التحليل النفسيالعلاج النفسيعلم النفس الإكلينيكي

التمثيل داخل الجلسة (Acting In) في التحليل النفسي: المفهوم والديناميات الإكلينيكية

استعراض أكاديمي معمق لمفهوم التمثيل داخل الجلسة (Acting In) في التحليل النفسي والعلاج التحليلي؛ مناقشة جذوره التاريخية، ودينامياته الدفاعية، وفروقه عن التمثيل بالخارج، وكيفية التعامل معه إكلينيكياً.

Mohammed looti أكاديمي وباحث متخصص في علم النفس
تاريخ النشر
تمت المراجعة العلمية · د. مروة عبد العظيم · 26 سبتمبر، 2026
مراجعة وتدقيق علمي معتمد تاريخ التدقيق: 26 سبتمبر، 2026
د. مروة عبد العظيم دكتوراه
أستاذة علم النفس • جامعة كربلاء
معايير التدقيق والاعتماد السريري

يخضع هذا المحتوى لمعايير ضبط الجودة والتدقيق العلمي والأكاديمي الصارمة في شبكة علم النفس العربي، لضمان صحة المعلومات ودقتها السريرية ومطابقتها لأحدث الأدلة والبراهين الصادرة عن الجمعيات النفسية والطبية المعتمدة (APA / WHO).

يُمثّل مفهوم التمثيل داخل الجلسة (Acting In) أحد أدق المفاهيم السريرية في التحليل النفسي والعلاج النفسي التحليلي المعاصر، حيث يُشير إلى تحويل الصراعات النفسية اللاشعورية والنزوات المكبوتة إلى أفعال وسلوكيات جسدية أو حركية تقع تحديداً داخل فضاء غرفة العلاج وفي إطار العلاقة التحويلية المباشرة مع المعالج. بدلاً من التعبير اللفظي والتداعي الحر، يلجأ المريض – تحت وطأة المقاومة وتجنّب الاستبصار المؤلم – إلى تفريغ التوترات النفسية عبر سلوكيات داخل الجلسة، مما يجعل هذا السلوك شكلاً معقداً من أشكال التواصل غير اللفظي والدفاع النفسي في آنٍ واحد. يستعرض هذا المدخل الموسوعي التأصيل النظري للمفهوم، وأبعاده الدينامية، وفروقه الجوهرية عن المصطلحات المجاورة، وكيفية إدارته في الممارسة الإكلينيكية الرصينة.

التأصيل المفاهيمي والتعريف الاصطلاحي للتمثيل داخل الجلسة

يُعرَّف التمثيل داخل الجلسة (Acting In) في الأدبيات التحليلية النفسية بأنه تجسيد حركي أو سلوكي للنزعات والذكريات اللاشعورية أثناء سير الجلسة العلاجية، حيث يُستبدل التذكر اللفظي بالفعل المادي الملموس. يختلف هذا النمط السلوكي عن الكلام العادي بأنه لا يهدف إلى نقل المعنى بصورة رمزية واعية، بل يهدف بالأساس إلى تصريف الشحنة الانفعالية (Affect Discharge) وتخفيف حدة القلق الناجم عن بزوغ المادة المكبوتة في الوعي. وبذلك، يُعد التمثيل داخل الجلسة بمثابة تسوية دفاعية يقوم بها الجهاز النفسي للتوفيق بين متطلبات الهو الملحة ورقابة الأنا الصارمة.

من الناحية المعجمية والنظرية، صاغ المحللون النفسيون هذا المصطلح لتوصيف الأفعال التي تقع حصراً داخل الإطار العلاجي (The Therapeutic Frame). لا يقتصر هذا التجسيد على الحركات الجسدية الواضحة فحسب، بل يمتد ليشمل التغيرات الطارئة في نبرة الصوت، والوضعيات الجسدية الاستثنائية على أريكة التحليل، والصمت المتعمد المصحوب بتوترات عضلية، واستخدام الأغراض الشخصية داخل الجلسة بصورة ملفتة. كل هذه المظاهر تُشير إلى أن المريض يعيش صراعه النفسي ويعيد إحياء صدماته النمائية في الحاضر بدلاً من استدعائها وتأملها كخبرة ماضية تخص تاريخه الشخصي.

