجماعة.

التطور التاريخي والجذور الإبستمولوجية

تعود الجذور الأولى لاستخدام التقنيات المعرفية والسلوكية في أطر جماعية إلى منتصف القرن العشرين، بالتزامن مع صعود العلاج السلوكي وتطبيقات نظريات الإشراط الكلاسيكي والإجرائي. كان الباحثون الأوائل، مثل جوزيف وولبي، يستخدمون تقنيات التحصين التدريجي (Systematic Desensitization) في مجموعات من المرضى الذين يعانون من مخاوف متطابقة، بدافع تحسين الفعالية الاقتصادية والوصول إلى أعداد أكبر من طالبي العلاج. غير أن تلك المحاولات المبكرة افتقرت إلى استثمار التفاعلات البينشخصية، حيث كان المعالج يدير الجلسة بأسلوب تعليمي موجه فردياً داخل إطار جمعي ميكانيكي.

شهدت السبعينيات والثمانينيات من القرن العشرين تحولاً إبستمولوجياً جوهرياً مع اندلاع الثورة المعرفية في علم النفس الإكلينيكي. بدأ المعالجون يدركون أن الجماعة العلاجية ليست مجرد وسيلة لتقليل تكلفة العلاج، بل هي فضاء معرفي واجتماعي غني بحد ذاته. قاد باحثون مثل ريتشارد هايمبرغ (Richard Heimberg) تطوير أول بروتوكول مقنن وشديد الإحكام للعلاج المعرفي السلوكي الجماعي، وتحديداً لعلاج اضطراب القلق الاجتماعي. برهن هايمبرغ وزملاؤه على أن تعريض الأفراد الذين يعانون من الرهاب الاجتماعي لجمهور مصغر من الأقران يمثل تدخلاً سلوكياً فائق الفعالية لكسر حلقة التجنب وتعديل المعتقدات المشوهة عن الذات والآخرين.

في العقود اللاحقة، امتد النموذج ليشمل طيفاً واسعاً من الاضطرابات النفسية، مستفيداً من التنظيرات التي طرحها رواد العلاج النفسي الجماعي مثل إرفين يالوم. تم دمج عوامل الشفاء الجماعية الكلاسيكية مع البنية المعرفية السلوكية الموجهة بالهدف والقائمة على الأدلة التجريبية. أدى هذا التطور إلى صياغة أدلة علاجية قياسية تخضع لدراسات المقارنة العشوائية (RCTs)، مما رسخ مكانة العلاج المعرفي السلوكي الجماعي كأحد أكثر الأشكال العلاجية موثوقية في الطب النفسي المعاصر.

الآليات العلاجية وديناميات الجماعة في النموذج المعرفي السلوكي

تتحقق الفاعلية الفريدة للعلاج المعرفي السلوكي الجماعي عبر تضافر نوعين من الآليات: الآليات المعرفية السلوكية المتخصصة، وعوامل الشفاء الجماعية العامة. من منظور ديناميات الجماعة، تبرز آلية “العمومية” (Universality) كعامل علاجي حاسم؛ حيث يعاني معظم المرضى النفسيين من شعور خانق بالعزلة والاستثناء السلبي، معتقدين أنهم وحدهم من يكابدون هذه الأفكار الشاذة أو المخاوف المنهكة. عندما يستمع المريض إلى أقرانه وهم يعبرون عن أفكار تلقائية مشابهة تماماً لما يخفيه في عقله، تتلاشى وصمة العار الذاتية، مما يقلل من حدة التقييم الكارثي للأعراض ويمهّد الطريق للانفتاح المعرفي.

على المستوى المعرفي، تتيح البيئة الجماعية تطبيق تقنية “إعادة الهيكلة المعرفية” (Cognitive Restructuring) بصورة أكثر إقناعاً وتنوعاً مقارنة بالعلاج الفردي. حين يقوم المعالج بمفرده بتفنيد فكرة مشوهة لمريض، قد يميل الأخير إلى اعتبار ذلك مجرد جزء من واجبه المهني أو محاولة مجاملة اصطناعية. في المقابل، عندما يتلقى المريض تغذية راجعة وتفنيداً منطقياً من خمسة أو ستة أقران يشاركونه المعاناة ذاتها، يكتسب الدليل الموضوعي وزناً نفسياً مضاعفاً يصعب دحضه أو تجاهله، مما يسهم في تفكيك المخططات المعرفية الصلبة بكفاءة عالية.

