تُمثّل النشاطية (Activism) ظاهرة إنسانية وسلوكية مركبة تتجاوز مجرد التعبير السياسي المباشر لتغوص في عمق البنى النفسية، والوجدانية، والاجتماعية للفرد والجماعة. يُعرّف علم النفس الاجتماعي النشاطية بوصفها نسقاً مستمراً من الأفعال المقصودة والموجهة نحو إحداث تغيير هيكلي أو قيمي في النظم الاجتماعية أو السياسية أو الاقتصادية، بالاعتماد على التعبئة الفردية والجماعية. إن فهم الدوافع الكامنة وراء انخراط الفرد في قضايا كبرى، وتكريسه لوقته وجهده، وربما سلامته الشخصية في سبيل قضية عامة، يشكّل حقلاً خصباً للبحث السيكولوجي الذي يسعى لتفكيك التفاعل المعقد بين الهوية، والانفعالات الأخلاقية، والفاعلية المدركة.
المفهوم والتعريف الاصطلاحي في علم النفس
تُعرّف النشاطية في الأدبيات السيكولوجية المعاصرة بأنها الممارسة السلوكية الواعية التي يُبديها الأفراد بصفتهم أعضاء في جماعة اجتماعية أو تضامناً مع جماعات أخرى مهمشة، بهدف تحدي الوضع القائم ومقاومة أشكال الهيمنة أو التمييز، أو المطالبة بحقوق بيئية، مدنية، واقتصادية. ولا يقتصر هذا المفهوم على التظاهر في الفضاء العام فحسب، بل يمتد ليشمل أشكالاً متعددة تبدأ من المقاومة الرمزية، والتوعية الفكرية، والعصيان المدني، وصولاً إلى الضغط التشريعي وبناء المؤسسات البديلة. تنبع النشاطية من إدراك الفرد للفجوة بين الواقع القائم وما يجب أن يكون عليه المجتمع وفق منظومة أخلاقية معينة.
يميز علماء النفس بين النشاطية المعيارية (Normative Activism)، التي تلتزم بالقنوات القانونية والاجتماعية المقبولة كالتصويت وجمع التوقيعات، والنشاطية غير المعيارية (Non-normative Activism) التي تلجأ إلى المواجهة، وتعطيل الحياة العامة، أو الاحتجاجات الراديكالية لكسر الجمود المؤسسي. يرتبط هذا التمييز بمتغيرات نفسية عميقة تتعلق بمدى شرعية النظام المدركة (Perceived System Legitimacy)، ودرجة اليأس من الوسائل التقليدية، وشدة المشاعر الأخلاقية المحركة كالغضب الجمعي والاشمئزاز من الظلم.
إضافة إلى ذلك، تُحلَّل النشاطية بوصفها هوية مستمرة ومستقرة، وليست مجرد استجابة عابرة لمثير بيئي مؤقت. يتحول الفرد في هذا السياق من مجرد شخص متعاطف مع قضية ما إلى “فاعل اجتماعي”، حيث تصبح الهوية كناشط (Activist Identity) جزءاً محورياً من تعريفه لذاته، وتنعكس في خياراته الحياتية، وعلاقاته البينشخصية، وأولوياته الوجودية، مما يمنحه معنى وغاية تتجاوز حدود الأنا الفردية المحدودة.
الأطر والنظريات السيكولوجية المفسرة للعمل الجماعي
استند الفهم السيكولوجي المبكر للنشاطية إلى نظريات الحشود وسيكولوجية الجماهير، التي رأت في السلوك الاحتجاجي ضرباً من اللاعقلانية والعدوى الانفعالية وفقدان السيطرة الفردية. غير أن التحولات الفكرية في النصف الثاني من القرن العشرين أعادت الاعتبار للنشاطية بصفتها سلوكاً عقلانياً واعياً وموجهاً نحو أهداف محددة، تبلور من خلال عدة نماذج نظرية متكاملة تفسر ديناميات الفعل الجمعي.
تُعد نظرية الهوية الاجتماعية التي صاغها هنري تاجفيل وجون تيرنر، من أهم الركائز التي أسهمت في تفسير السلوك الاحتجاجي؛ إذ تفترض أن الأفراد يستمدون جزءاً جوهرياً من تقديرهم لذواتهم من انتمائهم لجماعات اجتماعية معينة. عندما تدرك الجماعة أن مكانتها الدونية غير عادلة وغير مستقرة، وعندما تغيب إمكانية الحراك الفردي نحو الجماعات المهيمنة، تتجه الجماعة إلى تبني استراتيجيات الإبداع والتنافس الاجتماعي المباشر عبر النشاطية السياسية لإعادة كتابة الترتيبات الهرمية المفروضة.