ينطوي المفهوم أيضاً على بُعد علائقي عميق؛ فالتمثيل داخل الجلسة ليس مجرد تفريغ بيولوجي منعزل، بل هو رسالة مشفرة موجهة بدقة إلى شخص المعالج النفسي. يُعتبر المحلل النفسي هنا شريكاً لاشعورياً في هذه الدراما النفسية، حيث يُطلب منه ضمناً أن يستجيب للفعل بالفعل، أو أن يتبنى دور أحد الوالدين أو الشخصيات المحورية في طفولة المريض. من هنا، يكتسب المفهوم وزناً إكلينيكياً بالغ الأهمية؛ إذ يتحول مسرح العلاج إلى ساحة تصريف بدائية تتطلب يقظة تحليلية لتفكيك شفرات الفعل وتحويلها إلى رموز لغوية قابلة للفهم والمعالجة.

الجذور التاريخية والتطور في الفكر الفرويدي والتحليلي

تعود البدايات الأولى لفهم فكرة تحويل التذكر إلى فعل إلى الأبحاث التأسيسية التي قدمها سيغموند فرويد (Sigmund Freud). في مقالته الشهيرة المنشورة عام 1914 بعنوان «التذكر، والتكرار، والمعالجة» (Remembering, Repeating and Working-Through)، وضع فرويد القاعدة الجوهرية التي تنص على أن «المريض لا يتذكر أي شيء مما نسيه وكبته، بل يعيشه تصرفاً؛ إنه لا يستعيده كذكرى، بل كفعل؛ إنه يكرره، دون أن يدري بطبيعة الحال أنه يفعل ذلك». ومع أن فرويد ركّز في كتاباته الباكرة على مفهوم التمثيل بالخارج (Acting Out)، إلا أن ملاحظاته الإكلينيكية ألهمت من جاؤوا بعده للتمييز بين ما يحدث خارج العيادة وما يحدث بداخلها.

خلال منتصف القرن العشرين، وتحديداً مع أبحاث المحلل النفسي الأمريكي ماير زيليغز (Meyer Zeligs) عام 1957، تبلور مفهوم التمثيل داخل الجلسة بصورة رسمية ومستقلة. ميّز زيليغز بين التصريف السلوكي الذي يمارسه المريض في حياته اليومية بعيداً عن أعين المعالج، وبين الأنماط الحركية والسلوكية الدقيقة التي تنفجر داخل غرفة التحليل. رأى زيليغز أن التمثيل داخل الجلسة يعكس درجة أعلى من التركيز التحويلي، حيث يستهدف المريض المحلل بشكل مباشر وفوري، مستخدماً جسده ووسائطه غير اللفظية كبدائل للجهاز اللفظي الصوتي المتعطل بسبب شدة الكبت.

استمر هذا التطور النظري مع إسهامات مدرسة العلاقات الموضوعية، لا سيما مع أعمال ميلاني كلاين، ودونالد وينيكوت، ومن بعدهم هاينز كوهوت في مدرسة علم نفس الذات. أدرك هؤلاء المنظرون أن الفعل الحركي داخل الجلسة لا يعكس دائماً مجرد مقاومة سلبية أو رغبة في تخريب التحليل، بل قد يُمثل في كثير من الأحيان محاولة نكوصية يائسة من قِبل «الأنا» الضعيف لإيصال خبرات ما قبل لفظية (Pre-verbal experiences) وإصابات رضحية مبكرة عجزت اللغة الطفولية آنذاك عن استيعابها وصياغتها، مما فتح آفاقاً جديدة للتعامل مع هذا المفهوم كأداة تشخيصية وبنائية.

