تمثل إمكانية الوصول في الحقل النفسي مفهوماً مركباً متعدد الأبعاد، يمتد من دراسة العمليات المعرفية الدقيقة المسؤولة عن استرجاع التمثيلات الذهنية وتنشيطها في الوعي الآني، وصولاً إلى فحص المحددات البيئية والمجتمعية التي تتيح للأفراد التفاعل المتكافئ مع محيطهم المادي والرقمي. تتداخل في هذا المفهوم مبادئ علم النفس المعرفي مع علم النفس الاجتماعي، والعلوم العصبية، والدراسات النفسية البيئية، ليشكل ركيزة أساسية لفهم كيفية معالجة الإنسان للمعلومات واستجابته للمثيرات الخارجية. يستعرض هذا المدخل الموسوعي البنية النظرية والتجريبية لمفهوم إمكانية الوصول، مبيناً مساراته التاريخية، وآلياته العصبية، وتطبيقاته في التصميم الشامل وتيسير خدمات الرعاية النفسية.
التحديد المفاهيمي لإمكانية الوصول في العلوم النفسية
ينطوي مفهوم إمكانية الوصول (Accessibility) في علم النفس على دلالات متمايزة باختلاف السياق التخصصي الذي يُطرح فيه؛ ففي سياق علم النفس المعرفي ونظريات المعالجة الذهنية، يُقصد به السهولة والسرعة التي يمكن من خلالها استدعاء محتوى معرفي معين، أو تمثيل ذهني مخزن في الذاكرة طويلة المدى، ونقله إلى حيز الوعي أو الذاكرة العاملة لتوجيه السلوك وتفسير المثيرات الحالية. يرتبط هذا التعريف ارتباطاً وثيقاً بفرضيات شبكات التداعي الدلالي، حيث لا يُنظر إلى المعارف المخزنة بوصفها معطيات متساوية الحظوظ في الظهور، بل تتفاوت جاهزيتها بناءً على مستويات التنشيط العصبي الكامنة وتاريخ الاستخدام الحديث أو المتكرر.
في المقابل، يمتد المفهوم في مجال علم النفس الاجتماعي والسلوكي ليشمل دراسة إمكانية الوصول إلى المواقف والاتجاهات النفسية (Attitude Accessibility)؛ وهي الدرجة التي يرتبط بها تقييم موضوع ما بالتمثيل الذهني لذلك الموضوع في الذاكرة. كلما كانت الرابطة التقييمية أقوى، زادت إمكانية الوصول إلى الموقف بصورة تلقائية فور التعرض للمثير، مما يجعله أكثر قدرة على التنبؤ بالسلوك وتوجيه الإدراك الاجتماعي دون الحاجة إلى معالجة واعية مجهدة. هذا التمايز يبرز أن إمكانية الوصول الذهنية لا تمثل مجرد تخزين للمعلومة، بل تعبر عن الحالة الديناميكية التي تجعل بعض التمثيلات أكثر هيمنة وتأثيراً في معالجة الواقع من غيرها في لحظة زمنية معينة.
أما في علم النفس التطبيقي والبيئي، فتتحول إمكانية الوصول إلى مفهوم إيكولوجي وثيق الصلة بالتوافق بين القدرات النفسية والعصبية والجسدية للفرد من جهة، والخصائص البيئية والرمزية المحيطة به من جهة أخرى. يُعنى هذا المنظور بتحليل العوائق المعرفية والحسية التي تحول دون مشاركة الأفراد ذوي التباينات العصبية والإدراكية في الفضاءات التعليمية والمهنية والرقمية. تتكامل هذه المقاربات الثلاث لتؤكد أن إمكانية الوصول ليست مجرد خاصية فيزيائية للأشياء، بل هي علاقة تفاعلية بين بنية الجهاز العصبي الإنساني والبيئة المادية والاجتماعية التي يتحرك ضمنها الفرد.
