السيكوفيزيقياعلم النفس الجنائيعلم النفس المعرفي

طريقة الحكم المطلق في علم النفس: الأسس السيكوفيزيقية والتطبيقات المعرفية والجنائية

دراسة أكاديمية موسعة تتناول طريقة الحكم المطلق (Absolute-Judgment Method) في علم النفس، مع تحليل أسسها السيكوفيزيقية، ونظريات كشف الإشارة، وتطبيقاتها في طوابير العرض الجنائية للشهود العيان.

Mohammed looti أكاديمي وباحث متخصص في علم النفس
تاريخ النشر
تمت المراجعة العلمية · د. مروة عبد العظيم · 25 سبتمبر، 2026
مراجعة وتدقيق علمي معتمد تاريخ التدقيق: 25 سبتمبر، 2026
د. مروة عبد العظيم دكتوراه
أستاذة علم النفس • جامعة كربلاء
معايير التدقيق والاعتماد السريري

يخضع هذا المحتوى لمعايير ضبط الجودة والتدقيق العلمي والأكاديمي الصارمة في شبكة علم النفس العربي، لضمان صحة المعلومات ودقتها السريرية ومطابقتها لأحدث الأدلة والبراهين الصادرة عن الجمعيات النفسية والطبية المعتمدة (APA / WHO).

تمثل طريقة الحكم المطلق (Absolute-Judgment Method) إحدى الركائز المنهجية الجوهرية في علوم الإدراك، والسيكوفيزيقيا، والقياس النفسي، وعلم النفس القانوني والتحقيقي. تتجلى الفكرة الأساسية لهذه المنهجية في مطالبة المفحوص بتقييم منبه أو عنصر معروض بمفرده، ومقارنته بمعيار داخلي مجرد أو تمثيل ذهني مستقر في الذاكرة طويلة المدى، بدلاً من مقارنته مباشرة بمنبهات أخرى موجودة في الحقل البصري أو الحسي ذاته. يفتح هذا التمييز آفاقاً بحثية عميقة حول كيفية بناء الدماغ البشري للأحكام والقرارات عندما تُحجب المقارنات المباشرة وتعتمد الاستجابة حصرياً على المطابقة الذاتية للتمثيلات المعرفية.

المقدمة والتعريف الاصطلاحي بطريقة الحكم المطلق

تُعرف طريقة الحكم المطلق بأنها استراتيجية تجريبية وقياسية يُعرض فيها على المشارك منبه حسي أو معرفي مفرد، ويُطلب منه إصدار حكم قاطع أو تصنيفي بشأنه دون وجود نقطة مرجعية فيزيائية متزامنة. على سبيل المثال، قد يُطلب من الفرد تحديد ما إذا كان صوت نقي معين ينتمي إلى فئة محددة، أو تقدير شدة ضوء معين بوحدات قياسية دون مقارنته بضوء آخر، أو تحديد ما إذا كان وجه مشتبه به يطابق صورة الجاني المخزونة في ذاكرة الشاهد العيني. يرتكز هذا النمط من القياس على استدعاء التمثيلات الذاكرية الذاتية، مما يجعله نافذة لفهم الحدود البيولوجية والمعرفية لقدرة الإنسان على معالجة المعلومات وتصنيفها بدقة.

في المقابل، تميل الطرق المقارنة أو النسبية إلى تقديم منبهين أو أكثر في وقت واحد (أو بتعاقب سريع للغاية)، حيث يُطلب من المشارك تحديد المنبه الأكثر سطوعاً، أو الأثقل وزناً، أو الأكثر شبهاً بنموذج معين. هذا الفارق الإجرائي البسيط في مظهره يخلق تبايناً هائلاً في الآليات العصبية والمعرفية المستنفرة؛ إذ يعتمد الحكم النسبي على معالجة إدراكية مباشرة للاختلافات (Contrast Effects)، بينما يجبر أسلوب الحكم المطلق المعالج المعرفي البشري على النبش في مستودعات الذاكرة، مما يعرض التقييم لتأثيرات العتبات المطلقة، واستراتيجيات اتخاذ القرار، ومعايير التيقن الذاتية.

