علم الأعصاب المعرفيعلم النفس النمائينظريات التعلم المعرفي

مهمة أ وليس ب (A-not-B task)

استكشف بالتفصيل مهمة أ وليس ب (A-not-B task) في علم النفس النمائي: أصولها عند جان بياجيه، تفسيراتها العصبية، ومنظور النظم الديناميكية، وأبعادها السريرية.

Mohammed looti أكاديمي وباحث متخصص في علم النفس
تاريخ النشر
تمت المراجعة العلمية · د. مروة عبد العظيم · 25 سبتمبر، 2026
مراجعة وتدقيق علمي معتمد تاريخ التدقيق: 25 سبتمبر، 2026
د. مروة عبد العظيم دكتوراه
أستاذة علم النفس • جامعة كربلاء
معايير التدقيق والاعتماد السريري

يخضع هذا المحتوى لمعايير ضبط الجودة والتدقيق العلمي والأكاديمي الصارمة في شبكة علم النفس العربي، لضمان صحة المعلومات ودقتها السريرية ومطابقتها لأحدث الأدلة والبراهين الصادرة عن الجمعيات النفسية والطبية المعتمدة (APA / WHO).

تُعد مهمة “أ وليس ب” (A-not-B task)، والمعروفة أيضاً باسم خطأ الموضع “أ” أو الخطأ المتكرر، إحدى أبرز التجارب الكلاسيكية وأكثرها تأثيراً في حقل علم النفس النمائي وعلم الأعصاب الإدراكي. تكشف هذه التجربة البسيطة في مظهرها، والمعقدة في أبعادها المعرفية، عن الآليات الدقيقة التي يتشكل من خلالها إدراك الرضيع للعالم المادي واستمرارية وجود الأشياء المستقلة عن أفعاله المباشرة. يسلط هذا المقال الموسوعي الضوء على الجذور النظرية، والتفسيرات العصبية والديناميكية، والأبعاد التطبيقية لهذه المهمة التي أعادت تشكيل فهمنا للعقل البشري في مهده الأول.

مدخل تعريفي: ما هي مهمة “أ وليس ب”؟

تُمثل مهمة “أ وليس ب” نموذجاً تجريبياً ابتكره عالم النفس السويسري جان بياجيه في منتصف القرن العشرين لدراسة تطور مفهوم “ديمومة الموضوع” (Object Permanence) لدى الأطفال الرضع. يتمحور الاختبار حول إخفاء لعبة جذابة بصرياً تحت أحد غطاءين متطابقين، يُرمز للأول بالموضع (أ) وللثاني بالموضع (ب)، وذلك على مرأى كامل ومباشر من الرضيع الخاضع للاختبار. بعد نجاح الرضيع في استرجاع اللعبة من الموضع (أ) لعدة مرات متتالية، يقوم المجرب بنقل اللعبة عمداً وعلى مرأى من الطفل ووضعها تحت الغطاء في الموضع (ب).

تكمن المفارقة المعرفية التي رصدها بياجيه في أن الرضع الذين تتراوح أعمارهم عادة بين 8 إلى 10 أشهر، وعلى الرغم من مشاهدتهم للعبة وهي تُخبأ بوضوح في الموضع (ب)، يمدون أيديهم بشكل متكرر للبحث عنها في الموضع (أ) الذي عثروا عليها فيه سابقاً. يُطلق على هذا الإخفاق السلوكي المحير اسم “خطأ أ وليس ب” (A-not-B error) أو الخطأ النمطي الاستمراري (Perseverative Error). يختفي هذا الخطأ تدريجياً وبشكل طبيعي مع وصول الرضيع إلى عمر 12 شهراً تقريباً، حيث يبدأ الطفل بالبحث مباشرة ودون تردد في الموضع الحقيقي الأخير للشيء المتواري.

لم تعد هذه المهمة في الدراسات الحديثة مجرد أداة لقياس مرحلة نمائية مجردة، بل تحولت إلى نافذة مخبرية متطورة تتيح للعلماء سبر أغوار الترابط المعقد بين تطور وظائف الدماغ التنفيذية، وتنظيم الانتباه، واستقرار الذاكرة العاملة، والتخطيط الحركي. يرى الباحثون المعاصرون أن أداء الطفل في هذه المهمة يعكس محصلة تفاعل أنظمة عصبية وإدراكية متعددة تنضج بمعدلات متباينة خلال السنة الأولى من حياة الفرد.

