القياس والتشخيص النفسيعلم النفس النمائيعلم نفس الطفولة

مقياس برازلتون لتقييم سلوك حديثي الولادة (NBAS)

دراسة أكاديمية شاملة ومفصلة حول مقياس برازلتون لتقييم سلوك حديثي الولادة (NBAS)، متضمنة أبعاده النظرية وبنيته السيكومترية وتطبيقاته الإكلينيكية والنمائية.

Mohammed looti أكاديمي وباحث متخصص في علم النفس
تاريخ النشر
تمت المراجعة العلمية · د. مروة عبد العظيم · 1 أكتوبر، 2026
مراجعة وتدقيق علمي معتمد تاريخ التدقيق: 1 أكتوبر، 2026
د. مروة عبد العظيم دكتوراه
أستاذة علم النفس • جامعة كربلاء
معايير التدقيق والاعتماد السريري

يخضع هذا المحتوى لمعايير ضبط الجودة والتدقيق العلمي والأكاديمي الصارمة في شبكة علم النفس العربي، لضمان صحة المعلومات ودقتها السريرية ومطابقتها لأحدث الأدلة والبراهين الصادرة عن الجمعيات النفسية والطبية المعتمدة (APA / WHO).

يُعد مقياس برازلتون لتقييم سلوك حديثي الولادة (Brazelton Neonatal Behavioral Assessment Scale – NBAS) واحداً من أبرز المنعطفات العلمية في تاريخ علم النفس النمائي وطب الأطفال الحديث؛ إذ أحدث ثورة مفاهيمية غيرت النظرة الكلاسيكية للوليد من كائن سلبي يعتمد فقط على الاستجابات الانعكاسية الغريزية إلى فاعل نشط يمتلك قدرات إدراكية واجتماعية وتنظيمية معقدة منذ اللحظات الأولى لخروجه إلى العالم. طُوّر هذا المقياس على يد طبيب الأطفال والباحث النفسي الأمريكي ت. بيري برازلتون (T. Berry Brazelton) وفريقه المعاون في سبعينيات القرن العشرين، بهدف رصد التباينات الفردية الدقيقة في السلوك العصبي للرضيع وتوثيق طاقته التفاعلية الفريدة مع البيئة المادية والاجتماعية المحيطة به.

السياق التاريخي والتطور النظري لمقياس برازلتون

قبل ظهور مقياس برازلتون في عام 1973، كانت الأدوات الإكلينيكية السائدة لتقييم المواليد الجدد، مثل حرز أبغار (Apgar Score) والفحوصات العصبية التقليدية لبريشتل (Prechtl) وسانت آن دارغاسيس (Saint-Anne Dargassies)، تركز بصورة شبه حصرية على تقييم البقاء العضوي والسلامة العصبية البنائية. كانت تلك الفحوصات تستهدف استكشاف سلامة الجذع الدماغي والجهاز العصبي المركزي من خلال تتبع الانعكاسات الحركية الفطرية مثل منعكس مورو ومنعكس المص، متجاهلة إلى حد كبير المظاهر السلوكية التفاعلية ومقدرة الرضيع على معالجة المدخلات الحسية والتحكم في حالات الوعي والانتباه.

انطلق برازلتون من ملاحظة إكلينيكية مفادها أن كل طفل حديث الولادة يُظهر أسلوباً فريداً وشخصية أولية تتمايز بوضوح حتى بين الأشقاء والتوائم؛ فبينما يهدأ بعض الأطفال بسهولة إثر تعرضهم لمثير مقلق، يواجه آخرون صعوبة بالغة في كبح الاستثارة والعودة إلى حالة التوازن الفسيولوجي. وقد تزامن تطوير المقياس مع صعود نظريات التعلق والتحليل النفسي النمائي، لا سيما أطروحات جون بولبي وإريك إريكسون، حيث برزت الحاجة الماسة إلى أداة تصف إمكانات الرضيع التي تؤسس لنواة العلاقة التبادلية بينه وبين مقدمي الرعاية.