تكتسب هذه الطريقة أهمية استثنائية في سياقات القياس السيكوفيزيقي للتعرف على القدرات الحسية الخالصة، كما تحتل مكانة بارزة في النظم القضائية والجنائية الحديثة. فقد أحدث الانتقال من طوابير المشتبه بهم المتزامنة (التي تعتمد على المقارنة النسبية) إلى طوابير العرض المتتابعة (التي تفرض حكماً مطلقاً على كل فرد بمفرده) ثورة كبرى في تقليص إدانات الأبرياء الناتجة عن أخطاء التعرف البصري لدى الشهود، مما جعل من هذه المنهجية محوراً مركزياً في دراسات الذاكرة الجنائية وسيكولوجيا القرار.

الجذور التاريخية والتطور في إطار علم النفس السيكوفيزيقي

تعود الجذور الأولى لمنهجيات الحكم المطلق إلى أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، وتحديداً مع تأسيس علم السيكوفيزيقيا على يد الرواد الأوائل مثل غوستاف فيشنر وإرنست ويبر. كان الاهتمام منصباً في البداية على قياس العتبات الحسية المطلقة (Absolute Thresholds)، أي الحد الأدنى من الطاقة الفيزيائية اللازمة لكي يُدرك الكائن الحي وجود المثير بنسبة نجاح تفوق الصدفة. تطورت المنهجيات لتشمل مهام التعرف المطلق (Absolute Identification Tasks)، حيث لا يكتفي الباحث برصد ما إذا كان المثير مرئياً أم لا، بل يبحث في قدرة المفحوص على تصنيف طيف متصل من المنبهات بدقة ثابتة.

في منتصف القرن العشرين، شهد هذا التوجه تحولاً نموذجياً (Paradigm Shift) مع بزوغ علم النفس المعرفي ونظرية معالجة المعلومات. كان البحث الشهير الذي نشره جورج ميلر عام 1956 بعنوان “الرقم السحري سبعة، زائداً أو ناقصاً اثنين” بمثابة حجر الزاوية الذي حلل بدقة تجارب الحكم المطلق عبر وسائط حسية متعددة (مثل درجات النغمات الصوتية، ومساحات الأشكال، ودرجات السطوع، والروائح). لاحظ ميلر أن قدرة البشر على الحكم المطلق على المنبهات الأحادية البعد تتوقف عند حدود ضيقة جداً تتراوح غالباً بين خمسة وتسعة تصنيفات متمايزة، وهو ما عُرف بحدود سعة القناة الإدراكية للأحكام المطلقة.

توالت بعد ذلك التطورات المنهجية عبر دمج افتراضات نظرية التكيف الإدراكي لـ هاري هيلسون، والتي أثبتت أن الأحكام المطلقة ليست “مطلقة” بالمعنى الفيزيائي الصرف، بل تتأثر بمستوى التكيف الإجمالي للمفحوص مع البيئة المحيطة والتجارب السابقة القريبة. كما تلاقت طريقة الحكم المطلق مع النماذج الرياضية الحديثة، مما مهد الطريق لنشأة نظرية كشف الإشارة (Signal Detection Theory) التي أعادت تفسير الحكم المطلق بوصفه دالة تجمع بين الحساسية الإدراكية النقية ومعيار القرار المتحيز للذات.