التمايز المفاهيمي بين التمثيل الداخلي والتمثيل الخارجي

يقتضي التدقيق المنهجي التمييز الصارم بين مفهوم التمثيل داخل الجلسة (Acting In) ومفهوم التمثيل بالخارج (Acting Out)، إذ يقع الكثير من الباحثين والممارسين المبتدئين في خلط مفاهيمي بينهما. يكمن الفارق الأساسي في سياق الحدوث والهدف الدفاعي المباشر؛ فالتمثيل بالخارج يتضمن سلوكيات اندفاعية، متهورة، أو غير عقلانية يقوم بها المريض في حياته الاجتماعية والمهنية والشخصية خارج إطار الجلسة العلاجية، مثل الإفراط في القيادة بسرعة جنونية، أو الانخراط في علاقات عاطفية عابرة مدمّرة، أو التسوق القهري، كوسيلة لتفريغ التوتر المتولد داخل الجلسة بعيداً عن التحليل.

في المقابل، يحدث التمثيل داخل الجلسة تحت الملاحظة البصرية المباشرة للمحلل النفسي، ويكون محكوماً بحدود الإطار الزماني والمكاني للعملية العلاجية. إن حصر الفعل داخل الجلسة يُعطي المعالج فرصة نادرة لمعاينة الميكانيزم الدفاعي لحظة انبثاقه وتشغيله. بينما يسعى التمثيل الخارجي إلى الهروب من العلاقة التحليلية برمتها وإبعاد المادة الصراعية عن التحويل، يُبقي التمثيل الداخلي الصراع النفسي متمركزاً ومكثفاً داخل «البوتقة التحليلية»، مما يجعله أكثر قابلية للتناول والتأويل إذا ما أجاد المعالج قراءة دلالاته.

علاوة على ذلك، يختلف المفهومان في البنية الدينامية للتحويل؛ فالتمثيل بالخارج يمثل «تفتيتاً للتحويل» (Splitting of Transference) حيث يوزع المريض شحناته الوجدانية على موضوعات خارجية لتفادي مواجهة المحلل بمشاعره العدوانية أو الجنسية الحقيقية. أما التمثيل الداخلي فهو تجسيد خالص لـ«تكثيف التحويل» (Concentration of Transference)، حيث يُوجَّه التهديف اللاشعوري مباشرة إلى شخص المعالج وحضوره الفيزيقي، مما يضع العلاقة العلاجية على المحك ويتطلب تدخلاً تفسيرياً واعياً يعيد الأولوية للكلمة والرمز.

الديناميات النفسية وآليات الدفاع المرتبطة بالتمثيل داخل الجلسة

يرتبط التمثيل داخل الجلسة بشبكة معقدة من آليات الدفاع النفسي اللاشعورية، في مقدمتها آلية «المقاومة» (Resistance). تُعتبر المقاومة المحرك الأساسي الذي يدفع المريض نحو التخلي عن التواصل الرمزي والاستعاضة عنه بالأداء الحركي. حين تقترب العملية التحليلية من كشف منطقة صراعية محظورة، يشعر الأنا بتهديد وشيك يتمثل في اجتياح القلق، فيعمد إلى كبح مسار التداعي الحر من خلال فعل مباغت داخل الجلسة؛ ليعطل تدفق الأفكار ويحوّل مسار الانتباه من العالم الداخلي الاستبطاني إلى الواقع الخارجي الحركي.

كذلك تبرز آلية التماهي الإسقاطي (Projective Identification) كعنصر حاسم في ديناميات التمثيل داخل الجلسة، ولا سيما لدى المرضى ذوي التنظيم الحدي أو النرجسي. من خلال سلوكيات محددة داخل الجلسة، يسعى المريض إلى غرس مشاعر لا تُطاق (مثل العجز، أو الخزي، أو الغضب الماحق) في داخل المعالج وإجباره على معايشتها فعلياً. إن هذه الأفعال ليست مجرد تعبير عن عاطفة، بل هي محاولة لا شعورية للسيطرة على عقل المعالج وجسده، واختبار قدرته على الصمود والاحتواء دون أن ينهار أو ينتقم.