بالموازاة مع ذلك، تؤكد نظرية الحرمان النسبي (Relative Deprivation Theory) أن الشرارة المحركة للنشاطية ليست المعاناة الموضوعية أو الفقر المطلق، بل الإدراك الذاتي لوجود تفاوت غير مبرر بين التوقعات المشروعة للفرد أو جماعته وبين ما يحصلون عليه فعلياً مقارنة بجماعات مرجعية أخرى. هذا الحرمان الإدراكي يولّد شعوراً حاداً بالظلم والسخط الأخلاقي، وهو ما يُعد شرطاً نفسياً لازماً لتحويل الإحباط الفردي الكامن إلى طاقة حركية تسعى إلى تقويم الاختلال القائم.
وفي إطار توليفي حديث، طوّر علماء النفس الاجتماعي نموذج الهوية الاجتماعية للعمل الجماعي (SIMCA – Social Identity Model of Collective Action)، الذي يدمج بين ثلاثة مسارات تكاملية لتفسير التعبئة الاحتجاجية: الهوية الاجتماعية المشتركة، وإدراك الظلم المقترن بانفعالات السخط الأخلاقي، وتوقع الفاعلية الجمعية (Collective Efficacy). يرى النموذج أن الانتماء الجمعي يعمل كعدسة مكبرة تعزز مشاعر الظلم المشترك وتولد الإيمان بقدرة المجموعة على إحداث الفارق، مما يحفز المشاركة النشطة والمستدامة.
الدوافع النفسية والشخصية للناشطين
يثير التزام الناشطين بالعمل العام تساؤلات جوهرية حول الخصائص الشخصية والبنى الدافعية التي تجعل بعض الأفراد أكثر ميلاً للمجازفة بالراحة الشخصية من أجل أهداف عليا. تُشير الدراسات الشخصية إلى أن الأفراد ذوي المستويات المرتفعة من الانفتاح على الخبرة (Openness to Experience) والضمير الحي (Conscientiousness) غالباً ما يكونون أكثر ميلاً لتبني قضايا العدالة وحقوق الإنسان، ويمتلكون قدرة أكبر على تخيل سيناريوهات بديلة لواقعهم المعاش.
تلعب القناعات الأخلاقية (Moral Convictions) دوراً حاسماً في تحفيز السلوك النضالي؛ فالقناعة الأخلاقية تُدرك كواجب مطلق وغير قابل للتفاوض، متجاوزاً بذلك القوانين الوضعية والأعراف السائدة. عندما يرى الفرد أن قضية معينة تمس صميم منظومته الأخلاقية، تتولد لديه استجابة سيكولوجية تُعرف بالحصانة ضد التأثير الاجتماعي المضاد، حيث يصبح الفرد مستعداً لتحمل العقوبات القانونية والنبذ الاجتماعي دفاعاً عما يراه حقاً لا مرية فيه.
بالإضافة إلى ذلك، تبرز سمة الفاعلية الذاتية والجمعية كعامل حاسم؛ إذ لا يكفي أن يشعر الفرد بالظلم ليصبح ناشطاً، بل يتعين عليه أن يمتلك اعتقاداً راسخاً بأن أفعاله وجهود جماعته قادرة فعلياً على إحداث التحول المطلوب. يؤدي غياب هذا الشعور بالفاعلية إلى الانكفاء واللامبالاة المكتسبة (Learned Helplessness)، في حين يُسهم توفره في تحويل مشاعر الغضب المكبوتة إلى استراتيجيات تخطيطية وبناء تحالفات تنظيمية فاعلة ومثابرة في وجه التحديات.
الهوية وتسييس الذات في سياق الحراك
لا تتشكل هوية الناشط بين عشية وضحاها، بل هي نتاج صيرورة نفسية واجتماعية ممتدة تُعرف بـ “التسييس الذاتي” (Self-Politicization). تبدأ هذه الصيرورة غالباً بمرحلة الوعي الحرج (Critical Consciousness)، حيث يُعاد تفسير المشكلات الفردية بوصفها نتاجاً لبنى هيكلية ظالمة وليست عيوباً أو إخفاقات ذاتية، مما ينقل الصراع من المستوى الشخصي المعزول إلى المستوى السياسي والاجتماعي المفتوح.
