يمثل مفهوم المطلق (The Absolute) أحد أكثر المفاهيم الفلسفية والنفسية تعقيداً وتشعباً؛ حيث يمتد حضوره من أروقة نظرية المعرفة الكلاسيكية إلى صلب القياس الفيزيقي-النفسي والنظريات المعرفية والسلوكية المعاصرة. في سياق العلوم النفسية، لا يُنظر إلى المطلق بوصفه كينونة ميتافيزيقية مجردة فحسب، بل يُعالج بوصفه محدداً بنيوياً للعمليات الحسية، ونمطاً معرفياً يوجه تفسير الفرد لذاته وللعالم الخارجي، ومعياراً حاسماً في التقييم السريري للاضطرابات الوجدانية والتوافقية. تتناول هذه المقالة الموسوعية تفكيك هذا المفهوم المحوري عبر سياقاته المتعددة، بدءاً من البدايات التجريبية لعلم النفس الحسي، مروراً بالبنى المعرفية المشوهة في النموذج الإكلينيكي، ووصولاً إلى ديناميات النمو العقلي وتطور التفكير الإنساني عبر مراحل الحياة.
التأصيل النظري والمفاهيمي للمطلق في الفكر السيكولوجي
نشأ مفهوم المطلق في الفلسفة الغربية، لا سيما في الفلسفة المثالية الألمانية مع فلاسفة مثل هيغل وشيلنغ، للإشارة إلى الحقيقة اللانهائية التي لا تعتمد في وجودها أو مشروعيتها على أي سياق نسبي أو شرط مسبق. ومع انتقال مركز الثقل الأكاديمي نحو تأسيس علم النفس كعلم تجريبي مستقل في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، أُعيد توطين مفهوم المطلق وتجريده من سماته الثيولوجية ليوظف في صياغة القوانين المنظمة للنشاط العصبي والإدراكي، محاولاً الإجابة عن التساؤل الجوهري: هل توجد ثوابت مطلقة تحكم الاستجابة الإنسانية للمثيرات الخارجية، أم أن كل تجربة نفسية خاضعة بطبيعتها لنسبية السياق والخبرة الذاتية؟
في إطار علم النفس التجريبي، تجسد المطلق في البحث عن الحدود الدنيا والقصوى للقدرة الإنسانية، والمعايير الفيزيائية الصلبة التي يمكن القياس عليها دون التأثر بالمتغيرات الفردية العشوائية. هذا السعي نحو المطلقية في القياس النفسي أسس للتقاليد الصارمة في المختبرات السيكولوجية الأولى، مثل مختبر غوستاف فيخنر وفيلهلم فونت، حيث كان الهدف صياغة دوال رياضية تحكم العلاقة بين الطاقة الفيزيائية للمثير والشدة النفسية للإحساس. وفي هذا الإطار، لم يعد المطلق تجريداً تأملياً، بل غدا عتبة حسية قابلة للرصد والقياس الإحصائي في ظل ظروف معيارية محددة بدقة.
وعلى النقيض من النزعة الفيزيقية الحسابية، تبلور مفهوم المطلق في التحليل النفسي والنظريات الدينامية بوصفه تمثيلاً لنزعات لاواعية نحو الكمال، أو دفاعاً نفسياً ضد القلق الوجودي المرتبط بالغموض والنسبية. فالذات الإنسانية، حين تواجه فوضى العالم الخارجي وعجزها البيولوجي المبدئي، تميل إلى إسقاط معاني مطلقة على الواقع لحمايته من التفكك؛ مما يجعل المطلق في علم النفس مفهوماً ثنائي الوجه: فهو من جهة معيار علمي يسعى لضبط الثوابت الحيوية، ومن جهة أخرى بناء نفسي قد يعبر عن صلب التكيف المعرفي أو قمة التشويه الإدراكي والتصلب العصابي.
المطلق في السيكوفيزيقا: العتبة المطلقة ونظرية الكشف الحسي
يشكل مفهوم العتبة المطلقة (Absolute Threshold) حجر الزاوية في ميدان السيكوفيزيقا (علم النفس الفيزيقي)، وهو التخصص الذي كرسه غوستاف فيخنر في كتابه التاريخي “عناصر السيكوفيزيقا” عام 1860. تُعرَّف العتبة المطلقة بأنها أدنى قدر من الطاقة الفيزيائية أو الشدة التي يجب أن يتسم بها المثير الحسي حتى يتمكن العضو الحسي من كشفه واستشعاره بدقة تصل إلى خمسين بالمئة من المحاولات التجريبية. وتفترض هذه الصياغة وجود فاصل مطلق بين عالمين: عالم اللاشعور بالمثير حيث تكون الطاقة دون عتبية، وعالم الشعور الواعي حيث يتجاوز التنبيه العتبة المحددة.
