تُعد أكاديمية اضطرابات الأكل (Academy for Eating Disorders – AED) المنظمة المهنية العالمية الرائدة والأوسع نطاقاً المكرسة حصرياً لتعزيز التميز الأكاديمي والسريري في مجالات الوقاية من اضطرابات الأكل، وعلاجها، ودراسة أبعادها النفسية والبيولوجية المعقدة. تمثل الأكاديمية صرحاً علمياً دولياً متعدد التخصصات، يجمع بين كبار علماء النفس، والأطباء النفسيين، وأخصائيي التغذية العلاجية، والباحثين في علم الأعصاب وعلم الوراثة، إضافة إلى الممارسين الاجتماعيين والمدافعين عن حقوق المرضى. تسعى هذه المنظمة إلى إعادة صياغة الفهم البشري للأمراض النفسية المرتبطة بالغذاء وصورة الجسد، متجاوزةً بذلك النماذج التقليدية الضيقة نحو أطر تكاملية قائمة على الدليل والبرهان العلمي الصارم.
مقدمة وتعريف بأكاديمية اضطرابات الأكل
تُعرّف أكاديمية اضطرابات الأكل بوصفها جمعية علمية دولية غير ربحية تضم آلاف الأعضاء من أكثر من خمسين دولة حول العالم، وتهدف إلى قيادة الفكر العالمي في كل ما يتعلق بالاعتلالات النفسية الغذائية مثل فقدان الشهية العصابي (Anorexia Nervosa)، والشره العصابي (Bulimia Nervosa)، واضطراب نهم الطعام (Binge Eating Disorder)، واضطراب تجنب أو تقييد تناول الطعام (ARFID). تعمل الأكاديمية كمنصة مركزية لتوليد المعرفة، وتوحيد المعايير التشخيصية والعلاجية، وبناء جسور متينة بين المختبرات البحثية والعيادات السريرية في مختلف القارات.
تنطلق الأكاديمية من فرضية مفاهيمية مفادها أن اضطرابات الأكل ليست خيارات سلوكية واعية أو مجرد انعكاسات لاهتمامات سطحية بالمظهر الخارجي، بل هي أمراض نفسية-حيوية-اجتماعية شديدة التعقيد وقاتلة في كثير من الأحيان، وتتميز بأعلى معدلات وفيات بين الاضطرابات النفسية عموماً. ومن هذا المنطلق، تكرس الأكاديمية مواردها الأكاديمية واللوجستية لتصحيح المفاهيم المغلوطة الراسخة في الأوساط الطبية والمجتمعية، وتوفير مظلة مهنية تضمن حصول كل مريض على أفضل رعاية ممكنة استناداً إلى أحدث ما توصل إليه العلم الحديث.
تتميز المنظمة بتبنيها نهج الشمولية والتنوع الثقافي، مدركةً أن هذه الاضطرابات لا تعترف بالحدود الجغرافية أو الفوارق العرقية والطبقية والجنسانية؛ لذا فإن جهودها تتجاوز المركزية الغربية لتشمل تعزيز الأبحاث السريرية في البلدان النامية، ومواءمة أدوات القياس النفسي لتلائم مختلف البيئات الثقافية والاجتماعية عبر شراكات استراتيجية عابرة للحدود.
السياق التاريخي ونشأة الأكاديمية وتطورها
نشأت فكرة تأسيس أكاديمية اضطرابات الأكل في مطلع تسعينيات القرن العشرين، وتحديداً في عام 1993، كاستجابة موضوعية لحاجة ملحة استشعرها نخبة من الأطباء والباحثين النفسيين لوجود هيئة مهنية مستقلة تجمع شتات التخصصات المتفرقة العاملة في هذا المجال الدقيق. قبل تأسيس الأكاديمية، كانت الدراسات المعنية باضطرابات السلوك الغذائي مشتتة بين مؤتمرات علم النفس العام، وطب الأطفال، والطب الباطني، والتحليل النفسي، مما أدى إلى غياب لغة مشتركة وغياب استراتيجية بحثية موحدة وقوية قادرة على التعامل مع هذه الحالات المستعصية.