الأسس النظرية والنمذجة المعرفية لطريقة الحكم المطلق

تستند النمذجة المعرفية للأحكام المطلقة إلى فرضية أن العقل البشري يقوم بتحويل المدخلات الحسية المتصلة إلى تمثيلات مشفرة داخلياً تُسمى “التمثيلات العصبية الداخلية”. عندما يتلقى المفحوص منبهاً مفرداً في مهمة حكم مطلق، لا يمتلك أي معيار خارجي للمعايرة الآنية؛ ومن ثم يلجأ إلى استدعاء حدود التصنيف المعيارية التي تم حفظها وتثبيتها في الذاكرة خلال مرحلة التدريب أو بناءً على الخبرة التراكمية الطويلة. يمر الحكم في هذه الحالة بعدة مراحل معالجة تبدأ بالإحساس الحسي، مروراً باسترجاع الأطر المرجعية، وصولاً إلى اتخاذ القرار النهائي.

توضح نظريات القياس النفسي أن معالجة الحكم المطلق تتضمن تقسيماً افتراضياً للمجال الإدراكي إلى مناطق أو خلايا تصنيفية (Classification Cells). تفصل بين هذه الخلايا حدود قرار ذهنية (Criterion Boundaries). إذا وقعت القيمة الحسية المشفرة للمنبه ضمن حدود خلية معينة، تصدر الاستجابة المناظرة لها. تكمن الصعوبة التجريبية في أن هذه الحدود المعيارية ليست ثابتة أو جامدة كالمساطر الهندسية، بل تتسم بالتذبذب العشوائي (Criterion Noise) من محاولة إلى أخرى، وهو ما يفسر حدوث الأخطاء الإدراكية والتداخلات الفئوية حتى لدى الخبراء المتمرسين.

علاوة على ذلك، تلعب نماذج الحفظ الذاكري مثل “نظرية الأثر الذاكري التبايني” دوراً محورياً في تفسير آلية عمل الحكم المطلق. تشير هذه النماذج إلى أن المفحوص يحاول بشكل لاواعٍ مقارنة المنبه الحالي بأثر المنبه المعروض في المحاولة السابقة مباشرة، وهو ما يُعرف بتأثيرات التعاقب المتسلسل (Sequential Effects). هذا يوضح أن العقل يجد صعوبة بالغة في الحفاظ على حكم مطلق حقيقي ونقي بنسبة مئة بالمئة بمعزل عن السياق الزمني القريب، حيث يميل البشر فطرياً إلى التثبيت على آخر مرجع إدراكي حاضر في الذاكرة قصيرة المدى.

المقارنة الإبستمولوجية والمنهجية: الحكم المطلق مقابل الحكم النسبي

يعد التمييز بين الحكم المطلق والحكم النسبي من أعمق الانقسامات المنهجية في علم النفس المعرفي والتطبيقي. في الحكم النسبي (Relative Judgment)، تُعرض العناصر جميعها في سياق مكاني أو زماني موحد، مما يسمح للمفحوص بالمقارنة البينية وتقييم الفروق الطفيفة المباشرة. تعمل هذه الآلية عبر تقييم التباين بين البدائل واختيار البديل الذي يبدو “الأكثر” شبهاً بالمعيار المنشود مقارنة بالبدائل الأخرى المحيطة به، بصرف النظر عما إذا كان يمثل تطابقاً مثالياً حقيقياً أم لا.

أما في طريقة الحكم المطلق، فإن المعالجة تتطلب مطابقة المنبه المنفرد مع صورة ذهنية كامنة أو معيار مطلق دون الاستعانة بركائز سياقية مباشرة. تُجبر هذه الطريقة النظام المعرفي على تطبيق استراتيجية “الكل أو لا شيء” أو استراتيجية المطابقة القائمة على عتبة التشابه الدقيقة، حيث يسأل المفحوص نفسه: “هل هذا المنبه يحقق المعيار المطلوب بذاته؟” بدلاً من السؤال النسبي: “أي هذه المنبهات هو الأقرب للمعيار؟”. يحد هذا التحول المعرفي من ظاهرة الاختيار القسري المعتمد على المقارنة التفضيلية.

