علم النفس الثقافي التاريخيعلم النفس المعرفي والتربوينظريات الشخصية وعلم النفس الاجتماعي

نظام النشاط: الأسس النظرية والبنية المفاهيمية في علم النفس الثقافي التاريخي

استكشف نظام النشاط في علم النفس الثقافي التاريخي: نشأته، ونموذج إنجستروم، وأجيال نظرية النشاط، ودور التناقضات والوساطة في التعلم التوسعي والتطبيقات المؤسسية والتربوية.

Mohammed looti أكاديمي وباحث متخصص في علم النفس
تاريخ النشر
تمت المراجعة العلمية · د. مروة عبد العظيم · 26 سبتمبر، 2026
مراجعة وتدقيق علمي معتمد تاريخ التدقيق: 26 سبتمبر، 2026
د. مروة عبد العظيم دكتوراه
أستاذة علم النفس • جامعة كربلاء
معايير التدقيق والاعتماد السريري

يخضع هذا المحتوى لمعايير ضبط الجودة والتدقيق العلمي والأكاديمي الصارمة في شبكة علم النفس العربي، لضمان صحة المعلومات ودقتها السريرية ومطابقتها لأحدث الأدلة والبراهين الصادرة عن الجمعيات النفسية والطبية المعتمدة (APA / WHO).

يمثل مفهوم نظام النشاط (Activity System) أحد أبرز الأطر النظرية والمنهجية التي أحدثت تحولاً جذرياً في فهم النفس البشرية، متجاوزاً الانقسام التقليدي الحاد بين الذات الفردية والمحيط الاجتماعي. لا يُنظر إلى السلوك الإنساني داخل هذا الإطار بوصفه مجرد استجابة بيولوجية لمثيرات بيئية منعزلة، ولا كظاهرة ذهنية مغلقة تحدث في عزلة داخل الدماغ البشري، بل يُعرّف بوصفه ممارسة اجتماعية وتاريخية وثقافية وسيطة. يستند هذا التصور إلى إدراك عميق بأن العمليات العقلية العليا تتشكل وتتطور من خلال انخراط الأفراد في أنشطة جماعية هادفة، تتوسطها الأدوات المادية والرمزية التي طورتها البشرية عبر مسارها التاريخي الطويل.

الجذور الفلسفية والتاريخية لنظام النشاط

تعود الأصول المعرفية لمفهوم نظام النشاط إلى التراث الفلسفي الماركسي، وتحديداً أطروحات كارل ماركس حول الطبيعة الاجتماعية للعمل والوعي، حيث رأى أن الإنسان يغير طبيعته الخاصة في الوقت نفسه الذي يغير فيه الطبيعة الخارجية من خلال أدوات الإنتاج. وقد تلقف علماء النفس السوفييت الأوائل هذه الفكرة الثورية لإعادة تأسيس علم النفس على أسس مادية جدلية، متجاوزين بذلك المذهب السلوكي الآلي والنزعة الاستبطانية الذاتية التي هيمنت على علم النفس الغربي في أوائل القرن العشرين.

قاد ليف فيغوتسكي هذه الحركة التأسيسية عبر صياغة نظرية التطور الثقافي التاريخي، حيث أدخل مفهوم الوساطة السيميائية كعنصر حاسم في فهم الفعل الإنساني. جادل فيغوتسكي بأن الإنسان لا يتفاعل مع العالم الخارجي بشكل مباشر دائماً، بل تتوسط تفاعلاته علامات ورموز ولغة وأدوات تُكسب الفعل صفته الإنسانية الواعية، وهو ما عُرف بالجيل الأول من نظرية النشاط، الذي ركز بالدرجة الأولى على الفعل الفردي المتوسَّط ثقافياً.