قاد التأسيس مجموعة من الرواد في مجال الطب النفسي السريري وعلم النفس السلوكي المعرفي، الذين رأوا أن تعقيد اضطرابات الأكل يتطلب جسداً علمياً متخصصاً لا يكتفي بمناقشة الأعراض، بل يضع أطراً صارمة للبحث والتدريب المهني. وخلال السنوات الأولى، شهدت الأكاديمية نمواً متسارعاً؛ حيث تحولت من تجمع نخبوي محدود في أمريكا الشمالية إلى كيان دولي مترامي الأطراف يفرض معاييره العلمية على المؤسسات الصحية العالمية والجامعات المرموقة في أوروبا، وأستراليا، وآسيا، وأمريكا اللاتينية.
شهد العقد الأول من الألفية الثالثة تحولاً جذرياً في مسار الأكاديمية، حيث بدأت في إدماج أصوات المتعافين وعائلات المرضى ضمن لجانها الاستشارية ومؤتمراتها، متخلية عن النمط الأبوي التقليدي في الطب النفسي، ومتبنية بدلاً من ذلك نموذج الشراكة التشاركية بين الباحث، والممارس السريري، وصاحب التجربة المعاشة. هذا التطور التاريخي منح المنظمة مصداقية استثنائية وعزز من قدرتها على التأثير في صياغة السياسات الصحية العامة على الصعيد الدولي.
الرسالة، الرؤية، والمبادئ التوجيهية الأساسية
تتمحور رسالة أكاديمية اضطرابات الأكل حول توفير التوجيه العلمي والقيادة العالمية للنهوض ببحوث اضطرابات الأكل والوقاية منها وعلاجها المبكر والفعال. ترى الأكاديمية مستقبلاً خالياً من الوصمة المرتبطة بالوزن والصحة النفسية، حيث تتاح للمرضى في جميع أنحاء العالم إمكانية الوصول غير المشروط إلى رعاية طبية ونفسية شاملة قائمة على البراهين، وتتسم بالإنسانية والاحترام المطلق لكرامة الفرد وتفرده الجسدي والنفسي.
تستند الأكاديمية في كافة أنشطتها إلى حزمة من المبادئ الأخلاقية والمهنية الصارمة، يمكن تلخيصها في النقاط التالية:
- الصرامة العلمية: إخضاع كافة المقاربات العلاجية والتشخيصية للفحص المنهجي الدقيق ومراجعة الأقران، ورفض الممارسات الزائفة أو غير المدعومة بالبيانات التجريبية.
- التعاون متعدد التخصصات: الإيمان بأن العلاج الناجح يتطلب تضافر جهود الأطباء النفسيين، والمعالجين السلوكيين، وأخصائيي التغذية، وأطباء الأسرة، والتمريض المتخصص ضمن فريق علاجي متكامل ومتناغم.
- التنوع والشمول والعدالة: التزام مطلق بمكافحة التمييز، وضمان أن تشمل الأبحاث والتطبيقات السريرية كافة الفئات السكانية بغض النظر عن العرق، أو الجنس، أو الميول، أو الحالة الاجتماعية-الاقتصادية، أو حجم الجسد.
- محورية المريض والأسرة: الاعتراف بالدور الحيوي للأسرة وشبكات الدعم الاجتماعي كشركاء لا غنى عنهم في عملية الشفاء والتعافي طويل الأمد.
المجلة الدولية لاضطرابات الأكل (IJED) والإنتاج المعرفي
تمثل المجلة الدولية لاضطرابات الأكل (International Journal of Eating Disorders – IJED)، والتي تُعد النشرة العلمية الرسمية التابعة للأكاديمية والمنشورة بالتعاون مع دار نشر وايلي (Wiley)، حجر الزاوية المعرفي في هذا التخصص الدقيق. تحظى هذه الدورية المحكمة بمكانة مرموقة في الأوساط الأكاديمية العالمية وبمعامل تأثير علمي مرتفع، حيث تُنشر فيها أحدث وأهم الأوراق البحثية، والتجارب السريرية العشوائية، والمراجعات المنهجية التي تساهم في تطوير معايير التشخيص في الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية (DSM-5) والتصنيف الدولي للأمراض (ICD-11).