شهد المقياس مراجعات متتالية منذ نسخته الأولى في عام 1973؛ فصدرت الطبعة الثانية في عام 1984 لتدقيق معايير القياس وإضافة عناصر تشخيصية دقيقة، تلتها الطبعة الثالثة في عام 1995، ثم الطبعة الرابعة في عام 2011 بالتعاون مع ج. كيفن نوجنت (J. Kevin Nugent). وقد وسعت هذه التنقيحات من أطر استخدام الأداة لتشمل التطبيقات البحثية والتدخلات الوقائية الموجهة للأسر، كما انبثق عنها نظام فرعي يُعرف بنظام التقييم السلوكي للرضع حديثي الولادة والمعدّ كأداة تدخل سريري داعمة للتفاعل الوالدي (Newborn Behavioral Observations – NBO).

الأسس الفلسفية والنموذج التفاعلي التزامني

يقوم مقياس برازلتون على نموذج نظري يُصنف ضمن المنظور التفاعلي النمائي؛ حيث يُنظر إلى الرضيع بوصفه كائناً بيولوجياً واجتماعياً قادراً على التنظيم الذاتي (Self-Regulation) والتأثير النشط في محيطه الإنساني. تفترض هذه الفلسفة أن السلوك ليس مجرد رد فعل ميكانيكي لمثيرات بيئية، بل هو محاولة تكيفية ديناميكية يقوم بها الجهاز العصبي المركزي للحفاظ على التوازن الداخلي واستيعاب الخبرات الخارجية في آن واحد دون الوقوع في فرط الاستثارة.

يستند المقياس إلى فرضية هرمية مستوحاة من نظرية التكامل الحسي والعصبي لهايدليز ألس (Heidelise Als) ونموذجها المعروف بـ “النموذج التزامني لنمو السلوك العصبي” (Synactive Model of Neurobehavioral Development). يرى هذا النموذج أن سلوك الرضيع ينتظم عبر أربعة أنظمة فرعية متداخلة تعمل في تناسق مستمر: النظام الفسيولوجي الذاتي، والنظام الحركي، ونظام تنظيم الحالات السلوكية، وأخيراً نظام الانتباه والتفاعل الاجتماعي. ويعكس نجاح الرضيع في استقرار الأنظمة القاعدية (الفسيولوجية والحركية) قدرته على الانتقال إلى الأنظمة العليا المتمثلة في التواصل البصري والسمعي النشط.

تتمحور فلسفة برازلتون أيضاً حول إبراز “أفضل أداء ممكن” للرضيع (Best Performance) وليس متوسط أدائه؛ فالأخصائي المدرب لا يسعى إلى رصد الاستجابة الروتينية الأولى، بل يحرص على توفير الدعم البيئي والجسدي والتهدئة الملائمة لمساعدة الطفل على إظهار أعلى مستويات الكفاءة المعرفية والحركية والاجتماعية التي يستطيع الوصول إليها. ومن ثم، فإن المقياس لا يُدار باختبار جامد، بل بحوار ديناميكي متعدد الأبعاد يشارك فيه الفاحص والرضيع معاً.

بنية المقياس والمجموعات السلوكية والعصبية

يتألف مقياس برازلتون لتقييم سلوك حديثي الولادة من 28 بنداً سلوكياً يتم تقييمها على مقياس متدرج من تسع نقاط، و18 بنداً للانعكاسات العصبية المبرمجة يتم تصنيفها على مقياس من أربع نقاط لتحديد الاستجابات الطبيعية أو الناقصة أو المفرطة. تُغطي هذه البنود مساحات واسعة من الوظائف النمائية وتتجمع بصورة كلينيكية وبحثية ضمن ستة أبعاد أو مجموعات بنائية أساسية تمثل الكفاءة السلوكية الشاملة للوليد.