تتضمن سيرورة تسييس الهوية إعادة تعريف الحدود النفسية بين “نحن” (In-group) و”هم” (Out-group) بطريقة تعزز التماسك الداخلي للجماعة المناضلة وتُبرز التناقض الصريح مع القوى المهيمنة. تُتيح هذه الهوية المسيسة للناشطين بناء لغة مشتركة، ورموز دلالية، وذاكرة جمعية للمقاومة، مما يقوي مرونتهم النفسية في مواجهة الإحباطات ويزيد من درجة الالتزام تجاه رفاق القضية حتى في أحلك الظروف.
علاوة على ذلك، تُمارس الهوية الاجتماعية دوراً تنظيمياً للقيم الحياتية؛ حيث يستبطن الناشط المعايير الجمعية لتصبح جزءاً لا يتجزأ من مفهوم الذات، فتغدو التضحيات الشخصية التي يُنظر إليها خارج الجماعة على أنها أعباء لا تطاق، مصدراً للشعور بالاتساق الداخلي والكرامة الوجودية والرضا عن الذات، مما يقلل من التنافر المعرفي بين الفكر والممارسة.
الأبعاد الوجدانية والانفعالية في النشاطية
شهدت الدراسات النفسية المعاصرة تحولاً جذرياً بالاعتراف بالدور المركزي للانفعالات في السلوك الاحتجاجي، بعد عقود من اختزال النشاطية في مجرد حسابات عقلانية للأرباح والخسائر. تُعد العواطف بمثابة الوقود الحيوي الذي يشعل التعبئة الجمعية ويوجه بوصلتها، حيث يبرز السخط الأخلاقي (Moral Outrage) كأقوى الانفعالات التنبؤية بالانخراط في العمل المباشر لمواجهة التجاوزات.
يتميز السخط الأخلاقي عن الغضب العادي بكونه انفعالاً موجهاً نحو طرف ثالث ومقترناً بإدراك صريح لانتهاك المعايير الأخلاقية الأساسية، مما يمنحه طبيعة إيثارية تدفع الأفراد للدفاع عن ضحايا الظلم حتى وإن لم يتأثروا هم أنفسهم بشكل مباشر. يعمل هذا الغضب الجمعي كقوة دافعة تكسر حواجز الخوف، وتخفض من وطأة التهديدات المحتملة، وتمنح الفرد الشجاعة اللازمة لمواجهة قوى السلطة.
في المقابل، لا يمكن للنشاطية أن تستمر طويلاً بالاعتماد على الانفعالات السلبية وحدها كالغضب والألم؛ إذ تلعب المشاعر الإيجابية دوراً محورياً في ضمان الاستمرارية والالتزام طويل الأمد. يأتي في مقدمة هذه المشاعر “الأمل الجمعي” والنشوة النضالية (Collective Effervescence)، ذلك الشعور العارم بالاندماج والقوة المشتركة الذي يختبره الأفراد أثناء التظاهرات والتجمعات العامة، مما يعيد شحن طاقاتهم النفسية ويعزز مناعتهم ضد مشاعر العجز واليأس.
الأثر النفسي والاحتراق النفسي لدى النشطاء
على الرغم من المكاسب النفسية المرتبطة بالشعور بالمعنى والانتماء، إلا أن الانخراط العميق في النشاطية يفرض أعباءً سيكولوجية وجسدية باهظة تُعرف في علم النفس الإكلينيكي بظاهرة “الاحتراق النفسي للنشطاء” (Activist Burnout). تتسم هذه الحالة باستنزاف انفعالي مزمن، وشعور حاد بالخيبة، وفقدان الإحساس بالفاعلية، والتشاؤم المستمر تجاه إمكانية حدوث التغيير، مما قد يفضي إلى اضطرابات القلق والاكتئاب.
ينبع هذا الاحتراق من عوامل مركبة؛ منها التعرض المستمر للقصص الصادمة ومعاناة الآخرين، وهو ما يُعرف بإعياء التعاطف (Compassion Fatigue) أو الصدمة الثانوية، فضلاً عن العمل المتواصل في بيئات تتسم بقلة الموارد ومقاومة النظم للتغيير. كما يُسهم الإحساس الدائم بالذنب والمسؤولية المفرطة في دفع النشطاء لتجاهل احتياجاتهم الإنسانية الأساسية، كالنوم والراحة والعلاقات الأسرية، تحت وطأة شعور زائف بأن التوقف عن العمل يُعد خيانة للقضية.