تغطي المجلة طيفاً واسعاً من التخصصات البيولوجية والنفسية، بما في ذلك دراسات التصوير العصبي الوظيفي التي تبحث في مسارات الدوبامين والسيروتونين لدى مرضى القهم والشره، والدراسات الجينومية واسعة النطاق (GWAS) التي تسعى لتحديد المتغيرات الوراثية المرتبطة بالقابلية للإصابة. كما تولي المجلة اهتماماً كبيراً للأبحاث الوبائية، والدراسات النفسية القياسية التي تفحص كفاءة أدوات الفحص المبكر ومقاييس صورة الجسد.
إلى جانب المجلة الدولية، تقوم الأكاديمية بنشر أوراق موقف رسمية (Position Papers) ومقالات إرشادية تتبنى رؤى نقدية تجاه القضايا السريرية والسياسات الصحية الشائكة. توفر هذه المنشورات للأطباء والممارسين في الميدان مرجعيات موثوقة ومحدثة تمكنهم من اتخاذ قرارات علاجية حاسمة مبنية على أعلى مستويات الأدلة الإكلينيكية المعاصرة، مما يسهم بشكل مباشر في تقليل نسب الانتكاس والوفيات بين المرضى.
المؤتمر الدولي لاضطرابات الأكل (ICED) ودوره في الحراك العلمي
تُنظم الأكاديمية سنوياً المؤتمر الدولي لاضطرابات الأكل (International Conference on Eating Disorders – ICED)، والذي يُعتبر المحفل العلمي الأكبر والأكثر تأثيراً على مستوى العالم في هذا المجال. يجمع المؤتمر آلاف العلماء، والباحثين، والأطباء، والطلاب من شتى بقاع الأرض لمشاركة نتائج أحدث الأبحاث السريرية، ومناقشة النماذج النظرية المستجدة، وحضور ورش عمل تطبيقية متقدمة في أحدث فنيات العلاج النفسي والتدخل التغذوي والطبي.
يتميز مؤتمر ICED بأنه لا يقتصر على عرض البيانات الجافة، بل يمثل مختبراً فكرياً حياً تُطرح فيه التساؤلات الأكثر تعقيداً حول طبيعة المرض والتعافي. يتميز البرنامج العلمي بتنوع مساراته؛ حيث يضم جلسات عامة مخصصة لبيولوجيا الأعصاب، وجلسات تركز على العلاج القائم على العائلة (FBT)، وأخرى تتناول العلاج السلوكي المعرفي المحسّن (CBT-E)، وجلسات تركز على سياسات الصحة العامة ومناهضة وصمة الوزن في المؤسسات الطبية.
يمثل المؤتمر أيضاً مساحة حيوية لتكريم العلماء الرواد وتوزيع الجوائز التقديرية لأصحاب الإسهامات الاستثنائية، فضلاً عن تقديم منح بحثية للباحثين الشباب من الدول النامية والمناطق ذات الموارد المحدودة. هذا التبادل المعرفي المباشر يُعزز من تشكيل تحالفات بحثية عالمية عابرة للجامعات والمراكز البحثية، مما يدفع بعجلة الاكتشافات السريرية إلى الأمام بسرعة غير مسبوقة.
الدليل الإرشادي للممارسات السريرية والرعاية الطبية
من أبرز إنجازات أكاديمية اضطرابات الأكل إصدارها وتحديثها الدوري لـ الدليل الإرشادي للممارسات السريرية للرعاية الطبية في اضطرابات الأكل، والمعروف دولياً باسم “الكتاب البنفسجي” (The Purple Book). يُعد هذا الدليل مرجعاً منقذاً للحياة ومصمماً خصيصاً لأطباء الرعاية الأولية، وأطباء أقسام الطوارئ، وفرق التمريض، لتمكينهم من الكشف المبكر والتقييم الدقيق للمخاطر الطبية الحادة والمميتة الكامنة خلف اضطرابات الأكل.
يُبرز الدليل بوضوح الطبيعة المخادعة للاختلاطات الجسدية الناجمة عن سوء التغذية الشديد، أو التقيؤ القسري، أو الإفراط في استخدام الملينات ومدرات البول. ففي كثير من الحالات الحرجة من فقدان الشهية العصابي، قد تبدو نتائج التحاليل المخبرية الروتينية وتخطيط القلب طبيعية ظاهرياً نتيجة للآليات التعويضية للجسم، مما يقود الأطباء غير المتخصصين إلى تشخيص خاطئ ومضلل لحالة المريض الصحية، وهو ما يحذر منه دليل الأكاديمية بشدة.