الإطار النظري لبياجيه: نشأة الظاهرة ومفهوم ديمومة الموضوع

صاغ جان بياجيه ملاحظاته الأولى حول هذه الظاهرة ضمن نظريته البنائية الكبرى حول التطور المعرفي، وتحديداً ضمن وصفه لما أسماه “المرحلة الحسية الحركية” (Sensorimotor Stage). قسّم بياجيه هذه المرحلة إلى ست مراحل فرعية، ورأى أن خطأ “أ وليس ب” يُمثل السمة المحددة للمرحلة الفرعية الرابعة (الممتدة تقريباً من الشهر الثامن إلى الشهر الثاني عشر)، وهي المرحلة التي يُطلق عليها مرحلة “تنسيق المخططات الثانوية وتطبيقها في مواقف جديدة”.

وفقاً لرؤية بياجيه، يفتقر الرضيع في المرحلة الفرعية الرابعة إلى مفهوم مجرد ومستقل للأشياء؛ فالشيء بالنسبة له لا يمتلك وجوداً موضوعياً منفصلاً عن الفعل الحركي الذاتي الذي قام به الرضيع تجاهه. فعندما ينجح الطفل في استرداد اللعبة من الموضع (أ)، فإنه يربط بقاء اللعبة وظهورها بحركته الخاصة الموجهة نحو ذلك الموضع بالتحديد. بالتالي، فإن البحث في الموضع (أ) لا يعود دليلاً على تذكر مكان اللعبة الفيزيائي، بل هو تكرار لسلوك عملي يرى الطفل أنه هو المولد لظهور اللعبة مجدداً، وهو ما يُعرف بالمركزية الذاتية الإجرائية.

تتغير هذه البنية المعرفية، بحسب بياجيه، مع دخول الرضيع المرحلة الفرعية الخامسة (بين 12 و18 شهراً)، وهي مرحلة “ردود الفعل الدائرية الثالثية”. في هذه المرحلة، يكتسب الطفل القدرة على تتبع الإزاحات المكانية المرئية، ويدرك أن الشيء كيان مستقل يتحرك في فضاء موضوعي، وتتحرر فكرة وجود الشيء من الفعل الذاتي الذي مارسه الرضيع عليه. وهكذا، اعتبر بياجيه أن تجاوز خطأ “أ وليس ب” يمثل قفزة نوعية في بناء الواقع النفسي والمكاني للطفل الصغير.

الإجراءات التجريبية والبروتوكول المعياري للاختبار

تتطلب إدارة مهمة “أ وليس ب” بروتوكولاً تجريبياً دقيقاً ومضبوطاً لضمان موثوقية النتائج وعزل المتغيرات المشتتة. يجلس الرضيع عادة على حجر أحد والديه أمام طاولة اختبار منخفضة الارتفاع، بينما يجلس الفاحص في الجهة المقابلة مباشرة. تحتوي طاولة الاختبار على تجويفين متطابقين في الحجم والشكل والعمق، يبعدان عن بعضهما مسافة قياسية محددة (تتراوح عادة بين 20 إلى 30 سنتيمتراً)، ويُغطى كل تجويف بقطعة قماش أو غطاء صلب متطابق تماماً في اللون والملمس لمنع التمييز البصري بين الموضعين بناءً على السمات السطحية.

ينقسم البروتوكول التجريبي إلى مرحلتين أساسيتين: محاولات التثبيت (A Trials)، ومحاولات التحويل أو الإزاحة (B Trials). يوضح المسار الإجرائي القياسي الخطوات الآتية:

  • جذب الانتباه البصري: يُلوّح الفاحص بلعبة مثيرة ومحببة للرضيع حتى يتأكد من تركيز بصره الكامل عليها قبل البدء في إخفائها.
  • محاولات الموضع (أ): يضع الفاحص اللعبة داخل التجويف (أ) ويغطيها ببطء أمام أعين الرضيع، ثم يُسمح للطفل بالوصول إليها فوراً أو بعد فاصل زمني قصير. تتكرر هذه المحاولة بنجاح لمرتين إلى أربع مرات حتى يتشكل لدى الطفل نمط استجابة مستقر نحو الموضع (أ).
  • محاولة التحويل الحرجة (الموضع ب): بعد تثبيت الاستجابة، يحرص الفاحص على لفت انتباه الطفل مجدداً، ثم يُدخل اللعبة في التجويف (ب) ويغطيها بالطريقة ذاتها وعلى مرأى واضح لا لبس فيه من الرضيع.
  • فرض الفاصل الزمني (Delay): يمنع الفاحص أو الوالد الرضيع برفق من الوصول الفوري، مما يفرض فترة انتظار قصيرة تتراوح ما بين ثانية واحدة إلى عدة ثوانٍ قبل السماح له بالمد اليدوي.
  • تسجيل الاستجابة: يُسجل الاتجاه الأول لمد يد الرضيع وكشفه للغطاء؛ فإذا كشف الغطاء (أ) يُسجل حدوث “خطأ أ وليس ب”، وإذا كشف الغطاء (ب) يُسجل نجاحه في المهمة.

أظهرت التجارب المعملية الصارمة أن أي تهاون في ضبط المتغيرات البيئية، مثل اختلاف شدة الإضاءة، أو وجود إشارات غير مقصودة من الفاحص (كالتحديق المطول نحو الموضع الصحيح)، أو عدم تطابق الأغطية، يمكن أن يغير بشكل جذري من أنماط استجابة الرضع، مما يفرض تطبيق أعلى معايير الضبط التجريبي لضمان قياس القدرات المعرفية الحقيقية.

التفسيرات المعرفية والعصبية للظاهرة: ما وراء خطأ بياجيه

مع تطور أدوات البحث في علم الأعصاب المعرفي خلال العقود الأخيرة، واجه تفسير بياجيه الخالص لديمومة الموضوع تحديات جوهرية وتعديلات عميقة. قدمت الباحثة الرائدة أديلي دايموند (Adele Diamond) نموذجاً عصبياً معرفياً رائداً يعزو خطأ “أ وليس ب” إلى عدم النضج الوظيفي في القشرة الجبهية الأمامية (Prefrontal Cortex)، وتحديداً في المناطق المسؤولة عن شبكات الوظائف التنفيذية والتحكم التثبيطي.

أوضحت دايموند من خلال مقارنات دقيقة بين أداء الرضع والبشر البالغين المصابين بآفات دماغية، وقرود المكاك الخاضعة لاختبارات الاستجابة المتأخرة، أن النجاح في مهمة “أ وليس ب” يتطلب تآزر آليتين عقليتين معقدتين: الذاكرة العاملة (Working Memory) والقدرة على كبح الاستجابة السائدة (Inhibitory Control). فعندما تُخبأ اللعبة في الموضع (ب)، يدرك الرضيع مكانها في ذاكرته العاملة، لكن المحاولات السابقة الناجحة في الموضع (أ) خلقت مساراً عصبياً حركياً قوياً ومفضلاً يميل إلى التكرار التلقائي. ونظراً لعدم نضج القشرة أمام الجبهية الظهرانية الجانبية، يعجز الرضيع عن كبح الرغبة الحركية القوية في التوجه نحو (أ)، فيحدث السلوك التكراري رغم امتلاك الرضيع للمعرفة المكانية الصحيحة.

تأكدت هذه الفرضية من خلال ملاحظة اتجاه بصر الرضع أثناء الاختبار؛ إذ أظهرت كاميرات التتبع البصري فائقة الدقة أن كثيراً من الرضع يثبتون أبصارهم بوضوح على الموضع الصحيح (ب)، ومع ذلك يمدون أيديهم جسدياً وبشكل ميكانيكي نحو الموضع الخاطئ (أ). يثبت هذا الانفصال المدهش بين المعرفة البصرية والفعل الحركي (Gaze-reach dissociation) أن المشكلة ليست في فهم الرضيع لديمومة الشيء واستقراره المكاني، بل في قدرة نظامه العصبي على ترجمة هذه المعرفة إلى فعل حركي موجه قادر على كبح العادات الحركية السابقة.

منظور نظرية النظم الديناميكية: إعادة صياغة إستر ثيلين وليندا سميث

في تسعينيات القرن الماضي، أحدثت عالمتا النفس النمائي إستر ثيلين (Esther Thelen) وليندا سميث (Linda Smith) ثورة نظرية في تفسير خطأ “أ وليس ب” من خلال تطبيق مبادئ “نظرية النظم الديناميكية” (Dynamic Systems Theory). رفضت الباحثتان التفسيرات التمثيلية الكلاسيكية القائمة على فرضيات عقلية مجردة، مثل غياب التمثيل الداخلي للشيء أو ضعف التثبيط المفاهيمي، وقدّمتا بدلاً من ذلك تفسيراً متجذراً في البيولوجيا الفيزيائية والحركية للإنسان وتفاعله اللحظي مع الفضاء المكاني.