يوضح التحليل الإبستمولوجي أن الأحكام النسبية غالباً ما تكون أكثر حساسية في الكشف عن الفروق الدقيقة بين المنبهات المعقدة المتزامنة، ولكنها تزيد بشكل كبير من معدل النتائج الإيجابية الكاذبة (False Positives) في البيئات التطبيقية غير المحكومة بمختبرات فيزيائية. في المقابل، توفر طريقة الحكم المطلق حماية متقدمة ضد التخمين والتفضيل الزائف، مما يجعلها المنهجية الأرقى متى ما كان الهدف هو تقييم الثبات الإدراكي للذاكرة المستقلة بعيداً عن التشويش الناتج عن المنبهات المتنافسة في المجال البيئي.

التطبيقات الجنائية: طوابير التعرف المتتابعة والشهادة العينية

تعتبر التطبيقات الجنائية لطريقة الحكم المطلق من أكثر المساهمات إشراقاً وتأثيراً في التاريخ الحديث لعلم النفس التطبيقي، ويعود الفضل الأكبر في ذلك إلى الأبحاث الرائدة التي قادها البروفيسور جاري ويلز (Gary Wells) وزملاؤه في أواخر القرن العشرين. كان النظام التقليدي المتبع في طوابير العرض الجنائي (Police Lineups) يعتمد على العرض المتزامن (Simultaneous Lineup)، وفيه يقف المشتبه به إلى جانب عدد من البدلاء الأبرياء في صف واحد أمام الشاهد العيني، مما يدفع الشاهد حتماً إلى استخدام أسلوب الحكم النسبي ومحاولة تخمين الشخص الذي يشبه الجاني أكثر من غيره، حتى لو لم يكن الجاني الأصلي حاضراً في الطابور على الإطلاق.

أثبتت دراسات مشروع البراءة (Innocence Project) في الولايات المتحدة والعديد من الأبحاث النفسية المحكمة أن الحكم النسبي في طوابير المشتبه بهم كان السبب الأول وراء الإدانات الجنائية الخاطئة للمئات من الأبرياء الذين أظهرت تحليلات الحمض النووي (DNA) لاحقاً براءتهم التامة. واستجابة لهذه المعضلة الخطيرة، طوّر علماء النفس المعرفي أسلوب طابور العرض المتتابع (Sequential Lineup)، وهو تجسيد إجرائي دقيق لطريقة الحكم المطلق. في هذا الإجراء، يُعرض الأشخاص المشتبه بهم والبدلاء على الشاهد فرداً تلو الآخر في سياق زمني منفصل، ويُطلب من الشاهد اتخاذ قرار مطلق وقاطع بنعم أو لا حول كل فرد قبل الانتقال إلى الشخص التالي، دون معرفة عدد الأشخاص المتبقين في الطابور.

أظهرت النتائج المتواترة في هذا الميدان أن طابور العرض المتتابع المبني على الحكم المطلق يؤدي إلى انخفاض دراماتيكي في نسبة التعرف الخاطئ على الأبرياء، مع الحفاظ على معدلات شبه متطابقة في التعرف الصحيح على الجناة الحقيقيين. يُعزى هذا النجاح السيكولوجي إلى أن طريقة الحكم المطلق تحرم الشاهد من المقارنة التفضيلية وتجبره على تفعيل الذاكرة الفوتوغرافية أو الدلالية للوجه ومقارنتها مباشرة بالمعيار الذهني المخزن في فصوصه الصدغية، مما يرفع من جودة العدالة الجنائية وموثوقية الشهادة القانونية.