يوفر الدليل بروتوكولات تفصيلية للتعامل مع متلازمة إعادة التغذية (Refeeding Syndrome)، وانخفاض ضغط الدم الانتصابي، وبطء القلب الشديد، والاضطرابات الكهرلية الحادة كـ نقص بوتاسيوم الدم. كما يقدم خوارزميات واضحة ومحددة لاتخاذ قرارات التنويم الطبي الإلزامي في المستشفيات للحالات التي تهدد الحياة، مما جعل هذا الدليل وثيقة معتمدة ومترجمة إلى لغات عالمية متعددة تطبقها المستشفيات في شتى أرجاء المعمورة.
وثيقة “الحقائق التسع حول اضطرابات الأكل” وأثرها المفاهيمي
في خطوة تاريخية لإعادة تصحيح التصورات الخاطئة لدى العامة والمتخصصين، أصدرت الأكاديمية بالتعاون مع ائتلاف واسع من المنظمات الدولية وثيقة مفصلية بعنوان “تسع حقائق حول اضطرابات الأكل” (Nine Truths About Eating Disorders). استندت هذه الوثيقة إلى أدلة تجريبية قاطعة، وساهمت في تحويل جذري لخطاب الصحة النفسية العالمي نحو رؤية أكثر موضوعية ورحمة تجاه المرضى وأسرهم.
تتلخص هذه الحقائق المحورية فيما يلي:
- الحقيقة 1: قد يبدو العديد من الأشخاص المصابين باضطرابات الأكل أصحاء جسدياً رغم معاناتهم من أمراض خطيرة ومميتة.
- الحقيقة 2: العائلات لا تتحمل اللوم في إصابة أبنائها، بل هي الحليف الأقوى والأهم في العملية العلاجية والتعافي.
- الحقيقة 3: يمثل تشخيص اضطراب الأكل أزمة صحية كبرى تخل بالوظائف البيولوجية والنفسية والاجتماعية الطبيعية للفرد.
- الحقيقة 4: اضطرابات الأكل ليست خيارات شخصية ناجمة عن الغرور، بل هي اضطرابات نفسية-حيوية شديدة التعقيد والتأثير.
- الحقيقة 5: تؤثر هذه الاضطرابات على الأشخاص من جميع الأعمار، والأجناس، والأعراق، والأوزان، والأوضاع الاجتماعية والاقتصادية.
- الحقيقة 6: تحمل اضطرابات الأكل خطراً متزايداً للإصابة بالاختلاطات الطبية المميتة ولارتفاع معدلات الانتحار مقارنة بغيرها.
- الحقيقة 7: تلعب الجينات والبيولوجيا العصبية دوراً حاسماً في قابلية الفرد للإصابة، إلى جانب العوامل البيئية الضاغطة.
- الحقيقة 8: الجينات وحدها لا تتنبأ بحدوث المرض؛ فالتفاعل المعقد بين العوامل الوراثية والمحفزات البيئية هو الحاسم.
- الحقيقة 9: الشفاء التام والتعافي الكامل ممكنان بصورة حقيقية ومستدامة عند توفر التدخل المبكر والعلاج المتخصص.
المقاربات العلاجية متعددة التخصصات المدعومة بالدليل
تتبنى أكاديمية اضطرابات الأكل وتدافع بشدة عن تطبيق بروتوكولات العلاج المبنية على الأدلة السريرية المؤكدة. في مقدمة هذه المقاربات يبرز العلاج السلوكي المعرفي المحسّن (CBT-E)، الذي طوره البروفيسور كريستوفر فيربيرن وزملاؤه، والذي يُعد المعيار الذهبي لعلاج الشره العصابي واضطراب نهم الطعام، بالإضافة إلى كفاءته العالية مع فئات واسعة من البالغين المصابين بفقدان الشهية العصابي.
يركز هذا النهج على تفكيك الحلقات المفرغة المتمثلة في التقييم المفرط للشكل والوزن، والتقييد الغذائي الصارم، وما يتبعه من نوبات نهم وتطهير تعويضي. وتشدد الأكاديمية على تدريب المعالجين على تطبيق هذه البروتوكولات بأمانة منهجية عالية، مع مراعاة المرونة السريرية التي تستجيب للفروق الفردية للمرضى والحالات المصاحبة مثل الاكتئاب الشديد والوسواس القهري واضطرابات الشخصية.