الجذور التاريخية والتطور النظري للإتاحة المعرفية
تعود الجذور الأولى لدراسة إمكانية الوصول المعرفي إلى أبحاث الذاكرة المبكرة في أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، وتحديداً مع تجارب هيرمان إبنجهاوس حول الاحتفاظ بالمعلومات واسترجاعها، بيد أن التأسيس النظري الدقيق للمفهوم تبلور مع التحول المعرفي في ستينيات وسبعينيات القرن العشرين. شكلت أعمال جيروم برونر نقطة تحول حاسمة عندما اقترح أن إدراك المثيرات يعتمد على الجاهزية الإدراكية للمفاهيم المصنفة مسبقاً في العقل، معتبراً أن الأفراد لا يرون العالم بحيادية تامة، بل عبر فئات معرفية يسهل الوصول إليها استناداً إلى دوافعهم وحاجاتهم النفسية الراهنة وخبراتهم التراكمية السابقة.
تعزز هذا الطرح بصورة رائدة من خلال أبحاث عاموس تفيرسكي ودانيال كانيمان حول استدلال التوافر أو الإتاحة (Availability Heuristic) في سبعينيات القرن العشرين. أثبتت تجاربهما أن الأفراد يميلون إلى تقدير احتمالية وقوع حدث ما أو مدى تكراره في العالم الواقعي بناءً على مدى سهولة استدعاء أمثلة مماثلة من الذاكرة إلى حيز الوعي، وهو ما سلط الضوء على الانحيازات المنهجية التي تنجم عن الخلط بين إمكانية الوصول الذهني للمعلومة وحقيقتها الموضوعية في الواقع الإحصائي. فتح هذا الاكتشاف آفاقاً واسعة لفهم قرارات الإنسان تحت ظروف عدم اليقين والمخاطرة.
واصل الباحث إي. توري هيغنز تطوير النظرية في ثمانينيات القرن الماضي من خلال صياغة نظرية تنشيط المعرفة وإمكانية الوصول إليها؛ حيث ميز بين نوعين أساسيين: إمكانية الوصول المؤقتة (Temporary Accessibility) الناتجة عن التهيئة المباشرة والمؤقتة للمفهوم بواسطة مثير حديث، وإمكانية الوصول المزمنة (Chronic Accessibility) التي تنشأ من الاستخدام المتكرر والمستمر لمفاهيم وأبعاد تقييمية معينة عبر سنوات النمو الاجتماعي والشخصي. أسهمت هذه النماذج في نقل مفهوم الإتاحة من مجرد استعارة حاسوبية للذاكرة إلى بناء نظري يفسر الفروق الفردية في الشخصية، وتكوين الانطباعات، والاستجابات العاطفية تجاه الأحداث الحياتية المعقدة.
الآليات العصبية الحيوية والمعالجة الدماغية للإتاحة
تستند إمكانية الوصول في مستواها العصبي الحيوي إلى آليات التشابك العصبي والديناميكيات الشبكية في الدماغ البشري، حيث تخضع لنظرية التعلم الهيبي التي تنص على أن الخلايا العصبية التي تنشط معاً تترابط تشابكياً بشكل أقوى. عندما يتم تنشيط تمثيل معرفي معين، يمر المسار العصبي المرتبط به بحالة من الاستثارة المتبقية التي تخفض عتبة إطلاق الجهد الكهربائي اللاحق لتلك التجمعات العصبية، مما يجعل إعادة تنشيطها في وقت متقارب أكثر سرعة وكفاءة في استهلاك الطاقة الأيضية للدماغ مقارنة بالمسارات الخاملة.
تلعب قشرة الفص الجبهي، وتحديداً المنطقة الجبهية الظهرية الجانبية، دوراً محورياً في تعديل مستويات إمكانية الوصول من خلال ممارسة آليات التحكم التنفيذي والانتباه الانتقائي. تتولى هذه المنطقة تعزيز تنشيط التمثيلات الذهنية ذات الصلة بالأهداف الحالية للفرد، مع كبح وتثبيط التمثيلات المنافسة التي قد تكون عالية الإتاحة الذهنية بحكم تكرارها السابق لكنها غير ملائمة للمهمة القائمة. يتكامل هذا النشاط مع الجهاز الحوفي، وخاصة اللوزة الدماغية وقرن آمون، حيث تمنح الإشارات الانفعالية إمكانية وصول تفضيلية وفورية للذكريات ذات الحمولة العاطفية العالية والصدمية، مما يفسر سهولة تذكر التهديدات وسرعة استدعائها اللاإرادي.