لاحقاً، لاحظ تلميذه وزميله أليكسي ليونتيف أن تركيز فيغوتسكي على الفرد والوساطة الرمزية قد يغفل الطابع الجماعي المنظم للفعل الإنساني. ومن هنا، ميز ليونتيف بشكل منهجي دقيق بين ثلاثة مستويات مترابطة من السلوك: النشاط الموجه بدافع جماعي (Activity/Motivated by a motive)، والفعل الموجه بهدف واعي (Action/Directed toward a goal)، والعمليات المرتهنة بالشروط المادية المباشرة (Operations/Triggered by conditions). شكل هذا التمييز الجوهري ميلاد الجيل الثاني من نظرية النشاط، حيث أصبح “النشاط الجماعي” هو الوحدة الأساسية والجوهرية للتحليل النفسي.

بلغ هذا التطور ذروته المفاهيمية والمعاصرة مع أعمال الباحث الفنلندي إيريو إنجستروم (Yrjö Engeström)، الذي استوعب حدود نموذج ليونتيف وسعى إلى ترجمة التفاعل المعقد بين الفرد والمجتمع في مخطط بنيوي ديناميكي متكامل. طور إنجستروم ما يُعرف اليوم عالمياً باسم نموذج نظام النشاط، مدمجاً أبعاداً بنيوية لم تكن ممثلة بيانياً من قبل، مثل القواعد المؤسسية، والجماعة، وتقسيم العمل، فاتحاً الباب أمام الجيل الثالث الذي يعالج شبكات الأنظمة المتفاعلة والمعقدة.

بنية نظام النشاط: العناصر التأسيسية لنموذج إنجستروم

يقدم نموذج إنجستروم لنظام النشاط وصفاً تركيبياً للممارسة الإنسانية الجماعية، حيث يوضح كيف يتشابك الفاعل الفردي أو الجماعي مع مجتمعه وأهدافه من خلال شبكة معقدة من الوسائط. يتكون هذا النموذج من ستة عناصر رئيسية تتفاعل جدلياً فيما بينها لإنتاج المخرجات، ولا يمكن فهم أي عنصر منها بمعزل عن العناصر الأخرى داخل المنظومة الكلية.

1. الفاعل (Subject)

يمثل الفاعل الفرد أو المجموعة الفرعية التي يتم اتخاذ موقعها كنقطة ارتكاز للتحليل داخل نظام النشاط. الفاعل ليس كائناً مجرداً أو محايداً، بل هو ذات تاريخية واعية تمتلك دوافع، وحاجات، وخبرات سابقة، وتدرك الواقع عبر منظومات تفسيرية خاصة. تتحدد هوية الفاعل النفسية والمهنية وتتغير باستمرار بناءً على تموضعه داخل المنظومة وعلاقاته المتبادلة مع بقية المكونات.

2. الموضوع (Object)

يعد الموضوع المفهوم الأكثر مركزية وصعوبة في نظرية النشاط؛ فهو يشير إلى “المادة الخام” أو المساحة الإشكالية التي يوجه الفاعل طاقته ونشاطه نحوها بهدف تشكيلها أو تحويلها. لا يقتصر الموضوع على الأشياء المادية الملموسة، بل يشمل المشكلات المعرفية، والممارسات الاجتماعية، والظواهر النفسية. يكتسب الموضوع دلالته وحيويته من كونه حاملاً للدافع المشترك للنشاط، وتحوله التدريجي يحدد مآل النشاط ونتيجته النهائية.

3. الأدوات والوسائط (Mediating Artifacts)

تشمل الأدوات والوسائط جميع الأدوات المادية (مثل الآلات، وأجهزة الحاسوب، والكتب) والرموز الذهنية (مثل اللغة، والنظريات، والمخططات، والمفاهيم الرياضية) التي يستخدمها الفاعل للعمل على الموضوع. تؤدي الأدوات دوراً مزدوجاً: فهي تُمكّن الفاعل من إنجاز مهام تتجاوز قدراته البيولوجية المجردة، لكنها في الوقت عينه تقيّد الفعل وتوجهه ضمن المسارات التي تفرضها بنية هذه الأدوات وتاريخ تطورها الاجتماعي.

4. الجماعة (Community)

تتألف الجماعة من جميع الأفراد والمجموعات الذين يتشاركون مع الفاعل نفس الموضوع العام للنشاط ويعترفون به، مما يجعلهم أصحاب مصلحة حقيقيين في مسار التحول ومخرجاته. إن إدراج الجماعة كعنصر تكويني ينقل التحليل النفسي من مستوى الفرد المنعزل إلى السياق الاجتماعي الأوسع، مبيناً كيف تشكل المعايير الثقافية والمصالح المشتركة فضاء الفعل والتفكير.