أما بالنسبة للأطفال والمراهقين المصابين بفقدان الشهية والشره، فإن الأكاديمية تعتبر العلاج القائم على العائلة (Family-Based Treatment – FBT)، والمعروف تاريخياً بنموذج مودسلي (Maudsley Model)، هو الخيار العلاجي الأول والأكثر فاعلية. يقوم هذا النموذج على تمكين الوالدين وتزويدهما بالمعرفة والمهارات اللازمة للإشراف المباشر على إعادة تغذية أبنائهم واستعادة الوزن الصحي في المنزل، بدلاً من عزل المراهق في المصحات النفسية، مع التأكيد المستمر على تبرئة الوالدين من أي ذنب مسبق في حدوث المرض.
بالتوازي مع العلاجات النفسية، تؤكد الأكاديمية على أهمية الإشراف التغذوي من قبل أخصائي تغذية سريرية متمرس، يهدف إلى تصحيح الاضطرابات الاستقلابية وإعادة بناء علاقة متوازنة وصحية مع الطعام بعيداً عن مفاهيم الحرمان والذنب، إلى جانب الاستعانة بالتدخلات الدوائية الرشيدة مثل مضادات الاكتئاب ومثبتات المزاج عند وجود استطبابات نفسية واضحة ومرافقة.
مناهضة وصمة الوزن والعدالة الاجتماعية والتنوع الثقافي
في السنوات الأخيرة، شهدت فلسفة الأكاديمية تحولاً نقدياً عميقاً نحو مواجهة وصمة الوزن (Weight Stigma) والتحيز ضد الأفراد ذوي الأجساد الممتلئة، سواء في الفضاء العام أو داخل أروقة المؤسسات الطبية والنفسية نفسها. تشير أبحاث الأكاديمية إلى أن الخوف المجتمعي المفرط من السمنة، والخطاب الطبي التقليدي الذي يربط القيمة والصحة برقم محدد على الميزان، يمثلان أحد أبرز العوامل المحفزة لتطور اضطرابات الأكل وتأخير طلب المساعدة والعلاج.
تتبنى الأكاديمية بشكل متزايد مبادئ حركة “الصحة بكل المقاييس” (Health at Every Size – HAES)، مؤكدة على ضرورة تقديم الرعاية السريرية بنهج محايد تجاه الوزن، يركز على المؤشرات الحيوية الشاملة والسلوكيات الصحية المستدامة، بدلاً من التركيز الإلزامي على خسارة الوزن التي تؤدي في كثير من الأحيان إلى اضطرابات سلوكية غذائية خطيرة وحلقات مفرغة من تقلبات الوزن واليويو دايت (Weight Cycling).
علاوة على ذلك، أطلقت الأكاديمية لجاناً متخصصة لتعزيز العدالة والشمولية للأقليات العرقية، والأفراد من مجتمعات الميم، والطبقات الاجتماعية المهمشة، الذين عانوا تاريخياً من نقص التشخيص وتدني فرص الوصول إلى المراكز العلاجية المتقدمة. تؤكد هذه المبادرات على ضرورة تدريب الكوادر الطبية على فهم تقاطع الهويات، وإدراك كيف يمكن للتمييز الاجتماعي والصدمات النفسية المرتبطة بالتهميش أن تُشكل بيئة خصبة لظهور السلوكيات التعويضية واضطرابات السلوك الغذائي كوسيلة للتكيف أو الهروب النفسي.
التحديات المعاصرة والرؤى المستقبلية للأكاديمية
رغم الإنجازات الكبرى التي حققتها أكاديمية اضطرابات الأكل، فإن الميدان يواجه تحديات معقدة فرضتها التغيرات الرقمية والتكنولوجية المتسارعة في القرن الحادي والعشرين. في مقدمة هذه التحديات، يبرز التأثير السلبي لوسائل التواصل الاجتماعي والخوارزميات التي تروج لمعايير جمالية غير واقعية، وتشجع على التقييد الحاد وتصيد عيوب الجسد (Body Shaming)، وظهور مجتمعات إلكترونية خطيرة تروج لاضطرابات الأكل بوصفها أسلوب حياة (مثل حركات Pro-Ana وPro-Mia).