أما على الصعيد السلوكي، فتعمل الجماعة كمختبر تجريبي فوري لإجراء التجارب السلوكية (Behavioral Experiments) ولعب الأدوار (Role-Playing). يمكن للمريض، تحت إشراف المعالج وتوجيهه، أن يختبر سلوكاً اجتماعياً جديداً يخشاه—كالحديث بحزم، أو التعبير عن الرأي المعارض، أو إظهار علامات التوتر الجسدي—ليلاحظ ردود أفعال المجموعة الحقيقية مقارنة بتوقعاته الكارثية. يؤدي التناقض المعرفي بين النتائج الإيجابية الفعلية داخل الجماعة والتوقعات السلبية المسبقة إلى تفكيك القلق الترقبي وتعديل معتقدات الكفاءة الذاتية بطريقة عملية راسخة.

بنية الجلسات ومراحل العملية العلاجية

يتميز العلاج المعرفي السلوكي الجماعي بدرجة عالية من التنظيم والهيكلة، وهو ما يميزه عن المدارس التحليلية أو الوجودية الحرة. تتراوح مدة البرنامج العلاجي القياسي عادة بين 12 إلى 16 جلسة أسبوعية، وتستغرق كل جلسة ما بين 90 إلى 120 دقيقة، بمشاركة مجموعة تتألف من 6 إلى 10 أعضاء. تنقسم العملية العلاجية المكتملة إلى مراحل متميزة تتكامل وتتسلسل منطقياً لضمان تحقيق الأهداف الإكلينيكية المرجوة.

المرحلة التمهيدية: الفرز والتهيئة

تبدأ العملية العلاجية قبل انعقاد أول جلسة جماعية من خلال المقابلة الإكلينيكية الفردية المسبقة (Pre-group Screening). تهدف هذه المرحلة إلى تقييم مدى ملاءمة المرشح للانضمام إلى المجموعة، واستبعاد الحالات التي قد تعرقل العملية الجمعية أو تتضرر منها، مثل الاضطرابات الذهانية النشطة، والميول الانتحارية الحادة، أو اضطرابات الشخصية المعادية للمجتمع ذات السلوك التخريبي. كما تُخصص هذه الجلسة للتهيئة التثقيفية للمريض، وتوضيح نموذج العمل، ومناقشة قواعد الخصوصية والسرية، وتبديد أي مخاوف متعلقة بالتحدث أمام الآخرين، وتحديد أهداف علاجية فردية قابلة للقياس.

المرحلة الأولى: التثقيف النفسي وبناء التماسك الجماعي

تركز الجلسات المبكرة (الجلسات 1-3) على إرساء القواعد العامة وتوفير التثقيف النفسي المكثف (Psychoeducation) حول النموذج المعرفي السلوكي. يتم تدريب الأعضاء على فهم العلاقة التفاعلية ثلاثية الأبعاد بين الموقف، والأفكار، والمشاعر، والسلوكيات. يتعلم المشاركون كيفية تدوين الأفكار التلقائية ورصد التشوهات الشائعة كالتفكير الكارثي، وقراءة الأفكار، والتفكير القطبي (أبيض أو أسود). في هذه المرحلة، يحرص المعالج على بناء مناخ آمن يعزز التماسك الجماعي (Group Cohesiveness)، وهو الركيزة الأساسية لأي تغيير لاحق.

المرحلة المتوسطة: التدخلات النشطة والتجارب السلوكية

تمثل الجلسات المتوسطة (الجلسات 4-12) جوهر العمل العلاجي، حيث تتسم كل جلسة بجدول أعمال صارم ومحدد يتضمن: مراجعة الواجبات المنزلية، وتحديد موضوع الجلسة المشترك، وتطبيق فنيات إعادة الهيكلة المعرفية، وإجراء تدريبات التعريض (Exposure) داخل الجلسة. يتم تشجيع الأعضاء على التدخل البناء وتقديم التغذية الراجعة لبعضهم البعض، مما يحول المجموعة إلى ورشة عمل تفاعلية لحل المشكلات وتعديل السلوكيات وتفنيد المعتقدات الجوهرية غير التكيفية.