على مستوى النماذج الحوسبية العصبية، يُفسر نموذج انتشار التنشيط (Spreading Activation Model) الذي وضعه كولينز ولوفتس كيفية تدفق الطاقة المعرفية عبر شبكات المعاني في القشرة المخية الدماغية. حين يُفعل العقل مفهوماً محدداً، ينتشر تيار من التنشيط التلقائي نحو المفاهيم القريبة دلالياً أو تجريبياً في الشبكة المعرفية، مما يجعل تلك العقد المجاورة في حالة تأهب واستعداد معرفي متزايد. تشير دراسات الرنين المغناطيسي الوظيفي وتخطيط أمواج الدماغ إلى أن فترات الكمون لجهود الفعل المرتبطة بالأحداث (مثل موجة N400) تتناقص بوضوح عندما يكون المفهوم المستهدف مسبوقاً بسياق يرفع من إمكانية وصوله المعرفية، مما يقدم دليلاً فسيولوجياً ملموساً على آليات الإتاحة التلقائية.
إمكانية الوصول في الإدراك الاجتماعي وتكوين الاتجاهات
يمثل مفهوم إمكانية الوصول حجر الزاوية في فهم وتفسير ظواهر علم النفس الاجتماعي، ولا سيما ما يتعلق بتشكل الصور النمطية، والتحيزات المسبقة، وإطلاق الأحكام السريعة على الآخرين. تؤدي إمكانية الوصول المزمنة لسمات اجتماعية معينة (مثل العرق، أو النوع الاجتماعي، أو الطبقة الاقتصادية) إلى دفع المراقب إلى تصنيف الأشخاص الجدد تلقائياً وفقاً لتلك السمات، حتى في ظل وجود معلومات فردية وافرة تدحض ذلك التصنيف. يعود ذلك إلى أن البنى المعرفية الجاهزة تفرض إطارها التفسيري على السلوكيات المبهمة قبل أن يتمكن التفكير التأملي البطيء من التدخل والتصحيح.
أبرزت أبحاث راسل فازيو حول إمكانية الوصول إلى الاتجاهات النفسية أن المواقف التي يسهل الوصول إليها تعمل بوصفها مرشحات إدراكية قوية تؤثر في كيفية معالجة الفرد للمعلومات الواردة من البيئة الاجتماعية. الأفراد الذين يمتلكون اتجاهات تتسم بسهولة الوصول التلقائي يكونون أقل عرضة للتأثر بالرسائل الإقناعية المتناقضة، وتكون استجاباتهم السلوكية أكثر ثباتاً واتساقاً عبر المواقف المختلفة مقارنة بذوي الاتجاهات الهشة التي تتطلب جهداً ذهنياً لبنائها وصياغتها لحظياً. هذه الميكانيزمات تجعل إمكانية الوصول بمثابة الدرع المعرفي الذي يحمي المنظومة المعتقدية للفرد من التشتت والاضطراب المستمر في مواجهة السيل المتدفق من المنبهات الاجتماعية.
تتجلى هذه الآلية بوضوح في سلوكيات التمييز والوصم الاجتماعي، حيث تسهم وسائل الإعلام والبيئة الثقافية السائدة في تعزيز إمكانية الوصول اللحظية والمستمرة لربط فئات مجتمعية معينة بخصائص سلبية. عندما يتعرض الفرد لمثير مرتبط بتلك الفئة، تنشط الشبكة الدلالية الموصومة بصورة آلية دون قصد واعٍ، مما يولد أحكاماً متحيزة تؤثر على قرارات التوظيف، والأحكام القضائية، والتفاعلات اليومية. يوضح ذلك أن إمكانية الوصول المعرفي ليست مجرد عملية حسابية داخل الرأس، بل هي انعكاس وتكريس لعلاقات القوة والبنى الثقافية السائدة في المجتمع.
التصميم المعرفي والشمولية: إتاحة البيئات للأفراد ذوي التنوع العصبي
شهد العقدان الأخيران تحولاً جذرياً في مفهوم إمكانية الوصول البيئي، حيث انتقل التركيز من تذليل العوائق المعمارية والحركية فقط إلى معالجة العوائق المعرفية والحسية التي تواجه الأفراد ذوي التباينات العصبية (Neurodiversity)، مثل اضطراب طيف التوحد، واضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه، وعسر القراءة (الدسلكسيا). تنطلق هذه المقاربة من فرضية أن العجز ليس سمة متأصلة في عقل الفرد أو جسده، بل ينشأ نتيجة الصدام بين التصميم البيئي المعياري والخصائص التشغيلية المتنوعة للجهاز العصبي البشري، مما يستوجب إعادة هندسة الفضاءات لتلائم هذه التباينات.
