تحليل السلوك التطبيقيمناهج البحث في علم النفس

تصميم أ-ب-أ-ج-أ (A-B-A-C-A Design) في الأبحاث النفسية وتحليل السلوك

استكشف تصميم أ-ب-أ-ج-أ (A-B-A-C-A design) في أبحاث الحالة الفردية وتحليل السلوك: هيكله، والتحكم التجريبي، والتحليل البصري للبيانات، ومقارنته بالتصاميم الأخرى.

Mohammed looti أكاديمي وباحث متخصص في علم النفس
تاريخ النشر
تمت المراجعة العلمية · د. مروة عبد العظيم · 25 سبتمبر، 2026
مراجعة وتدقيق علمي معتمد تاريخ التدقيق: 25 سبتمبر، 2026
د. مروة عبد العظيم دكتوراه
أستاذة علم النفس • جامعة كربلاء
معايير التدقيق والاعتماد السريري

يخضع هذا المحتوى لمعايير ضبط الجودة والتدقيق العلمي والأكاديمي الصارمة في شبكة علم النفس العربي، لضمان صحة المعلومات ودقتها السريرية ومطابقتها لأحدث الأدلة والبراهين الصادرة عن الجمعيات النفسية والطبية المعتمدة (APA / WHO).

يُمثّل تصميم أ-ب-أ-ج-أ (A-B-A-C-A design) أحد أكثر النماذج التجريبية رصانة وتطوراً في إطار تصاميم أبحاث الحالة الفردية (Single-Case Experimental Designs)، حيث يُستخدم على نطاق واسع في ميادين علم النفس التجريبي والإكلينيكي وتحليل السلوك التطبيقي والتربية الخاصة. يهدف هذا التصميم المنهجي المتقدم إلى تقييم الآثار النسبية والوظيفية لتدخلين علاجيين أو تجريبيين منفصلين ومقارنتهما بخط الأساس، مما يمنح الباحثين قدرة استثنائية على إثبات العلاقة السببية والتحكم التجريبي الصارم. ومن خلال العودة المنهجية المتكررة إلى ظروف خط الأساس بعد كل تدخل، يُمكّن هذا النموذج الممارسين والأكاديميين من تفكيك المكونات النشطة للعلاجات السلوكية بدقة متناهية، والتحقق من عدم تأثر النتائج بالمتغيرات الدخيلة أو عوامل الصدفة التاريخية والنمائية.

الإطار النظري والجذور المعرفية لتصاميم الحالة الفردية

نشأت تصاميم الأبحاث ذات الحالة الفردية كرد فعل منهجي وعلمي على هيمنة التصاميم الجماعية التقليدية القائمة على المجموعات الضابطة والمتوسطات الحسابية الإحصائية. تعود الجذور المعرفية لهذه المنهجيات إلى أعمال عالم النفس الأمريكي بورهوس فريدريك سكينر وتطويره لميدان التحليل التجريبي للسلوك (Experimental Analysis of Behavior)، حيث رأى سكينر وزملاؤه أن دراسة السلوك الفردي بدقة مستمرة وعبر فترات زمنية ممتدة تكشف عن القوانين الوظيفية الحاكمة للسلوك بصورة تفوق ما تقدمه المقارنات الجماعية التي قد تطمس الفروق الفردية الجوهرية.

وقد أرسى موراي سيدمان (Murray Sidman) في مؤلفه الكلاسيكي الصادر عام 1960 المعايير المنطقية للإثبات العلمي في بحوث الفرد الواحد، مشدداً على أن التحكم التجريبي الحقيقي يتجلى في القدرة على إظهار التأثير السلوكي وإلغائه ثم استعادته مجدداً وفق شروط تجريبية محددة بدقة. وضمن هذا المسار المتطور، تبلور تصميم أ-ب-أ-ج-أ كنسخة متقدمة من تصاميم السحب والارتداد (Withdrawal/Reversal Designs)، ليتجاوز مجرد فحص فعالية علاج وحيد إلى فحص مقارن متعدد المعاملات.