المرحلة الختامية: منع الانتكاس والاستقلالية

تُخصص الجلسات الأخيرة لمراجعة التقدم الإكلينيكي المحرز، وترسيخ المهارات المكتسبة، وصياغة خطة وقائية شاملة لمنع الانتكاس (Relapse Prevention Plan). يتدرب الأعضاء على توقع المواقف الضاغطة المستقبلية وكيفية استخدام الأدوات المعرفية والسلوكية بمفردهم. كما تتيح هذه المرحلة معالجة مشاعر الفقد والانفصال المرتبطة بانتهاء العلاج الجماعي، والتأكيد على أن الجماعة كانت وسيلة تمكينية وليست غاية اعتمادية في ذاتها.

التطبيقات الإكلينيكية والاضطرابات المستهدفة

أثبت العلاج المعرفي السلوكي الجماعي فاعليته القاطعة عبر مجموعة واسعة من التشخيصات النفسية المدرجة في الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية (DSM-5). تم تكييف البروتوكولات المعرفية السلوكية الجماعية لتلائم خصوصية المظاهر المرضية لكل اضطراب، مستثمرة نقاط القوة الكامنة في المنظومة الاجتماعية للجماعة العلاجية.

اضطراب القلق الاجتماعي (Social Anxiety Disorder)

يعد اضطراب القلق الاجتماعي المجال النموذجي والتاريخي الأكثر توثيقاً لنجاح العلاج المعرفي السلوكي الجماعي. نظراً لأن الصعوبة الجوهرية لدى هؤلاء المرضى تكمن في الخوف من التقييم السلبي والمواقف الاجتماعية، فإن مجرد وجودهم داخل مجموعة علاجية يمثل تعريضاً تدريجياً طبيعياً. يتم توظيف تمارين لعب الأدوار وإلقاء الخطب الارتجالية القصيرة أمام المجموعة مع تسجيلها بالفيديو لمقارنة الصورة الذاتية المشوهة بالواقع الموضوعي، مما يسفر عن انخفاض ملحوظ ومستدام في أعراض الرهاب والانسحاب الاجتماعي.

اضطرابات الاكتئاب والوجدان

في حالات الاكتئاب، يستهدف العلاج المعرفي السلوكي الجماعي كسر حلقة العزلة السلوكية والاجترار الفكري (Rumination). يستفيد مرضى الاكتئاب بصورة كبرى من تقنية التنشيط السلوكي (Behavioral Activation) الجماعي؛ حيث يتم التخطيط للأنشطة الباعثة على الإنجاز والمتعة ومشاركتها مع الأقران، مما يوفر حافزاً اجتماعياً إيجابياً يعوض انخفاض الدافعية الفردي. كما يساعد الاستماع إلى مسارات التحسن لدى الأعضاء الآخرين في بعث الأمل وتفكيك معتقدات اليأس والعجز المكتسب.

اضطرابات القلق الأخرى والوسواس القهري

يُستخدم النموذج بكفاءة في علاج اضطراب الهلع (Panic Disorder) عبر تدريبات التعريض الداخلي (Interoceptive Exposure) المشتركة، حيث يتعرض الأعضاء معاً لمثيرات فسيولوجية تحاكي نوبات الهلع (كالدوران السريع أو فرط التنفس) لدحض المعتقدات الكارثية حول الموت أو الجنون. وفي حالات اضطراب الوسواس القهري (OCD)، توفر المجموعة شبكة دعم استثنائية لممارسة تقنية التعريض ومنع الاستجابة (ERP)، مما يعزز قدرة المرضى على تحمل القلق الناتج عن الهواجس دون اللجوء إلى الطقوس القهرية.