تتضمن إمكانية الوصول المعرفي (Cognitive Accessibility) تصميم بيئات مادية ورقمية تقلل من الحمل المعرفي غير الضروري وتدعم وظائف الذاكرة العاملة والانتباه المستدام. يتحقق ذلك من خلال توظيف مبادئ علم النفس المعرفي والتجريبي في صياغة المحتوى والمعلومات، مثل:
- تقليل التعقيد الإدراكي: الاعتماد على تنظيم هرمي واضح للمعلومات يحد من التشتت الحسي، مع استخدام لغة بصرية ورمزية موحدة تساعد على التوقع والتنبؤ السلوكي السليم.
- التغذية الراجعة الفورية والمتوقعة: توفير إشارات بيئية ورقمية مستمرة تؤكد للمستخدم نجاح أو فشل الإجراء الحالي، مما يقلل من القلق الناجم عن عدم اليقين المعرفي.
- المرونة في وتيرة المعالجة: إتاحة الوقت الكافي لمعالجة المدخلات الحسية دون فرض قيود زمنية تعسفية ترهق نظم الانتباه لدى الأفراد الذين يعانون من بطء سرعة المعالجة العصبية.
- القدرة على تحمل الأخطاء واستعادتها: تصميم أنظمة تتيح التراجع السهل عن القرارات غير المقصودة دون عواقب وخيمة، مما يرفع من ثقة المستخدم وشعوره بالكفاءة الذاتية.
يستند التصميم الشامل في هذا السياق إلى مفهوم “الإتاحة المعرفية المتبادلة”، التي تضمن ألا تقتصر الحلول على عزل الفرد في بيئات بديلة متخصصة، بل دمج آليات الدعم المعرفي ضمن البنية العامة للأنظمة لخدمة الجميع دون استثناء. فواجهات الاستخدام التي تدعم الأشخاص الذين يعانون من عجز القراءة تساعد في الوقت ذاته المستخدم العادي الذي يمر بحالة من الإرهاق العصبي أو نقص الانتباه الموقفي، مما يؤكد أن إمكانية الوصول المعرفي تعزز الأداء البشري العام وتخدم المجتمع بأسره.
إمكانية الوصول إلى خدمات الرعاية والصحة النفسية
يعد تحليل إمكانية الوصول إلى خدمات الصحة النفسية أحد أهم الحقول البحثية في علم النفس الإكلينيكي وعلم النفس المجتمعي، حيث يكشف هذا المفهوم عن الفجوة الكبيرة بين الحاجة الموضوعية للدعم النفسي والقدرة الفعلية على تلقيه. تتحدد هذه الإمكانية من خلال تفاعل معقد بين أربعة أبعاد متداخلة صاغتها الأدبيات الصحية: التوافر الجغرافي واللوجستي، والقدرة المالية، والملاءمة الثقافية، والتقبل النفسي الداخلي لطلب المساعدة. تنهار مسارات العلاج والتعافي عندما يختل أحد هذه الأبعاد الأربعة حتى لو توفرت الأبعاد الأخرى بكفاءة.
تشكل الوصمة الاجتماعية والوصمة الذاتية المرتبطة بالمرض النفسي العائق الأكثر مقاومة وحضوراً أمام إمكانية الوصول للخدمات النفسية. يمتنع العديد من الأفراد الذين يعانون من اضطرابات وجدانية أو ذهانية عن طلب المساعدة المتخصصة خوفاً من التصنيف الاجتماعي المهين، أو نتيجة لتبنيهم الداخلي للمعتقدات التي ترى في الاضطراب النفسي ضعفاً أخلاقياً أو نقصاً في الإرادة الشخصية. تؤدي هذه العوائق المعرفية والانفعالية إلى تأخير التدخل العلاجي لسنوات عديدة، مما يفاقم من شدة الاضطراب، ويقلل من نسب الاستجابة للبروتوكولات العلاجية اللاحقة، ويزيد من تكلفة العبء المرضي الإجمالي.