تُفسر نظرية النظم الديناميكية الخطأ على أنه نتيجة تراكم حركي وفيزيائي في مجال تخطيط الأفعال الحركية (Motor Planning Field). في كل مرة يصل فيها الطفل بنجاح إلى الموضع (أ)، يترك هذا الفعل “أثراً ديناميكياً” في النظام الحركي العصبي للذراع والجذع. هذا الأثر الحركي لا ينشأ فقط من رؤية اللعبة، بل يتأثر بزاوية انحناء الجسد، والوضعية المكانية للأطراف، والإشارات البصرية المرتبطة بالغطاء نفسه. وعندما يتم الانتقال إلى المحاولة (ب)، يواجه الطفل صراعاً ديناميكياً بين الإشارة البصرية اللحظية الجديدة الناتجة عن وضع اللعبة في (ب) وبين الجاذبية الحركية القوية المتبقية في النظام العصبي التراكمي نحو الموضع (أ).

أثبتت تجارب ثيلين وفريقها صحة هذا الطرح عبر تجارب بارعة؛ فعندما قام الباحثون بتغيير وضعية جسد الرضيع جذرياً بين محاولات (أ) ومحاولات (ب) – كأن يقف الرضيع بعد أن كان جالساً، أو يُرفع على ذراع أمه لتغيير زاوية المد الحركي كلياً – اختفى خطأ “أ وليس ب” بشكل مفاجئ، ونجح الرضع في التوجه مباشرة للموضع الصحيح (ب). يعود ذلك إلى أن تغيير وضعية الجسم كسر التراكم الحركي القديم في المفاصل والعضلات والمسارات العصبية، مما أتاح للإشارة البصرية الجديدة قيادة السلوك دون مقاومة من العادات السابقة، وهو ما شكل ضربة علمية قوية للتفسيرات التمثيلية الصارمة.

العوامل والمتغيرات المؤثرة في أداء الرضع

لم يعد خطأ “أ وليس ب” يُنظر إليه اليوم على أنه ظاهرة حتمية ثابتة تظهر وتختفي في أوقات مبرمجة سلفاً، بل هو نمط سلوكي شديد المرونة والحساسية لمجموعة واسعة من العوامل المعرفية والبيئية والاجتماعية. يوضح الجدول المفاهيمي والتحليلي التالي كيف تتفاعل هذه المتغيرات المتنوعة لتحديد احتمالية حدوث الخطأ لدى الرضع:

  • مدة الفاصل الزمني (Delay Length): يُعد الفاصل الزمني بين إخفاء اللعبة والسماح للرضيع بالحركة المتغير الأكثر حسماً في تجارب دايموند؛ فكلما زادت مدة الانتظار ولو لثانيتين أو ثلاث، زادت احتمالية سقوط الرضيع في خطأ “أ وليس ب”. يحتاج الرضع الأكبر سناً إلى فترات تأخير أطول بكثير لإظهار الخطأ نفسه مقارنة بالأصغر سناً، مما يعكس النضج التدريجي لسعة الذاكرة العاملة وسرعة استرجاع المعلومات.
  • التمايز البصري والوضوح المكاني للأغطية: عندما تُستخدم أغطية ذات ألوان متباينة للغاية أو أشكال هندسية مميزة بين التجويفين (أ) و(ب)، تنخفض معدلات ارتكاب الخطأ بشكل ملحوظ مقارنة باستخدام أغطية متطابقة في اللون والمظهر، حيث تُسهم المعالم البصرية المميزة في تثبيت الانتباه الموضعي ودعم الذاكرة المكانية في مواجهة النزعة الحركية التلقائية.
  • عدد محاولات التثبيت السابقة في (أ): يرتبط ارتكاب الخطأ تناسبياً بعدد المرات التي نجح فيها الطفل في الوصول إلى الموضع (أ). فكلما زادت محاولات التدريب، تعمقت العادة الحركية وزاد الأثر الديناميكي العصبي، مما يجعل من الصعب جداً على الرضيع كبح هذا السلوك عند الانتقال المفاجئ إلى الموضع الجديد (ب).
  • السياق البيداغوجي والتواطؤ الاجتماعي: قدم الباحثان سيبرا وجيرجيلي (Csibra & Gergely) منظوراً متميزاً يُعرف بنظرية “التربية الطبيعية” (Natural Pedagogy)؛ حيث أشارا إلى أن تواصل الفاحص البصري وتعبيرات وجهه ونبرة صوته التحفيزية أثناء التخبئة في (أ) تجعل الرضيع يفسر الموقف على أنه درس تعليمي مفاده أن “هذا النوع من الألعاب مكانه المعتاد دائماً هو (أ)”. وعندما يغيب التواصل الاجتماعي المباشر أو تُدار المهمة عبر شاشات غير تفاعلية، يقل الخطأ بدرجة ملموسة، مما يبرز الأثر الحاسم للسياق التواصلي.