القياس النفسي وتحديد عتبات الإدراك الحسي

في ميدان القياس النفسي والسيكوفيزيقي، تُوظف طريقة الحكم المطلق لقياس مدى دقة الحواس واستقرار الاستجابات المعرفية عبر أبعاد فيزيائية مختلفة مثل الشدة، والتردد، والكتلة، والامتداد الفراغي. يتمثل البروتوكول المعياري في تقديم مصفوفة من المنبهات العشوائية بدرجات مختلفة من التدرج الحسي، حيث يتعين على المفحوص تعيين تسمية مطلقة لكل منبه (مثل تعيين أرقام من 1 إلى 7 لدرجات الحرارة المتفاوتة دون السماح بالرجوع إلى المنبه السابق). تتيح هذه المنهجية لعلماء النفس الرياضي حساب مقدار المعلومات المنقولة (Information Transmitted) بوحدات البت (Bits).

تكشف التجارب السيكوفيزيقية المعتمدة على الحكم المطلق عن وجود حدود قصوى ثابتة لما يمكن أن تستوعبه القنوات الحسية البشرية عند عزل المنبهات. فعلى الرغم من أن العين البشرية تستطيع التمييز بين ملايين التدرجات اللونية عند وضعها جنباً إلى جنب في مهمة مقارنة نسبية، إلا أن نفس الشخص لا يستطيع تحديد وتسمية أكثر من ثمانية إلى عشرة ألوان بشكل مطلق وخالٍ من الأخطاء إذا قُدمت له العينات اللونية منفردة ومعزولة عبر فترات زمنية متباعدة. يُظهر هذا الانفصال المذهل بين الحساسية التمييزية وسعة الحكم المطلق الفارق الجوهري بين آليات التسجيل الحسي المحيطي والقدرة المركزية على التشفير والاستدعاء المعرفي.

تمتد استخدامات الحكم المطلق في القياس النفسي أيضاً إلى تصميم مقاييس الاتجاهات والشخصية واختبارات الأداء النمطي. فعندما يُطلب من المستجيب تقييم عبارة نفسية وفق مقياس ليكرت (Likert Scale) متعدد التدريجات دون إتاحة بنود مقارنة فورية، فإنه يُمارس في جوهره عملية حكم مطلق تتطلب وزناً ذاتياً لمشاعره وسلوكه مقابل معاييره الداخلية وقيمه الشخصية، مما يسلط الضوء على تغلغل هذه الطريقة في شتى مسارات التقييم الإكلينيكي والسلوكي الحديث.

سعة معالجة المعلومات وحدود الإدراك البشري

ارتبطت طريقة الحكم المطلق ارتباطاً وثيقاً بنماذج نظرية المعلومات التي صاغها كلود شانون وطبقها علماء النفس لدراسة سعة الإنسان في تصنيف البيئة. في مهام تحديد المثير المطلق (Unidimensional Absolute Identification)، تتزايد كمية المعلومات المنقولة في البداية مع زيادة عدد المنبهات المعروضة، غير أنها سرعان ما تصل إلى سقف أفقي صلب لا يمكن تجاوزه، يُعرف تقنياً بـ “سعة القناة” (Channel Capacity). يبلغ هذا السقف في المتوسط حوالي 2.5 بت من المعلومات، وهو ما يعادل بدقة القدرة على التمييز المطلق بين ما يقارب 5 إلى 7 تصنيفات مختلفة فقط.

قادت هذه الظاهرة المعرفية المحيرة الباحثين إلى استكشاف الكيفية التي يتغلب بها الدماغ البشري على هذا العجز الفطري في مهام الحكم المطلق في الحياة الواقعية. لقد اتضح أن البشر نادراً ما يواجهون منبهات أحادية البعد في بيئتهم الطبيعية؛ فالعالم مليء بالمثيرات متعددة الأبعاد (Multidimensional Stimuli). عندما يتضمن المنبه أبعاداً متعددة متزامنة (مثل الصوت الذي يجمع بين التردد، والشدة، والنبرة، والموقع الفضائي)، تقفز سعة الحكم المطلق بشكل ملحوظ وتصل إلى عشرات التصنيفات، نظراً لأن كل بعد فيزيائي يساهم بنصيب إضافي من وحدات المعلومات المشفرة في القشرة المخية.