إلا أن الممارسة التجريبية كشفت تدريجياً عن هشاشة مفهوم المطلق بصورته الصارمة؛ إذ تبيّن أن العتبة المطلقة ليست خطاً فاصلاً ميكانيكياً ثابتاً عبر الزمن، بل هي دالة احتمالية تتأثر بعوامل فيزيولوجية داخلية مثل مستوى التعب العضبي والنشاط التلقائي للجهاز العصبي، وعوامل نفسية مثل الانتباه، والدافعية، وتوقعات المفحوص. قاد هذا التناقض إلى مراجعة مفهوم المطلقية الحسية؛ مما مهد الطريق لظهور نظرية كشف الإشارة (Signal Detection Theory) في منتصف القرن العشرين على يد تانر وسويتس، والتي أكدت أنه لا يوجد عتبة حسية مطلقة خالية من التأثيرات التحفيزية وصنع القرار لدى الكائن الحي.
على الرغم من الانتقادات الموجهة للمثالية السيكوفيزيقية، يظل مفهوم العتبة المطلقة أداة تشخيصية وبحثية لا غنى عنها في قياس كفاءة الحواس الخمس؛ حيث يُعتمد عليه في تخطيط السمع الحسي (Audiometry)، وتحديد حساسية الإبصار التفريقية، واختبار كفاءة المستقبلات الشمية والتذوقية. يساعد هذا القياس على التمييز بدقة بين القصور العصبي العضوي والاضطرابات الوظيفية أو التحويلية، مما يمنح المطلق الحسي دوراً تطبيقياً جوهرياً في الطب النفسي وعلوم الأعصاب السلوكية.
التفكير المطلق بوصفه تشويهاً معرفياً في علم النفس السريري
في فضاء علم النفس السريري والعلاج المعرفي السلوكي، يتخذ المطلق دلالة باثولوجية من خلال مفهوم التفكير المطلق أو التفكير ثنائي القطب (Absolutistic or Dichotomous Thinking)، المعروف أيضاً بتفكير “الكل أو لا شيء” (All-or-Nothing Thinking). يُعرَّف هذا النمط بأنه ميل الفرد إلى تصنيف تجاربه ومشاعره والأشخاص المحيطين به ضمن فئات حدية متناقضة ومتباعدة دون الاعتراف بالدرجات الوسيطة أو الطبيعة المستمرة والرمادية للواقع الإنساني. يُعد هذا النمط المعرفي واحداً من أبرز التشوهات المعرفية التي حددها آرون بيك في نظريته المعرفية للاكتئاب.
يرى بيك أن التفكير المطلق يستند إلى مخططات معرفية صلبة وعتيقة تتفعل بصورة تلقائية عند التعرض للضغوط النفسية. يتميز الأفراد الذين يعتمدون على هذا النمط بإطلاق أحكام استقطابية؛ فالنجاح إما أن يكون كاملاً ومطلقاً وإلا فهو فشل ذريع، والذات إما أن تكون محبوبة ومقبولة كلياً أو منبوذة وحقيرة بالمطلق. هذا التصلب الإدراكي يعطل المرونة النفسية، ويحول دون المعالجة الموضوعية للمعلومات المعقدة، مما يولد مشاعر حادة من العجز، والدونية، وفقدان الأمل، ويغذي الأفكار الآلية السلبية التي تكمن خلف الاكتئاب السريري واضطرابات القلق المزمنة.
في السياق ذاته، أفرد ألبرت إيليس، مؤسس العلاج العقلاني الانفعالي السلوكي (REBT)، مساحة مركزية للأفكار المطلقة بوصفها المنبع الأساسي للاضطراب الانفعالي الإنساني. وضع إيليس مصطلحات خاصة لوصف هذا النزوع، مثل “الإلزاميات المطلقة” (Musturbation) والطلبات الحتمية، مشيراً إلى أن العصاب ينشأ من تحويل الرغبات والتفضيلات الشخصية المرنة (مثل: “أفضل أن أنجح”) إلى مطالب مطلقة صارمة لا تقبل النقاش (مثل: “يجب عليّ مطلقاً أن أنجح، وإن لم أنجح فأنا شخص عديم القيمة”). تقود هذه المطلقية غير المنطقية إلى تصعيد التوتر وتوليد الغضب، واللوم الذاتي، والانغماس في السلوكيات التدميرية.