5. القواعد (Rules)

تشير القواعد إلى المعايير، والتشريعات الصريحة، والأعراف الضمنية، والاتفاقيات، والتقاليد التي تنظم العلاقات والسلوكيات والتفاعلات المقبولة داخل نظام النشاط. تلعب القواعد دور الوسيط الحاسم في تنظيم العلاقة بين الفاعل والجماعة، حيث تفرض قيوداً وتحدد مساحات الحرية المتاحة، وتوجه كيفية استخدام الأدوات ومقاربة الموضوع.

6. تقسيم العمل (Division of Labor)

يعبر تقسيم العمل عن التوزيع الأفقي للمهام والواجبات بين أعضاء الجماعة، والتوزيع الرأسي للسلطة، واتخاذ القرارات، والوصول إلى الموارد والمكانة. يتوسط تقسيم العمل العلاقة بين الجماعة والموضوع، ويحدد من يملك الصلاحية للتعامل مع جوانب معينة من المشكلة، مما ينشئ تبادلات تفاعلية قد تولد التآزر أو الصراع النفسي والمؤسسي.

أجيال نظرية النشاط وتطور التحليل النفسي والاجتماعي

لم يتوقف مفهوم نظام النشاط عند حدوده التأسيسية الأولى، بل شهد تحولات إبستمولوجية ومنهجية بالغة الأهمية عبر ثلاثة أجيال متتابعة، ويعكف الباحثون حالياً على صياغة ملامح الجيل الرابع. يعكس هذا التطور التاريخي استجابة العلوم الإنسانية لتعقيدات العالم المتزايدة وتحولات البيئات الإنتاجية والمعرفية.

ركز الجيل الأول الذي دشنه فيغوتسكي على مستوى التحليل الصغير (Micro-level)، مستهدفاً تفسير كيفية استبطان الفرد للأدوات الثقافية لتحويل الوظائف النفسية الطبيعية (مثل الانتباه اللاإرادي والذاكرة البسيطة) إلى وظائف نفسية عليا تتسم بالوعي والتحكم الإرادي. كانت الوحدة التحليلية الأساسية تتمثل في الفعل الإنساني الفردي المتوسَّط بالرمز، مما شكل اختراقاً جذرياً للنظرة الثنائية الميكانيكية التي سادت علم النفس التجريبي الغربي آنذاك.

بينما قام الجيل الثاني بريادة ليونتيف وبمساهمات لاحقة من باحثين غربيين بتوسيع زاوية الرؤية لتشمل مستوى التحليل المتوسط (Meso-level)، حيث تمت إزاحة الفرد لصالح منظومة النشاط المشترك ككل. أسس هذا الجيل لفكرة أن الأفعال الفردية الواعية لا تكتسب معناها النفسي إلا في ضوء النشاط المجتمعي الذي تخدمه؛ فالصياد البدائي الذي يُصدر صوتاً لإخافة الطريدة وتطفيشها يبدو فعله غير عقلاني كفعل فردي، ولكنه يصبح قمة العقلانية والمنطق في سياق النشاط الجماعي القائم على دفع الحيوان نحو كمين نصبه بقية أفراد القبيلة وفق تقسيم عمل دقيق.

أما الجيل الثالث، الذي أطلقه إيريو إنجستروم، فقد استجاب لواقع العولمة وتداخل المؤسسات الحديثة. أدرك إنجستروم أن نظام النشاط الواحد لا يشتغل بمعزل عن غيره، بل يتفاعل دائماً مع أنظمة نشاط أخرى تتشارك أو تتصارع حول موضوعات متداخلة. ومن ثم، أصبحت شبكة مكونة من نظامي نشاط متفاعلين على الأقل هي الوحدة التحليلية الصغرى لهذا الجيل، مع التركيز على قضايا تعدد الأصوات (Polyphony)، وعبور الحدود (Boundary Crossing)، والترجمة المعرفية بين الممارسات الاجتماعية المتباينة.