الأهمية التطبيقية والسريرية لمهمة “أ وليس ب”

تجاوزت مهمة “أ وليس ب” حدود الأبحاث الأكاديمية النظرية لتصبح أداة تقييم سريرية ونمائية بالغة الأهمية. يُستخدم هذا النموذج في تقييم مدى سلامة تطور الدماغ والوظائف الإدراكية لدى الرضع المعرضين لمخاطر النمو، مثل الأطفال المولودين مبكراً (الخدج)، أو أولئك الذين عانوا من نقص التأكسج الدماغي أثناء الولادة، أو الأطفال المعرضين لاضطرابات جينية وعصبية نمائية تؤثر على دوائر الفص الجبهي مثل متلازمة داون ومتلازمة فرط الحركة وتشتت الانتباه لاحقاً.

يمتلك هذا الاختبار قيمة تنبؤية معتبرة؛ فالأطفال الذين يستمرون في إظهار خطأ “أ وليس ب” في أعمار متقدمة تتجاوز 12 إلى 15 شهراً يظهرون غالباً في مراحل الطفولة اللاحقة تأخراً في مجالات تنظيم الذات، والتحكم في الاندفاعات، واكتساب مهارات حل المشكلات المعقدة. يتيح الرصد المبكر لمثل هذا التعثر الحركي-المعرفي لفِرق التدخل المبكر تصميم أنشطة بيئية وتفاعلية تعزز التآزر الحركي البصري وتقوي سعة الانتباه والتثبيط لدى الرضيع في النوافذ الحرجة لمرونة الدماغ.

علاوة على ذلك، أصبحت المهمة معياراً رئيسياً في أبحاث علم النفس المقارن لدراسة التطور المعرفي بين الأنواع الحية. تم تطبيق نسخ معدلة من الاختبار على الرئيسيات غير البشرية، مثل الشمبانزي وقرود البابون، وكذلك على الكلاب والطيور الداجنة وبعض أنواع الغربان. ساعدت هذه المقارنات التطورية علماء الأنثروبولوجيا الحيوية في رسم الخطوط التطورية لظهور مناطق الفص الجبهي المعقدة، وأظهرت كيف أن الكفاءة المكانية المتقدمة والتثبيط السلوكي يمثلان حجر الزاوية في تطور الذكاء المرن لدى الكائنات العليا.

الانتقادات والجدل الأكاديمي المعاصر

على الرغم من المكانة الرفيعة لمهمة بياجيه، فقد أثارت منذ سبعينيات القرن العشرين وحتى اليوم نقاشات حادة وانقسامات معرفية في الوسط الأكاديمي. تركز النقد الأساسي على منهجية قياس المعرفة عبر السلوك الحركي؛ حيث جادل علماء بارزون، في مقدمتهم رينيه بيلارجون (Renée Baillargeon)، بأن الاعتماد على مهارة مد اليد لإثبات وجود المفاهيم المعرفية يظلم الرضيع ويقلل من شأن قدراته العقلية الحقيقية.

أوضحت بيلارجون عبر ابتكارها لمنهجية “انتهاك التوقع” (Violation-of-Expectation Paradigm) القائمة على قياس مدة التحديق البصري أن الرضع في أعمار مبكرة جداً (تصل إلى 3.5 إلى 5 أشهر) يدركون تماماً أن الشيء يستمر في الوجود حتى وإن احتجب عن أنظارهم. في هذه التجارب، يظهر الرضع دهشة بصرية واضحة ويحدقون لفترات أطول بكثير في المشاهد التي تبدو مستحيلة فيزيائياً (كأن يخترق جسم صلب جسماً آخر محتجباً). يُشير هؤلاء الباحثون إلى أن مهمة “أ وليس ب” الكلاسيكية تختبر في واقع الأمر النضج الإجرائي والتنسيق العصبي المعقد بين الرؤية واليد، وليست مقياساً دقيقاً للمعرفة المفاهيمية المجردة بديمومة الأشياء في العالم المادي.