  • التعود (Habituation): يقيس هذا البعد قدرة الرضيع على التكيف الحسي وكف الاستجابة السلوكية تدريجياً لمثيرات مزعجة متكررة أثناء النوم، مثل وميض الضوء الموجه للعينين، والصوت المعدني لخشخيشة، والمنبه الصوتي، والوخز اللمسي الخفيف على أخمص القدم. تعكس هذه القدرة حماية الدماغ لنفسه من الإرهاق الحسي والحفاظ على استمرارية النوم.
  • التوجه والانتباه (Orientation): يستكشف هذا البعد مدى قدرة الطفل وهو في حالة اليقظة الهادئة على تثبيت انتباهه وملاحقة المثيرات البصرية والسمعية الحية وغير الحية. يشمل ذلك تتبع وجه الفاحص، ومتابعة صوت بشري ناعم، وملاحقة كرة حمراء زاهية أو صوت خشخيشة في مستويات أفقية وعمودية، وهو ما يُعد مؤشراً حيوياً على الكفاءة الإدراكية المبكرة.
  • النضج الحركي (Motor Maturity): يركز على جودة الحركات التلقائية، ودرجة توتر العضلات (Muscle Tone)، والقدرة على التحكم في الرأس عند الجذب للجلوس، وتناسق الأطراف، وتكامل الدفاعات الحركية عندما يُوضع شاش خفيف على وجه الطفل لإعاقة مجرى الهواء.
  • تنظيم الحالات وتغيرها (State Organization): يُقيّم هذا البعد سلاسة الانتقال بين حالات الوعي المختلفة، من النوم العميق إلى اليقظة وصولاً إلى البكاء الشديد، وسرعة استثارة الطفل، ودرجة التقلب أو الاستقرار العام في مستوى التيقظ طوال جلسة الفحص.
  • التنظيم الذاتي والتهدئة (State Regulation / Self-Soothing): يقيس الموارد الداخلية التي يلجأ إليها الرضيع لتهدئة نفسه عند الانزعاج، مثل وضع يده في فمه، أو تثبيت نظره على مثير بصري، أو الاستماع إلى صوت خارجي، بالإضافة إلى مدى تجاوبه واستجابته لمساعي الفاحص لتهدئته (مثل الحديث اللطيف، أو التقميط، أو الحمل، أو استخدام اللهاية).
  • استقرار الجهاز العصبي الذاتي (Autonomic Stability): يرصد علامات الإجهاد الفسيولوجي وردود الفعل المستقلة، مثل التغيرات المفاجئة في لون الجلد (الشحوب أو التبقع أو الازرقاق)، والرجفان الحركي في الأطراف، والحازوقة، أو القيء، أو اضطرابات وتيرة التنفس عند التعرض للأعباء الحسية والحركية.

حالات الوعي السلوكية وتنظيم التيقظ

تُعد حالات الوعي السلوكية (Behavioral States) المحور الأساسي والمفتاح المنهجي لفهم وتطبيق مقياس برازلتون؛ فالتقييم السلوكي للرضيع لا يكتسب معناه إلا إذا تم تأطيره ضمن الحالة التي كان عليها الطفل أثناء تقديم المثير. لقد صنف برازلتون حالات الوعي الوليدية إلى ست حالات متمايزة ودقيقة، تتوزع بين حالتي نوم، وحالة انتقال بينية، وثلاث حالات يقظة.

تتمثل الحالة الأولى (State 1) في النوم العميق الخالي من حركات العين السريعة، حيث يكون تنفس الطفل منتظماً ويسود سكون حركي شبه تام باستثناء ارتعاشات عارضة، مما يجعل الاستجابة للمثيرات الخارجية في أدنى مستوياتها. تليها الحالة الثانية (State 2) وهي النوم الخفيف المترافق مع حركات العين السريعة (REM Sleep)، حيث يظهر الرضيع حركات وجهية كالابتسام أو الامتعاض، ويكون تنفسه غير منتظم، وتكون عتبة استثارته للمنبهات المحيطة أقل ارتفاعاً من الحالة الأولى.