في السياق الإكلينيكي المعاصر، يُعتبر هذا التصميم ركيزة أساسية للأبحاث السريرية القائمة على الأدلة، لا سيما في الحالات التي تتطلب تخصيصاً فردياً دقيقاً للتدخلات النفسية والسلوكية. إنه يُمكّن الباحث من اختبار فرضيات محددة حول آليات التغيير، مما يجعله أداة معرفية بالغة الأهمية تسهم في ردم الهوة بين الممارسة العيادية الواقعية والبحث العلمي الصارم الذي يتطلب ضبطاً منهجياً مكثفاً لجميع المتغيرات المحيطة بالظاهرة المدروسة.

البنية الهيكلية والمراحل الإجرائية لتصميم أ-ب-أ-ج-أ

يتألف تصميم أ-ب-أ-ج-أ من خمس مراحل تجريبية متتابعة ومنظمة منطقياً، حيث يرمز الحرف (أ) إلى مرحلة خط الأساس، بينما يرمز الحرفان (ب) و(ج) إلى شكلين مختلفين من المتغير المستقل أو التدخل العلاجي. يخضع الانتقال بين هذه المراحل لمعايير تجريبية صارمة تعتمد على استقرار البيانات واستقرار اتجاهها ومستواها، بعيداً عن التقديرات العشوائية أو الفترات الزمنية المحددة سلفاً دون اعتبار لاستجابة الفرد الخاضع للدراسة.

تبدأ الدراسة بـمرحلة خط الأساس الأولى (أ₁)، حيث يقوم الباحث برصد السلوك المستهدف وقياسه بشكل متكرر في ظروفه الطبيعية دون إدخال أي تعديل تجريبي. الهدف الجوهري من هذه المرحلة هو تأسيس نمط مستقر للسلوك يتيح التنبؤ بمساره المستقبلي في حال عدم تقديم أي تدخل، ويشترط في هذه المرحلة أن تتصف البيانات بالاستقرار الأدنى في التباين والاتجاه لضمان صدق المقارنات اللاحقة.

يعقب ذلك مرحلة التدخل الأول (ب)، وفيها يُطبق المتغير المستقل الأول بشكل منتظم ومنهجي، مع استمرار القياس المستمر للسلوك بنفس المعايير والأدوات المستخدمة في خط الأساس. يراقب الباحث هنا التغيرات الفورية والتراكمية في مستوى السلوك وميله وزمن كمونه، باحثاً عن أي دلالة تشير إلى حدوث انحراف ملحوظ عن المسار المتوقع الذي تم التنبؤ به استناداً إلى بيانات مرحلة خط الأساس الأولى.

تمثل مرحلة السحب والعودة إلى خط الأساس الثانية (أ₂) الاختبار الحاسم للتحكم التجريبي الأول؛ فبمجرد استقرار الاستجابة في المرحلة (ب)، يُسحب التدخل بالكامل لإعادة الظروف تماماً إلى ما كانت عليه في مرحلة خط الأساس المبدئية. إذا تراجع السلوك أو عاد مقترباً من مستواه الأصلي، يُعد ذلك دليلاً أولياً قوياً على أن التغير الملاحظ في المرحلة (ب) كان ناتجاً وظيفياً عن التدخل ذاته وليس بفعل عوامل خارجية دخيلة مثل النضج الطبيعي أو الأحداث البيئية المصادفة.

بعد استقرار البيانات في مرحلة السحب، تبدأ مرحلة التدخل الثاني (ج)، والتي تشهد تطبيق استراتيجية علاجية بديلة أو نسخة معدلة جوهرياً من التدخل الأول. يتيح ذلك للباحث مقارنة تأثير المعاملة (ج) مباشرة مع ظروف خط الأساس، وكذلك مقارنتها غير المباشرة بالآثار التي سبق توثيقها للمعاملة (ب)، مما يسمح بالمفاضلة الإكلينيكية الدقيقة بين خيارين علاجيين وتحديد أيهما أكثر كفاءة وسرعة في إحداث الأثر السلوكي المنشود.