دور المعالج والقيادة المزدوجة في العلاج المعرفي السلوكي الجماعي

يتطلب توجيه مجموعة معرفية سلوكية مهارات إكلينيكية متقدمة تتجاوز متطلبات العلاج الفردي التقليدي. يتخذ المعالج في هذا السياق دوراً توجيهياً نشطاً وميسراً في آن واحد (Active-Directive and Facilitative). يجب على المعالج أن يحافظ على هيكل الجلسة والتزامها بالوقت وجدول الأعمال المعرفي السلوكي، دون أن يتحول إلى محاضر أكاديمي، مع الحرص المستمر على تحفيز التفاعل الأفقي بين الأعضاء بدلاً من حصر التفاعل في مسار عمودي بين العضو والمعالج فقط.

تعد استراتيجية المعالجة المشتركة (Co-Therapy) من أكثر النماذج الموصى بها في التطبيقات الميدانية للعلاج المعرفي السلوكي الجماعي. يتيح وجود معالجين اثنين توزيع الأدوار بكفاءة عالية؛ حيث يتولى أحدهما إدارة التدخل المعرفي المباشر وقيادة النقاش، بينما يركز المعالج المشارك على ملاحظة التعبيرات غير اللفظية للأعضاء الصامتين، ورصد ديناميات الانسحاب أو التوتر الخفي، وتنسيق الأنشطة السلوكية المعقدة ولعب الأدوار.

علاوة على ذلك، يواجه المعالج تحديات دينامية تتطلب تدخلاً دقيقاً لحماية التماسك الجمعي، ومن أبرزها:

  • العضو المستحوذ (The Monopolizer): العضو الذي يستهلك وقتاً غير متناسب في الحديث، مما يستدعي تدخلاً حازماً ولطيفاً لإعادة توجيه التركيز نحو مهارات الجلسة وأهداف باقي الأعضاء.
  • العضو الصامت أو المتجنب (The Silent Member): يتطلب تشجيعاً تدريجياً ومحسوباً دون إخضاعه لضغط مفرط قد يدفعه إلى الانسحاب من البرنامج العلاجي.
  • المشاعر السلبية والعدائية (Hostility): تتطلب احتواءً سريعاً وتأطيراً معرفياً لتحويل النزاع إلى فرصة تعليمية لفحص الأفكار الآلية وتحسين مهارات التواصل البينشخصي.

الفعالية الإكلينيكية والتقييم التجريبي

حظي العلاج المعرفي السلوكي الجماعي باهتمام بحثي مكثف عبر مئات الدراسات التجريبية والتحليلات البعدية (Meta-Analyses). أظهرت النتائج المتراكمة بشكل قاطع أن الفعالية الإكلينيكية لـ CBGT تكافئ بشكل عام الفعالية المتحققة في العلاج المعرفي السلوكي الفردي لمعظم الاضطرابات النفسية الشائعة، لا سيما اضطرابات القلق والاكتئاب غير المعقد، مع تفوق ملحوظ في تعزيز المهارات الاجتماعية وخفض الشعور بالعزلة.

تتجلى الميزة الاستراتيجية الكبرى للعلاج المعرفي السلوكي الجماعي في جدواه الاقتصادية الفائقة (Cost-Effectiveness). فمن منظور الصحة النفسية العامة واقتصاديات الرعاية الصحية، يتيح هذا النموذج للمعالج الفردي تقديم خدمات علاجية متخصصة ومبنية على الأدلة لثمانية أو عشرة مرضى في وقت واحد، مما يقلل قوائم الانتظار في العيادات والمستشفيات العامة بنسب تتجاوز 70%، ويوفر استغلالاً أمثل للموارد الطبية الشحيحة دون المساس بجودة الخدمة العلاجية المقدمة.

ورغم هذه المزايا البارزة، توجد محددات وموانع استخدام يجب أخذها بالحسبان عند التخطيط للعلاج. تتضمن هذه المحددات احتمال انسحاب المرضى غير المهيئين كفاية نتيجة القلق الاجتماعي الشديد غير المحتمل، أو تراجع الخصوصية مقارنة بالجلسات الفردية، بالإضافة إلى صعوبة تفريد التدخلات للمرضى الذين يعانون من مراضة مشتركة معقدة (Complex Comorbidity) مثل الصدمات البينشخصية الشديدة أو اضطرابات الشخصية الحادة التي تتطلب اهتماماً إكلينيكياً فردياً مكثفاً.