ولا يمكن إغفال دور النكوص (Regression) والتفريغ الجسدي (Somatization) في هذه العملية؛ فالتمثيل داخل الجلسة يعبر في جوهره عن تراجع وظيفي نحو مراحل النمو الحركي-الحسي البدائية التي تسبق اكتساب اللغة واكتمال وظيفة التفكير الرمزي. عندما تعجز المنظومة النفسية عن احتواء الصدمة ومعالجتها ذهنياً (Mentalization)، يرتد المريض إلى لغة الجسد الأولية، مستخدماً التململ، أو التقلصات العضلية، أو البكاء الهستيري كبديل عن الصياغة اللغوية المنظمة للمأساة الذاتية.

المظاهر الإكلينيكية والسلوكية للتمثيل داخل الجلسة

تتعدد الأشكال الإكلينيكية التي يظهر بها التمثيل داخل الجلسة في الممارسة اليومية، وتتراوح بين سلوكيات حركية دقيقة وبالغة الرقة إلى أفعال جسيمة ودرامية تُربك الإطار العلاجي. من أبرز هذه المظاهر نذكر:

  • الاضطراب الحركي والوضعية الجسدية: كأن يرفض المريض الاستلقاء بهدوء على الأريكة، أو يقوم بحركات تململ مستمرة، أو يغير جلسته بصورة متكررة واستعراضية، أو يقف فجأة ويتجول في أرجاء الغرفة لفحص مقتنيات المعالج، وهو ما يُعد اقتحاماً مادياً لحدود الفضاء التحليلي.
  • السلوكيات المرتبطة بالتغذية وتناول الأشياء: إحضار أطعمة أو مشروبات إلى الجلسة، وتناولها أثناء تحدث المعالج، أو مضغ العلكة بصوت مسموع؛ وتُعبر هذه الأنماط غالباً عن تثبيت فمي لاشعوري وحاجة ملحة للشعور بالإشباع والأمان، أو تمثل رغبة في تحقير العملية العلاجية والتقليل من شأن تفسيرات المحلل.
  • التوظيف الدفاعي للأجهزة التكنولوجية: إبقاء الهاتف المحمول في وضع التشغيل، والنظر فيه بصورة متكررة، أو الرد على المكالمات والرسائل النصية أثناء زمن الجلسة، وهو نمط حديث من التمثيل داخل الجلسة يهدف إلى تشتيت الحميمية العلاجية وإدخال أطراف ثالثة لكسر عزلة العلاقة التحليلية.
  • التصرفات الإغوائية أو العدوانية المباشرة: ارتداء ملابس استعراضية لافتة، أو إبداء إيماءات جسدية ونظرات تحمل طابعاً جنسياً صريحاً، أو اللجوء إلى الصراخ، أو ضرب الأريكة، أو إلقاء الحقائب والأغراض على الأرض، وكلها أفعال تسعى إلى استدراج المعالج نحو تواطؤ شعوري أو مواجهة تفاعلية تُخرج العلاج عن مساره الرصين.
  • التعدي على الإطار الزمني والمادي: الحضور في وقت مبكر جداً والجلوس المتربص أمام باب العيادة، أو رفض مغادرة الغرفة عند انتهاء وقت الجلسة، والتعلق بمقابض الأبواب، أو التباطؤ الشديد في ارتداء المعطف وحزم الأمتعة لإجبار المعالج على منح وقت إضافي كدليل على «الحب الخاص».