تتجلى مظاهر التفكير المطلق بوضوح في مجموعة واسعة من الاضطرابات النفسية الإكلينيكية، ومن أهمها:
- اضطراب الشخصية الحدية (BPD): حيث يعاني المرضى من انشطار وجداني ومعرفي حاد (Splitting)، يتمثل في تقديس الآخرين بالمطلق ثم إسقاطهم إلى خانة الشيطنة المطلقة عند حدوث أول إحباط علائقي.
- اضطرابات الأكل (Eating Disorders): مثل القهم العصبي، حيث تسود معايير حمية مطلقة؛ فأي خرق بسيط للنظام الغذائي يُفسر بوصفه انهياراً كاملاً للسيطرة والانضباط الذاتي.
- اضطراب الوسواس القهري (OCD): حيث تتطلب الطقوس الوسواسية بلوغ مستوى مطلق من النقاء، أو التماثل، أو اليقين لمنع وقوع كوارث متخيلة، وهو ما يستحيل تحقيقه عملياً.
المطلق في مسار النمو الإدراكي والفكري عبر الحياة
يمثل التحرر من المطلق والانتقال نحو النسبية والسياقية أحد أهم معالم النضج العقلي في نظريات علم نفس النمو. ففي نظرية جان بياجيه، يتسم تفكير الطفل في مرحلة ما قبل العمليات (Preoperational Stage) بالتمركز حول الذات، وإطلاق أحكام أخلاقية قائمة على “المسؤولية الموضوعية” والمطلق الأخلاقي الخارجي؛ فالقواعد تُعد ثوابت مقدسة ومطلقة لا يمكن تغييرها وتخضع لمنطق الجزاء الفوري دون اعتبار للنيات والدوافع الداخلية.
مع تطور البنى العقلية ووصول المراهق إلى مرحلة العمليات المجردة (Formal Operational Stage)، يكتسب الفرد القدرة على التفكير الفرضي-الاستنباطي وتفكيك المسلمات. ومع ذلك، فإن النضج المعرفي لا يقف عند حدود العمليات المجردة الكلاسيكية؛ إذ أظهرت أبحاث علماء النفس ما بعد بياجيه، مثل ويليام بيري (William Perry) في نموذجه لتطور الفكر الفكري والأخلاقي لدى طلاب الجامعات، أن النمو يمر برحلة تبدأ من “الثنائية المطلقة” (Dualism/Absolutism)، حيث يُنظر إلى المعرفة على أنها حقائق مطلقة إما صائبة تماماً أو خاطئة تماماً، ويُعامل الأساتذة والخبراء بوصفهم مصادر حصرية للحقيقة الأبدية.
يقود الاحتكاك الفكري والتفاعل الاجتماعي الفرد إلى الانتقال من المطلقية الساذجة إلى مرحلة التعددية، ثم إلى مرحلة “النسبية المعرفية” (Relativism)، ليتوج هذا المسار بما يُعرف بـ “التفكير ما بعد الشكلي” (Post-Formal Thought). يتميز هذا المستوى المتقدم من التفكير بالقدرة على استيعاب التناقض، ودمج المشاعر بالمنطق، وإدراك أن الحقيقة نتاج سياق تفاعلي، وأن اتخاذ القرارات الأخلاقية والمهنية يتطلب التزاماً شخصياً ضمن عالم نسبي يفتقر إلى الضمانات المطلقة سلفاً، مما يبرز أن النضج النفسي يقتضي التخلي عن أوهام المطلق لاحتضان تعقيدات الواقع.
أبعاد المطلق في التحليل النفسي وسيكولوجية الأعماق
لم يغب المطلق عن تنظيرات سيكولوجية الأعماق والتحليل النفسي الكلاسيكي والنيوفرويدي، وإن اتخذ هناك دلالات بنيوية ورمزية ترتبط بتشكل الأنا واللاشعور الجمعي. في نظرية سيغموند فرويد، يمثل “الأنا الأعلى” (Superego) سلطة مطلقة تنحدر من استدماج الأوامر والنواهي الوالدية والمجتمعية الصارمة. يسعى الأنا الأعلى إلى فرض معايير كمالية مطلقة على “الأنا”، متجاهلاً قيود الواقع البيولوجي والاجتماعي، ويقود هذا التعارض المطلق بين الغرائز المحرمة والمثاليات الأخلاقية إلى نشوء الصراع النفسي والشعور اللاشعوري بالذنب.