ينحو الجيل الرابع في الدراسات الراهنة نحو معالجة القضايا الكوكبية المعقدة ذات البعد الكلي (Macro-level)، مثل التغير المناخي، والرقمنة الفائقة، والعدالة الاجتماعية العابرة للحدود، حيث تصبح أنظمة النشاط موزعة عالمياً وتتطلب مفاهيم متقدمة حول الوكالة التحررية والتضامن الإنساني في مواجهة التحديات الإيكولوجية والتكنولوجية الراهنة.

ديناميكية التناقضات كقوة دافعة للتطور والتعلم

تستند نظرية نظام النشاط إلى رؤية جدلية عميقة ترى أن الأنظمة الحية والمؤسسية ليست بنيات استاتيكية تبحث عن التوازن التام والاستقرار الدائم، بل هي كيانات متوترة ومتحركة تغذيها التناقضات الداخلية. لا يُنظر إلى التناقض (Contradiction) في هذا السياق بوصفه خللاً وظيفياً أو خطأً يجب استئصاله، بل هو المحرك الأساسي والوحيد للتطور والتحول النوعي للأنظمة وللأفراد المنخرطين فيها.

صنف إنجستروم التناقضات الهيكلية إلى أربعة مستويات رئيسية متسلسلة تاريخياً ومنطقياً:

  • التناقضات الأولية (Primary Contradictions): تنبثق مباشرة من البنية الاقتصادية والاجتماعية العامة، وتحديداً التناقض الجوهري بين القيمة الاستعمالية والقيمة التبادلية للسلع والخدمات والمفاهيم داخل المجتمعات الحديثة. على سبيل المثال، التناقض النفسي والمهني الذي يعيشه الطبيب بين رغبته الأصيلة في شفاء المريض (قيمة استعمالية) وضرورات إدارة التكاليف وجني الأرباح التي تفرضها إدارة المستشفى (قيمة تبادلية).
  • التناقضات الثانوية (Secondary Contradictions): تنشأ هذه الصراعات بين مكونين أو أكثر من مكونات نظام النشاط الواحد، وغالباً ما تشتعل نتيجة إدخال عنصر جديد في النظام. يحدث هذا بصورة شائعة عندما تُدخل مدرسة تكنولوجيا رقمية متطورة (أداة جديدة) تصطدم بأنظمة الامتحانات التقليدية أو المعايير الصارمة لإدارة الفصل (القواعد القائمة)، مما يولد توتراً وإحباطاً واسعاً بين المعلمين والطلاب.
  • التناقضات الثلاثية (Tertiary Contradictions): تتولد عندما يتبنى الفاعلون شكلاً جديداً ومتقدماً من الممارسة، فيدخل هذا الشكل المبتكر في صراع واحتكاك مباشر مع الممارسات القديمة السائدة والمتجذرة في نظام النشاط، مثل محاولة إدخال أساليب تقييم تعاونية جديدة في بيئة أكاديمية تأسست تاريخياً على التنافسية الفردية الحادة.
  • التناقضات الرباعية (Quaternary Contradictions): تظهر بين نظام النشاط المركزي الذي شهد تحولاً أو تحديثاً والأنظمة المجاورة المتصلة به وظيفياً والتي لم تواكب هذا التحول. على سبيل المثال، نجاح مستشفى في تبني نموذج رعاية صحية تكاملي ووقائي، يتبعه اصطدام هذا النموذج مع أنظمة شركات التأمين الصحي التي لا تزال تُعوض فقط عن التدخلات الطبية الدوائية والجراحية اللاحقة للمرض.

تؤدي هذه التناقضات، عندما تتم مقاربتها بوعي، إلى ما يسمى التعلم التوسعي (Expansive Learning)، وهو مسار تعليمي وتحولي جذري لا يقتصر فيه المتعلمون على استيعاب معارف جاهزة ومحددة مسبقاً، بل يبتكرون فيه أشكالاً جديدة تماماً من النشاط، ويعيدون تعريف أهدافهم وأدواتهم وقواعدهم بصورة جماعية لتجاوز التناقضات الراهنة.