من جانب آخر، يرى المدافعون عن أهمية المهمة الحركية أن الفصل التام بين “المعرفة المجردة” و”الفعل الحركي” هو فصل مصطنع لا يعكس طبيعة الإدراك المتجسد (Embodied Cognition). فالمعرفة البشرية لا تنشأ كرموز سلبية مخزنة في فراغ ذهني، بل تتشكل وتكتسب فاعليتها الحقيقية من خلال القدرة على تفعيلها وتطبيقها حركياً في البيئة المحيطة لتجاوز العقبات والتصرف التكيفي السليم، وهو ما تبينه مهمة “أ وليس ب” بكل جلاء وعمق.

خاتمة استشرافية

تظل مهمة “أ وليس ب”، بعد عقود طويلة من إرساء قواعدها الأولى، درة التاج في بحوث الطفولة المبكرة وعلم النفس الإدراكي النمائي. لقد أثبت هذا النموذج التجريبي المبتكر قدرته الفائقة على توليد الأسئلة البحثية العميقة وتوحيد رؤى المدارس العلمية المتباينة؛ فمن رؤية بياجيه البنائية الثورية، إلى مقاربات الأنظمة الديناميكية، وصولاً إلى الفتوحات الحديثة في تصوير الدماغ والوظائف التنفيذية للقشرة الجبهية، بقيت المهمة مقياساً أساسياً لفهم كيفية خروج الوعي البشري من شرنقة الفعل العضلي المحض إلى فضاء التفكير المكاني والتمثيل التجريدي للواقع. إنها تذكرنا دوماً بأن أبسط حركات الرضيع وأخطائه العفوية تختزن في طياتها معجزات النضج العصبي وتاريخاً تطورياً مديداً شكل عقل الإنسان.

المراجع

  • Baillargeon, R. (1987). Object permanence in 3½- and 4½-month-old infants. Developmental Psychology, 23(5), 655–664. https://doi.org/10.1037/0012-1649.23.5.655
  • Csibra, G., & Gergely, G. (2009). Natural pedagogy. Trends in Cognitive Sciences, 13(4), 148–153. https://doi.org/10.1016/j.tics.2009.01.005
  • Diamond, A. (1985). Development of the ability to use recall to guide action, as indicated by infants’ performance on AB. Child Development, 56(4), 868–883. https://doi.org/10.2307/1130101
  • Diamond, A. (1990). The development and neural bases of higher cognitive functions. Annals of the New York Academy of Sciences, 608, 637–676. https://doi.org/10.1111/j.1749-6632.1990.tb48913.x
  • Munakata, Y. (1998). Infant perseveration and implications for object permanence: A PDP model of the AB task. Developmental Science, 1(2), 161–184. https://doi.org/10.1111/1467-7687.00021
  • Piaget, J. (1954). The construction of reality in the child (M. Cook, Trans.). Basic Books. https://doi.org/10.1037/11168-000
  • Smith, L. B., Thelen, E., Titzer, R., & McLin, D. (1999). Knowing in the context of acting: The task dynamics of the A-not-B error. Psychological Review, 106(2), 235–260. https://doi.org/10.1037/0033-295X.106.2.235
  • Thelen, E., & Smith, L. B. (1994). A dynamic systems approach to the development of cognition and action. MIT Press.

اقتباس هذا المقال

looti, M. (2026, سبتمبر 25). مهمة أ وليس ب (A-not-B task). عرب سايكلوجي. https://arabpsychology.com/dictionary/a-not-b-task/
looti, Mohammed. “مهمة أ وليس ب (A-not-B task).” عرب سايكلوجي, 25 سبتمبر 2026, https://arabpsychology.com/dictionary/a-not-b-task/.
looti, Mohammed. “مهمة أ وليس ب (A-not-B task).” عرب سايكلوجي. سبتمبر 25, 2026. https://arabpsychology.com/dictionary/a-not-b-task/.