تستجيب الأكاديمية لهذه المخاطر من خلال توجيه بحوثها نحو دراسة أثر الفضاء الرقمي، والتعاون مع المنصات التكنولوجية الكبرى لتطوير خوارزميات أمان تحجب المحتوى الضار وتوجه المستخدمين المعرضين للخطر نحو مصادر الدعم النفسي المتخصصة. كما تدرس الأكاديمية إمكانات وتطبيقات الطب النفسي عن بعد (Telepsychiatry) والتدخلات العلاجية الرقمية القائمة على الهواتف الذكية وتطبيقات الذكاء الاصطناعي لردم فجوة الرعاية في البلدان النامية والمجتمعات الريفية النائية.
على المستوى البيولوجي العصبي، تسعى الأكاديمية إلى دفع عجلة الأبحاث في علم التخلق (Epigenetics) والدراسات العصبية الدقيقة، وتطوير تقنيات التحفيز الدماغي غير الجراحي مثل التحفيز المغناطيسي عبر الجمجمة (TMS)، وفحص دور الميكروبيوم المعوي ومحور الأمعاء-الدماغ في تنظيم الشهية والمزاج. يمثل هذا التوجه الاستشرافي رهان الأكاديمية على الوصول إلى عصر “الطب النفسي الشخصي والمخصص”، حيث يُفصل البرنامج العلاجي وفقاً للملف البيولوجي والنفسي الفريد لكل مريض، بما يرفع معدلات الشفاء ويقلل احتمالات المزمنة والانتكاس.
خاتمة
تُمثل أكاديمية اضطرابات الأكل (AED) القوة الدافعة الأبرز والمعيار العلمي الأوثق للنهوض بالصحة النفسية في كل ما يتصل باضطرابات الغذاء وصورة الجسد عبر العالم. ومن خلال تكامل الإنتاج المعرفي الرصين، والدلائل السريرية الصارمة، والمؤتمرات الدولية المفتوحة، والمناصرة الأخلاقية لحقوق المرضى ومناهضة وصمة الوزن، أحدثت الأكاديمية نقلة نوعية جذرية نقلت هذا المجال من التكهنات والغموض إلى آفاق العلم والتطبيق الإنساني الرحيم. إن دور الأكاديمية لا ينحصر في كونها جمعية مهنية، بل هي مجتمع علمي عالمي متجدد يواصل النضال من أجل بناء عالم يدرك خطورة هذه الأمراض، ويضمن حق كل إنسان في حياة خالية من قيود الاضطراب وأوهام الجسد النمطي.
المراجع
- American Psychiatric Association. (2013). Diagnostic and statistical manual of mental disorders (5th ed.). American Psychiatric Publishing. https://doi.org/10.1176/appi.books.9780890425596
- Fairburn, C. G. (2008). Cognitive behavior therapy and eating disorders. Guilford Press.
- Klump, K. L., Bulik, C. M., Kaye, W. H., Treasure, J., & Tyson, E. (2009). Academy for eating disorders position paper: Eating disorders are serious mental illnesses. International Journal of Eating Disorders, 42(2), 97-103. https://doi.org/10.1002/eat.20589
- Lock, J., & Le Grange, D. (2015). Treatment manual for anorexia nervosa: A family-based approach (2nd ed.). Guilford Publications.
- Rome, E. S., Ammerman, S., Rosen, D. S., Keller, P. J., Lock, J., Mammel, K. A., O’Toole, J., Rees, J. M., Sanders, M. J., Sawyer, S. M., Schneider, M., Sigel, E., & Silber, T. J. (2003). Children and adolescents with eating disorders: The state of the art. Pediatrics, 111(1), e98-e108. https://doi.org/10.1542/peds.111.1.e98
- Treasure, J., Duarte, T. A., & Schmidt, U. (2020). The sulphate-reducing bacteria and microbiome alterations in anorexia nervosa: Integrating biological and psychological paradigms. The Lancet Psychiatry, 7(10), 890-903. https://doi.org/10.1016/S2215-0366(20)30149-1
- Tylka, T. L., Annunziato, R. A., Burgard, D., Daníelsdóttir, S., Shuman, E., Davis, C., & Calogero, R. M. (2014). The weight-inclusive versus weight-normative approach to health: Evaluating the evidence for prioritizing health over weight loss. Journal of Obesity, 2014, 983495. https://doi.org/10.1155/2014/983495