برزت حلول الصحة النفسية الرقمية، ومنها العلاج النفسي عن بعد وتطبيقات التدخل المعرفي السلوكي المدعومة حوسبياً، كاستجابة مبتكرة لتعزيز إمكانية الوصول وتجاوز الحدود الجغرافية والاجتماعية. تتيح هذه الوسائط التغلب على شح الكوادر النفسية المؤهلة في المناطق النائية، وتوفر قدراً عالياً من الخصوصية التي تحد من أثر الوصمة المباشرة. ومع ذلك، يثير التوسع السريع في الرعاية النفسية الرقمية قضايا حيوية تتعلق بـ “الفجوة الرقمية المعرفية”، حيث يظل الأفراد الأكثر هشاشة، ككبار السن ومحدودي الدخل والمصابين بتدهور إدراكي، عرضة للاستبعاد والتهميش إذا لم تصمم هذه المنصات وفقاً لمعايير الإتاحة المعرفية الفائقة والدقيقة.
منهجيات القياس والتقييم النفسي لإمكانية الوصول
طور علماء النفس التجريبي مجموعة محكمة من الأدوات المنهجية لقياس مستويات إمكانية الوصول المعرفي بدقة، والتي تعتمد في معظمها على قياس أزمنة الرجع (Reaction Times) بالمللي ثانية بوصفها مؤشراً على النشاط العصبي والذهني. تُعد مهام القرار المعجمي (Lexical Decision Tasks) من أكثر هذه الأدوات شيوعاً؛ حيث يُقاس مدى سرعة تمييز المفحوص لسلسلة من الحروف بوصفها كلمة حقيقية أو غير حقيقية عقب تعرضه لمثيرات تهيئة دلالية معينة، مما يتيح للباحثين استنتاج مقدار التنشيط المسبق للتمثيل الذهني المستهدف في الذاكرة المعجمية.
يعد اختبار التداعي الضمني (Implicit Association Test – IAT) الذي طوره أنتوني جرينوالد وزملاؤه أداة قياسية شهيرة في علم النفس الاجتماعي لتقييم إمكانية الوصول التلقائية للارتباطات المفهومية والتقييمية الكامنة في الذاكرة. يقيس هذا الاختبار الفروق الزمنية في تصنيف المفاهيم الثنائية (مثل الخير والشر مقترنين بفئات اجتماعية محددة)، معتمداً على مبدأ أن الاستجابة تكون أسرع وأقل ارتكاباً للأخطاء عندما ترتبط الفئات المشتركة بروابط تقييمية تتسم بسهولة وصول عالية ومسبقة في النظام المعرفي للفرد، مما يتيح كشف التحيزات الدفينة التي قد يعجز التقرير الذاتي عن رصدها.
على مستوى تقييم البرامج والخدمات النفسية والمجتمعية، تستخدم المقاييس السيكومترية والمؤشرات الميدانية المتعددة لتحديد إمكانية الوصول، ومنها مقاييس العوائق المدركة لطلب المساعدة النفسية، ومؤشرات التوزيع المكاني المتكافئ للموارد والخدمات. تُخضع هذه الأدوات لتحليلات إحصائية متقدمة، كنمذجة المعادلات البنائية والتحليل العاملي التوكيدي، لفصل العوامل الهيكلية والمالية عن العوامل النفسية والمعرفية المساهمة في تقييد الوصول، مما يوفر لصناع السياسات الصحية والنفسية خرائط تشخيصية دقيقة تسهم في تحسين جودة وتوزيع الخدمات والتدخلات النفسية.
الآفاق المستقبلية والأبعاد الأخلاقية لإمكانية الوصول
تفرض التطورات المتسارعة في مجالات الذكاء الاصطناعي والواجهات الدماغية الحاسوبية (Brain-Computer Interfaces) تحولات عميقة في الفهم النفسي لإمكانية الوصول وتطبيقاتها المعاصرة. تفتح هذه التقنيات سبلاً واعدة للأفراد الذين يعانون من إعاقات حركية أو معرفية شديدة للتواصل مع بيئتهم الخارجية والتحكم فيها عبر الإشارات العصبية المباشرة، مما يعيد تعريف حدود الاستقلالية الذاتية والقدرات الوظيفية، وينقل إمكانية الوصول من كونها تكيفاً خارجياً إلى اندماج تقني وعصبي مباشر يعزز مرونة الجهاز الإدراكي.