تُختتم السلسلة التجريبية بـمرحلة السحب النهائي والعودة إلى خط الأساس الثالثة (أ₃)، حيث يُسحب التدخل الثاني (ج) لتقييم ما إذا كان السلوك سيعود مجدداً نحو مستويات خط الأساس. يوفر هذا السحب الثاني تكراراً داخلياً (Internal Replication) للتحكم التجريبي، مما يعزز الصدق الداخلي للدراسة بدرجة فائقة ويقلل إلى أدنى حد ممكن احتمالية أن تكون النتائج الإيجابية للمرحلة (ج) راجعة لخطأ القياس أو الصدفة المحضة.

منطق التحكم التجريبي والاستدلال السببي

يرتكز منطق الاستدلال في تصميم أ-ب-أ-ج-أ على النموذج الثلاثي الشهير في تحليل السلوك: التنبؤ (Prediction)، والتحقق (Verification)، والتكرار (Replication). إن القدرة على إثبات العلاقة الوظيفية الحقيقية بين المتغير المستقل والمتغير التابع تتطلب تطبيق هذا المنطق بصرامة عبر جميع مراحل التصميم لضمان سلامة الاستنتاجات العلمية وموثوقيتها.

يتحقق التنبؤ عندما توفر بيانات خط الأساس الأول (أ₁) مساراً واضحاً ومستقراً يمكن الباحث من صياغة فرضية دقيقة حول الكيفية التي كان السلوك سيستمر بها لو لم يُقدم أي علاج. وعند إدخال التدخل (ب) وظهور تغير ملموس، يُفترض مبدئياً أن التدخل هو المسؤول، إلا أن هذا الافتراض يظل غير مكتمل علمياً دون المرور بالخطوة التالية.

تتمثل خطوة التحقق في مرحلة السحب (أ₂)؛ فعندما يؤدي رفع التدخل إلى عودة السلوك نحو مستوياته الأولى، يتحقق الباحث من صحة التنبؤ الأصلي، ويثبت بالدليل التجريبي أن التغير الذي حدث في المرحلة (ب) لم يكن ليدوم في غياب التدخل، مما ينفي دور المتغيرات الخارجية مثل التغيرات البيئية المستقلة أو التحسن التلقائي.

أما التكرار، فيتجسد بصورة مضاعفة في هذا التصميم؛ حيث يتم التحقق من القدرة على تعديل السلوك مرة أخرى عبر التدخل (ج)، يليه تكرار عملية التحقق من خلال السحب النهائي (أ₃). إن تكرار حدوث الظاهرة السلوكية وتراجعها بالارتباط الدقيق مع إدخال التدخلات وسحبها يُلغي الفرضيات البديلة ويوفر برهاناً علمياً قاطعاً على الصدق الداخلي للعلاقة السببية المفترضة.

معايير واستراتيجيات التحليل البصري للبيانات

على النقيض من التصاميم الجماعية التي تعتمد بصورة رئيسية على اختبارات الدلالة الإحصائية مثل تحليل التباين أو اختبارات (ت)، يعتمد تقييم النتائج في تصميم أ-ب-أ-ج-أ في المقام الأول على التحليل البصري للبيانات (Visual Data Analysis) للرسوم البيانية ذات السلاسل الزمنية. يتطلب هذا التحليل فحصاً منهجياً متأنياً لستة أبعاد رئيسية تحكم سلوك البيانات داخل المراحل وفيما بينها:

  • المستوى (Level): يشير إلى الموضع الرأسي للبيانات على المحور الصادي ومعدل توسطها الحسابي، حيث يُقارن التغير اللحظي في المستوى بين النقطة الأخيرة من مرحلة ما والنقطة الأولى من المرحلة التي تليها، فضلاً عن مقارنة متوسطات المستويات العامة للمراحل المتعاقبة.
  • الاتجاه (Trend): يصف مسار البيانات العام وميلها (صعوداً أو هبوطاً أو استقراراً)، ويُحسب رياضياً عبر خطوط الانحدار الخطي أو طريقة النصفين المنقسمين (Split-middle method) لتحديد ما إذا كان السلوك في حالة تسارع أو تباطؤ مستقل عن التدخل.
  • التباين (Variability): يُمثل درجة تقلب وتشتت نقاط البيانات حول خط الاتجاه؛ فكلما قل التباين وزادت درجة الاستقرار، أصبحت الاستنتاجات التجريبية أكثر موثوقية وأسهل تفسيراً.
  • الكمون وتأخر الاستجابة (Latency): يُمثل الفترة الزمنية المنقضية بين تغيير المرحلة التجريبية وبدء ظهور التغير في السلوك؛ فالتغير السريع والفوري يقدم دليلاً أقوى على التحكم التجريبي مقارنة بالتغيرات المتأخرة التي قد تتداخل معها متغيرات أخرى.
  • نسبة التداخل (Overlap): تشير إلى مدى تماثل قيم البيانات بين مرحلتين مختلفتين، وتُقاس بمؤشرات إحصائية غير بارامترية مثل نسبة البيانات غير المتداخلة (Percentage of Non-overlapping Data – PND) ومؤشر تاو-يو (Tau-U).
  • ثبات الأنماط عبر المراحل المتماثلة: ويشمل فحص مدى تطابق بيانات خطوط الأساس الثلاثة (أ₁، أ₂، أ₃)؛ حيث يُعد التقارب بين هذه المراحل دليلاً حاسماً على استقرار الظروف التجريبية وغياب التأثيرات الدخيلة غير المنضبطة.

المزايا المنهجية لتصميم أ-ب-أ-ج-أ

يتميز تصميم أ-ب-أ-ج-أ بعدد من الخصائص المنهجية الفريدة التي تجعله خياراً مثالياً في مواقف بحثية وإكلينيكية محددة، لا سيما عندما يكون الهدف هو تحسين التدخلات وتحديد الخيار الأكثر كفاءة واقتصاداً في الموارد العلاجية. تتجلى أولى هذه المزايا في القدرة على المقارنة المباشرة بين تدخلين مختلفين على نفس المشارك، مما يلغي تماماً التباين الناجم عن الفروق الفردية بين الأشخاص، وهو التباين الذي غالباً ما يشكل أكبر تهديد للصدق الداخلي في التصاميم الجماعية التقليدية.

تتمثل الميزة الثانية في عزل تأثيرات المكونات النشطة (Component Analysis)؛ إذ يمكن للباحث استخدام هذا التصميم لمقارنة تدخل أساسي (ب) بتدخل إضافي مركب (ج) يتضمن عنصراً جديداً مضافاً إلى العلاج الأصلي، مما يسهم في تحديد ما إذا كانت الإضافة العلاجية تقدم فائدة حقيقية تبرر الجهد والتكلفة الإضافية المبذولة في تطبيقها.

علاوة على ذلك، يمنح هذا التصميم الباحث مرونة إكلينيكية فائقة تتيح له التعديل المستند إلى البيانات الحية (Data-based Decision Making)؛ فإذا ثبت أن التدخل الأول (ب) لم يحقق الاستجابة الإكلينيكية المطلوبة أو أظهر آثاراً جانبية غير مرغوبة، يمكن سحبه وإدخال تدخل بديل (ج) ضمن نسق منهجي صارم يحتفظ بكامل الصدق التجريبي للدراسة دون الحاجة إلى إلغاء البحث أو البدء من نقطة الصفر بمشاركين جدد.