علاوة على ذلك، تلعب الآليات المعرفية العليا مثل التقطيع (Chunking) وتشكيل الفئات الدلالية المعقدة دور المنقذ للمنظومة العقلية لتجاوز قيود طريقة الحكم المطلق. إن تدريب الأفراد المكثف على ترميز المحفزات ضمن سياقات معرفية مسبقة يسمح لهم برفع عتبات الحكم المطلق، وهو ما يفسر قدرة خبراء الموسيقى الذين يمتلكون مهارة “النغمة المطلقة” (Absolute Pitch) على تحديد أسماء النغمات بدقة متناهية دون الحاجة إلى نغمة مرجعية، حيث تمكنت أدمغتهم من تثبيت تمثيلات حسية-دلالية بالغة الرسوخ في الذاكرة طويلة المدى تعوض ضعف القناة الحسية الخام.

التحديات المنهجية، التحيزات المعرفية، والانتقادات المعاصرة

على الرغم من النجاحات النظرية والتطبيقية لطريقة الحكم المطلق، فإنها تواجه جملة من التحديات المنهجية التي أثارت نقاشات أكاديمية حامية في الأدبيات المعرفية المعاصرة. يبرز في مقدمة هذه الإشكاليات ما يعرف بـ تأثير حافة النطاق (Bow Effect)، وهو ظاهرة سيكوفيزيقية يلاحظ فيها أن الأحكام المطلقة تكون متناهية الدقة عند أطراف طيف المنبهات (المنبهات الأكثر شدة وتلك الأكثر خفوتاً)، في حين تتدهور الدقة وترتفع معدلات الخطأ بشكل حاد بالنسبة للمنبهات التي تقع في منتصف النطاق. يعكس هذا التحيز أن الحدود الخارجية تعمل كنقاط رسو طبيعية في الذاكرة تسهل الحكم، بينما تفتقر المنبهات الوسطى لهذه المراسي المريحة.

التحدي المنهجي الثاني يتمثل في الحساسية العالية لطريقة الحكم المطلق تجاه تحيز الاستجابة (Response Bias) والتعليمات المسبقة للتجربة. فإذا كان المشارك قلقاً أو حذراً بطبعه، فإنه قد يضع معيار قرار محافظاً للغاية (Conservative Criterion)، مما يجعله يرفض إصدار حكم إيجابي إلا في حالات اليقين التام، الأمر الذي يقلل من نتائج الكشف الصحيح. على النقيض من ذلك، فإن المشارك ذو النزعة الاندفاعية قد يتبنى معياراً متساهلاً يؤدي إلى تضخيم الإيجابيات الكاذبة. يتطلب ضبط هذه الانحيازات استخدام نماذج رياضية متقدمة مستمدة من الإحصاء البايزي والنمذجة العصبية.

وفي الساحة القانونية، ثار في العقد الأخير جدال علمي واسع قاده علماء القياس الجنائي حول ما إذا كانت طوابير العرض المتتابعة (طريقة الحكم المطلق) تتفوق بالفعل دائماً وبشكل مطلق على الطوابير المتزامنة (طريقة الحكم النسبي). يرى معارضو التعميم المطلق، بالاعتماد على تحليلات منحنى خصائص التشغيل للمتلقي (ROC Analysis)، أن طريقة الحكم المطلق قد لا تؤدي دوماً إلى تحسين قدرة التمييز الإدراكية النقية للشاهد بقدر ما تدفعه ببساطة إلى تبني معيار قرار أكثر صرامة وتحفظاً، مما يقلل التعرف الخاطئ ولكنه قد يخفض في بعض الحالات المعقدة التعرف الصحيح على الجناة الحقيقيين، مما يثري النقاش المعرفي المستمر بين الباحثين.