التمثيل الإجرائي في السيكودراما والمدارس التفاعلية

من المثير للاهتمام أن مفهوم «التمثيل داخل الجلسة» يتخذ مدلولاً إيجابياً وتوظيفياً مغايراً تماماً عند النظر إليه من زاوية السيكودراما (Psychodrama) التي أسسها جاكوب مورينو (Jacob L. Moreno). فبينما يرى التحليل النفسي الكلاسيكي في هذا التمثيل عائقاً ومقاومة، تستند السيكودراما والعلاجات الجشطالتية إلى مبدأ ممارسة الفعل والتمثيل المسرحي المتعمد داخل الفضاء العلاجي باعتباره الطريق الأقصر لبلوغ التطهير الانفعالي (Catharsis) وإعادة تنظيم الخبرة الذاتية.

في السيكودراما، يُطلب من المسترشد أن «يمثل في الداخل» عن وعي وتصميم؛ أي أن يُجسّد الصراع على مسرح العلاج من خلال تقمص الأدوار، ومخاطبة الكراسي الفارغة، وإعادة تمثيل الصدمات القديمة جسدياً ونفسياً. هذا التحويل المنظم والواعي للفكرة إلى حركة مسرحية لا يُعد هروباً من الاستبصار، بل هو أداة لاستخراجه؛ إذ يسمح للشخص بتجربة استجابات سلوكية جديدة وبيئات انفعالية بديلة في بيئة آمنة تخضع لسيطرة المعالج والمجموعة.

ومع ذلك، يحرص المعالجون النفسيون على عدم الخلط بين الأداء التلقائي المنفلت الناشئ عن العجز الدفاعي (وهو التمثيل داخل الجلسة التحليلية بالمعنى الفرويدي) وبين الأداء المنضبط والموجّه نحو الهدف الإكلينيكي في العلاجات الحركية والدرامية. إن الفارق الجوهري يكمن في وجود «عقد علاجي واعي» واستخدام موجه للرمز، حيث يُمثل المريض في السيكودراما لكي يفهم ويتعلم، بينما يُمثل في التحليل النفسي لكي يهرب من الفهم ويتجنب الألم النفسي.

الاستجابة الإكلينيكية والتعامل التحليلي مع التمثيل الداخلي

تتطلب مواجهة التمثيل داخل الجلسة مهارة سريرية فائقة وحياداً تحليلياً متيناً (Analytic Neutrality). الخطأ الأكثر شيوعاً الذي قد يقع فيه المعالج غير الخبير هو الاستجابة السلوكية المقابلة؛ أي أن يُبدي المعالج ردود أفعال انفعالية كالغضب، أو الزجر، أو الإفراط في إظهار التعاطف الجسدي، أو فرض عقوبات انضباطية صارمة. إن استجابة المعالج بالفعل للفعل تُوقع الثنائي العلاجي في ما يُعرف بـ«التواطؤ التحويلي المتبادل» (Enactment)، حيث يفقد المعالج مقعد الملاحظ والمحلل ليصبح ممثلاً إضافياً في مسرحية المريض الدفاعية.

تتمثل الخطوة الإكلينيكية الأولى في «احتواء الفعل» (Containment) داخل عقل المعالج أولاً. ينبغي على المحلل ممارسة ما أسماه ويلفريد بيون بـ«الوظيفة الألفا» (Alpha Function)، عبر استقبال السلوكيات الفوضوية الخام وغير المجهزة، وتفكيك مغزاها، وتحمل القلق المصاحب لها دون تسرع في التصرف. هذا الصمود الهادئ من جانب المعالج يمنح المريض رسالة لاواعية مفادها أن مشاعره التدميرية أو الرغائبية ليست مميتة ولا تستطيع تحطيم العلاقة العلاجية أو تدمير المحلل.