الخاتمة والآفاق المستقبلية

يمثل العلاج المعرفي السلوكي الجماعي نموذجاً علاجياً راسخاً ورفيع المستوى يجمع ببراعة بين الدقة التقنية للمدرسة المعرفية السلوكية والقوة الشفائية الفطرية للمجتمع الإنساني المصغر. من خلال تمكين الأفراد من إدراك عمومية معاناتهم، واختبار تشوهاتهم الفكرية في مرآة تفاعلية حية، وممارسة السلوكيات التكيفية داخل بيئة محتضنة، يقدم هذا النموذج مساراً علاجياً فعالاً ومستداماً يعزز المرونة النفسية والاندماج الاجتماعي.

تتجه الآفاق المستقبلية لـ CBGT نحو تبني النماذج العابرة للتشخيص (Transdiagnostic Group CBT)، والتي تركز على العمليات النفسية المشتركة كتحمل عدم اليقين والاجترار وتنظيم الانفعالات بدلاً من التركيز على تصنيف تشخيصي واحد، مما يسمح بضم مرضى يعانون من اضطرابات مختلفة في مجموعة واحدة بنجاح. كما يشهد الميدان توسعاً متسارعاً في العلاج المعرفي السلوكي الجماعي الرقمي وعبر منصات الاتصال المرئي، مما يفتح آفاقاً رحبة لكسر الحواجز الجغرافية والاجتماعية وتوفير العلاج النفسي القائم على الأدلة لقطاعات أوسع من المجتمعات الإنسانية.

المراجع

  • Beck, A. T. (1979). Cognitive therapy of depression. Guilford Press.
  • Bieling, P. J., McCabe, R. E., & Antony, M. M. (2006). Cognitive-behavioral therapy in groups. Guilford Press.
  • Heimberg, R. G., & Becker, R. E. (2002). Cognitive-behavioral group therapy for social phobia: Basic mechanisms and clinical strategies. Guilford Press.
  • Oei, T. P., & Dingle, G. (2008). The effectiveness of group cognitive behaviour therapy for unipolar depressive disorders. Journal of Affective Disorders, 107(1-3), 5-21.
  • Tucker, M., & Oei, T. P. (2007). Is group cognitive behaviour therapy (CBT) more effective than individual CBT? A review of the empirical literature. Clinical Psychology & Psychotherapy, 14(3), 184-196.
  • Yalom, I. D., & Leszcz, M. (2020). The theory and practice of group psychotherapy (6th ed.). Basic Books.

اقتباس هذا المقال

looti, M. (2026, أكتوبر 3). العلاج المعرفي السلوكي الجماعي: الأسس النظرية، الديناميات الإكلينيكية، والتطبيقات العلاجية. عرب سايكلوجي. https://arabpsychology.com/dictionary/%d8%a7%d9%84%d8%b9%d9%84%d8%a7%d8%ac-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%b9%d8%b1%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%84%d9%88%d9%83%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d8%ac%d9%85%d8%a7%d8%b9%d9%8a/
looti, Mohammed. “العلاج المعرفي السلوكي الجماعي: الأسس النظرية، الديناميات الإكلينيكية، والتطبيقات العلاجية.” عرب سايكلوجي, 3 أكتوبر 2026, https://arabpsychology.com/dictionary/%d8%a7%d9%84%d8%b9%d9%84%d8%a7%d8%ac-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%b9%d8%b1%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%84%d9%88%d9%83%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d8%ac%d9%85%d8%a7%d8%b9%d9%8a/.
looti, Mohammed. “العلاج المعرفي السلوكي الجماعي: الأسس النظرية، الديناميات الإكلينيكية، والتطبيقات العلاجية.” عرب سايكلوجي. أكتوبر 3, 2026. https://arabpsychology.com/dictionary/%d8%a7%d9%84%d8%b9%d9%84%d8%a7%d8%ac-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%b9%d8%b1%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%84%d9%88%d9%83%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d8%ac%d9%85%d8%a7%d8%b9%d9%8a/.