أما الحالة الثالثة (State 3) فهي النعاس أو المرحلة البينية المتقلبة، وتتسم بحركات جسدية غير منسقة وعينين مغلقتين جزئياً بمظهر زجاجي أو ناعس مع استجابة بطيئة للمؤثرات. وتعتبر الحالة الرابعة (State 4) وهي اليقظة الهادئة (Quiet Alert) بمثابة الحالة الذهبية في المقياس؛ حيث يسكن الجسد نسبياً وتتفتح العينان ببريق وانتباه، وتتجه الطاقة العقلية للرضيع بأكملها نحو معالجة المعلومات والتفاعل الاجتماعي والتركيز على الوجوه والأصوات.

تأتي بعد ذلك الحالة الخامسة (State 5) وهي اليقظة النشطة (Active Alert)، حيث تكثر الحركات العشوائية للأطراف وتبدو على الطفل بوادر التوتر أو الجوع أو عدم الارتياح الحسي. وأخيراً، الحالة السادسة (State 6) وهي حالة البكاء الشديد والصراخ المستمر الذي يحجب قدرة الطفل على استقبال وتفسير أي مثيرات خارجية، ويصبح الهدف الإكلينيكي عندها هو مراقبة قدرات التنظيم الذاتي أو مدى الجهد المطلوب من الفاحص لتهدئة الرضيع وإعادته إلى حالات التوازن الهادئة.

إجراءات التطبيق والمعايير المنهجية للفحص

يتطلب تطبيق مقياس برازلتون التزاماً صارماً ببروتوكولات زمنية وبيئية محددة لضمان الحصول على بيانات دقيقة تمثل الكفاءة الحقيقية للطفل. يُطبق المقياس عادة على الأطفال حديثي الولادة مكتملي النمو، بدءاً من عمر الحمل البالغ 37 أسبوعاً وحتى نهاية الشهر الأول بعد الولادة (حوالي 28 إلى 30 يوماً)، ويستغرق الفحص في المتوسط ما بين 25 إلى 40 دقيقة تبعاً لطبيعة تنظيم حالات الطفل وسرعة استجابته.

يجب أن يُجرى التقييم في بيئة شبه معزولة تتميز بضوء خافت وحرارة دافئة تتراوح بين 22 و24 درجة مئوية لتجنب حدوث أي اضطراب في التنظيم الحراري أو الحسي للرضيع، وفي غرفة يسودها الهدوء النسبي. والتوقيت الأمثل لإجراء الفحص هو في منتصف المسافة الزمنية بين رضعتين (أي بعد حوالي ساعة إلى ساعة ونصف من انتهاء الرضاعة)، حيث يضمن ذلك عدم غرق الطفل في نوم عميق ناتج عن التخمة أو دخوله في حالة تهيج وبكاء بفعل الجوع الشديد.

يبدأ الفحص والطفل مستغرق في نومه في ملابسه، حيث تُدار بنود التعود أولاً لرصد كيفية تكيف الجهاز العصبي مع منبهات الصوت والضوء دون إيقاظه. بعد ذلك، يُعرى الرضيع جزئياً لتقييم النغمة العضلية والحركات غير الإرادية والانعكاسات البسيطة، ثم يُشجع الرضيع بلطف عبر التنبيه اللمسي واللفظي للوصول إلى الحالة الرابعة لتقييم بنود التوجه البصري والسمعي والتواصل الاجتماعي. وفي المرحلة الأخيرة، يتم فحص الانعكاسات الدفاعية وتلك التي تتطلب استثارة حركية قوية (مثل منعكس الخطو ومنعكس مورو) والتي قد تثير بكاء الطفل، ليُختتم الفحص بمراقبة استراتيجيات التهدئة والتنظيم الذاتي المتبعة.