التطبيقات المعاصرة في علم النفس والمجالات المهنية والتعليمية

يحظى إطار نظام النشاط بانتشار واسع وتطبيقات عملية متزايدة في العديد من حقول علم النفس المعاصر والعلوم الاجتماعية، حيث يوفر عدسة تحليلية وتشخيصية قوية تتيح فهم المشكلات المعقدة وتصميم تدخلات تنموية مستدامة.

علم نفس العمل والتنظيم (Work and Organizational Psychology)

في بيئات العمل المعاصرة، يُستخدم نموذج نظام النشاط على نطاق واسع في مختبر التغيير (Change Laboratory)، وهو منهجية تدخلية صممها باحثو معهد أبحاث النشاط والتعلم التوسعي بجامعة هلسنكي. يجتمع في هذا المختبر العاملون والمدراء مع باحثين متخصصين لتحليل التناقضات البنيوية التي تعرقل أداءهم وتسبب الإجهاد والاحتراق النفسي. بدلاً من توجيه اللوم للأفراد أو البحث عن أوجه القصور الشخصية، يركز التحليل على تفكيك التوترات بين القواعد وتقسيم العمل واستخدام الأدوات، مما يمكّن الفرق من إعادة هيكلة بيئة عملهم بصورة تعاونية.

علم النفس التربوي ونظريات التعلم (Educational Psychology)

أحدث مفهوم نظام النشاط ثورة في فهم السياقات التعليمية، حيث نُقل التركيز من عقل الطالب الفردي واستيعابه للمعلومات إلى الفصل الدراسي بوصفه نظام نشاط متكامل ومفتوح. يتيح هذا النموذج للمربين فهم كيف تؤثر قواعد التقييم، وثقافة الفصل، والأدوات التعليمية (سواء كانت تقليدية أو رقمية) على دافعية الطلاب ومشاركتهم. كما يبرز أهمية صياغة موضوعات تعلم مشتركة وذات معنى تاريخي واجتماعي يربط المتعلمين بحياتهم الواقعية، متجاوزاً نماذج التعليم السردي والتلقين البنكي.

التفاعل بين الإنسان والحاسوب وتصميم النظم (HCI and Ergonomics)

اعتمد باحثو ومصممو التكنولوجيا المعرفية وتجارب المستخدم (UX) على نظرية النشاط لتجاوز النماذج السلوكية والمعرفية الضيقة لتفاعل المستخدم مع الأجهزة. من خلال رؤية نظام النشاط، لا يُعامل المستخدم كمعالج بيانات سلبي، بل كفاعل يسعى لتحقيق أهداف حياتية معقدة عبر التكنولوجيا. يساعد هذا التصور المصممين على إدراك كيف تنغرس البرمجيات والأجهزة الرقمية في سياقات اجتماعية محكومة بقواعد وتقسيم عمل مجتمعي، مما يسهم في ابتكار أدوات أكثر ملاءمة للطبيعة التعاونية للممارسات البشرية.

الانتقادات المعرفية والتحديات المنهجية الموجهة للنموذج

على الرغم من القوة التفسيرية الهائلة لنظرية نظام النشاط، إلا أنها لم تسلم من انتقادات حادة وجهها باحثون ينتمون إلى اتجاهات نفسية وسوسيولوجية متنوعة، وتتركز هذه الانتقادات حول عدة محاور نقدية رئيسية:

أولاً، يرى نقاد النظرية الاجتماعية النقدية ونظرية الفاعل والشبكة (Actor-Network Theory) أن نموذج مثلث النشاط لإنجستروم قد يعاني من نزعة شكلية ووظيفية مفرطة، قد تختزل الطبيعة السيالة والفوضوية للحياة الاجتماعية في خانات وفئات هندسية مسبقة الصنع. كما يُشار أحياناً إلى أن النموذج قد يقلل من ثقل علاقات القوة، والهيمنة، والصراع الطبقي والنوعي التي لا يمكن دوماً التعبير عنها بسلاسة كمجرد “قواعد” أو “تقسيم عمل”.