التحديات والقيود المنهجية للتصميم

على الرغم من القوة المنهجية الفائقة لتصميم أ-ب-أ-ج-أ، إلا أنه يواجه مجموعة من القيود والتحديات التجريبية التي يجب على الباحثين أخذها في الحسبان قبل اعتماده كخطة بحثية رئيسية. تأتي في مقدمة هذه التحديات ظاهرة التأثيرات التتابعية وتأثيرات التسلسل (Sequence and Carryover Effects)؛ حيث لا يمكن فصل استجابة الفرد للتدخل الثاني (ج) عزلاً تاماً عن خبرته السابقة بالتدخل الأول (ب). قد يؤدي التعرض السابق للمعاملة (ب) إلى تهيئة الفرد أو تحسيسه، مما يجعل استجابته للمعاملة (ج) مختلفة عما لو طُبقت عليه كأول خيار، الأمر الذي يحد من القدرة على الجزم بتفوق التدخل (ج) بمعزل عن تاريخ المشارك التجريبي.

يتمثل التحدي الجوهري الثاني في مشكلة اللاعكسية السلوكية (Behavioral Irreversibility)؛ فهذا التصميم يفترض بالضرورة أن السلوك المستهدف قابل للعودة إلى مستوياته السابقة بمجرد رفع التدخل. ولكن في حالات تعلم المهارات الأكاديمية أو المعرفية أو المهارات الحركية المعقدة (مثل تعلم القراءة أو قيادة الدراجة)، يستحيل على المشارك “نسيان” السلوك المكتسب بمجرد إنهاء التدريب، مما يجعل تصاميم السحب ككل وتصميم أ-ب-أ-ج-أ بشكل خاص غير ملائمة على الإطلاق لدراسة اكتساب المهارات الدائمة، وقصر استخدامها على السلوكيات القابلة للتعديل والارتداد مثل السلوكيات الحركية المتكررة أو التعبيرية أو الانفعالية.

إضافة إلى ذلك، تبرز معضلة التعب والإجهاد التجريبي (Experimental Fatigue)؛ نظراً لطول هذا التصميم وامتداده عبر خمس مراحل متتالية قد تستغرق أسابيع أو أشهراً طويلة من الرصد المتكرر واليومي، مما يزيد من احتمالية انخفاض دافعية المشارك أو تسربه من الدراسة، فضلاً عن صعوبة الحفاظ على دقة الملاحظين وثبات تطبيق المعاملات لفترات طويلة من الزمن.

الاعتبارات الأخلاقية في تطبيق تصاميم السحب

تفرض الممارسة البحثية والإكلينيكية الرشيدة الالتزام بمبادئ أخلاقية صارمة عند اللجوء إلى تصاميم السحب المتكرر. تكمن المعضلة الأخلاقية الكبرى في تصميم أ-ب-أ-ج-أ في سحب علاج فعال مثبت الجدوى عن قصد وإعادة الفرد إلى ظروف المعاناة أو السلوك غير المرغوب في مرحلتي (أ₂) و(أ₃).

تكتسب هذه المسألة حساسية قصوى عندما يتعلق الأمر بسلوكيات خطرة تشكل تهديداً لسلامة الفرد أو من حوله، مثل السلوكيات العدوانية الشديدة، أو إيذاء الذات، أو تدمير الممتلكات. في مثل هذه السياقات، يُعتبر تعريض المشارك للانتكاس مجرد إرضاء للصرامة التجريبية انتهاكاً لأخلاقيات البحث الطبي والنفسي، لا سيما ميثاق الجمعية الأمريكية لعلم النفس (مبادئ أخلاقيات APA). لذلك، يُحظر استخدام هذا التصميم مع السلوكيات المهددة للحياة ما لم تُتخذ تدابير استثنائية لحماية المشارك، أو يتم اللجوء إلى تصاميم بديلة مثل تصاميم الخطوط الأساسية المتعددة (Multiple Baseline Designs).