التطبيقات الإكلينيكية والتدخل المبكر

تتجاوز وظيفة مقياس برازلتون مجرد كونه أداة مسحية عصبية؛ إذ تحول في الممارسة الإكلينيكية الحديثة إلى وسيلة علاجية ووقائية بالغة التأثير في ميدان الطب النفسي للأطفال ورعاية الخدج والمواليد المعرضين لمخاطر نمائية عالية. يوفر المقياس ملفاً تشخيصياً ديناميكياً يحدد نقاط القوة الكامنة ومواطن الضعف التنظيمي لدى الأطفال الذين عانوا من مضاعفات الولادة، مثل نقص الأكسجين الخفيف، أو تأخر النمو داخل الرحم، أو أولئك الذين ولدوا لأمهات يعانين من اكتئاب ما بعد الولادة أو تعاطين مواد مؤثرة على الأعصاب أثناء الحمل.

يمثل إشراك الوالدين في جلسة التقييم واحداً من أقوى التطبيقات الإكلينيكية للمقياس؛ فعندما يرى الآباء والأمهات استجابة طفلهم الرضيع لصوتهم وتفضيله لوجوههم ومحاولاته المستميتة لإدخال إبهامه في فمه لتهدئة روعه، تتلاشى مخاوفهم وقلقهم المرضي ويتعزز حس الكفاءة الوالدية لديهم. يعمل الأخصائي هنا كوسيط ومترجم للغة الرضيع الجسدية، مفسراً للوالدين إشارات التوتر (مثل فرد الأصابع أو تجنب النظر) وإشارات الاستعداد التفاعلي (مثل الوجه المسترخي وثبات النظرة)، مما يدعم الترابط الوجداني المبكر ويقلل من نسب الاضطرابات العلائقية وسوء المعاملة اللاحقة.

في وحدات العناية المركزة لحديثي الولادة (NICU)، شكلت مفاهيم مقياس برازلتون الركيزة الأساسية لبرامج الرعاية النمائية الفردية الداعمة للرضع المبتسرين، والمعروفة ببرنامج (NIDCAP). يُسهم تحليل استقرار الحالات العصبية في مساعدة الكوادر الطبية والتمريضية على تعديل وتيرة الرعاية، وتقليل التلوث السمعي والضوئي، وتخصيص جداول الرضاعة والتلامس الجلدي (طريقة الكنغر) بما يتناسب بدقة مع الطاقة التكيفية لكل رضيع.

الخصائص السيكومترية والتحديات المنهجية

يتمتع مقياس برازلتون بخصائص سيكومترية فريدة تميزه عن المقاييس النفسية التقليدية، فهو ليس اختباراً معيارياً جامداً يُعطي درجة ذكاء أو حرزاً كمياً كلياً موحداً، بل هو أداة وصفية بنائية ترسم منحنى الأداء الوظيفي للوليد. ومع ذلك، خضع المقياس لاختبارات تجريبية صارمة أثبتت تمتعه بمستويات عالية من الصدق التمييزي والمحتوى، حيث نجح بثبات في التمييز بين الأطفال الأصحاء والأطفال المعرضين لاضطرابات عصبية أو بيئية مبكرة.

أما من حيث الثبات، فإن ثبات إعادة التطبيق (Test-Retest Reliability) على نفس الرضيع يواجه تحدياً نظرياً ومنهجياً جوهرياً؛ فالأطفال حديثو الولادة يمرون بتقلبات نمائية فسيولوجية حادة وسريعة خلال الأيام والأسابيع الأولى، فضلاً عن تأثير عوامل التغذية ودرجة الإجهاد وعمليات التعافي من صدمة الولادة الفيزيائية. لذلك، لا يُتوقع أن يتطابق سلوك الطفل تطابقاً تاماً بين يوم وآخر، بل يُنظر إلى التغير ذاته بوصفه مؤشراً على المرونة التكيفية والمسار النمائي الفردي.