الخاتمة والآفاق المستقبلية في أبحاث الحكم والقرار

تمثل طريقة الحكم المطلق نموذجاً فريداً يوضح التفاعل المعقد بين أنظمة الاستشعار الحسي، ومخازن الذاكرة طويلة المدى، وآليات اتخاذ القرار تحت مظلة علم النفس العام والتجريبي. لقد بيّنت مسيرة الأبحاث في هذا الميدان أن تجريد المنبه من سياقه المقارن المباشر يضع النظام المعرفي البشري في مواجهة قدراته وتمثيلاته الداخلية الصرفة، مما يكشف عن الثوابت والحدود الحتمية لسعة العقل الإنساني في ترميز واختزان وتصنيف منبهات العالم الخارجي.

تتجه الدراسات المستقبلية إلى توظيف تقنيات التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي (fMRI) والتخطيط الدماغي الكهرومغناطيسي عالي الدقة لتتبع المسارات العصبية التي تتنشط عند استخدام الحكم المطلق مقارنة بالحكم النسبي، خاصة في القشرة أمام الجبهية والمناطق الصدغية المسؤولة عن معالجة الوجوه والهويات البصرية. إن فهم كيفية توليد الدماغ لمعايير القرار الداخلية في اللحظة الزمنية الفاصلة سيعزز ليس فقط دقة القياسات السيكوفيزيقية المعملية، بل سيحدث نقلة نوعية في موثوقية الأنظمة القضائية، وتطوير واجهات التفاعل بين الإنسان والآلة، وتصميم نظم الذكاء الاصطناعي التي تحاكي القدرات المعرفية التمييزية للإنسان.

المراجع

  • Miller, G. A. (1956). The magical number seven, plus or minus two: Some limits on our capacity for processing information. Psychological Review, 63(2), 81–97. https://doi.org/10.1037/h0043158
  • Wells, G. L. (1984). The systematic study of the eyewitness: A product of applied psychology. Law and Human Behavior, 8(1), 75–89. https://doi.org/10.1007/BF01044357
  • Steyvers, M., & Brown, S. (2006). Prediction and generalization in absolute identification. Cognitive Psychology, 53(4), 273–302. https://doi.org/10.1016/j.cogpsych.2006.04.001
  • Macmillan, N. A., & Creelman, C. D. (2005). Detection theory: A user’s guide (2nd ed.). Lawrence Erlbaum Associates Publishers.
  • Lindsay, R. C., & Wells, G. L. (1985). Improving eyewitness identifications from lineups: Simultaneous versus sequential lineup presentation. Journal of Applied Psychology, 70(3), 556–564. https://doi.org/10.1037/0021-9010.70.3.556
  • Mickes, L., Flowe, H. D., & Wixted, J. T. (2012). Receiver operating characteristic analysis of eyewitness identification: Simultaneous versus sequential lineups. Journal of Experimental Psychology: Applied, 18(4), 361–376. https://doi.org/10.1037/a0030609
  • Stewart, N., Brown, G. D., & Chater, N. (2005). Absolute identification by relative judgment. Psychological Review, 112(4), 881–911. https://doi.org/10.1037/0033-295X.112.4.881

اقتباس هذا المقال

looti, M. (2026, سبتمبر 25). طريقة الحكم المطلق في علم النفس: الأسس السيكوفيزيقية والتطبيقات المعرفية والجنائية. عرب سايكلوجي. https://arabpsychology.com/dictionary/absolute-judgment-method-psychology/
looti, Mohammed. “طريقة الحكم المطلق في علم النفس: الأسس السيكوفيزيقية والتطبيقات المعرفية والجنائية.” عرب سايكلوجي, 25 سبتمبر 2026, https://arabpsychology.com/dictionary/absolute-judgment-method-psychology/.
looti, Mohammed. “طريقة الحكم المطلق في علم النفس: الأسس السيكوفيزيقية والتطبيقات المعرفية والجنائية.” عرب سايكلوجي. سبتمبر 25, 2026. https://arabpsychology.com/dictionary/absolute-judgment-method-psychology/.