يواجه النشطاء في السياقات القمعية تحديات إضافية تضاعف هذه التكاليف النفسية، كالعيش تحت التهديد المستمر بالملاحقة الأمنية، والمراقبة، والاعتقال، والنبذ الاجتماعي، مما يولد حالات مزمنة من جنون الارتياب (Paranoia) واليقظة المفرطة واضطراب ما بعد الصدمة (PTSD). يبرز هنا مفهوم “الرعاية الذاتية والرعاية الجمعية” (Self and Collective Care) كاستراتيجية مقاومة نفسية أساسية تهدف إلى بناء شبكات دعم سيكولوجي متبادل تضمن ديمومة الفعل الاحتجاجي دون التضحية بالسلامة النفسية للفاعلين.
النشاطية الرقمية وسيكولوجية الفضاء السيبراني
أحدثت الثورة الرقمية تحولات جذرية في طبيعة الفعل الاحتجاجي ودينامياته السيكولوجية؛ حيث وفرت المنصات الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي فضاءات لا مركزية للتعبئة، ونشر الوعي، وتنسيق الحركات الاجتماعية العالمية في أوقات قياسية. يتميز النشاط الرقمي بقدرته على خفض عتبة المشاركة، مما يتيح للأفراد التعبير عن تضامنهم بسهولة والتواصل مع مجتمعات ذات اهتمامات مشتركة متجاوزين الحواجز الجغرافية والسياسية.
ومع ذلك، يثير الحراك الاجتماعي الرقمي إشكاليات سيكولوجية عميقة؛ لعل أبرزها ظاهرة “نشاطية النقرات” أو التراخي النضالي (Slacktivism)، حيث يُشبع النقر على زر الإعجاب أو مشاركة وسم معين حاجة الفرد الوجدانية للشعور بالصلاح الأخلاقي والفاعلية دون أن يترتب على ذلك أي تغيير واقعي أو التزام ملموس، مما قد يؤدي إلى تفريغ الطاقة الاحتجاجية الحقيقية واستبدالها بحلول رمزية سطحية.
بالإضافة إلى ذلك، تُسهم الخوارزميات الرقمية في تعزيز غرف الصدى (Echo Chambers) والاستقطاب الاجتماعي الحاد؛ حيث يتعرض الأفراد باستمرار لمحتوى يؤكد انحيازاتهم المسبقة ويشيطن الجماعات المخالفة. يؤدي هذا الانغلاق إلى تغذية الغضب الأخلاقي المتطرف، وخلق بيئات رقمية تفتقر إلى الفهم المعقد للواقع، مما يجعل الحراك أكثر عرضة للانقسامات الداخلية السريعة وللتلاعب النفسي وحملات التضليل الموجهة.
الخاتمة
تُمثّل النشاطية ظاهرة سيكولوجية عميقة تُعبّر عن توق الإنسان الدائم للعدالة، والحرية، وتأكيد المعنى في مواجهة العبث والظلم الهيكلي. إن فهم أبعادها النفسية يتطلب مقاربة شمولية تجمع بين دراسة الدوافع الذاتية والقناعات الأخلاقية، وبين تحليل ديناميات الهوية الجمعية والتفاعل الانفعالي، مع الأخذ في الحسبان التكاليف الوجدانية والتحولات التكنولوجية المعاصرة. تظل النشاطية، بجوانبها المضيئة وتحدياتها المعقدة، المؤشر الأوضح على حيوية المجتمعات وقدرة الذات البشرية على تجاوز مصالحها الفردية الضيقة لبناء عالم أكثر إنسانية وتضامناً.
المراجع
- Tajfel, H., & Turner, J. C. (1979). An integrative theory of intergroup conflict. In W. G. Austin & S. Worchel (Eds.), The social psychology of intergroup relations (pp. 33-47). Brooks/Cole.
- van Zomeren, M., Postmes, T., & Spears, R. (2008). Toward an integrative social identity model of collective action: A quantitative research synthesis of three socio-psychological perspectives. Psychological Bulletin, 134(4), 504–535. https://doi.org/10.1037/0033-2909.134.4.504
- Klandermans, B. (1997). The social psychology of protest. Blackwell Publishers.
- Gorski, P. C. (2019). Racial battle fatigue and activist burnout in racial justice activists of color at predominantly white colleges and universities. Race Ethnicity and Education, 22(1), 1-20. https://doi.org/10.1080/13613324.2018.1497966
- Skitka, L. J., Bauman, C. W., & Sargis, E. G. (2005). Moral conviction: Another contributor to attitude strength or something more?. Journal of Personality and Social Psychology, 88(6), 895–917. https://doi.org/10.1037/0022-3514.88.6.895