في المقابل، يُلزم مقياس برازلتون الفاحصين بالحصول على شهادة تدريب واعتماد رسمية تتطلب تحقيق نسبة اتساق وتوافق بين الملاحظين (Inter-Rater Reliability) لا تقل عن 90% عبر فحص وتقييم حالات سريرية حقيقية متعددة. ويُعد هذا التدريب الصارم ضرورياً للحد من الانحياز الذاتي للفاحص، وضمان تفسير الإشارات السلوكية بدقة وحرفية عالية، وتوحيد أسلوب تقديم المثيرات ومقدار الدعم المقدم للطفل.

الأبعاد الثقافية والمقارنات عبر المجتمعات

لعب مقياس برازلتون دوراً رائداً في ميدان علم النفس النمائي عبر الثقافات (Cross-Cultural Developmental Psychology)؛ حيث دحض النماذج الأحادية التي كانت تفترض خطاً نمطياً واحداً لنمو السلوك البشري بصرف النظر عن الموروث الجيني أو السياق الإيكولوجي والممارسات التربوية للأمهات. استُخدم المقياس في عشرات الدراسات الميدانية التي قارنت بين أطفال من مجتمعات متنوعة في إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية وأوروبا وأمريكا الشمالية.

كشفت الدراسات التي أجراها برازلتون وزملاؤه على مواليد قبائل الجوسيي (Gusii) في كينيا، وقبائل الزينكاستيكو (Zinacanteco) في المكسيك، ومواليد نافاهو الأصليين في الولايات المتحدة، عن تمايزات مذهلة في أنماط الاستجابة العصبية منذ الأيام الأولى للحياة. فعلى سبيل المثال، أظهر مواليد مجتمعات معينة نضجاً حركياً مدهشاً وتوتراً عضلياً قوياً مقارنة بنظرائهم من المجتمعات الغربية، في حين أظهر أطفال مجتمعات أخرى هدوءاً فائقاً واستقراراً لافتاً في الجهاز العصبي الذاتي وقدرة مبكرة على كبح البكاء، مدعومة بممارسات الحمل اللصيق بالجسد والتقميط المستمر.

أكدت هذه المعطيات أن سلوك الرضيع الوليد ليس مجرد تعبير بيولوجي مجرد، بل هو نسيج يتأثر بالحياة الجنينية داخل الرحم، والتغذية، والحالة النفسية للأم، والجينات الوراثية، والتوقعات الثقافية السائدة. وبناءً على ذلك، يوفر المقياس للباحثين أداة بالغة الحساسية لفهم التنوع الإنساني واحترام الخصوصيات الثقافية في رعاية الأطفال دون الوقوع في فخ التعميمات المعيارية الاستعلائية.

خاتمة واستشراف لمستقبل تقييم السلوك الوليدي

يمثل مقياس برازلتون لتقييم سلوك حديثي الولادة تحفة علمية جمعت بين دقة التحليل العصبي السريري وعمق الرؤية النفسية الديناميكية لنمو الإنسان المبكر. فمن خلال الكشف عن القدرات التفاعلية الاستثنائية التي يمتلكها الطفل منذ مهده الأول، استطاع المقياس أن يعيد صياغة الممارسات الطبية والنفسية المتعلقة برعاية المواليد، ونقل مركز الاهتمام من مجرد فحص ردود الأفعال العضلية المنعزلة إلى دراسة الكائن الإنساني ككل متكامل يسعى جاهداً للتواصل والتنظيم الذاتي والاندماج في محيطه الاجتماعي.