تأتي بعد ذلك مرحلة «الترجمة والتفسير» (Interpretation)؛ حيث يعمد المحلل إلى تحويل الفعل إلى كلمات، وإعادة ربطه بالسياق التحويلي والماضي النمائي. على سبيل المثال، بدلاً من توبيخ المريض الذي ينهض من مكانه باستمرار للتطلع عبر النافذة، يمكن للمعالج أن يُعلق بصوت هادئ قائلاً: «يبدو أن الحديث عن انفصال والديك يثير خوفاً شديداً يدفعك للبحث بجسدك عن مخرج آمن من هذه الغرفة، وكأنك تخشى أن تحاصرك هنا ذكرياتك المؤلمة». مثل هذا التفسير ينزع عن الفعل طابعه الحركي ويعيده إلى سياقه النفسي الدلالي الأصيل.

التحويل المقابل ودوره في تفكيك التمثيل داخل الجلسة

يُعد فحص التحويل المقابل (Countertransference) البوصلة الأساسية التي تمكّن المعالج من فهم الغايات المستترة وراء سلوكيات التمثيل داخل الجلسة. نظراً لأن المريض يلجأ إلى الفعل عندما تعجز كلماته، فإن الأثر الانفعالي الذي يُحدثه في المعالج يمثل المصدر الأصدق للمعلومات حول ما يشعر به المريض في أعماقه اللاشعورية. إذا شعر المعالج فجأة أثناء الجلسة برغبة عارمة في طرد المريض، أو أحس بنعاس مفاجئ وخمول ذهني تام، فإن ذلك غالباً ما يعكس جزءاً مقذوفاً من تجربة المريض الشعورية التي عجز عن تمثيلها ذهنياً.

إن التحليل الذاتي المستمر للمحلل يتيح له استخدام هذه الاستجابات الذاتية كمرآة كاشفة. فإذا كان التمثيل داخل الجلسة يتخذ طابعاً إغوائياً يُثير حرج المعالج أو يدفعه للارتباك، فإن المعالج الواعي يدرك أن هذا السلوك الإغوائي قد يكون مجرد درع واقٍ لحماية ذات طفلية تعاني من رعب الهجر والفقد، وأن المطلوب ليس الاستجابة للإغواء ولا الرفض القاسي، بل كشف القناع عن الهشاشة المختبئة خلف هذا السلوك الحركي الاستعراضي.

ومن ثمّ، يتحول التحويل المقابل من عائق محتمل إلى أداة بحث إبستمولوجية بالغة الأهمية. بمجرد أن يستوعب المحلل دوره في الدينامية القائمة، يمكنه تجنب الوقوع في فخ «التواطؤ السلوكي المشترك»، والبدء في وضع حدود واضحة تحمي الإطار العلاجي؛ فالإطار الصارم والمتماسك والمطمئن هو الشرط الذي لا غنى عنه لتحويل التفريغ السلوكي إلى تفكير وتأمل وبناء نفسي جديد.

الآثار المترتبة على العملية التحليلية ومآل العلاج

يحمل التمثيل داخل الجلسة تأثيراً مزدوجاً على مسار العلاج النفسي؛ فهو من جهة يُهدد تماسك الإطار التحليلي ويهدد بحدوث انتكاسات أو إنهاء مبتسر للعلاج إذا لم يُحسن التعامل معه، ولكنه من جهة أخرى يفتح نافذة نادرة نحو أعمق طبقات اللاشعور وأكثرها عصياناً على التعبير اللفظي المباشر. إن المرضى الذين يلجؤون بكثافة إلى التمثيل داخل الجلسة هم عادة أولئك الذين عانوا من صدمات علائقية مبكرة (Early Relational Trauma) في مراحل الرضاعة والطفولة الأولى، حيث لم تكن اللغة قد نضجت بعد لتسجيل تلك الخبرات وتخزينها رمزياً.