ومن المعايير الأخلاقية الضرورية أيضاً الحصول على الموافقة المستنيرة الصريحة من المشارك أو ولي أمره القانوني، مع الإفصاح الكامل عن طبيعة التصميم وما يتضمنه من فترات سحب للتدخل وتذبذب متوقع في السلوك، والتأكيد على حق المشارك في الانسحاب في أي وقت دون أي تبعات تؤثر على رعايته العلاجية الروتينية المستمرة.

مقارنة تحليلية: تصميم أ-ب-أ-ج-أ مقابل تصاميم الحالات الفردية البديلة

لتحديد مدى ملاءمة تصميم أ-ب-أ-ج-أ لسؤال بحثي محدد، ينبغي وضعه في مقارنة نقدية مع بدائله المنهجية الشائعة. على سبيل المثال، يركز تصميم أ-ب-أ-ب التقليدي (A-B-A-B Reversal Design) على دراسة تدخل علاجي واحد مع تكراره لضمان التحقق الإكلينيكي وإنهائه بمرحلة علاجية لصالح المريض. ورغم أن تصميم أ-ب-أ-ب يقدم دليلاً سبباً ناصعاً على فعالية تدخل وحيد، إلا أنه يعجز عن الإجابة عن الأسئلة المقارنة بين علاجين مختلفين، وهي الفجوة المنهجية الدقيقة التي يسدها تصميم أ-ب-أ-ج-أ باقتدار.

في المقابل، يُستخدم تصميم المعاملات المتناوبة (Alternating Treatments Design – ATD) لمقارنة تدخلين أو أكثر بصورة سريعة ومتناوبة في نفس اليوم أو الجلسة ودون الحاجة لفترات سحب طويلة. يتميز تصميم المعاملات المتناوبة بالسرعة وتقليل العبء الأخلاقي الناتج عن سحب العلاج، لكنه يعاني بشدة من خطر التداخل التفاعلي بين المعاملات (Multitreatment Interference)، حيث قد يعجز المشارك عن التمييز بين المثيرات المرتبطة بكل علاج، وهو الخطر الذي يتفاداه تصميم أ-ب-أ-ج-أ تماماً من خلال الفصل المنهجي التام بين التدخلات عبر مراحل زمنية متباعدة ومفصولة بخط أساس مستقل.

أما بالمقارنة مع تصميم الخطوط الأساسية المتعددة (Multiple Baseline Design)، فإن الأخير يتفوق أخلاقياً لعدم اعتماده على السحب، فضلاً عن قدرته على تقييم المهارات الدائمة غير العكسية. غير أن تصميم الخطوط الأساسية المتعددة يتطلب عدداً أكبر من المشاركين أو السلوكيات أو البيئات (ثلاثة على الأقل عادة)، مما يجعله أكثر كلفة واستهلاكاً للوقت مقارنة بتصميم أ-ب-أ-ج-أ الذي يستوفي متطلبات التحكم التجريبي الصارم على مشارك واحد فقط وسلوك واحد محدد.

التطبيقات المعاصرة في الميادين الإكلينيكية والتربوية

يجد تصميم أ-ب-أ-ج-أ تطبيقات واسعة وخصبة في الميادين النفسية والتربوية المعاصرة. في مجال اضطراب طيف التوحد (Autism Spectrum Disorder)، يُستخدم هذا التصميم بكثافة لاختبار فعالية أشكال مختلفة من معززات السلوك أو أنظمة التواصل المعزز والبديل (AAC)، مثل مقارنة نظام تبادل الصور (PECS) بنظام التواصل المعتمد على الأجهزة اللوحية الذكية لتقييم أيهما يولد تواصلاً وظيفياً أعلى وأسرع لدى الطفل المستهدف.