مع تسارع التطورات في علوم الأعصاب الإدراكية وتقنيات التصوير الدماغي الوظيفي والمؤشرات الحيوية الرقمية، يستمر مقياس برازلتون في إلهام الدراسات المعاصرة التي تبحث في آليات المرونة العصبية (Neuroplasticity) والروابط المبكرة بين الدماغ والسلوك. إن النظرة الإنسانية التي رسخها برازلتون – والتي تدعو إلى الإصغاء المتأني إلى صوت الرضيع ولغة جسده واحترام تفرده الشخصي – ستبقى نبراساً لا غنى عنه لكل مشتغل في مجالات الطفولة المبكرة والتدخل الوقائي والصحة النفسية الأسرية على مستوى العالم.

المراجع

  • Als, H., Tronick, E., Lester, B. M., & Brazelton, T. B. (1979). Specific neonatal behaviors: The first signs of ethnic differences. Perinatal Environment, 4, 34-45.
  • Brazelton, T. B. (1973). Neonatal Behavioral Assessment Scale (Clinics in Developmental Medicine, No. 50). Spastics International Medical Publications.
  • Brazelton, T. B. (1984). Neonatal Behavioral Assessment Scale (2nd ed.). J.B. Lippincott Co.
  • Brazelton, T. B., & Nugent, J. K. (1995). Neonatal Behavioral Assessment Scale (3rd ed.). Mac Keith Press.
  • Brazelton, T. B., & Nugent, J. K. (2011). The Neonatal Behavioral Assessment Scale (4th ed.). Mac Keith Press.
  • Nugent, J. K., Keefer, C. H., Minear, S., Johnson, L. C., & Blanchard, Y. (2007). Understanding newborn behavior and style: The Newborn Behavioral Observations (NBO) system handbook. Paul H. Brookes Publishing.
  • Nugent, J. K., Lester, B. M., & Brazelton, T. B. (Eds.). (1989). The cultural context of infancy: Volume 1. Biology, culture, and infant development. Ablex Publishing.
  • Prechtl, H. F. (1977). The neurological examination of the full-term newborn infant (2nd ed.). Spastics International Medical Publications.

اقتباس هذا المقال

looti, M. (2026, أكتوبر 1). مقياس برازلتون لتقييم سلوك حديثي الولادة (NBAS). عرب سايكلوجي. https://arabpsychology.com/dictionary/%d9%85%d9%82%d9%8a%d8%a7%d8%b3-%d8%a8%d8%b1%d8%a7%d8%b2%d9%84%d8%aa%d9%88%d9%86-%d9%84%d8%aa%d9%82%d9%8a%d9%8a%d9%85-%d8%b3%d9%84%d9%88%d9%83-%d8%ad%d8%af%d9%8a%d8%ab%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d9%88%d9%84/
looti, Mohammed. “مقياس برازلتون لتقييم سلوك حديثي الولادة (NBAS).” عرب سايكلوجي, 1 أكتوبر 2026, https://arabpsychology.com/dictionary/%d9%85%d9%82%d9%8a%d8%a7%d8%b3-%d8%a8%d8%b1%d8%a7%d8%b2%d9%84%d8%aa%d9%88%d9%86-%d9%84%d8%aa%d9%82%d9%8a%d9%8a%d9%85-%d8%b3%d9%84%d9%88%d9%83-%d8%ad%d8%af%d9%8a%d8%ab%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d9%88%d9%84/.
looti, Mohammed. “مقياس برازلتون لتقييم سلوك حديثي الولادة (NBAS).” عرب سايكلوجي. أكتوبر 1, 2026. https://arabpsychology.com/dictionary/%d9%85%d9%82%d9%8a%d8%a7%d8%b3-%d8%a8%d8%b1%d8%a7%d8%b2%d9%84%d8%aa%d9%88%d9%86-%d9%84%d8%aa%d9%82%d9%8a%d9%8a%d9%85-%d8%b3%d9%84%d9%88%d9%83-%d8%ad%d8%af%d9%8a%d8%ab%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d9%88%d9%84/.