غير أن هذه التطورات تثير في الوقت نفسه معضلات أخلاقية ونفسية غير مسبوقة تتعلق بالعدالة الاجتماعية والسيادة المعرفية. إن التفاوت في إمكانية الوصول إلى تقنيات التعزيز العصبي والمعرفي المتقدمة قد يؤدي إلى خلق فجوات إدراكية واجتماعية طبقية بين أولئك القادرين على تحسين قدرات انتباههم وذاكرتهم اصطناعياً وأولئك المحرومين منها. علاوة على ذلك، يبرز تساؤل أخلاقي حول الخصوصية العقلية، حيث تتطلب هذه الأنظمة جمع بيانات عصبية وسلوكية فائقة الحساسية تعكس الحالة الذهنية والمحتوى الإدراكي للفرد بشكل مستمر ودقيق.
تتطلب الإنسانية صياغة ميثاق أخلاقي ونفسي متعدد التخصصات يضمن أن تكون أنظمة إمكانية الوصول المستقبلية خاضعة لمعايير الأمانة الإدراكية، والشمولية، واحترام الكرامة الفردية. يجب أن يتجاوز مفهوم إمكانية الوصول نظرته التقنية الضيقة ليصبح التزاماً حقوقياً وفلسفياً شاملاً يرى في تنوع القدرات الإنسانية مصدراً لثراء التجربة البشرية، وليس نقصاً يتطلب التقييد أو العزل، مما يؤسس لمجتمع أكثر عدالة وتفهماً للتنوع الإدراكي والعصبي.
خاتمة
نخلص من هذا الاستعراض المعمق إلى أن إمكانية الوصول تشكل مفهوماً محورياً يربط بين البنية العصبية الدقيقة للدماغ البشري والآليات الاجتماعية والبيئية الكبرى التي توجه نشاط الفرد. سواء تجلت كعملية معرفية تحدد مدى جاهزية التمثيلات الذهنية للاسترجاع السريع، أو كحالة موقفية تحكم قراراتنا وسلوكياتنا الاجتماعية، أو كمعيار تصميمي يكفل كرامة وحقوق الأفراد ذوي التنوع العصبي والاحتياجات المتمايزة، فإنها تظل تعبيراً عن التفاعل المستمر بين الذات والعالم. إن ترسيخ إمكانية الوصول بأبعادها المعرفية والبيئية يمثل مطلباً علمياً وأخلاقياً لا غنى عنه لتحقيق مجتمع عادل، متكافئ، وقادر على استيعاب وتطوير الطاقات الإنسانية كافة دون عوائق تعسفية أو إقصاء غير مبرر.
المراجع
- Higgins, E. T. (1996). Knowledge activation: Accessibility, applicability, and salience. In E. T. Higgins & A. W. Kruglanski (Eds.), Social psychology: Handbook of basic principles (pp. 133–168). The Guilford Press.
- Tversky, A., & Kahneman, D. (1973). Availability: A heuristic for judging frequency and probability. Cognitive Psychology, 5(2), 207–232. https://doi.org/10.1016/0010-0285(73)90033-9
- Fazio, R. H. (1995). Attitudes as object-evaluation associations: Determinants, consequences, and correlates of attitude accessibility. In R. E. Petty & J. A. Krosnick (Eds.), Attitude strength: Antecedents and consequences (pp. 247–282). Lawrence Erlbaum Associates Publishers.
- Collins, A. M., & Loftus, E. F. (1975). A spreading-activation theory of semantic processing. Psychological Review, 82(6), 407–428. https://doi.org/10.1037/0033-295X.82.6.407
- Greenwald, A. G., McGhee, D. E., & Schwartz, J. L. (1998). Measuring individual differences in implicit cognition: The implicit association test. Journal of Personality and Social Psychology, 74(6), 1464–1480. https://doi.org/10.1037/0022-3514.74.6.1464
- Story, M. F., Mueller, J. L., & Mace, R. L. (1998). The universal design file: Designing for people of all ages and abilities. Center for Universal Design, North Carolina State University.
- Gulliver, A., Griffiths, K. M., & Christensen, H. (2010). Perceived barriers and facilitators to mental health help-seeking in young people: A systematic review. BMC Psychiatry, 10(1), 113. https://doi.org/10.1186/1471-244X-10-113
- World Health Organization. (2022). World mental health report: Transforming mental health for all. World Health Organization.