وفي ميدان العلاج النفسي المعرفي السلوكي (CBT)، يمكن الاستفادة من هذا التصميم لفحص أثر استراتيجيات تنظيم الانفعال وخفض مستويات التوتر؛ كأن تُستخدم المرحلة (ب) لاختبار تقنية الاسترخاء العضلي التدريجي، في حين تُكرس المرحلة (ج) لاختبار تقنية إعادة البناء المعرفي أو اليقظة الذهنية (Mindfulness) لمقارنة أثرهما على حدة الأعراض الفسيولوجية للقلق العام.

كما يمتد تطبيق التصميم إلى الطب السلوكي (Behavioral Medicine) وبرامج التأهيل العصبي والنفسي، حيث يُوظف لتقييم التدخلات السلوكية المصممة لزيادة الامتثال لبروتوكولات الأدوية أو التمارين الرياضية التأهيلية لدى الناجين من الجلطات الدماغية، مما يوفر منصة تجريبية بالغة الدقة لتعديل البروتوكولات العلاجية وضبطها بما يلائم الاستجابة الفردية لكل مريض على حدة.

خاتمة

يُمثّل تصميم أ-ب-أ-ج-أ أحد أرقى المكتسبات المنهجية في علم النفس التجريبي والتحليل السلوكي التطبيقي، مكرساً مبدأ البحث الذي يتمحور حول الفرد دون التفريط في الصرامة العلمية أو الصدق التجريبي. ورغم التحديات المنهجية المتعلقة بالآثار التتابعية والمعضلات الأخلاقية المرتبطة بسحب التدخلات، يظل هذا النموذج الخيار الأسمى للمفاضلة بين الاستراتيجيات العلاجية المتنافسة واكتشاف المكونات الوظيفية الحقيقية للتغيير السلوكي، مما يجعله أداة معرفية لا غنى عنها في مسيرة إرساء الممارسات الإكلينيكية والتربوية القائمة على الأدلة التجريبية الرصينة.

المراجع

  • سيدمان، موراي. (1960). أساليب البحث العلمي: استخدامات وتطبيقات في التحليل التجريبي للسلوك. نيويورك: دار بيسيك بوكس.
  • كازدين، آلان إي. (2021). تصاميم البحث للحالة الفردية: أساليب للبيئات الإكلينيكية والتطبيقية (الطبعة الثالثة). نيويورك: مطبعة جامعة أكسفورد.
  • كوبر، جون أو.، هيرون، تيموثي إي.، وهيورد، ويليام إل. (2020). تحليل السلوك التطبيقي (الطبعة الثالثة). نيوجيرسي: بيرسون.
  • بارلو، ديفيد إتش.، نوركويست، ميشيل دي.، وجريف، باتريك سي. (2009). تصاميم الأبحاث للحالة الفردية: كيفية قياس التغيير في البيئات الإكلينيكية (الطبعة الثالثة). بوسطن: بيرسون.
  • كاستيلو، مارك إيه. (2014). تصاميم الأبحاث ذات الحالة الفردية لتقييم الممارسات القائمة على الأدلة في التعليم وعلم النفس. نيويورك: روتليدج.

اقتباس هذا المقال

looti, M. (2026, سبتمبر 25). تصميم أ-ب-أ-ج-أ (A-B-A-C-A Design) في الأبحاث النفسية وتحليل السلوك. عرب سايكلوجي. https://arabpsychology.com/dictionary/a-b-a-c-a-design-single-case/
looti, Mohammed. “تصميم أ-ب-أ-ج-أ (A-B-A-C-A Design) في الأبحاث النفسية وتحليل السلوك.” عرب سايكلوجي, 25 سبتمبر 2026, https://arabpsychology.com/dictionary/a-b-a-c-a-design-single-case/.
looti, Mohammed. “تصميم أ-ب-أ-ج-أ (A-B-A-C-A Design) في الأبحاث النفسية وتحليل السلوك.” عرب سايكلوجي. سبتمبر 25, 2026. https://arabpsychology.com/dictionary/a-b-a-c-a-design-single-case/.