أما في علم النفس التحليلي لدى كارل غوستاف يونغ، فإن المطلق يتصل بمفهوم “الذات العليا” (The Self) والأنماط البدائية (Archetypes) الكامنة في اللاشعور الجمعي. يرى يونغ أن نزوع النفس الإنسانية نحو التفريد (Individuation) واكتمال الشخصية يحركه دافع لاواعٍ للاتصال بنموذج الوحدة المطلقة، والذي يرمز إليه غالباً بصور الماندالا أو الرموز الدينية الكونية. هنا، لا يكون المطلق خللاً إدراكياً بل يمثل طاقة نفسية روحانية موجهة نحو التسامي والتكامل الداخلي بين الأضداد المتصارعة (الوعي والظل، الأنيما والأنيموس).
كذلك تناول إريش فروم مفهوم المطلق من زاوية نفسية-اجتماعية في مؤلفه الشهير “الخوف من الحرية”؛ إذ أوضح أن عجز الإنسان المعاصر عن تحمل مسؤولية حريته ونسبية وجوده يدفعه إلى البحث عن ملاذات استبدادية مطلقة. إن الاستسلام للأنظمة الشمولية أو الطوائف المنغلقة يمثل هروباً سيكولوجياً من القلق الناتج عن انعدام اليقين، حيث يعيد الفرد ربط مصيره بسلطة مطلقة تمنحه شعوراً زائفاً بالأمان والانتماء على حساب استقلاله الفردي ونموه النفسي السوي.
الإدراك الحسي الاستثنائي: ظاهرة النغمة المطلقة
تتجلى المطلقية في ميدان علم النفس العصبي والإدراكي من خلال ظاهرة نادرة واستثنائية تُعرف بـ النغمة المطلقة (Absolute Pitch أو Perfect Pitch). تتمثل هذه الظاهرة في قدرة الفرد على تحديد أو إعادة إنتاج أي نغمة موسيقية معينة بدقة متناهية وفورية دون الحاجة إلى الاستعانة بنغمة مرجعية للمقارنة، وذلك على النقيض من النغمة النسبية (Relative Pitch) الشائعة التي تعتمد على قياس الفواصل والمسافات بين النغمات المختلفة.
أثارت ظاهرة النغمة المطلقة اهتماماً بحثياً واسعاً في النزاع الأزلي بين الوراثة والبيئة (Nature vs. Nurture). تشير الدراسات السيكولوجية العصبية إلى أن امتلاك النغمة المطلقة يتطلب تفاعلاً معقداً بين استعداد جيني نادر، يتمثل في خصوصية بنيوية في التلفيف الصدغي العلوي والباحة المستوية (Planum Temporale) في النصف الأيسر من الدماغ، وبين التعرض لتدريب موسيقي مكثف ومبكر خلال فترة حرجة (Critical Period) من الطفولة المبكرة، غالباً قبل سن السابعة، حيث تكون المرونة العصبية في أعلى درجاتها لتثبيت التسميات المعرفية للترددات الصوتية المطلقة.
يوفر فهم النغمة المطلقة للباحثين في علم النفس المعرفي نافذة فريدة لدراسة كيفية تمثيل المعلومات الحسية وتخزينها في الذاكرة طويلة المدى، وكيفية ربط الرموز اللغوية بالتجارب الإدراكية الخام. كما يُظهر هذا النمط أن الجهاز العصبي الإنساني قادر في حالات خاصة على الاحتفاظ بمراجع قياس مطلقة، مما يتحدى الفرضيات التي ترى أن جميع المعالجات الإدراكية هي بطبيعتها نسبية وتعتمد على المقارنة الفورية بين المنبهات الآنية والسابقة.
الاستراتيجيات العلاجية لتفكيك التفكير المطلق
نظراً للآثار المدمرة التي يتركها التفكير المطلق على التوافق النفسي والصحة الانفعالية، طورت النماذج العلاجية المعاصرة منظومة من التدخلات التقنية المصممة لتفكيك المعتقدات الحدية واستبدالها بأنماط مرنة وقابلة للتكيف. يعتمد المعالجون النفسيون على تفكيك المركزية المطلقة عبر استراتيجيات دقيقة وممنهجة:
- إعادة الهيكلة المعرفية والتفكير المستمر (Continuum Thinking): تقنية يوجه فيها المعالج العميل لرسم مقياس متدرج يبدأ من صفر بالمئة إلى مئة بالمئة لتقييم الحدث أو الذات، بدلاً من استخدام التصنيفات الثنائية الحتمية (مثل: ناجح أو فاشل تماماً). يساعد هذا التمرين على إدراك الواقع بوصفه متصلاً واسعاً من الدرجات والظلال الرمادية.