ثانياً، وُجهت انتقادات من منظور علم النفس الظاهراتي والتحليلي تتعلق بـ الذاتية الفردية والجسدانية. يرى هؤلاء الباحثون أن التركيز الهيكلي الصارم على الممارسة الجماعية والموضوع قد يؤدي إلى تهميش العالم الداخلي للفاعل، بما في ذلك الانفعالات الذاتية العميقة، والتجارب المعاشة ذات الطابع الوجودي، واللاوعي الفردي، والخبرة الجسدية المباشرة التي تسبق وتتجاوز التنظيم المؤسسي المنطقي لنظام النشاط.

ثالثاً، تبرز صعوبات وتحديات منهجية تتعلق بـ تحديد حدود النظام (System Boundary Delimitation). ففي عالم رقمي فائق التشابك، يصبح من الصعب جداً على الباحثين الميدانيين تحديد أين يبدأ نظام نشاط معين وأين ينتهي بالضبط، وما الذي يُعد عنصراً داخلياً في النظام وما الذي يُعتبر تأثيراً خارجياً، مما يضع أعباء منهجية وإبستمولوجية ثقيلة على الدراسات الامبيريقية التي تتبنى هذا الإطار.

خاتمة

يقف مفهوم نظام النشاط شاهداً على الخصوبة النظرية للتقاليد الثقافية التاريخية في علم النفس، مقدماً نموذجاً رصيناً يتجاوز الرؤى الاختزالية التي تختصر الكائن البشري في جيناته أو دوائره العصبية أو استجاباته التكيفية الضيقة. من خلال الربط الجدلي الصارم بين الذات الفردية، والوساطة الثقافية، والبنى الاجتماعية، يوفر هذا النموذج لعلماء النفس والاجتماع والتربية أداة معرفية بالغة الدقة لتفكيك تعقيدات الواقع الإنساني وتحفيز التحولات التنموية التحررية. إن قيمة نظام النشاط لا تكمن فقط في كونه قالباً تشخيصياً ثابتاً، بل في كونه دعوة مستمرة للبحث عن التناقضات الكامنة في ممارساتنا الحياتية والمؤسسية واستثمارها كفرص أصيلة للتعلم، والتطور، وإعادة صياغة شروط الوجود الإنساني بصورة أكثر وعياً وفاعلية.

المراجع

  • Engeström, Y. (1987). Learning by expanding: An activity-theoretical approach to developmental research. Orienta-Konsultit.
  • Engeström, Y. (2001). Expansive learning at work: Toward an activity theoretical reconceptualization. Journal of Education and Work, 14(1), 133–156. https://doi.org/10.1080/13639080020028747
  • Leontiev, A. N. (1978). Activity, consciousness, and personality. Prentice-Hall.
  • Vygotsky, L. S. (1978). Mind in society: The development of higher psychological processes (M. Cole, V. John-Steiner, S. Scribner, & E. Souberman, Eds.). Harvard University Press.
  • Kaptelinin, V., & Nardi, B. A. (2006). Acting with technology: Activity theory and interaction design. MIT Press.
  • Sannino, A., Daniels, H., & Gutiérrez, K. D. (Eds.). (2009). Learning and expanding with activity theory. Cambridge University Press. https://doi.org/10.1017/CBO9780511809989

اقتباس هذا المقال

looti, M. (2026, سبتمبر 26). نظام النشاط: الأسس النظرية والبنية المفاهيمية في علم النفس الثقافي التاريخي. عرب سايكلوجي. https://arabpsychology.com/dictionary/activity-system-psychology/
looti, Mohammed. “نظام النشاط: الأسس النظرية والبنية المفاهيمية في علم النفس الثقافي التاريخي.” عرب سايكلوجي, 26 سبتمبر 2026, https://arabpsychology.com/dictionary/activity-system-psychology/.
looti, Mohammed. “نظام النشاط: الأسس النظرية والبنية المفاهيمية في علم النفس الثقافي التاريخي.” عرب سايكلوجي. سبتمبر 26, 2026. https://arabpsychology.com/dictionary/activity-system-psychology/.