لذلك، فإن نجاح العملية العلاجية لا يُقاس بالقمع الفوري للتمثيل السلوكي أو منعه بالقوة، بل بقدرة الثنائي التحليلي على تحمّل هذه النوبات واحتوائها وإعادة استيعابها ضمن مصفوفة المعنى النفسي. عندما يختبر المريض أن أفعاله وسلوكياته المضطربة داخل الجلسة لا تؤدي إلى نبذه أو تدمير المعالج، كما كان يحدث له تاريخياً في بيئته الأسرية الصادمة، يبدأ الأنا في استعادة الشعور بالأمان، وتخف الحاجة الدفاعية للاستعراض الحركي، وتبدأ الكلمات تدريجياً في الحلول محل الحركات والأفعال.

إن المآل الإيجابي لهذه الظاهرة يتمثل في تحقيق ما يُعرف في الأدبيات الحديثة بـ«التعقيل» (Mentalization) والقدرة على التفكير الرمزي؛ أي قدرة الفرد على استبطان حالاته الانفعالية وتسميتها وربطها بدوافعها الكامنة بدلاً من تفريغها التلقائي في عضلات الجسد أو عبر المسالك السلوكية الاندفاعية. وبذلك، ينتقل المريض من دائرة «التكرار الأعمى بالفعل» إلى رحاب «التذكر والاستبصار والنمو النفسي المستقل».

خاتمة

يظل مفهوم التمثيل داخل الجلسة (Acting In) شاهداً على الطبيعة الحية والدينامية المعقدة للممارسة التحليلية، حيث يتشابك الجسد بالرمز، ويتحول الحاضر العلاجي إلى شاشة عرض حية للصراعات الماضية المكبوتة. إن النظر إلى هذه السلوكيات كفرصة للفهم والتعميق العلاجي، بدلاً من إدانتها بوصفها مجرد خرق للقواعد أو عصيان سلوكي، هو ما يميز الرؤية التحليلية المعاصرة. إن الهدف الأسمى للعلاج النفسي يظل دائماً هو تحرير الفرد من سطوة التكرار السلوكي غير الواعي، وفسح المجال أمام الكلمة الحرة لتستعيد وظيفتها الشفائية والتكاملية في بناء الوجود الإنساني السوي.

المراجع

  • Freud, S. (1914). Remembering, repeating and working-through (Further recommendations on the technique of psycho-analysis II). In The Standard Edition of the Complete Psychological Works of Sigmund Freud (Vol. 12, pp. 145-156). Hogarth Press.
  • Zeligs, M. A. (1957). Acting in: A contribution to the meaning of some postural and gestural movements in psychoanalysis. Journal of the American Psychoanalytic Association, 5(4), 685-706. https://doi.org/10.1177/000306515700500407
  • Laplanche, J., & Pontalis, J.-B. (1973). The language of psycho-analysis (D. Nicholson-Smith, Trans.). Karnac Books.
  • Bion, W. R. (1962). Learning from experience. Heinemann.
  • Moreno, J. L. (1946). Psychodrama (Vol. 1). Beacon House.
  • Etchegoyen, R. H. (2005). The fundamentals of psychoanalytic technique (Rev. ed.). Karnac Books.
  • Ogden, T. H. (1994). The analytic third: Working with intersubjective clinical facts. The International Journal of Psychoanalysis, 75(1), 3-19.

اقتباس هذا المقال

looti, M. (2026, سبتمبر 26). التمثيل داخل الجلسة (Acting In) في التحليل النفسي: المفهوم والديناميات الإكلينيكية. عرب سايكلوجي. https://arabpsychology.com/dictionary/acting-in-psychoanalysis-concept-dynamics/
looti, Mohammed. “التمثيل داخل الجلسة (Acting In) في التحليل النفسي: المفهوم والديناميات الإكلينيكية.” عرب سايكلوجي, 26 سبتمبر 2026, https://arabpsychology.com/dictionary/acting-in-psychoanalysis-concept-dynamics/.
looti, Mohammed. “التمثيل داخل الجلسة (Acting In) في التحليل النفسي: المفهوم والديناميات الإكلينيكية.” عرب سايكلوجي. سبتمبر 26, 2026. https://arabpsychology.com/dictionary/acting-in-psychoanalysis-concept-dynamics/.