- الدحض السقراطي والمناقشة المنطقية (Socratic Questioning): استراتيجية في العلاج العقلاني الانفعالي، تهدف إلى فحص الأدلة الواقعية التي تدعم أو تنفي الفروض المطلقة. يطرح المعالج أسئلة محورية من قبيل: “أين كُتب في قوانين الكون أنه يجب عليك مطلقاً أن تنال رضا الجميع؟”، و”ما هي العواقب المنطقية والانفعالية لتمسكك بهذا الفرض الصارم؟”.
- تدريبات المرونة النفسية والتقبل (ACT): في إطار العلاج بالقبول والالتزام، يتم التركيز على تدريب العميل على تقنية “نزع الاندماج المعرفي” (Cognitive Defusion)، بحيث ينظر إلى أفكاره المطلقة بوصفها مجرد أحداث لغوية عابرة يفرزها العقل وليست حقائق ثابتة تلزمه بالتصرف وفقها.
- التثقيف النفسي ومراقبة الذات (Psychoeducation and Self-Monitoring): استخدام سجلات الأفكار اليومية لرصد اللحظات التي تظهر فيها الألفاظ المشحونة بالمطلق، مثل الكلمات المعرفية القاطعة: “دائماً”، “أبداً”، “مستحيل”، “كلياً”، والعمل بوعي وتؤدة على استبدالها بصيغ نسبية مرنة مثل: “في كثير من الأحيان”، و”قد أجد صعوبة في هذا الجانب تحديداً”.
خاتمة واستشراف لمستقبل المفهوم في البحث النفسي
تأسيساً على ما سبق، يتبين أن مفهوم المطلق يتبوأ مكانة متعددة الأبعاد والوظائف داخل المنظومة السيكولوجية؛ فهو ينتقل بسلاسة من كونه حداً فيزيقياً حسياً يضبط حدود الكشف البشري في بدايات علم النفس التجريبي، إلى نمط تفكير استقطابي يمثل جوهر التشوه المعرفي والجمود الوجداني في علم النفس السريري، وصولاً إلى مرحلة فكرية أولية يتجاوزها الإنسان تدريجياً ليرتقي نحو النسبية والتعقيد في مسار النمو الإدراكي والأخلاقي. إن دراسة المطلق في علم النفس تذكرنا بحقيقة جوهرية: إن النضج الإنساني، سواء على صعيد القياس المخبري أو البناء السريري، لا يتحقق عبر الانغلاق في الثوابت الحتمية الصارمة، بل عبر تطوير المرونة النفسية الكافية للتعامل مع واقع يتسم بالتغير الدائم، والاحتمالية، والنسبية الخصبة.
المراجع
- بياجيه، جان. (2004). علم النفس والذكاء (ترجمة محمد رشاد). دار المعارف.
- بيك، آرون ت.، وراش، أ. جون، وشو، بريان ف.، وإيمري، غاري. (2000). العلاج المعرفي للاكتئاب (ترجمة عادل مصطفى). دار الآفاق العربية.
- فروم، إريش. (2012). الخوف من الحرية (ترجمة مجاهد عبد المنعم مجاهد). دار الكلمة للنشر والتوزيع.
- Beck, A. T. (1979). Cognitive therapy of depression. Guilford Press.
- Ellis, A. (1994). Reason and emotion in psychotherapy (Revised ed.). Birch Lane Press.
- Fechner, G. T. (1860). Elemente der Psychophysik. Breitkopf und Härtel.
- Gescheider, G. A. (1997). Psychophysics: The fundamentals (3rd ed.). Lawrence Erlbaum Associates.
- Perry, W. G. (1999). Forms of ethical and intellectual development in the college years: A scheme. Jossey-Bass.
- Takeuchi, A. H., & Hulse, S. H. (1993). Absolute pitch. Psychological Bulletin, 113(2), 345–361. https://doi.org/10.1037/0033-2909.113.2.345
- Ward, W. D. (1999). Absolute pitch. In D. Deutsch (Ed.), The psychology of music (2nd ed., pp. 265–298). Academic Press.